أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حيدر لازم الكناني - هل توجد شخصية عراقية؟















المزيد.....

هل توجد شخصية عراقية؟


حيدر لازم الكناني

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 02:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن السؤال عن وجود شخصية عراقية يحتاج إلى إجابة تميز بين المعاني المختلفة للمصطلح. فإذا كان المقصود وجود أنماط ثقافية واجتماعية وتاريخية يمكن دراستها داخل المجتمع العراقي، فإن هذا موضوع مشروع ومهم، شأنه شأن دراسة الأنماط الثقافية في أي مجتمع آخر. أما إذا كان المقصود وجود شخصية نفسية موحدة، ذات سمات ثابتة تميز العراقيين جميعاً عن غيرهم، فإن هذا افتراض لا يجوز التسليم به من دون أدلة علمية قوية.

إن الانتماء الوطني لا يلغي الفروق الفردية، والثقافة لا تحدد سلوك جميع أفرادها بالطريقة نفسها، والتاريخ المشترك لا ينتج بالضرورة شخصية نفسية مشتركة. فقد يعيش الأفراد الظروف العامة نفسها، لكنهم يستجيبون لها بطرائق مختلفة، وقد يتبنون القيم الثقافية ذاتها بدرجات متفاوتة، وقد يرفض بعضهم أنماطاً اجتماعية سائدة في بيئتهم.

ومن هنا، فإن النقد الموجه إلى بعض الكتابات عن الشخصية العراقية ليس رفضاً لدراسة العراق أو تاريخه أو ثقافته، بل رفض لاختزال هذه الموضوعات المعقدة في صورة نفسية واحدة وتعميمها، ولا سيما عندما تُستخدم أوصاف مثل العدوانية والدموية والنفاق والتقلب بوصفها خصائص عامة لشعب كامل.

إن المجتمع العراقي، بما يضمه من تنوع اجتماعي وثقافي وتاريخي، لا يحتاج إلى وصفه بشخصية متخيلة كي يصبح موضوعاً للبحث العلمي. إنه يحتاج إلى دراسات تفسر ظواهره الفعلية، وتكشف أسبابها وشروطها، وتميز بين ما هو فردي وما هو ثقافي وما هو تاريخي وسياسي.

وعليه، فإن الأطروحة التي يدافع عنها هذا المقال هي أن «الشخصية العراقية» لا تصلح، بصيغتها التعميمية الشائعة، تفسيراً نفسياً جاهزاً لسلوك العراقيين. فالأدق علمياً أن نتحدث عن أفراد عراقيين يختلفون في شخصياتهم، وعن ثقافة عراقية متعددة المكونات، وعن ظواهر اجتماعية وتاريخية قابلة للدراسة والتفسير.

إننا لا ننكر المجتمع العراقي حين نرفض اختزاله في شخصية واحدة؛ بل نرفض أن تتحول دراسة المجتمع إلى وسيلة لمحو تنوعه. ولا ننكر أثر التاريخ في السلوك حين نرفض تفسير كل سلوك بطبيعة قومية ثابتة؛ بل نطالب بفهم الكيفية التي يعمل بها التاريخ والثقافة والمؤسسات في تشكيل الخبرات الفردية والجماعية.

وإذا كان الهدف من دراسة الشخصية هو فهم الإنسان، فإن نقطة البداية الصحيحة هي الفرد في علاقته بمجتمعه، لا افتراض شخصية جمعية ثم البحث عن شواهد تؤيدها.
فليس العراقيون نسخاً نفسية متطابقة، وليس كل سلوك اجتماعي متكرر دليلاً على سمة قومية. إنهم أفراد مختلفون يعيشون في مجتمع مشترك، ويتأثرون بظروفه بطرائق متفاوتة. ومن هنا تبدأ الدراسة العلمية، وهنا ينتهي سلطان التعميم.
رأيي من منظور علم النفس، فأنا أفرّق بين قضيتين:
وجود خصائص ثقافية واجتماعية عراقية مشتركة: أمر ممكن، ويمكن اختباره علمياً.
* وجود شخصية عراقية موحّدة بسمات نفسية ثابتة تميّز جميع العراقيين عن غيرهم: هذا ادعاء لا يمكن اعتماده ويعارض مبدأ الفروق الفردية التي يتأسس عليه علم نفس الشخصية افتراضاته.

فالافتراض هو ما يعتقد الناس عن الشخصية النموذجية لأبناء بلدهم قد لا يطابق السمات التي تقيسها الاختبارات النفسية. وهذا ما كشفته دراسة Terracciano وزملائه المنشورة عام 2005 في مجلة. Science شملت الدراسة 3,989 مشاركاً من 49 ثقافة، وقارنت تصوراتهم عن الشخصية النموذجية لأبناء ثقافاتهم بقياسات السمات الشخصية الفعلية. ووجدت أن العلاقة بين الصور القومية النمطية ومتوسطات السمات المقاسة كانت ضعيفة جداً، إذ بلغ وسيط الارتباطات نحو 0.04.
أن مفهوم «الشخصية القومية» نفسه غير صالح علمياً ، وأن العراقيين يمتلكون جميعاً، أو بصورة جوهرية، مجموعة من السمات النفسية التي تميزهم عن جميع الجنسيات الأخرى. هذا التصور لا يجوز التعامل معه بوصفه حقيقة علمية ثابتة . باعتبار ان الشخصية مفهوم نفسي يُدرس على مستوى الفرد، ولا يجوز اختزالها في طار تعميمي واحد تحت مسمى "الشخصية علي اساس وطني او قومي" الثقافة مفهوم اجتماعي يتصل بالمعاني والقيم والممارسات المشتركة، ولا ينبغي الخلط بينها وبين السمات النفسية.
فوجود ثقافة مشتركة لا يستلزم وجود شخصية قومية موحدة، وإن كانت الثقافة قد تؤثر في نمو الشخصية الفردية. ومن هذا المنطلق رفض استخدام الشخصية علي اساس جامع وطني او قومي مثل الشخصية العراقية بوصفها اختصاراً لسمات الفرد النفسية، وفي ضرورة الفصل بين الشخصية والثقافة. وبهذا تسقط جميع الافتراضات التي تتحدث عن ما يسمى الشخصية العراقية وبهذا المعنى، فإن الشخصية ليست وصفاً عاماً لمجتمع، بل بناء نفسي يُستخدم لفهم الفروق بين الأشخاص. فكون الفرد عراقياً لا يخبرنا بذاته إن كان عدوانياً أو متقلب المزاج أو متسامحاً؛ إذ لا بد من دراسة خصائصه الفردية.
ومن هذا المنطلق، فإن وصف شعب كامل بأنه عدواني أو متقلب المزاج أو منافق أو ميال إلى العنف يثير سؤالاً علمياً أساسياً: هل نتحدث عن نتائج قياس نفسي منظم، أم عن انطباعات اجتماعية جُمعت من مواقف وتجارب جزئية ثم تحولت إلى أحكام عامة؟
إن الفارق بين الأمرين كبير. فقد يكون العنف منتشراً في مرحلة تاريخية معينة، وقد تتسع ظاهرة ازدواج الخطاب بين ما يعلنه الناس وما يمارسونه، وقد تزداد مظاهر عدم الثقة بين الأفراد نتيجة اضطراب المؤسسات أو ضعف القانون. لكن هذه الظواهر، مهما بلغت خطورتها، لا تكفي وحدها لإثبات أن أفراد المجتمع يمتلكون شخصية نفسية مشتركة تتصف بالعنف أو النفاق أو التناقض.

فالسلوك الإنساني يتأثر بتفاعل الاستعدادات الفردية مع المواقف الاجتماعية والضغوط والمؤسسات والمعايير السائدة. ومن الخطأ المنهجي اختزال هذا التفاعل المعقد في صفة قومية واحدة، وكأن الفرد لا يفعل سوى التعبير عن طبيعته العراقية المفترضة، بصرف النظر عن تربيته وتعليمه وطبقته الاجتماعية وخبراته الحياتية ومعتقداته واختياراته
ومن هنا، فإن السؤال العلمي الصحيح ليس القول: ما صفات الشخصية العراقية؟ وإنما: ما السمات النفسية التي تظهر لدى عينات عراقية محددة، وما مدى انتشارها، وما العوامل الاجتماعية والتاريخية المرتبطة بها، وكيف تتوزع بين الأفراد والفئات المختلفة؟
تعميمات العدوانية والدموية والنفاق والتقلب؛ من الوصف إلى الصورة النمطية
من أكثر المشكلات وضوحاً في الخطاب الشائع عن ما يسموه الشخصية العراقية إطلاق أوصاف مثل العدوانية والدموية والتقلب والمراوغة والنفاق، ثم التعامل معها وكأنها حقائق نفسية تصف العراقيين بصفتهم جماعة وطنية متجانسة.

ويكمن الخلل في أن هذه الأوصاف لا تُستخدم دائماً بوصفها مفاهيم محددة قابلة للقياس، بل كثيراً ما تُستخدم أحكاماً انطباعية ذاتوية تستمد قوتها من تكرارها في الخطاب العام. وقد يبدأ الأمر بملاحظة سلوك لدى بعض الأشخاص، ثم يتسع ليصبح حكماً على فئة اجتماعية، ثم يتحول إلى صفة تنسب إلى شعب كامل بما يسمى "شخصية الفرد العراقي".
إن العبرة ليست باسم الكاتب، ولا بشهرته، ولا بمدى انتشار كتابه، وإنما بوضوح المفاهيم وقوة الأدلة وصحة الاستدلال وحدود التعميم.
فإذا كانت الدعوى اجتماعية، وجب اختبارها بأدوات البحث الاجتماعي. وإذا كانت تاريخية، وجب إسنادها إلى تحليل تاريخي موثق. وإذا كانت نفسية، وجب تحديد المتغير النفسي وطرق قياسه وخصائص العينة وشروط تعميم النتائج.

وبهذا المعنى، فإن نقد مفهوم الشخصية العراقية ليس موقفاً مضاداً للوردي أو صالح أو الحيدري وغيرهم من ولع بهذا المصطلح وروج له بوصفهم أشخاصاً، بل هو دعوة إلى عدم تحويل أي مشروع فكري، مهما كانت أهميته، إلى مرجعية نهائية في تفسير النفس العراقية.
ا.د حيدر لازم الكناني



#حيدر_لازم_الكناني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التدين والشخصية
- المجتمع الرعوي والمجتمع الزراعي
- عن النرجسية
- الدين والسلطة
- تجاوز الذات وحائط الصد الاول لمجابة فايروس كرونا
- نقد طابع الشخصية الوطني (القومي) وفق البحوث والدراسات
- الحياة والموت
- تكنلوجيا السلوك حل لمعضلة المجتمع وبناء الدولة العصرية 2
- تكنولوجيا السلوك حل لمعضلة المجتمع وبناء الدولة العصرية :
- آيات الجهاد والحرب والخروج من الورطة
- كارل ماركس والاغتراب
- مقاربة العلاج المعرفي لعلاج اساءة استخدام المواد
- سيكلوجية القادة والزعماء السياسيين في العراق بعد عام 2003
- العقد النفسية للقادة السياسيين في العراق بعد عام 2003 ودورها ...
- الأحلام والتحليل النفسي
- تنور الزهراء ورمزية الأم
- علم الاعصاب الشخصية
- الذكاء -النبيذ القديم في زجاجات جديدة -
- سومر تنبعث من جديد
- علم الاعصاب المعرفي


المزيد.....




- أطعمة تتلف الأوعية الدموية في الدماغ
- التحالف ينشر مقاطع فيديو توثق تتبع واستهداف أسلحة مهربة للحو ...
- وزير الطاقة الأمريكي يدافع عن اتفاق بوتين ترامب وتأثيره على ...
- ترامب يدعو لتغيير اسم ولاية -نيو مكسيكو-.. ما الاسم الجديد ا ...
- ليتوانيا تطلب من الناتو إذنا بإسقاط المسيرات في أجوائها دون ...
- ترامب يعتزم مناقشة -نزع السلاح النووي الإيراني- خلال اجتماعه ...
- توغل إسرائيلي جديد في الأراضي السورية يترافق مع إطلاق قنابل ...
- السعودية تؤجل مؤتمر استثماري عالمي وسط تواصل الهجمات الحوثية ...
- اتهامات لمهندس سابق في -أوبن إيه آي- بعلاقات سعودية وزرع جها ...
- الفيفا يعاقب حسام وإبراهيم حسن وزيكو بعد تصريحات ضد التحكيم ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حيدر لازم الكناني - هل توجد شخصية عراقية؟