|
|
حين ينتفض التلاميذ على مستقبلهم .. المدرسة الفرنسية في مواجهة دولة رأس المال .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 22:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا يحتاج المرء إلى قراءة تقارير المؤسسات المالية ولا إلى الإصغاء إلى خطب السياسيين الفرنسيين حتى يفهم أن شيئا عميقا يتصدع في هذا المجتمع. يكفي أن ينظر إلى تلميذ يغادر مقعده الدراسي، ويحمل إلى الشارع غضبا لم يعد يجد مكانا له داخل المدرسة. ذلك التلميذ الذي يفترض أن ينشغل بامتحاناته ومستقبله، يجد نفسه مضطرا إلى الاحتجاج على شروط التعليم، وعلى مستقبل يبدو وكأنه يسحب من تحت قدميه قبل أن يبدأ حياته الفعلية. وحين تتدخل الشرطة لتفريق التلاميذ، وتتحول المطالبة بأستاذ أو قاعة دراسية أو مؤسسة تحفظ كرامة المتعلمين إلى مواجهة مع أجهزة القمع، فإن المسألة تتجاوز حدود الخلاف حول ميزانية وزارة التعليم. هنا يصبح الشارع مرآة لعلاقة متوترة بين المجتمع والدولة، بين الحاجات الإنسانية ومقتضيات الاقتصاد، بين جيل يريد أن يعيش وبين نظام يطالبه منذ سنواته الأولى بالتكيف مع عالم لا يملك فيه سوى موقعه داخل سوق العمل. إن انتفاضة التلاميذ والطلبة في فرنسا لا تنفصل عن الأزمة التي تعيشها الرأسمالية الفرنسية، ولا يمكن فهمها باعتبارها انفجارا عابرا سببه نقص المدرسين أو تدهور المؤسسات التعليمية. هذه أسباب حقيقية، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل تحليل ثوري: لماذا تتكرر الأزمة، ولماذا تتجه كلفتها دائما نحو الفئات التي لا تملك وسائل الدفاع عن نفسها، ولماذا يصبح الدفاع عن حق اجتماعي أساسي مناسبة لاستعراض القوة الأمنية؟ من الخطأ النظر إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة محايدة، تقف على مسافة واحدة من جميع الطبقات، وتمنح أبناء المجتمع فرصا متساوية بمجرد فتح أبوابها أمامهم. فهي تعمل داخل مجتمع تحكمه علاقات الملكية والتفاوت في الدخل والسلطة، ولذلك لا يدخل أبناء العمال والعاطلين وسكان الأحياء الشعبية إليها بالشروط نفسها التي يدخل بها أبناء البرجوازية. فهناك من يجد في منزله فضاء هادئا، وأجهزة وكتبا، ودعما دراسيا خاصا، وأسرة قادرة على تمويل ما تعجز عنه المؤسسة العمومية، بينما يعيش آخرون تحت ضغط الفقر أو في منازل مزدحمة، وقد يجدون أنفسهم مطالبين بمساعدة أسرهم قبل أن يتمكنوا من التفكير في دراستهم. وعندما يتغيب المدرس أو تتعطل إحدى المواد الأساسية، لا يتوزع الضرر بالتساوي؛ يستطيع الميسورون شراء ما ينقصهم من السوق، بينما يتحمل أبناء الطبقات الشعبية نتائج خلل لم يصنعوه. وهكذا يصبح التفوق الدراسي، الذي تقدمه الأيديولوجيا البرجوازية باعتباره ثمرة الجهد الفردي وحده، مرتبطا أيضا بامتلاك وسائل اجتماعية ومادية لا تتوفر للجميع. لا يعني ذلك أن المدرسة لا تمنح المعرفة أو أن كل معلم يعمل لخدمة الطبقة المسيطرة. فداخل المؤسسة التعليمية نفسها يعمل آلاف المدرسين في ظروف صعبة، ويقاومون تدهور المدرسة العمومية، ويجد التلاميذ في بعضهم حلفاء حقيقيين. لكن إمكانات التعليم تظل محكومة بشروط المجتمع الذي توجد فيه، وهو ما يجعل الاحتجاج الطلابي دفاعا عن حق في المعرفة، ورفضا لتقسيم اجتماعي يرسم لكل فرد مكانه قبل أن تتاح له فرصة الاختيار. فالتلميذ الذي يطالب بتعليم جيد لا يدافع عن مصلحته الفردية فحسب، بل يضع موضع السؤال نظاما يريد من أبناء الطبقات الشعبية أن يقبلوا بمدرسة أقل جودة، ثم يقنعهم بأن إخفاقهم في المنافسة دليل على قصورهم الشخصي. وتقدم الأرقام الواردة عن المجتمع الفرنسي صورة يصعب التوفيق بينها وبين خطاب التقشف الذي ترفعه الدولة كلما تعلق الأمر بالخدمات العمومية. فبحسب المعطيات التي أوردها النص، تجاوزت ثروات خمسين مليارديرا فرنسيا مجموع ثروات أكثر من اثنين وثلاثين مليون شخص، بينما وصلت نسبة الفقر النقدي إلى 15.4 في المائة سنة 2024. هذه ليست مفارقة حسابية فحسب، بل تعبير عن اقتصاد ينتج ثروته بصورة جماعية، ثم يترك ملكيتها وقرار استخدامها خاضعين لعلاقات رأسمالية تمنح أصحاب رأس المال سلطة واسعة على الإنتاج والاستثمار والتوزيع. لقد شرح ماركس أن العامل يبيع قوة عمله، بينما يستحوذ صاحب رأس المال على القيمة التي تتجاوز ما يعود إلى العامل في شكل أجر. ومع تراكم رأس المال، تتحول الثروة إلى قدرة على توجيه النشاط الاقتصادي والتأثير في السياسات العامة. لهذا لا يمكن اختزال الأزمة التعليمية في سوء تدبير إداري أو تغيير وزير. فحين تتراكم الثروة في القمة، وتتدهور الخدمات التي يحتاج إليها ملايين الناس، يصبح السؤال متعلقا بمن يحدد الأولويات الاجتماعية. وما تكشفه المساعدات العمومية للمقاولات في فرنسا، التي قدرت لجنة تحقيق برلمانية حجمها سنة 2023 بنحو 211 مليار يورو وفق تعريف واسع، هو أن الدولة ليست عاجزة عن التدخل في الاقتصاد. إنها تعبئ الموارد وتضع القواعد وتمنح الامتيازات وتتحمل بعض المخاطر المرتبطة بالنشاط الاقتصادي. ولا يعني ذلك أن جميع هذه المساعدات أموال مجانية يمكن تحويلها مباشرة إلى المدارس، أو أن كل دعم للمقاولات يخدم مصالح المساهمين وحدهم. لكن حجم التدخل يطرح سؤالا ضروريا: لماذا تستطيع الدولة إيجاد الموارد لدعم النشاط الرأسمالي، بينما يصبح توفير التعليم الجيد موضوعا دائما للتقشف؟ إن العجز عن توفير الموارد للتعليم ليس مرادفا لانعدام الثروة، بل يرتبط أيضا بكيفية توزيعها وبالمصالح التي تحظى بالحماية عندما تتعارض الحاجات الاجتماعية مع مقتضيات الربح. وتظهر هذه المفاضلة بوضوح في الميزانية. فمشروع ميزانية الدفاع لسنة 2027، وفق الأرقام الواردة في النص، يرفع الاعتمادات إلى 63.4 مليار يورو. وللدولة أن تقدم حججها الأمنية والعسكرية، لكن ذلك لا يعفيها من مواجهة السؤال الاجتماعي المتعلق بتوزيع الموارد. ليست المشكلة في وجود الإنفاق العسكري في حد ذاته، بل في أن بعض الأولويات تقدم باعتبارها غير قابلة للنقاش، بينما تصبح المدرسة العمومية موضوعا دائما للمراجعة والتقشف وإعادة الهيكلة. ومع تراجع الخدمات، تتسع الفوارق بين ما تستطيع الدولة تقديمه وما تستطيع الأسر شراءه من خدمات خاصة، فتتحول الحاجة إلى تعليم جيد إلى فرصة جديدة لتراكم الأرباح، ويصبح الحق الاجتماعي سلعة تتفاوت جودتها وفق القدرة على الدفع. ولا يمكن فهم الأزمة الفرنسية بمعزل عن موقع فرنسا داخل النظام الرأسمالي العالمي. فقد ارتبط التوسع الاستعماري الفرنسي في إفريقيا بانتزاع الموارد وإخضاع العمل وبناء علاقات اقتصادية تخدم مصالح الدولة الاستعمارية والشركات المرتبطة بها. وبعد الاستقلالات السياسية، استمرت أشكال متفاوتة من التبعية التجارية والمالية والنقدية والتكنولوجية، واحتفظت شركات فرنسية بمواقع في قطاعات استراتيجية داخل عدد من البلدان الإفريقية. غير أن هذه المواقع تواجه اليوم منافسة متزايدة مع صعود قوى اقتصادية أخرى. وتشير الأرقام الواردة في النص إلى انخفاض حصة فرنسا في السوق الإفريقية من نحو 15 في المائة سنة 2000 إلى 7.5 في المائة سنة 2020. لا يجوز تحويل هذا التراجع التجاري إلى تفسير آلي لأزمة التعليم أو للعجز العمومي الفرنسي، فالعلاقة بين الأرباح الخارجية والإنفاق الاجتماعي تحتاج إلى تحليل مفصل، كما أن الأزمة المالية ترتبط بعوامل داخلية وأوروبية متعددة. لكن تراجع مواقع النفوذ التقليدية يبرز التحولات التي تواجه الرأسمالية الفرنسية، التي تسعى إلى الحفاظ على قدرتها التنافسية ومواقع رأسمالها في عالم تتغير فيه مراكز القوة. وقد تتعارض هذه المتطلبات مع حاجات قطاعات واسعة من المجتمع، بما فيها التعليم والصحة والسكن والعمل. ومن هنا تبدو الأزمة أزمة في نموذج اجتماعي وسياسي، لا مجرد خلل في إدارة قطاع بعينه. حين يخرج التلاميذ إلى الشارع، فإنهم لا يحملون بالضرورة تصورا متكاملا عن الاقتصاد السياسي الفرنسي، ولا يرفعون منذ البداية برنامجا لإلغاء علاقات الإنتاج الرأسمالية. لكن الاحتجاجات الاجتماعية كثيرا ما تبدأ من مطلب مباشر، ثم تكشف في مسارها عن علاقات أوسع. قد ينطلق الغضب من غياب مدرس، لكنه يصطدم بوزارة ترفض الاستجابة، ثم بحكومة تعتبر المطالب عبئا ماليا، ثم بأجهزة أمنية تتعامل مع الشارع بوصفه خطرا ينبغي احتواؤه. وعندما تستخدم الدولة القوة ضد التلاميذ، تظهر حدود الديمقراطية البرجوازية في اللحظة التي يصطدم فيها الحق المعلن بالمصالح الفعلية للنظام. ليس معنى ذلك أن كل تدخل أمني يثبت وحده طبيعة الدولة الطبقية، أو أن الدولة لا تعرف سوى القمع. لكن جهاز الدولة، حين يواجه صراعا اجتماعيا، لا يتحرك خارج علاقات القوة التي يقوم عليها المجتمع. وقد يقدم تنازلات أو يفتح حوارا أو يعدل سياساته، لكنه يظل معنيا بحماية النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تستند إليه سلطته. لذلك لا يمكن أن يظل الدفاع عن المدرسة العمومية محصورا في زيادة الاعتمادات أو تحسين ظروف الدراسة، رغم ضرورة هذه المطالب. إنه يقتضي أيضا مواجهة السياسات التي تجعل التعليم تابعا لضرورات السوق، وتحمل الأسر كلفة تدهور الخدمات، وتعيد إنتاج الفوارق الطبقية باسم المنافسة والاستحقاق. ولم يعد هذا الحراك الشبابي، وفق ما تشير إليه امتداداته الأخيرة، محصورا في الحدود الفرنسية، فقد بدأت موجة الاحتجاجات تصل إلى بلجيكا وإيطاليا، في مؤشر على أن الغضب لا يرتبط بخصوصية المدرسة الفرنسية أو بأزمة حكومة بعينها، بل يجد أرضا مشتركة في أوضاع الشباب الأوروبي وتناقضات اجتماعية تتجاوز الحدود الوطنية. وما يزال الحراك يتقدم، حاملا معه غضب جيل يجد نفسه محاصرا بين تدهور شروط التعليم، وانسداد آفاق العمل، وارتفاع كلفة الحياة، وتراجع القدرة على بناء مستقبل مستقل عن شروط السوق. إن انتقال الاحتجاج من بلد إلى آخر لا يعني بالضرورة وحدة تنظيمية أو تطابقا في المطالب والأشكال النضالية، لكنه يكشف عن تشابه الظروف التي تدفع الشباب إلى الخروج من المؤسسات التعليمية والاحتكاك بالدولة في الشارع. ففي فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، تتقاطع مطالب الدفاع عن التعليم العمومي مع رفض التقشف والتهميش الاجتماعي، وتبرز مسألة من يتحمل كلفة الأزمات التي تنتجها الرأسمالية. وهذا الامتداد يضع الحركة الثورية أمام ضرورة النظر إلى ما يجمع هذه التحركات من تناقضات طبقية، دون إغفال اختلاف السياقات الوطنية وموازين القوى. فالشباب لا يواجهون بالضرورة الدولة نفسها أو السياسات ذاتها، لكنهم يصطدمون بعالم يطالبهم بالتكيف مع تراجع الحقوق الاجتماعية، ويقدم مستقبلهم باعتباره مسألة فردية ينبغي أن يواجهها كل واحد منهم بمفرده. ومن هنا فإن استمرار الحراك واتساع رقعته يفتحان إمكانات جديدة للتضامن بين النضالات الطلابية والشبابية، ويطرحان على القوى اليسارية والثورية مسؤولية تحويل هذا الغضب المتنقل من احتجاجات متفرقة إلى قوة اجتماعية قادرة على مواجهة الأسباب المشتركة للأزمة، وربط معركة التعليم بمعارك العمال والأحياء الشعبية وسائر الفئات التي تدفع ثمن سياسات التقشف وإعادة إنتاج التفاوت الطبقي. غير أن اتساع الحراك جغرافيا لا يكفي وحده لفهم موقعه التاريخي، ولا يبرر التعامل معه باعتباره تكرارا تلقائيا لانتفاضات سابقة. وهنا تبرز المقارنة مع حركة ماي 1968 في فرنسا، لا باعتبارها قالبا جاهزا يمكن إسقاطه على الحاضر، بل بوصفها تجربة تكشف أوجه التشابه وحدود الاختلاف بين لحظتين من الصراع الاجتماعي. تتشابه الحركتان في أن المدرسة والجامعة لم تكونا مجرد فضاءين للمطالبة بتحسين ظروف الدراسة، بل تحولت فيهما مطالب الشباب إلى مواجهة مع السلطة السياسية والاجتماعية التي تحدد شروط حياتهم. ففي الحالتين، خرج التلاميذ والطلبة من حدود المؤسسة التعليمية، وطرحوا في الشارع أسئلة تتجاوز المقرر الدراسي والامتحان، لتطال معنى الحرية والكرامة والمشاركة في تقرير المستقبل. كما يتشابه الحراك الراهن مع ماي 1968 في أن الاحتجاج، حين يلتقي بتجاهل السلطة أو بقمعها، يستطيع أن يوسع دائرة الغضب وأن يربط المطالب المباشرة بتناقضات المجتمع. وتكشف التجربة أيضا أن الشباب ليسوا قوة هامشية في الصراع الطبقي، وأن المدرسة والجامعة يمكن أن تتحولا إلى ساحات تظهر ما تخفيه الحياة اليومية من تفاوتات وعلاقات سلطوية. لكن التشابه لا يلغي اختلاف الشروط التاريخية. فقد اندلعت حركة ماي 1968 في سياق رأسمالية أوروبية تعرف توسعا اقتصاديا وصناعيا، رغم ما حمله ذلك السياق من تناقضات وضغوط على الطلبة والعمال. وانتهت الحركة إلى إضراب عمالي عام واسع شارك فيه ملايين العمال، فانتقلت المواجهة من الجامعات والشوارع إلى المصانع ومواقع الإنتاج، وأصبحت مسألة السلطة الاجتماعية والاقتصادية مطروحة على نطاق أوسع. أما الحراك الراهن فينشأ في ظل عقود من إعادة الهيكلة النيوليبرالية، وتراجع الضمانات الاجتماعية، واتساع العمل الهش، وتراكم الضغوط على الخدمات العمومية، وهي شروط تجعل مستقبل الشباب محكوما بدرجة متزايدة بمنطق المنافسة والقدرة الفردية على تحمل كلفة الحياة. ولا يمكن افتراض أن امتداد الاحتجاجات إلى بلجيكا وإيطاليا يعني أن الحراك الحالي قد بلغ مستوى التعبئة العمالية الذي عرفته فرنسا سنة 1968، أو أن التقارب في الشعارات والأسباب سيقود بالضرورة إلى وحدة سياسية وتنظيمية. فهذه الوحدة لا تنتج من التشابه وحده، بل تحتاج إلى بناء روابط فعلية بين التلاميذ والطلبة والعمال، وإلى مطالب مشتركة وأشكال تنظيم قادرة على الاستمرار. كما أن ماي 1968 نفسها لم تكن حركة متجانسة ولا ثورة مكتملة؛ فقد جمعت تيارات ومطالب متباينة، وانتهت إلى تنازلات اجتماعية وسياسية مهمة، من دون أن تقلب علاقات الإنتاج الرأسمالية أو تنهي سلطة البرجوازية. لذلك لا تكمن العبرة في تمجيد الماضي أو انتظار تكراره، بل في فهم ما أتاح لحركة الطلاب أن تتجاوز حدودها حين التقت بالنضال العمالي، وما جعلها تتراجع حين لم يتحول الزخم إلى قوة منظمة قادرة على تغيير موازين القوى. إن المقارنة التاريخية لا تمنح الحراك الراهن شهادة ثورية مسبقة، لكنها تضع أمامه مهمة واضحة: أن يتجاوز حدود الاحتجاج الطلابي المنفرد، وأن يربط الدفاع عن التعليم العمومي بالصراع الأوسع ضد الاستغلال والتقشف، من دون أن يخلط بين لحظتين تاريخيتين مختلفتين أو يختزل شروط التغيير في صورة بطولية عن الشارع. إن قيمة التجربة الفرنسية بالنسبة إلى الحركات الشعبية في المغرب وفي بلدان الجنوب العالمي لا تكمن في استنساخ أشكال الاحتجاج أو شعاراته. فلكل بلد تركيبته الطبقية وتاريخه السياسي وشروط الصراع الخاصة به. لكن التجربة تطرح مسائل مشتركة ينبغي أن تؤخذ بجدية. أولها أن أزمة التعليم لا يمكن فصلها عن أزمة العمل والسكن والأجور والحماية الاجتماعية. فالمدرسة التي يتدهور وضعها داخل مجتمع يعاني البطالة والفقر لا يمكن إنقاذها بقرارات إدارية معزولة. وأي حركة تدافع عن التعليم دون أن تربطه بأوضاع العمال والأسر الشعبية ستظل تواجه الأزمة من أحد أطرافها، بينما تستمر أسبابها في بقية المجتمع. وثانيها أن الشباب ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى تمثيل من الآخرين. إنهم قوة اجتماعية قادرة على المبادرة والتنظيم، وعلى تحويل القضايا التي تبدو فردية إلى مطالب جماعية. لكن هذه القوة لا تصبح تلقائيا قوة ثورية. إنها تحتاج إلى تنظيم، وإلى وضوح في الأهداف، وإلى صلة حقيقية بالنضالات العمالية والاجتماعية، حتى لا تتبدد في احتجاجات متفرقة أو تتحول إلى طاقة تستثمرها قوى سياسية أخرى. وثالثها أن مواجهة التقشف لا تكتمل بتقديم مطالب اجتماعية مشروعة، بل تتطلب خوض الصراع حول من يملك الثروة ومن يقرر استخدامها. إن المطالبة بمدرسة عمومية جيدة تفتح مباشرة مسألة الضرائب على الثروة والأرباح، ومسألة الامتيازات الممنوحة لرأس المال، ومسألة الأولويات التي تحكم الميزانية. وهذه مسائل سياسية وطبقية، لا مجرد ملفات تقنية يتولى الخبراء الفصل فيها. أما الدرس الأهم فهو أن الشارع لا يصبح قوة تغيير لمجرد امتلائه بالمتظاهرين. إن ما يمنحه القدرة على التأثير هو ارتباطه بقوى اجتماعية منظمة، وبمطالب تمس الحياة اليومية لملايين الناس، وبقدرة على الاستمرار والتوسع وتطوير أشكال التضامن. فالاحتجاج الذي يبقى معزولا عن العمال والأحياء الشعبية قد يفرض لحظة من الاهتمام، لكنه يظل معرضا للاستنزاف والقمع والتراجع. إن المدرسة الفرنسية، في أزمتها الراهنة، تكشف عن تناقض لا يخص فرنسا وحدها. فالرأسمالية تستطيع أن تنتج الثروة، وأن تطور وسائل العلم والتكنولوجيا، وأن ترفع الإنتاجية إلى مستويات غير مسبوقة، لكنها لا تجعل هذه الإمكانات في خدمة المجتمع بصورة تلقائية. وما دام الإنتاج خاضعا لسلطة رأس المال، ستظل الحاجات الاجتماعية تصطدم بحدود الربح، وستظل المؤسسات التي يفترض أن تضمن الحقوق معرضة للتقشف كلما تعارضت مع أولويات التراكم. من هنا لا ينبغي أن يكون السؤال الأخير هو كيف نعيد التلاميذ إلى أقسامهم بأسرع وقت، بل كيف نمنع عودتهم إلى المدرسة نفسها التي دفعتهم إلى الشارع. وكيف تتحول معركتهم من دفاع عن حق مهدد إلى قوة اجتماعية تفرض تغييرا في الشروط التي جعلت هذا الحق مهددا أصلا. إن أبناء العمال الذين يخرجون اليوم من مدارسهم لا يحتاجون إلى الشفقة، ولا إلى خطابات تمجد شجاعتهم ثم تتركهم وحدهم أمام أجهزة الدولة. إنهم يحتاجون إلى تضامن فعلي، وإلى حركة شعبية تربط معركتهم بمعركة العامل من أجل الأجر، ومعركة الأسرة من أجل السكن، ومعركة العاطل من أجل العمل، ومعركة الشعوب المستعمرة سابقا ضد علاقات التبعية التي ما زالت تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة. عند هذه النقطة فقط يمكن أن تتجاوز انتفاضة التلاميذ حدود الأزمة التعليمية، وأن تصبح جزءا من صراع أوسع على المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه. فالمعركة ليست من أجل مدرسة تستطيع الرأسمالية أن تقدمها حين تسمح أرباحها، بل من أجل مجتمع تصبح فيه المعرفة حقا فعليا، لا امتيازا طبقيا، ويكون مستقبل الشباب ملكا لهم، لا مادة إضافية في حسابات رأس المال.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الوثيقة عدد 9 : من ثورة 1949 إلى رأسمالية الدولة الصينية .
-
مرسوم إعادة هندسة الشرعية الانتخابية .
-
المديونية : حين يتحول مستقبل شعب إلى سندات في يد رأس المال .
-
تنقيح المرسوم 54، إعادة هندسة للعقوبة، وليس هدم لفلسفة العقا
...
-
الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .
-
النيولسانية واستعادة الزمن .
-
توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
-
الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
-
العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على
...
-
حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
-
الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
-
بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
-
الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
-
الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
-
حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا
...
-
المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
-
الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
-
الفساد حين يأكل من لحم الناس .
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
-
الهجرة ليست هروبا ...
المزيد.....
-
شاهد.. أوكرانيا تتحدى دعوة ترامب وتضرب منشأة نفطية روسية بمس
...
-
الحشد الشعبي يرد على أنباء ترشّح فالح الفياض نائباً لرئيس ال
...
-
روبيو: عدد الدول الموالية لبلادنا في أمركيا اللاتينية ازداد
...
-
لاعب كرة قدم في المنتخب البرازيلي يتهم بولسونارو بالاستيلاء
...
-
أنين بعد الغروب وأضواء تتلألأ.. العلم يفسر غموض -الصخرة المس
...
-
عون يرحب بجهود جامعة الدول العربية لمساعدة لبنان على تجاوز ا
...
-
بوليتيكو: الاتحاد الأوروبي يواجه عاصفة سياسية مع تعثر إقرار
...
-
روسيا تعدّ برنامجا لتدريب أول رائد فضاء من ميانمار
-
الذكاء الاصطناعي قد يتغلب على البشر.. وماسك لا يستثني نفسه
-
قائد الجيش الباكستاني قد يزور طهران هذا الأسبوع في إطار الوس
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|