عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 02:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في الخرطوم ومدن سودانية أخرى، أُزيلت بعد الحرب أسواق شعبية وورش وأحياء ومقاهٍ ومساحات عامة كانت قائمة منذ عقود. لم يكن ما جرى هدماً مادياً فقط. فمع كل مكان يختفي، تختفي معه أسماء يعرفها الناس، ومسارات اعتادوا على سلوكها، وعلاقات عمل وتبادل وانتماء تشكلت عبر سنوات. الأرض التي تبقى بعد الإزالة ليست أرضاً فارغة تماماً. إنها أرض فقدت مبانيها، لكنها ما زالت تحمل ذاكرة من كانوا فيها.
هذه ليست حكاية سوق بعينه. إنها عملية أوسع: إعادة تشكيل المكان لا تمر عبر الهدم المادي وحده، بل يمكن أن تمتد إلى الذاكرة التي كانت تمنحه معناه. فالأرض التي تصبح خالية من مبانيها وسكانها ووظائفها السابقة تصبح أكثر قابلية لإعادة تعريفها. وكلما انقطعت صلة المكان بتاريخه الاجتماعي، أصبح من الأسهل تقديمه باعتباره مساحة قابلة للاستخدام الجديد، لا باعتباره مكاناً يحمل حقوقاً وعلاقات وذاكرة متراكمة.
في التحليل المادي للمدينة، لا يُقاس المكان بمساحته فقط، بل بما يحمله من علاقات وذاكرة وتاريخ اجتماعي وطبقي. فالحي ليس مجرد مجموعة من المباني، بل شبكة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت عبر سنوات. والسوق ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل تاريخ من العمل والتبادل والانتماء. والزقاق ليس مجرد ممر، بل مساحة للعب واللقاء والذاكرة. وعندما تُهدم هذه الأماكن، لا تُهدم الجدران فقط، بل تتعرض شبكة المعاني التي تربط الناس بالمكان للتمزق.
وهذا المحو قد يكون انتقائياً. فالمكان الذي ارتبط بالعمل الشعبي، أو بالتنظيم، أو بالتضامن، أو بذاكرة الاحتجاج، لا يحمل قيمة عقارية فقط؛ يحمل أيضاً تاريخاً اجتماعياً قد لا ينسجم مع الصورة الجديدة التي يراد إنتاجها للمدينة. سوق النسوان في كسلا، بما يحمله من تاريخ لعمل النساء واستقلالهن الاقتصادي، مثال على مكان تتجاوز دلالته النشاط التجاري المباشر. والأسواق الشعبية في أم درمان وغيرها ليست مجرد نقاط للبيع والشراء، بل مساحات تشكلت فيها علاقات العمل والحرفة والتبادل الاجتماعي. وكذلك الأحياء التي شهدت نشاطاً نقابياً أو تنظيمات شعبية أو لجان مقاومة تحمل ذاكرة سياسية واجتماعية لا تختفي بمجرد إزالة المباني.
من هنا يمكن فهم "التطهير الرمزي" باعتباره وجهاً آخر لإعادة تشكيل المكان. مستواه الأول مادي: هدم المباني، وإزالة الأسواق، وتفكيك المساحات التي احتضنت النشاط الاجتماعي. ومستواه الثاني رمزي: اختفاء الأسماء، وتغيير العناوين، وإعادة تسمية الأماكن، وانقطاع الصلة بين الموقع وتاريخه. وقد يعمل المستويان معاً؛ فالهدم يزيل المادة التي تحمل الذاكرة، وإعادة التسمية تعيد تعريف المكان بلغة جديدة. ولا يعني ذلك أن كل تغيير في الاسم أو كل إزالة لمكان شعبي يمثل بالضرورة مشروعاً متعمداً لمحو الذاكرة، لكن تراكم هذه العمليات يمكن أن ينتج أثراً اجتماعياً واحداً: إضعاف قدرة السكان على ربط المكان بتاريخهم وحقوقهم فيه.
ويمكن تسمية هذه العملية "إعادة إنتاج المكان كصفحة بيضاء". وهي لا تعني مجرد هدم ما كان قائماً، بل إعادة تعريف وظيفة الأرض وقيمتها. فالمدينة الجديدة تحتاج إلى مواقع يمكن تقديمها باعتبارها فرصاً للاستثمار أو التطوير أو إعادة التنظيم، بينما تصبح الذاكرة الاجتماعية للمكان، بما تحمله من علاقات وحقوق وانتماءات، عائقاً أمام تحويله إلى مساحة مجردة من تاريخها. الأرض التي تُفصل عن وظيفتها السابقة يمكن أن تُعاد تسعيرها. والموقع الذي يُفصل عن سكانه يمكن أن يُعاد تخصيصه. والمكان الذي تُضعف صلته بذاكرته يصبح أكثر قابلية لأن يُقدَّم بوصفه فرصة جديدة.
وهنا يظهر البعد الطبقي للمسألة. فالمدينة لا تحفظ كل ذاكرتها بالطريقة نفسها. ذاكرة القصور والمباني التاريخية والأندية والمواقع المرتبطة بالنخب قد تجد مؤسسات قادرة على حمايتها وترميمها وتوثيقها، بينما تكون ذاكرة الأسواق الشعبية والورش والأحياء الفقيرة والباعة والنساء العاملات أكثر هشاشة، لأنها تعتمد أساساً على السكان أنفسهم وعلى استمرار المكان الذي أنتجها. ولذلك يمكن أن ينشأ نوع من الذاكرة الطبقية غير المتكافئة: ذاكرة تملك موارد الحفظ، وذاكرة أخرى تحتاج إلى المقاومة كي لا تختفي. والسؤال الطبقي هنا ليس فقط: من يتذكر؟ بل: من يملك وسائل إنتاج الذاكرة وحفظها؟ ومن يملك المؤسسات والموارد التي تحوّل التجربة الفردية إلى سجل جماعي معترف به؟
وهنا يصبح الزمن نفسه جزءاً من الصراع على المدينة. فالمدينة ليست فقط مساحة تتوزع فيها الطبقات، بل تاريخ تتراكم فيه آثار العمل والهجرة والنمو والأسواق والحركات الاجتماعية. هناك زمن الاستثمار الذي يريد تحويل الأرض إلى قيمة مستقبلية، وزمن السكان الذين يحملون في المكان سنوات من العمل والسكن والعلاقات. والإزالة تقطع هذا الاستمرار، فتفصل المكان عن الزمن الذي صنع معناه، وتعيد تقديمه باعتباره بداية جديدة.
لكن الذاكرة لا تُمحى بسهولة. تبقى في الأغاني، وفي الحكايات، وفي الصور، وفي الوثائق، وفي أسماء الشوارع والأسواق التي يواصل الناس استخدامها حتى بعد تغييرها رسمياً. تبقى في النساء اللواتي يتذكرن السوق الذي أُزيل، وفي العمال الذين يتذكرون الورشة التي أُغلقت، وفي الشباب الذين يتذكرون الحي الذي هُدم. وهذه الذاكرة ليست مجرد حنين إلى الماضي؛ يمكن أن تصبح معرفة اجتماعية بالحاضر. فمن يتذكر من كان يعمل في المكان، ومن كان يسكنه، وكيف كان يستخدمه، ومن أُبعد عنه، يمتلك جزءاً من الأدلة التي تسمح بفهم ما تغير ومن استفاد من التغيير.
وهنا يظهر سؤال المقاومة. فإذا كانت الإزالة تقطع الصلة بين الناس والمكان، فإن أحد أشكال المقاومة يبدأ من استعادة هذه الصلة: حفظ الأسماء، وتوثيق الصور، وتسجيل الشهادات، وحفظ الأغاني والحكايات، ورسم خرائط للأماكن التي اختفت. وهذا الحفظ لا يتم فردياً فقط. لجان الأحياء توثق ما يحدث. المبادرات الشبابية تصور ما يُهدم. النساء يروين ما فُقد. الفنانون يعيدون رسم ما اختفى. والباحثون يكتبون ما قد يُنكر أو يُنسى. وهكذا تتحول الذاكرة من مادة شخصية إلى معرفة جماعية، ومن مجرد استعادة للماضي إلى أداة لفهم الحاضر ومقاومة إعادة كتابة المكان من طرف واحد. وهذا الحفظ ليس ترفاً ثقافياً؛ إنه يمكن أن يصبح فعلاً سياسياً، لأنه يقدم سجلاً جماعياً يمكن استخدامه في الدفاع عن الحقوق، وتوثيق الانتهاكات، ومساءلة الروايات الرسمية التي تقدم المكان كما لو أنه بدأ من الصفر.
وهنا تكمن نقطة أكثر عمقاً. فإعادة تشكيل المكان لا تتطلب تغيير المباني وحدها، وإنما تغيير الطريقة التي يُفهم بها المكان وسكانه ووظائفه. السوق الشعبي يمكن أن يُعاد تعريفه باعتباره "عشوائياً"، والباعة باعتبارهم "متفلتين"، والحي باعتباره "مهمشاً"، والمباني القديمة باعتبارها "عقبة أمام التطوير". وبذلك تصبح اللغة نفسها جزءاً من إعادة الإنتاج العمراني: تسمية المكان تؤثر في قيمته الاجتماعية والسياسية والعمرانية، وتسمية سكانه تحدد شرعية بقائهم، وتسمية النشاط تحدد ما إذا كان يُنظر إليه باعتباره عملاً أم تشوهاً عمرانياً.
ولا ينبغي أن يُفهم ذلك باعتباره دليلاً على وجود خطة واحدة ومتكاملة لمحو كل ذاكرة شعبية في المدينة. فعمليات الهدم وإعادة التنظيم والاستثمار والتسمية قد تصدر عن جهات مختلفة، وقد تكون دوافعها متباينة. لكن آثارها المادية يمكن أن تتقاطع: إزالة المكان، وفصل السكان عنه، وقطع وظيفته الاجتماعية، ثم إعادة تعريف الأرض وفق استخدام جديد. والسؤال الماركسي هنا ليس فقط: هل كان هناك قصد معلن لمحو الذاكرة؟ بل أيضاً: ما الذي يحدث للذاكرة عندما تُنتزع الشروط المادية التي تحفظها؟ ومن يملك الموارد اللازمة لتثبيت روايته عن المكان بعد التغيير؟
من هذه الزاوية، تصبح الذاكرة جزءاً من الصراع على القيمة. فالأرض ليست ذات قيمة بسبب موقعها ومساحتها فقط؛ قيمتها تتأثر أيضاً بما يُسمح باستخدامها من أجله، وبمن يستطيع الوصول إليها، وبالصورة التي تُنتج عنها. وعندما يُمحى تاريخ السوق الشعبي، أو تُزال الورشة، أو يُفصل الحي عن اسمه وذاكرته، لا تختفي العلاقات الاجتماعية فقط؛ قد تُفتح أيضاً إمكانية لتقديم المكان في سوق جديد بوصفه أرضاً متاحة لوظيفة أخرى. وهنا تتصل الذاكرة مباشرة بالتراكم: محو الماضي يمكن أن يسهل تقديم المستقبل باعتباره بلا قيود اجتماعية سابقة.
وهنا تكمن خطورة تحويل المدينة إلى صفحة بيضاء. فالصفحة البيضاء تبدو محايدة، لكنها تخفي كل ما سبقها. تخفي من كان موجوداً، ومن عمل، ومن دفع، ومن بنى، ومن أُبعد. ولذلك فإن إعادة كتابة المكان ليست مجرد مسألة جمالية أو تخطيطية؛ إنها يمكن أن تصبح إعادة توزيع للحق في المدينة نفسها.
ما يجري في الخرطوم لا ينبغي اختزاله في "إزالة" أو "تخطيط عمراني". فحين تتقاطع إزالة الأماكن الشعبية مع إبعاد السكان، وإعادة تصنيف الأحياء، وارتفاع قيمة الأرض، وإعادة الإعمار، يصبح السؤال عن الذاكرة جزءاً من السؤال عن التراكم. من يملك القدرة على إزالة أثر المكان؟ ومن يملك القدرة على حفظه؟ ومن يقرر أي ذاكرة تستحق البقاء وأي ذاكرة يمكن أن تختفي؟ ومن يستفيد عندما يتحول المكان من تاريخ اجتماعي إلى أصل عقاري؟
السؤال عن ملكية الأرض لا يكتمل من دون سؤال آخر: من يملك القدرة على تعريفها؟ من يقرر ما إذا كان السوق تاريخاً اجتماعياً أم "نشاطاً عشوائياً"، وما إذا كان الحي مجتمعاً قائماً أم أرضاً قابلة لإعادة التنظيم، وما إذا كانت الأرض تحمل حقوقاً وذاكرة أم أنها مجرد مساحة متاحة لاستخدام جديد؟ هنا تصبح الذاكرة جزءاً من الصراع على الملكية والقيمة والحق في المدينة.
ومن يريد أن يفهم من يملك المدينة بعد الحرب، لا يكفي أن ينظر إلى الأبراج التي تُبنى، بل إلى الأسماء التي تختفي، والأسواق التي تُزال، والحكايات التي تُوثق أو تُترك للنسيان، والأشخاص الذين ما زالت ذاكرتهم تربطهم بالأرض حتى بعد أن اختفت معالمها. ومن يملك القدرة على إعادة تعريف الأرض بعد أن أُزيل من كان يمنحها معناها؟
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟