أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - رحلة البحث عن المكان المريح والشهرة والمال.. بالهروب من الواقع كدفاع نفسي















المزيد.....

رحلة البحث عن المكان المريح والشهرة والمال.. بالهروب من الواقع كدفاع نفسي


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 11:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


جاء عنوان قصة الكاتب المغربي "محمد بن الظاهر" والمنشورة المجلة العربية، السعودية – العدد (545) - فبراير 2022م- رجب 1443هـ (بحثاً عن المكان الضائع) من حيث الجدة والتركيب والابتكار والعلاقة بينه وبين مضمون القصة وادواتها من (زمان ومكان وشخصية) واتفاقه مع الجو النفسي العام للقصة.
تأتي جملة ابتداء القصة (مرّ قرب مكتبة (الشاعر) بالشارع الكبير، وقف بقامته القصيرة داخل معطفه الروسي أمام زجاجها العارض لأقلام مذهبة الألوان ومذكرات أنيقة.) بانها تقود القارئ الى الاقبال على القصة أو النفور منها وقد تكون دليلا للحكم على أسلوب الكاتب ومنهجه ..فتركيب جملة مكتب الشاعر بالشارع الكبير، كأنه يريد أن يقول الشاعر الكبير، وعموما فالشاعر من الشارع مع إبدال حرفي الراء (ر) والعين (ع)، فكلما كان شعره معبرا عن الشارع كان شاعراً كبيراً، وحتى يدلل على أهمية المكتبة وأدواتها المعروضة للأديب، ذكر بأن أقلامها المعروضة مذهبة الألوان ومذكراتها أنيقة.
تدور أحداث القصة في إحدى المدن الشاطئية الكبيرة، فقد رسم الكاتب على لسان البطل الراوي جغرافيتها كالتالي: مكتبة بالشارع الكبير؛ فوق الرصيف المترب إلى أن دخل مقهى شعبياً؛ سلمته رجلاه للشاطئ. جلس على الرمل الساخن. أما الزمن الذي دارات بها القصة من صباح إحدى أيام شهر أغسطس إلى صباح اليوم التالي له (توقف قليلاً ينظر إلى شمس أغسطس بعدما خرج من المكتبة متأبطاً المذكرة والقلم)، وكما هو معلوم بأن أحر جو في العام وأعلى درجة حرارة ترصد في هذا الشهر، وبرغم من ذلك كان البطل يرتدي معطفا روسيا لا يناسب إلا مع برودة شهري ديسمبر ويناير، فلو قلنا بأنه يشعر بالبرد مثلا، لكنه يرد علينا قائلا: (انزوى وعدل مقعده فأخذ المذكرة المعرقة كأنها باتت تحت صنبور ماء.)، وهذا يدل أنه بمجرد أن نمشى لدقائق معدودة وهي المسافة ما بين خروجه من المكتبة الكبيرة وبين وصوله للمقهى الشعبي، كانت المذكرة التي بيده مبتلة من شدة العرق الذي نزل من وجهه وخرج يده بالطبع من شدة حرارة الطقس وارتداده هذا المعطف الروسي.
ولا أدري ما هي الدلالة التي يريد أن يلفت انتباهها لها الكاتب في وصفة للبطل الراوي بأنه يرتدي معطفا روسيا أثناء سيره بالمدنية، ويشرب القهوة الإيطالية وهو جالس بالمقهي الشعبي، فهل لتلك الجنسيات مغزى؟!، ولكن ما استطعت أن أصل إليه ويكون الرابط الفني في النسق السردي للحكاية، هي أن البطل الراوي يترجل وينتقل من مكان لآخر يرجو كتابة قصة قصيرة بل عدة قصص لكي يصدر مجموعة قصصية تنشر وتباع وتحقق له المال الكثير لكي يشتري لزوجته (سبعة خلاخل، فقط اسمعي.. سأنشر مجموعتي القصصية وسنكون أغنياء ونشتري فيلا باسمك.) كبديل لها بسبب بيعه خلخال زوجته الذهبي (اقتنى المكتب والكرسي بخلخال زوجته الذي باعه الصائغ سراً.) إلا أنه (عندما فتح المذكرة أخذ يقلب الصفحات كي يكتب ما سيكتب فلم يجد إلا اللبلاب مستعمراً مساحاتها البيضاء عن آخرها.) بالطبع شجرة اللبلاب كانت إحدى بطلات تلك القصة، فهي التي زرعت ونمت وكبرت طوال رحلته مع حلمه، فقد رسمها في المقهى (بعد زهاء ساعة كانت الورقة خالية إلا من رسم لنبتة اللبلاب.) وبعد فقد الأمل في كتابة القصة القصيرة ودخن سيجارة (لكنه لم يزد إلا جذموراً واحداً للبلاب على الورقة.) ثم انتقل وجلس على الرمل الساخن لشاطىء البحر (اللبلاب فقد نما كما لو أنه سقي بماء البحر.) فكان بدا بأن يهيء البيت لكتابة القصة القصيرة (- أحتاج إلى منضدة وكرسي لا محالة، هي الطريقة الوحيدة التي ستجعل النثر يأتيني صاغراً.) ولأنه فقير ولا يمتلك المال الكافي لشراء المكتب والكرسي فقام ببيع خلخال زوجته الذهبي للصائغ؛ وبدلا من أن يعينه المكتب والكرسي على كتابة القصة القصيرة التي يحلم بها، حدث و (كان اللبلاب ينمو في ظلمة الدرج أياماً حتى اكتسح الورق.)... وبعد أن هاجت وماجت زوجته غاضبة على بيعه لخلخالها وقام هو بتهدأتها واقناعها بأنه سيعوضها بالذهب والعقارات، اكتشف في نهاية المطاف (عندما فتح المذكرة أخذ يقلب الصفحات كي يكتب ما سيكتب فلم يجد إلا اللبلاب مستعمراً مساحاتها البيضاء عن آخرها.). نستنتج من ذلك، بأن البطل الراوي اعتاد على الهروب من واقعه إلى خياله، فهو لا يعيش في الواقع بقدر ما يعيش في عالم آخر بداخله، هو من صنعه بنفسه (رسمه بنفسه)، ويقضي فيه الوقت مع شخصياته المفضلة (نبته اللبلاب).
نستخلص مما سبق، بأنه عندما لبس المعطف الروسي على أمل أن يكتب أدبا وقصصا على غرار الأدب الروسي ويصبح مشهورا وغنيا، إلا أن الواقع جعله يرسم نبته لبلاب داخل المذكرة الأنيقة والقلم الجميل، واستمرت النبته في الكبر حتى بماء البحر إلى أن وصلت لمستعمرة كاملة، وهنا أصبح رساما إيطاليا كالقهوة التي شربها بالمقهي الشعبي، وستيقذ من حلمه فــــ (قرر صباح يومه التالي البحث عن عمل في أحد الفلل كي يشتغل بستانياً.)
تحدث عالم النفس الشهير سيجموند فرويد عن الهروب في كتابه «المدخل إلى التحليل النفسي»، وذكر أن الهروب في حد ذاته سلوك طبيعي، وهام في حياة أي إنسان طبيعي. يهرب الإنسان في الواقع منذ الطفولة، وحين يضربه الأب أو يحتد عليه في الكلام، يهرع إلى ركن بعيد (إلى أن دخل مقهى شعبياً. انزوى وعدل مقعده... خرج من المقهى الشعبي بعد النقد غاضباً إلى أن سلمته رجلاه للشاطئ.)، ربما يرسم على الحائط في غيظ (بعد زهاء ساعة كانت الورقة خالية إلا من رسم لنبتة اللبلاب.)، أو يكتفي بالبكاء والصمت (بعد نصف ساعة خرج منحني الظهر حزيناً إلى داره).
يهرب الإنسان بطرق أخرى من مشاكله في العمل أو الزواج، مثل الانعزال وحيدًا عن الآخرين، مما يجر عليه المزيد من المشكلات؛ (وأغلق عينيه برهة ليحس بنشوة مجنحة حملته إلى سهل الأحلام.
كان يحلم أنه في حفلة توقيع لكتابه وأمامه طابور ينتظر توقيعه. تغرم به قارئة مليحة ذات قوام ممشوق، عندما أتته من آخر الصف سحبت من يده القلم ووقعت نسختها باسمها ورقم هاتفها وغمزته لما قدمت له نسختها. بعد أسبوع ونيف هاتفها وتواعدا أن يلتقيا بمنزله بعد جلسة تصوير لقاء تلفازي مع أحد الصحفيين بمناسبة تصدر كتابه لمبيعات المعرض. قبل الموعد بخمس دقائق سمع نقراً على الباب، تطيب قليلاً وأسرع صوبه مبتسماً، ما إن فتح الباب حتى سمع صراخ زوجته الزاعق صافقة باب غرفته.). هذا السلوك الذي فعله البطل "ألراوي" ليس إلا آلية دفاعية، يمارسها الإنسان كي يحفظ توازنه العقلي، يهرب إلى أي منفذ من صعوبة حياته، ومن أهم هذه المنافذ الخيال والعالم الداخلي، فهي لا تكلف صاحبها الوقت والجهد والمخاطرة، ويكفيه أن يتخيل ويغيب بذهنه عن الواقع. يشير الطبيب الباحث في علم النفس والصحة النفسية "د.كيرلس بهجت" في كتابه "التجربة الفكرية"، إلى أن كل ما يفعله الإنسان في خياله يبقى داخله ولا يخرج لحيز التنفيذ في الأغلب، وهكذا يتحول الخيال والأحلام إلى كابوس، كأنه فيلم سينتهي مهما حصل، وفي لحظة تتر النهاية يصطدم الإنسان الهارب بالواقع الأليم، وهذا ما حدث بالفعل مع البطل "الرواي" بقصة (بحثاً عن المكان الضائع) للقاص المغربي "محمد بن الظاهر" (عندما فتح المذكرة أخذ يقلب الصفحات كي يكتب ما سيكتب فلم يجد إلا اللبلاب مستعمراً مساحاتها البيضاء عن آخرها. قرر صباح يومه التالي البحث عن عمل في أحد الفلل كي يشتغل بستانياً.).
وكما أن نبتة اللبلاب ظلت تنمو وتترعر بشكل افتراضي مجازي طوال القصة، فلا ننسى بأن البطل الراوي من أول حكايته وهو اعلان في عالمه الافتراضي أنه يكتب قصة قصيرة مهمة: (أخذ صورة للمذكرة والقهوة ووضعها على صفحته التواصلية) معلقاً: (محاولة لكتابة قصة قصيرة ستملؤكم إمتاعاً وأنساً)، وصفحته هنا أما الفيسبوك أو تويتر أو انستجرام.
وانهى قراءتي للقصة بعبارة اعجبتني فيها قالها الكاتب على لسان الراوي (المكان هو من يكتب أحياناً)، فالوصف الدقيق للأماكن التي مر بها البطل خلال رحلته ومحطاته العديدة التي كان يحاول فيها كتابه مجموعة قصص قصيرة ولكنه فشل، فقد صورها ورسمها بالكلمات فتقرأها كأنك تراها كشريط سينمائي مجسم أمام عينيك..



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سينما أونطة .. والجدعنة بجد|| أغنية
- سينما الوهم ومرايا الواقع || دراسة نقدية في قصة «سينما أونطة ...
- رغم كل البُعد.. حين يعجز النسيان عن إطفاء جذوة الحب|| دراسة ...
- خلاط البلدية يفرم أحلامهم.. بأمر مشعل السيجارة الحمراء المست ...
- جغرافيا المكان في رحلة الفرس العربي الباحث عن فارس|| قراءة ل ...
- نارُ الصمت حين يصبح العشقُ اعترافًا|| دراسة نقدية في قصيدة « ...
- دروب الصمت.. حين تصبح الطبيعة مرآةً للروح وملاذًا من ضجيج ال ...
- دروب الصمت| أغنية
- بطل من ورق.. جاع فأكل الورق! في قصة «ورق» ل أحمد عوض
- انفصام الشخصية بسبب الصدمة العاطفية في قصة «نار خلف النافذة» ...
- بين الأمل والخذلان: قراءة في قصة -حدث ذات يوم- لعبد الحميد ا ...
- ومضات ساخرة من الحياة اليومية
- الإبداع في صمت السؤال: قراءة نقدية في قصة علي الراعي «لا سؤا ...
- بين الوجدان والجسد: قراءة نقدية في قصة «روح خفية» للكاتب ولي ...
- «تفاحة الذاكرة» دراسة نقدية مفصّلة عن قصة «صندوق الذاكرة» لل ...
- دراسة نقدية متكاملة عن قصة -معادلة راجعة- للكاتب غسان حداد
- أدوات الحلم: تأويل وظلال الطموح في «مشاهد حلم»
- على رصيف الصباح: تأمّلات في موت بائع فول
- بين الصمود والانكشاف: صدى التوتر الوجودي في قصيدة «أبدو نشاز ...
- بين الأمومة والفقد: قراءة في قصيدة -ريفيةٌ احتسبت وديعتها- ل ...


المزيد.....




- أطعمة تتلف الأوعية الدموية في الدماغ
- التحالف ينشر مقاطع فيديو توثق تتبع واستهداف أسلحة مهربة للحو ...
- وزير الطاقة الأمريكي يدافع عن اتفاق بوتين ترامب وتأثيره على ...
- ترامب يدعو لتغيير اسم ولاية -نيو مكسيكو-.. ما الاسم الجديد ا ...
- ليتوانيا تطلب من الناتو إذنا بإسقاط المسيرات في أجوائها دون ...
- ترامب يعتزم مناقشة -نزع السلاح النووي الإيراني- خلال اجتماعه ...
- توغل إسرائيلي جديد في الأراضي السورية يترافق مع إطلاق قنابل ...
- السعودية تؤجل مؤتمر استثماري عالمي وسط تواصل الهجمات الحوثية ...
- اتهامات لمهندس سابق في -أوبن إيه آي- بعلاقات سعودية وزرع جها ...
- الفيفا يعاقب حسام وإبراهيم حسن وزيكو بعد تصريحات ضد التحكيم ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود سلامة محمود الهايشة - رحلة البحث عن المكان المريح والشهرة والمال.. بالهروب من الواقع كدفاع نفسي