أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: مدني صالح(25)















المزيد.....

هؤلاء علموني: مدني صالح(25)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 17:57
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ومن الذين تعلمت منهم مدني صالح، الأكاديمي والكاتب والفيلسوف العراقي الذي ترك بصمة مميزة في الفكر والثقافة العربية، ولا سيما من خلال كتابه «بعد خراب الفلسفة»، الذي يفتح أمام القارئ أبوابا واسعة للتأمل في الثقافة والحضارة والمدنية والتاريخ والفن والتصميم والإدارة. ولم تكن أهمية هذا الكتاب، بالنسبة إليّ، في الموضوعات التي تناولها فحسب، بل في الطريقة التي تدفع القارئ إلى إعادة النظر في المسلّمات، ومساءلة الأفكار التي اعتاد الناس قبولها من دون تمحيص أو نقد.

إن القراءة الحقيقية ليست جمعاً للمعلومات، ولا ترديداً لما يقوله الآخرون، بل هي عملية مستمرة لإعادة بناء الوعي. ومن هنا، أجد في تجربة مدني صالح دعوة إلى التفكير خارج الأطر الجاهزة، وإلى التعامل مع الفلسفة بوصفها ممارسة عقلية وأخلاقية تتصل بالحياة اليومية، وليست مجرد مصطلحات معقدة أو نظريات حبيسة الكتب.

إن الحديث عن عواصف الثقافة والحضارة والمدنية بعد خراب الفلسفة يقودنا إلى سؤال جوهري: ماذا يحدث للمجتمع حين يفقد قدرته على التفكير النقدي؟. إن الثقافة التي تنفصل عن السؤال تتحول إلى تكرار، والحضارة التي تفقد بُعدها الإنساني تصبح تراكما ماديا، أما المدنية التي لا تستند إلى احترام الإنسان وحقوقه، فإنها قد تتحول إلى مظاهر خارجية تخفي وراءها أزمات عميقة.

الفلسفة، في هذا السياق، ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لحماية العقل من الخضوع للأفكار السائدة، ولتمييز المعرفة من الوهم، والحقيقة من الادعاء. وعندما تتراجع الفلسفة عن أداء دورها النقدي، تتقدم الشعارات لتحل محل الحجج، وتتحول الثقافة إلى استعراض، ويصبح النجاح في إقناع الآخرين أهم من البحث عن الحقيقة. ولذلك، فإن عواصف الثقافة والحضارة والمدنية لا يمكن مواجهتها بالحنين إلى الماضي وحده، ولا باستيراد نماذج جاهزة من الخارج، بل ببناء عقل قادر على الاستفادة من التراث، والانفتاح على العالم، ومراجعة التجارب من دون تقديس أو رفض مسبق.

أما التاريخ، فلا ينبغي أن يكون مستودعاً للأمجاد أو سجلاً للهزائم فحسب، وإنما مجالاً لفهم تحولات الإنسان والمجتمع. إن قراءة التاريخ بعين نقدية تساعدنا على اكتشاف الأسباب التي تقف وراء صعود الحضارات وتراجعها، وتمنعنا من الوقوع في أسر الروايات التي تخدم مصالح الحاضر على حساب الحقيقة. فالمجتمعات التي لا تتعلم من تاريخها تكرر أخطاءها، والمجتمعات التي تحول تاريخها إلى أسطورة مغلقة تعجز عن فهم واقعها المتغير. ومن هنا تأتي أهمية تحرير الوعي التاريخي من التعصب، وإخضاع الروايات للأدلة، والنظر إلى الأحداث في سياقاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وإذا انتقلنا إلى الأوساط والتمدد، أمكننا أن نفهمهما بوصفهما تعبيرين عن حركة الأفكار والقوى داخل المجتمع وخارجه. فالأفكار لا تنشأ في فراغ، وإنما تتشكل داخل مؤسسات تعليمية وثقافية وسياسية، ثم تنتشر بوسائل مختلفة، وقد تتحول من أدوات للتحرير إلى وسائل للهيمنة. ولهذا، فإن السؤال ليس كيف تتمدد الأفكار فحسب، بل من ينتجها، ولأي غاية، وما الآثار التي تتركها في وعي الإنسان وسلوكه؟. ويمثل الاحتكار أحد أبرز التحديات التي تواجه المعرفة والثقافة والحياة الاقتصادية. فالاحتكار لا يقتصر على السيطرة على الأسواق والموارد، بل يمكن أن يمتد إلى احتكار الحقيقة، وفرض تفسير واحد للتاريخ، والتحكم في المنابر الثقافية، وتحديد ما يجوز التفكير فيه وما ينبغي إقصاؤه.

وعندما تحتكر فئة معينة حق الكلام أو المعرفة أو القرار، تتراجع فرص الحوار والإبداع، ويصبح الاختلاف تهديداً بدلاً من أن يكون مصدراً للثراء الفكري. ومن هنا، فإن مقاومة الاحتكار تبدأ بإتاحة المعرفة، وتعزيز حرية البحث، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار، وترسيخ مبدأ أن الحقيقة لا تصبح ملكاً لأحد لمجرد امتلاكه السلطة أو النفوذ.

إن الثقافة التي لا تجد طريقها إلى التربية تظل محدودة الأثر، مهما بلغت قيمة الكتب التي تنتجها أو المحاضرات التي تقدمها. فالتربية هي المجال الذي تتحول فيه الأفكار إلى عادات عقلية وسلوكية، ويكتسب فيه الإنسان القدرة على الحوار، واحترام الاختلاف، وتحمل المسؤولية. ولذلك، ينبغي ألا يكون التعليم مجرد تلقين للمعلومات أو تدريب على اجتياز الامتحانات، بل عملية لبناء شخصية مستقلة، قادرة على السؤال والتحليل والاستنتاج. إن المدرسة والجامعة ليستا مكانين لنقل المعرفة فحسب، وإنما فضاءان لتكوين الإنسان الذي يستطيع التعامل مع مشكلات عصره بوعي ومسؤولية.

ومن دون هذه الرؤية، قد تتضخم المؤسسات التعليمية من حيث العدد والإمكانات، بينما يظل أثرها التربوي ضعيفاً. فالمعيار الحقيقي للتعليم ليس ما يحفظه المتعلم، بل ما يستطيع فهمه ونقده وتطبيقه، وما يكتسبه من قيم تحترم الإنسان وتصون كرامته.

والفن ليس زينة تضاف إلى الحياة بعد اكتمال ضروراتها، بل هو إحدى الوسائل التي يفهم الإنسان بها نفسه والعالم المحيط به. إنه يعبر عن القلق والأمل، ويكشف التناقضات، ويمنح التجربة الإنسانية أشكالاً جديدة للتعبير. ومن هنا، فإن فلسفة الفن تطرح أسئلة تتجاوز الجمال إلى الحرية والهوية والذاكرة والمعنى. أما التصميم، فهو نقطة التقاء الفكر بالحاجة، والجمال بالوظيفة، والخيال بالواقع. فالتصميم الجيد لا يكتفي بإنتاج شكل جذاب، بل يبحث عن حلول للمشكلات، ويراعي الإنسان والبيئة والموارد، ويوازن بين الكفاءة وسهولة الاستخدام.

إن فلسفة التصميم تجعلنا نسأل: لمن نصمم؟. وما المشكلة التي نريد حلها؟ وهل يخدم المنتج الإنسان أم يحوله إلى مجرد مستهلك؟ هذه الأسئلة تمنح التصميم بعداً أخلاقياً، وتجعله ممارسة مسؤولة لا مجرد نشاط تقني أو تجاري. وتبدو الإدارة، للوهلة الأولى، مجالاً عملياً بعيداً عن الفلسفة، لكنها في حقيقتها تتضمن أسئلة عن السلطة والمعرفة والإنسان والغاية. فكل مؤسسة تتبنى تصوراً معيناً عن الإنسان، سواء أعلنت ذلك أم لم تعلنه؛ فهناك إدارة ترى العامل أداة للإنتاج، وأخرى تنظر إليه بوصفه شريكاً يمتلك المعرفة والقدرة على الابتكار.

ويمكن، على سبيل التأمل الفكري، النظر إلى تطور الإدارة من خلال المراحل التي أسهمت في تشكيل الوعي الإنساني. فقد منحت الأساطير الجماعات القديمة تصورات عن النظام والقيادة والمصير، وأسهمت التقاليد اللاهوتية في تشكيل منظومات للقيم والواجب والمسؤولية، بينما دفعت الفلسفة إلى التساؤل عن العدالة والغاية وحدود السلطة. ثم جاءت العلوم الحديثة لتطور أدوات القياس والتحليل والتخطيط واتخاذ القرار. لا يعني ذلك أن الأسطوريين أو اللاهوتيين أو الفلاسفة أو العلماء قدموا نموذجاً إدارياً واحداً، بل إن المقصود هو فهم تعدد المصادر التي استمد منها الإنسان تصوره عن التنظيم والقيادة. فالإدارة المعاصرة تحتاج إلى العلم في تحليل البيانات، وإلى الفلسفة في تحديد الغايات، وإلى الأخلاق في ضبط استخدام السلطة، وإلى الفن والتصميم في ابتكار الحلول وتحسين التجربة الإنسانية.

إن المؤسسة الناجحة ليست تلك التي تحقق الأرباح أو تنجز الأعمال بأسرع وقت فقط، بل التي تعرف لماذا تعمل، ولمن تعمل، وكيف توزع المسؤوليات والفرص، وما الأثر الذي تتركه في المجتمع.

لقد علمتني القراءة في الفكر الفلسفي أن قيمة المعرفة لا تكمن في كثرة ما نعرف، بل في قدرتنا على تحويل المعرفة إلى وعي وموقف وممارسة. ومن خلال الموضوعات التي يثيرها كتاب «بعد خراب الفلسفة» لمدني صالح، يمكن الانطلاق إلى تأمل العلاقة بين الفلسفة والثقافة والتاريخ والتربية والفن والتصميم والإدارة. إن هذه المجالات، على اختلاف وظائفها، تلتقي عند الإنسان؛ فهو الذي ينتج المعرفة، ويصنع الحضارة، ويؤسس المؤسسات، ويمنح الأشياء معانيها. وإذا غاب التفكير النقدي عن هذه الممارسات، أمكن أن تتحول إلى أدوات للهيمنة والتكرار، أما إذا استعاد العقل دوره، فإنها تصبح وسائل للتحرر والإبداع والبناء.

ولعل الدرس الأهم هو أن خراب الفلسفة لا يعني نهاية الكتب أو المؤسسات أو النظريات، بل قد يعني غياب الروح النقدية التي تمنحها قيمتها. ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا: أن نجعل السؤال أساساً للتعلم، والحوار طريقا للفهم، والأخلاق معيارا للعمل، والإنسان غاية لكل ثقافة وحضارة ومدنية.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: عبد الحسين شعبان(24)
- هؤلاء علموني: خزعل الماجدي(23)
- هؤلاء علموني: كمال الحيدري(22)
- هؤلاء علموني: السيد القمني(21)
- هؤلاء علوني: الرصافي(20)
- هؤلاء علموني: كارل ماركس(19)
- حصر الدين بيد الله !
- هؤلاء علموني: بوذا(18)
- الله والأديان
- هؤلاء علموني: تولستوي(17)
- هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
- هؤلاء علموني: غاندي(15)
- هؤلاء علموني: كافكا(14)
- هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
- هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
- هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)


المزيد.....




- أطعمة تتلف الأوعية الدموية في الدماغ
- التحالف ينشر مقاطع فيديو توثق تتبع واستهداف أسلحة مهربة للحو ...
- وزير الطاقة الأمريكي يدافع عن اتفاق بوتين ترامب وتأثيره على ...
- ترامب يدعو لتغيير اسم ولاية -نيو مكسيكو-.. ما الاسم الجديد ا ...
- ليتوانيا تطلب من الناتو إذنا بإسقاط المسيرات في أجوائها دون ...
- ترامب يعتزم مناقشة -نزع السلاح النووي الإيراني- خلال اجتماعه ...
- توغل إسرائيلي جديد في الأراضي السورية يترافق مع إطلاق قنابل ...
- السعودية تؤجل مؤتمر استثماري عالمي وسط تواصل الهجمات الحوثية ...
- اتهامات لمهندس سابق في -أوبن إيه آي- بعلاقات سعودية وزرع جها ...
- الفيفا يعاقب حسام وإبراهيم حسن وزيكو بعد تصريحات ضد التحكيم ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: مدني صالح(25)