أكرم سعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 18:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
(في جنة الرأسماليين هذه نرى أن أصغر ارتفاع في أسعار وسائل العيش الضرورية تماماً، يقابله ارتفاع عدد الوفيات والجرائم) ـ ماركس/ كتاب راس المال ـ ترجمة فالح عبد الجبار/ ص 827.
🔺سقوط "الاستثناء الغربي" (عولمة القمع):
تاريخياً، كان النظام الرأسمالي الغربي يمارس ما يمكن تسميته بـ "الديمقراطية في الداخل، والهمجية في الخارج". كانت ثروات العالم الثالث المنهوبة تُستخدم لتمويل "دولة الرفاه" وتسكين الطبقة العاملة في الغرب عبر تقديم الحريات والخدمات. أما اليوم، ومع انكماش الأسواق وأزمات التضخم والديون، لم يعد هذا الفائض متوفراً لتسكين الجبهة الداخلية. النتيجة هي أن الآليات القمعية والتنكيلية التي كانت مختبراتها في العالم الثالث (كالحصار الاقتصادي، الغاز المسيل للدموع المتطور، الرقابة اللصيقة، العنف البوليسي المفرط، وتجريم الاحتجاج) يتم استيرادها الآن وتطبيقها على المواطن الغربي نفسه في باريس، لندن، وبرلين.المظاهرات الحاشدة التي شهدتها فرنسا ودول غربية أخرى مؤخراً، إلى جانب العنف المفرط الذي تمارسه الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين والطلاب، يعد تجسيداً حياً ومباشراً لصحة التحليل البنيوي لأطروحة "من المجتمع المفتوح إلى التوتاليتارية الجديدة".
🔺سقوط وهم "المجتمع المفتوح" وحيادية الدولة:
المفهوم التقليدي لـ "المجتمع المفتوح" (الذي روّج له الفيلسوف كارل بوبر قديماً باعتباره واحة للديمقراطية، وحرية التعبير، والحق في الاحتجاج) يتفكك اليوم علناً. عندما تعجز الحكومات الرأسمالية عن حل أزماتها الاقتصادية الخانقة الناتجة عن التضخم والإنفاق الحربي والديون وتكاليف المعيشة المرتفعة، فإنها لا تلجأ للحوار، بل تلجأ مباشرة إلى تفكيك المكتسبات الدستورية، واستخدام القوة المفرطة ضد الطلاب والعمال في باريس ومدن غربية أخرى يثبت فرضية بأن الدولة الليبرالية أسقطت قناع الحياد وباتت تمارس حماية بنيوية شرسة لصالح مصالح النخبة الحاكمة.
🔺التوتاليتارية (الشمولية) كأداة لحماية رأس المال:
أن الديمقراطيات الغربية الراهنة تعيد إنتاج إستراتيجيات النظم الاستبدادية والتوتاليتارية، ولكن بقناع نيوليبرالي. هذا يتجلى بوضوح في:
* تأطير وشيطنة المعارضين: تحويل أي حراك شعبي يطالب بالعدالة الاجتماعية (مثل احتجاجات رفع سن التقاعد أو الحراكات الطلابية والنقابية المعاصرة) إلى قوالب جاهزة (وإدراجهم تحت عناوين "أعداء الاستقرار"، "مثيري الشغب"، أو "عناصر متطرفة"). هذا التشريع الإعلامي يُستخدم لتبرير العزل المجتمعي والقمع البوليسي.
* الرقابة وقمع الحريات الرقمية: استخدام تكنولوجيا الرقابة الحديثة لتتبع قادة الحراك، والضغط على منصات التواصل الاجتماعي لإزالة مقاطع توثيق عنف السلطة، يمثل جوهر "التوتاليتارية الجديدة"، حيث تم دمج أدوات الرقابة الرقمية بجهاز الدولة القمعي.
🔺الازدواجية المعيارية والتحول الوظيفي للقانون:
فالنظام الليبرالي الذي يتباكى على حقوق الإنسان وقمع المتظاهرين في الدول النامية أو المنافسة له جيوسياسياً، يمارس هو نفسه عنفاً ممنهجاً يمر دون أي ملاحقة قضائية أو مساءلة قانونية حقيقية داخل حدوده (مثل قمع السترات الصفراء والاحتجاجات الحالية). هذا يؤكد تحول النظام القانوني من شلل وظيفي إلى تواطؤ بنيوي صريح لخدمة رأس المال.
الاحتجاجات الشعبية الجارية في فرنسا وبقية الدول الغربية ليست أحداثاً عابرة، بل هي أعراض لأزمة هيكلية عميقة للنظام الرأسمالي المتوحش. وعنف السلطة ضد المتظاهرين يثبت بشكل قاطع نبوءة( عندما يتعارض "رأس المال" مع "الديمقراطية"، تُضحي المنظومة الليبرالية بالديمقراطية فوراً، وتتحول تدريجياً وبدم بارد من مفهوم "المجتمع المفتوح" إلى نظام توتاليتاري استبدادي - الهمجية الحديثة متكامل الأدوات لإخضاع الجماهير وضمان استمرار هيمنة الطبقة الموسرة.) القمع البوليسي المعاصر هو الإثبات العملي لصحة هذه الرؤية.
🔺الاقتصاد K و عدم المساواة:
بات من الشائع اليوم بين العامة والصحفيين التحدثُ عن الاقتصادK. المصطلح الاقتصادي K هو التعافي ونمو الاقتصاد على شكل حرف(K-shaped economic recovery). ويعني هذا المفهوم أن الاقتصاد ينقسم إلى مسارين مختلفين تماماً بعد المرور بأزمة اقتصادية؛ حيث ينمو ويزدهر الجزء العلوي من المجتمع، بينما يستمر الجزء السفلي في التراجع والمعاناة.
• النمو من الأعلى (الخط الصاعد في حرف K - القطب الرأسماليين): يمثل الفئات والقطاعات التي تتعافى بسرعة وتزداد ثراءً بعد الأزمة. يشمل هذا عادةً الشركات التكنولوجية الكبرى، والوظائف التي يمكن تأديتها عن بُعد، والمستثمرين في أسواق الأسهم والعقارات. هؤلاء لا يتأثرون سلباً على المدى الطويل، بل قد تتحسن أحوالهم المالية. • الضعف من الأسفل (الخط الهابط في حرف K - أي قطب الطبقة العاملة): يمثل الفئات والقطاعات التي تتضرر بشدة وتستمر في الهبوط. يشمل هذا العمالة اليومية، وأصحاب الأجور المنخفضة، وقطاعات الخدمات التقليدية (مثل التجزئة، السياحة، والمطاعم). هؤلاء يواجهون البطالة، وتراكم الديون، وصعوبة في العودة إلى مستواهم المعيشي السابق. باختصار، هذا النوع من التعافي يعكس اتساع الفجوة وعدم المساواة الاقتصادية في المجتمع، حيث لا يشعر الجميع بثماره بنفس الدرجة.
صاحب الفكرة والاسم هو الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الأمريكي بيتر أتووتر (Peter Atwater). أطلق أتووتر هذا المصطلح في ربيع عام 2020، وتحديداً في الأسابيع الأولى لاندلاع جائحة كوفيد-19. لاحظ حينها تفككاً واضحاً وانقساماً حاداً في مستويات الثقة والملاءة المالية بين الموظفين الإداريين (أصحاب الياقات البيضاء الذين يعملون عن بعد) وعمال المهن الميدانية واليدوية (أصحاب الياقات الزرقاء). انتشر المصطلح بسرعة مذهلة وتبنته مؤسسات مالية كبرى وصحف مثل The New York Times و Forbes لوصف الواقع المعيشي. لم تظهر هذه الفكرة كـ "نظرية أكاديمية جامدة" في كتاب قديم، بل بدأت كمصطلح تحليلي في المقالات والصحافة الاقتصادية، قبل أن تتحول إلى ركيزة لدراسات أعمق حول عدم المساواة. كم هذه النظرية متقاربة مع الماركسيين؟. تتقاطع فكرة "التعافي على شكل حرف K" بشكل وثيق جداً مع التحليل الماركسي للرأسمالية، بل يرى الكثير من المفكرين الاشتراكيين والماركسيين أن حرف K ما هو إلا تجسيد مرئي معاصر لما تنبأ به كارل ماركس. كتب ماركس قبل 159 سنةً ما يلي:
(أن جميع طرائق إنتاج فائض القيمة هي في الوقت عينه طرائق لتحقيق التراكم؛ وكل اتساع في التراكم يصبح بالمقابل، وسيلة لتطوير هذه الطرائق. يترتب على ذلك أن حال العامل لا بد من أن تزداد سوءاً، كلما تقدم تراكم رأس المال، سواء كان مستوى الأجور مرتفعاً أو منخفضاً. وأخيراً فإن القانون الذي يوازن دوماً، فيض السكان النسبي، أو الجيش الصناعي الاحتياطي، مع أبعاد وشدة التراكم، إن هذا القانون يقيد العامل برأس المال أشد من تقييد مطرقة هيفا يستوس لبروميثيوس إلى الصخرة. فهو يملي تراكم البؤس، بموازاة تراكم رأس المال. وإن تراكم الثروة في هذا القطب، هو في الوقت عينه تراكم للبؤس وعذابات العمل والعبودية والجهل، والقسوة والانحطاط الخلقي، في القطب المعاكس، أي في قطب الطبقة التي تصنع منتوج يدها هي في شكل رأسمال.). ـ مصدر: "القانون العام المطلق للتراكم الرأسمالي" / صفحة 792 ـ رأس المال ـ كارل ماركس ـ ترجمة فالح عبد الجبار.
🔺اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء في عصر الرأسمالية الهمجية:
إن مفهوم "الهمجية الحديثة" ليس مجرد توصيف أخلاقي، بل هو تفكيك علمي لكيفية تحول الرأسمالية في مرحلتها الحالية إلى منظومة تنتج الدمار والأزمات كجزء من دورتها الاقتصادية الطبيعية عبر:
1. تسليع الأزمات والحروب (اقتصاد الدمار البشري):
في الرأسمالية الكلاسيكية، كان الهدف هو إنتاج سلع يستهلكها البشر لتوليد الأرباح. أما في عصر "الهمجية الحديثة" الراهن، تحولت الأزمات والحروب نفسها إلى ”سلع ومصادر للتربح المالي الكارثي”. نشهد اليوم كيف أن شركات السلاح الكبرى، وصناديق الاستثمار العملاقة (مثل بلاك روك وغيرها)، تحقق أرباحاً قياسية وتاريخية بالتزامن مع النزاعات المستعرة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. الدمار يعود بالنفع على شركات إعادة الإعمار، والمجاعات تنعش مضاربات البورصة في أسعار الحبوب، مما يثبت فكرة المقال بأن المنظومة باتت تتغذى حرفياً على المأساة البشرية.
2. تفكيك "دولة الرفاه" وإفقار الطبقة الوسطى:
الهمجية الحديثة تتجلى في الداخل الغربي وفي دول العالم الثالث على حد سواء عبر سحق الأمان الاجتماعي. لان السياسات النيوليبرالية المعاصرة تتخلى علناً عن الرعاية الصحية والتعليم والمعاشات. التضخم المستمر وارتفاع الأسعار الممنهج أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى وانزلاق ملايين العائلات نحو الفقر، بينما تتركز الثروة العالمية في أيدي أقل من 1% من البشر. لأن الرأسمالية المتوحشة لم تعد قادرة على تقديم أي رفاهية، بل تقدم فقط نموذجاً للاستغلال المطلق والهمجي لإبقاء النخب في قمة الهرم.
3. الهمجية البيئية (تدمير الكوكب من أجل فائض القيمة):
و دليل صارخ هنا هو كيفية تعامل النظام الرأسمالي الراهن مع أزمة المناخ والبيئة. رغم المؤتمرات والوعود البراقة، تستمر الشركات الكبرى والدول الصناعية في استنزاف موارد الأرض وتلويث البيئة وتدمير المنظومة الحيوية للكوكب لمجرد الحفاظ على معدلات نمو الأرباح وفائض القيمة في المدى القصير. النظام يفضل فناء الكوكب على التضحية بالأرباح، وهو التجسيد الحقيقي لمفهوم "الهمجية الحديثة" التي لا تكترث بالمستقبل البشري.
4. قمع الهوية الإنسانية وتحويل البشر إلى ”تروس وظيفية”:
في هذا العصر، يتم تجريد الإنسان من قيمته المعنوية والفكرية ليصبح مجرد مستهلك أو أداة إنتاج. يتم استخدام الإعلام الرقمي الموجه والخوارزميات لتسطيح الوعي الجمعي، وإلهاء الشعوب بصراعات جانبية وقومية وثقافية مصطنعة، لمنعهم من إدراك جذور أزمتهم الاقتصادية المشتركة.
هكذا تسعى السلطة، من جهة، إلى الحفاظ على هيمنتها على ثروات المجتمع وموارده لصالحها ولصالح نخبتها الفاسدة. وحتى في أحلك الأزمات الاقتصادية، فإنها تمهد الطريق للطبقة البرجوازية لتحقيق أقصى المكاسب، والانشغال بمراكمة رأس المال والرفاه الشخصي. ويعني ذلك فرض المنظومة الأخلاقية للطبقة المرتبطة بالمال والسلطة، وهي أخلاقية السوق، على المجتمع كله؛ تلك الأخلاقية القائمة على اللاهث وراء الأرباح والمنافسة الشرسة في غابة سوق الدولار وبورصة المال عديمة الرحمة. ومن جهة أخرى، ولأجل كبح جماح الاحتجاجات الصادرة عن الفقراء والمتضررين، تلجأ السلطة إلى ممارسة العنف ضد العمال والفقراء، وإلى التذرع بالدين، والأخلاق، والعادات، والقيم الوطنية؛ وكأنَّ الوطنية و الدين والأخلاق، في منظار السلطة وتجار الدين، ليسا سوى ذريعة لتبرير الفقر والدعوة إلى الصبر عليه، في حين أن الفقر والفساد هما المولد الأساسي لكل الانحرافات والمظاهر اللاأخلاقية في المجتمع.
بناءً على ذلك، كلما أمعنت السلطة في تركيز الثروة بين أيدي أقلية متنفذة من جهة، ومارست العنف ضد العمال والفقراء متوسلةً بالخطاب الديني والأخلاقي والقيم الوطنية من جهة أخرى، ازداد المجتمع تفاوتاً اقتصادياً، وعرف تدهوراً في معايير السلوك القويم. وهذا هو التناقض الجوهري الذي سيؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى فقدان السلطة لجميع أوراق اللعبة السياسية والاجتماعية.
#أكرم_سعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟