|
|
من -الدولة المتخيلة- إلى جلباب الشعبوية: قراءة موضوعية في المأزق التونسي
عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 22:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في أحيان كثيرة يقع الخلط بين الحياد والموضوعية، والحال أن الفارق جوهري بين المفهوميْن. فلمّا يتعلق الأمر بسؤال الانحياز للحق كقيمة إنسانية قائمة بذاتها، وبغيرها من القيم الكبرى، كالحرية والديمقراطية، يُصبح الحياد عطبًا أخلاقيّا. امّا الموضوعية فهي أمر آخر، من حيث هي التزام صارم بتشخيص الواقع وتفكيك مساراته وأسبابه دون مواربة ولا تزييف، سواء بالنسبة للسياسيين والحزبيين والنشطاء والإعلاميين وصُنّاع الرأي، أو بالنسبة للمشتغلين في حقول العلوم الإنسانية والسياسية. في الحالتين تظل الموضوعية شرطا أخلاقيا لا يمكن التّسامح حيال إهماله خصوصًا في مراحل التّأسيس أو ما آصطُلِح على تسميتها "الديمقراطية الناشئة" مثلما هو الحال في تونس بعد 2011. إذا كانت مواجهة الحكم السّلطوي تقتضي بداية الانحياز المبدئي للديمقراطية، هذا لا يعني أبدا غضّ الطرف عن مكامن عثراتها، بل يفرض علينا تفكيك العوامل البنيوية التي قادت إلى انتكاسها. ومن هذا المنطلق الموضوعي تحديدا، يتوجب علينا قراءة المشهد التونسي قراءة جادّة تنطلق من الوقائع والأسباب، ولا تنطلق من النتائج والأهداف. ذلك أن الشعبوية الحالية التي يقودها الرئيس قيس سعيد لم تنزل فجأة من السماء كحدث منبتّ الجذور، بل كانت نتاجا حتميا ومحطة أخيرة لمسار طويل من التخريب الممنهج لكيان الدولة.
لقد علمتنا تجارب التاريخ، وأدبيات العلوم السياسية أن الدولة الحديثة هي أعظم وأهم إنجاز تنظيمي توصل إليه العقل البشري عبر العصور. فالدولة هي الإطار البنيوي الوحيد القادر على الارتقاء بحياة الناس. وتشهد على هذه الحقيقة، المنجزات الكبرى التي نقلت البشرية من ضيق العصور الوسطى إلى سعة العصر الحديث، والتي لا يمكن أن تتحقق في غياب الدولة. فالمدرسة والأمن وتنظيم الحياة العامة، وإرساء المنظومات الطبية والمستشفيات، وتعصير الفلاحة لضمان الأمن الغذائي ، وتشييد مراكز البحث العلمي والجامعات، كلها إنجازات عملاقة تتطلب تخطيطا مركزيا، وتمويلا مستداما وسيادة قانونية لا تملكها سوى الدولة الحديثة. وبناءً عليه، فإن هدم أو إلغاء كيان هذه الدولة الحديثة في أي بلد عربي اليوم، وتحت أي شعار أو لافتة كانت، هو جريمة تُساوي في محصلتها النهائية إنتاج نسخة أخرى من تنظيم "داعش" المتوحش والهمجي، ينهار معه الطب والعلم والزراعة وتتحول حياة البشر إلى غابة مظلمة. من هنا تنبثق تراتبية حيوية حاسمة: الدولة أهم من الديمقراطية. فالديمقراطية في جوهرها هي "نظام سياسي وآلية حكم" تُمارس وتتحرك داخل دولة. أي داخل بنية مؤسساتية، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تشتغل في الفراغ أو على أنقاض كيان متحلل. ومن ثمّ، يصبح الإجماع على الدولة، والالتفاف حول شرعية وجودها، وحدودها، وهويتها الجامعة، حاجة حيوية أولى ومقدّمة وجودية لا غنى عنها لحفظ كيان الأمة وحماية نسيجها المجتمعي قبل الشروع في التنافس أو التفاهم على إرساء نظام الحكم.
من السهل على أي شخص أن يدخل سوق المزايدات، ويرفع من الشعارات ويخاطب غرائز بسطاء الناس ويثير إعجابهم بذلك النوع من الجُبن المُتنكّر في ثوب الشجاعة. ولكن من العسير جدا على هذا النمط من "المناضلين" خاصة الذين تلقّوا تربية حزبية فاسدة، فتعلموا أن الكذب والتشويه ونشر الشائعات هي أدوات سياسية مشروعة. يصعب على هؤلاء التدرّب على الفضيلة وقول الحق، بما يجعلهم قادرين على إعادة شريط الأحداث إلى 2011، والتمعّن في الوقائع للوقوف على الأعطاب التي رافقت المسار. وهذا العجز عن التحديق في الحقيقة تفسّره الرغبة في تزويرها. وعلى سبيل المثال، من كان يصدّق أن يشكك قيادي سابق في الجبهة الشعبية في تورط حركة النهضة في الاغتيالات؟
حين نلتفت إلى المسار بعين الموضوعية، نجد أن من بين العوامل التي شكلت وجه الفرادة في الثورة التونسية وتميزها على غيرها، هو امتناع أجهزة الدولة البيروقراطية على تعطيل عملية التغيير غداة سقوط نظام بن علي. وعلى خلاف ما حدث في تجارب أخرى، لم تنهر الدولة في تونس، بل بادرت مؤسساتها إلى احتضان الثورة وتوفير الغطاء الإداري والأمني والتشريعي لمرافقة التغيير.
لقد تعاملت أجهزة الدولة التونسية بمرونة كبيرة حيال حركة التغيير، وأثبتت نضجًا غير مسبوق في حرصها على استمرارية المؤسسات وتفادي الفراغ السياسي (الذي أدى إلى كوارث في بلدان أخرى). حيث سارعت لتفعيل الآليات الدستورية بإعلان المجلس الدستوري شغور منصب الرئيس، وتولي رئيس مجلس النواب منصب رئيس الجمهورية مؤقتا طبقاً للفصل 57 من الدستور، وتشكيل حكومات مؤقتة لتصريف الأعمال وإدارة الانتقال. وحيث رفضت المؤسسة العسكرية قتل المتظاهرين لصالح تثبيت النظام، ملتزمة بعقيدته الجمهورية والحياد، وحماية المنشآت الحيوية، وتأمين المقرات السيادية دون السعي للاستيلاء على السلطة، تاركًا قيادة المرحلة للمدنيين. لذلك لم تتوقف قطاعات الدولة الخدمية كالتعليم، والصحة، والنقل، والبريد، والمالية عن العمل. وظلت الإدارات المحلية والجهوية مفتوحة لتلبية حاجيات المواطنين اليومية لتجنيب البلاد شبح الفوضى الشاملة. ولاحقا امتثلت أجهزة الدولة والشرطة القضائية لقرار حل التجمع ومصادرة أملاكه ومقراته، وحل مجلس المستشارين، واستجابةً لمطالب التغيير، جرى حل (البوليس السياسي)، ودمج عناصره في الأجهزة الأمنية الأخرى دون مقاومة. وسُخرت كل الإمكانياتها الإدارية والمالية والأمنية لمساعدة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، مما توج بتنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011 ... كل هذه الأمور ممنوع نسيانها حتى نفهم المسار بموضوعية تجعلنا نعرف أعطابنا.
هنا أفتح قوسين لأوضّح مسألة في غاية الأهمية، لطالما ظلت غامضة في النقاش العام. بل تمّ تشويهها عمدًا لإخفاء جوهر القضية. المشكلة ليست أبدا في وصول حركة النهضة للحكم بوصفها حركة سياسية لها مرجعية دينية. فليست تونس البلد الوحيد في العالم الذي أسّس الديمقراطية في ظل وجود حركة دينية في السلطة. أبدا ليست هذه هي المشكلة على الإطلاق. لقد كان الجزء الأساسي من النخبة التي التي أسست الديمقراطية في الولايات المتحدة متديّن جدّا. وفي انقلترا كانت الرغبة الجامحة لأول برلمان في أن تكون له أوسع السلطات، خشية عدم وضوح هوية الملك، ما قد يعيد الكاثوليكية للعرش ويهدد هوية البلاد الأنجليكانية. وليس لهذا من تفسير سوى أن أغلبية البرلمان كانت متديّنة وتابعة بشكل صريح ل"لكنيسة الوطنية". وقد تعزز هذا التوتر الديني الذي شهدته انجلترا خلال القرن السابع عشر ب"الزيجات الملكية" إذ كان الملوك الإنجليز، مثل تشارلز الأول وتشارلز الثاني وجيمس الثاني، يتزوجون من أميرات كاثوليكيات من فرنسا وإيطاليا، مما أثار رعب البرلمان من نشوء جيل ملكي كاثوليكي الهوى ينقلب على عقيدة الدولة الرسمية. ومن المفارقات أن هذا التوتّر بين الكنيسة الأنجليكانية والكنائس المنشقة، هو الذي فرض توازن السلطات بين البرلمان والملك، وكان أساس التعددية البريطانية وليس الأحزاب. أما في فرنسا فالثورة على الكنيسة لا تعني أن النخبة المؤسسة كانت معادية للدين، بل تعني عداءها للكنيسة بسبب تحالفها مع الملك. بمعنى القياس، ليست المرجعية الدينية لحركة النهضة هي سبب دورها التخريبي للديمقراطية، وإنما في [العلاقة المباشرة بين الثقافة السياسية للنهضة، باعتبارها النخبة المؤسِّسة، ونشوء النظام الديمقراطي]. وأعتقد أن هذه أهمّ مسألة تحتاج التفكيك والفهم على نحو واسع جدّا وشديد الوضوح: لا يمكن للديمقراطية أن تتحوّل إلى قيم ثقافية تعتنقها الجماهيرية قبل بناء النظام الديمقراطي. ولا يمكن للجماهير أن تتشرّب الثقافة الديمقراطية إلى درجة الاستعداد للدفاع عنها إلّا إذا شعرت بأن هذا النظام الجديد يضمن حدِّا معقولا من معيشتها وأمنها واطمئنانها على المستقبل. وفي جميع تجارب التاريخ، منذ الثورة الامريكية والثورة الفرنسية، مرورا بجميع الثورات، إلى يوم الناس هذا، لم يكن هنالك شعب واحد له ثقافة ديمقراطية قبل بناء النظام الديمقراطي. وإنما تصبح الديمقراطية ثقافة سياسية عند غالبية السكان بعد نشوء النظام الديمقراطي. وهذا ما يجعل المسؤولية الأولى والأخيرة موكولة للنخبة المؤسسة، وضرورة أن تكون مؤمنة بمبائ الديمقراطية إيمانًا عميقًا. ويُخطئُ من يعتقد أن الشعب الفرنسي، كان شعبًا أصلا، فضلا على أنه متنوّر عندما كتبت النخبة الباريسية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن سنة 1789 بعد انتصار الثورة. كلّ السرديات التي روتها فرنسا عن نفسها حول انتشار التّنوير قبل الثورة لا أساس له من الصحّة. فلقد اعتمد المؤرخون على معيار قدرة العروسين على توقيع أسمائهما في عقود الزواج الرسمية، وقدرة الأفراد على توقيع الوصايا، حيث كان القانون الفرنسي يفرض التوقيع أو الإشارة إلى العجز عنه، فكانت النتائج التقريبية لنسبة الأمية سنة 1786 تتجاوز 83%. وكان عدد السكان في فرنسا عشية الثورة حوالي 28.5 مليون نسمة. فيما لم تنجاوز النخبة المتعلمة من "الطبقات الثلاث" (الطبقة الثالثة، النبلاء، الإكليروس) 0.004% من إجمالي السكان. وفي ذلك الوقت حيث لا وسائل تواصل اجتماعي، ولا قنوات تلفزية، وفي ظل أمية طاغية، يمكننا بسهولة الجزم بأن قلة قليلة جدا من الطبقة المتوسطة اطلعت على كتاب "العقد الاجتماعي" لحون جاك روسو. هذه النخبة الأقلية المؤمنة بالديمقراطية هي التي وضَعت الأسس العامة للحرية والمساواة والسيادة الشعبية وفصل السلطات، في ما يُعرف ب"إعلان حقوق الإنسان والمواطن". وهي التي صمدت، وجزء منها آستُشهد في سبيل ترسيخ مبادئ النظام الديمقراطي، وتحوّلها بالتدريج إلى ثقافة عموم المواطنين. ولقد كانت مسؤولية تلك النخبة المؤسسة للنظام الديمقراطي، أهم ألف مرة من مسؤولية النخب السياسية الفرنسية اليوم، لأن نخبة اليوم تدير العملية السياسية في نظام ديمقراطي متجذر، له أركانه الثابتة ويعيد إنتاج نفسه بشكل تلقائي. أما نخبة التأسيس فلم يكن همها التنافس على السلطة، بل كان همّها تأسيس نظام جديد لم يؤسّس من قبل.
حركة النهضة في 2011، كانت هي نخبة التأسيس التي يُفترض أن تصمّم الثقافة السياسية الديمقراطية للجماهير، بعد إرث الاستبداد الطويل وهو إرث طويل لم يترك وراءه ثقافة ديمقراطية. ولكن في المقابل هنالك شعب نسبة إلمامه بالقراءة والكتابة الإجمالية تقارب 90%، وتصل في صفوف الشباب (15-30 سنة) طفرة قياسية قلّ نظيرها في العالم تتجاوز 98%. خصائص ديمغرافية ومؤسساتية فريدة، إذ كانت البلاد تستند إلى دولة عريقة، وإرث إصلاحي وتنويري، وفلسفة مساواة متجذرة، نسب تمدرس قياسية، وطبقة وسطى واسعة ضامنة للاستقرار، مجتمع خال من أسباب الانقسام العرقي أو الطائفي. فبالرغم وطأة الاستبداد السياسي، كان للمجتمع التونسي ركائز حية ومتوثبة تمثلت في حركة نقابية عريقة ومؤثرة، وحركة طلابية كانت دائما مشتلا للمقاومة، وحركة نسوية تحررية رائدة في محيطها الإقليمي، يضاف إليها مجتمع مدني حي ونواة حركة سياسية معارضة حافظت على جذوة النقاش العام رغم ضعفها وهشاشتها التنظيمية آنذاك. ولعل هذه الديناميكية المجتمعية هي التي جنبت البلاد الفوضى والانهيار.
ماذا فعلت النخبة المؤسسة للنظام الديمقراطي في تونس، أي الأغلبية النهضوية في المجلس الوطني التأسيسي؟ وكيف تعاملت في ظل توفر كل عوامل إنجاح التجربة الديمقراطية؟
بدل التركيز على المشترك الوطني وإعطاء الأولوية لمبادئ النظام الديمقراطي وتوحيد النخبة الوطنية حول مهمة التأسيس، منذ اليوم الأول بدأت بالهجوم على أعمدة النظام الديمقراطي ومبادئه وشروطه. فقسمت الشعب بين مسلمين وعلمانيين. وكفرت العلمانية بما هي التفاهم على دستور وضعي والضمانة الأولى للمواطنة واحترام معتقدات الناس، وبالتحريض الديني صوّرت "العلماني" على أنه كافر وعدو للإسلام، ومهدور الدم. والحال أن العلمانيين تاريخيا كانوا أكثر الناس أخلاقية في القرن التاسع عشر، وأكثرهم صرامة وحرصا على القواعد الأخلاقية. وانقلب النقاش في تونس من مجال النظام السياسي الضامن للحرية والعدالة الاجتماعية ومعالجة البطالة والفقر والتنمية والتعليم والصحة والنقل، إلى مجال آخر لا عند للتوانسة به. كل هذا ليس بسبب الخلفية الدينية لهذه النخبة المؤسسة، بل بسبب عدائها العميق للديمقراطية.
إذن المنعطف التاريخي الخطير ، والفاجعة الكبرى الذي ضربت مسار الثورة والتغيير، لم تأتِ من أجهزة الدولة، بل جاءت من طرف رئيسي وصل إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع وآليات الديمقراطية ذاتها، يُضمرُ تصميما إيديولوجيا لإقامة دولته المتخيلة البديلة. وتحت غطاء شعارات فضفاضة من قبيل "محاربة الثورة المضادة"، تمثلت الخطوة الأولى بعد تقسيم المجتمع في إحياء وتفعيل "الجهاز السري" الموازي، الذي يضرب مبدأ احتكار الدولة الشرعي للسلاح والمعلومات في مقتل. وتجسد خطره الوجودي في ممارسات فاحشة هزت أركان الكيان الوطني؛ لعل أبرزها الاغتيالات السياسية، وقتل أكثر من ثلاثمائة شهيد من العسكريين والأمنيين الذين اغتيلوا في مواجهات غادرة. ومن هذا الاختراق الأمني الموازي، تمدد الفعل التخريبي بشكل ممنهج لتفكيك مفاصل الدولة وإذلال مؤسساتها، و"أدلجة" الإدارة العامة وتحويل الولاء من "الوطن والدولة" إلى "الجماعة والتنظيم"، واختراقات أجهزة الأمن والمسك بخطوط اتصالاتها السرية، وجرى عزل القضاة غير الموالين، لتسهيل التدخل في الأحكام، وتعيين الموالين في مناصب سيادية وتهميش الكفاءات الوطنية، مما أفقد هذه الأجهزة دورها وحوّلها إلى قاعة عمليات لتوجيه الإرهاب وحمايته. ممنوع نسيان الاندماج بالإرهاب وممارسة التجسس والقتل والتعاون الاستخباراتي عبر "التنظيم السري الموازي"، وتفكيك مفاصل الدولة واجتثاث مؤسساتها الحيوية بناء على فلسفة "التمكين" التي شملت التحكم في الهيئات الدستورية المستقلة. وتخريب المنظومة التعليمية وضرب المدرسة العمومية لإضعاف الفكر التنويري واستبداله بالتعليم الديني العشوائي، بغاية تهيئة أجيال متطرفة تخدم مشروعها الإيديولوجي.. وبالتدريج تحولت حركة النهضة إلى بنية مافيوزية احتكارية تُسيطر على مفاصل الاقتصاد الرسمي ومسالك التوزيع، بالتوازي مع شبكات التهريب والجمارك، إلى جانب الارتهان الكامل للمحاور الخارجية مقابل تلقي تمويلات ضخمة وتنسيق مخابراتي خارجي أسقط السيادة والنزاهة والديمقراطية دفعة واحدة.
ذلك التخريب الواسع أدى إلى شلل وطني شامل. فللدولة شرايين وأوردة تربطها بجميع القطاعات وتربط تلك القطاعات ببعضها البعض. وتُمثل مصالح الناس، وأرزاقهم، وأمنهم، واستقرارهم اليومي الدم الذي يجري في هذه الأوردة والشرايين. وهذا ما بجعل كل فعل تخريبي يستهدف جهازا واحدا ينعكس فورا على بقية الجسم. يضاف إلى ذلك سياسة تفريخ عشرات الآلاف من الجمعيات غامضة التمويل والأهداف، والتي نبتت كالفطر لتعمل كأذرع موازية للسيطرة على مفاصل المجتمع، لتجريف الجهاز القيمي الوطني المشترك الذي بُني بالتراكم منذ ما لا يقل عن مئة عام، واستبداله بوعي هجين يعادي فكرة الدولة الوطنية ومكتسباتها التحديثية. هذا الواقع المأساوي أدى إلى عزوف التونسيين عن السياسة وكفرهم بالديمقراطية المزيّفة، وشعورهم البالغ بالخذلان بعد أن أطلقوا أنظف ثورة ديمقراطية في التاريخ. وهذا التخريب المنظم للدولة وإذلال كفاءاتها، جعلها تبدو عاجزة، مشلولة، ومخترقة في أدق أسرارها وأجهزتها السيادية. وأمام هذا المشهد المأزوم، انفتح القوس على صراع وجودي عنيف على جبهتين: بين قيادة حركة النهضة والشعب التونسي، بما في ذلك قواعدها. فانتفض الناس جراء الانهيار الشامل للأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، والثقافية، والأمنية. والجبهة الثانية بينها وبين أجهزة الدولة التي استشعرت خطرا حقيقيا يهدد بقاءها ويهدد بالانزلاق نحو التفتت الميليشياوي والنموذج الفوضوي. وهنا التقت نقمة الشارع المنهك مع هواجس المؤسسات الخائفة على كيانها، مما أجبر الدولة في المحصلة على التدخل لتعليق التجربة الديمقراطية حماية للذات من الفناء.
إن الخلاصة المعرفية والموضوعية هي أن عودة الحكم الفردي في جلباب الشعبوية مع قيس سعيد ليست هي الداء، بل هي العَرَض الأبرز للمرض الجوهري. لقد استغلت الحالة الشعبوية حالة الفراغ الأخلاقي والمؤسساتي وكفر الناس ب"ديمقراطية مافيوزية" لم تجلب لهم الاستقرار، لتقدم نفسها كـ "منقذ" للكيان من التحلل والضياع.
هنا يكمن الحل. الحل يبدأ حتما بـ تصحيح السؤال حول المستقبل. فعوضا عن الغرق في السؤال العقيم والسائد اليوم: "من مع السلطة الحالية ومن مع المعارضة؟"، يجب على النخب والمجتمع طرح السؤال الحقيقي والجوهري: "لماذا فشلت التجربة الديمقراطية التونسية؟ وكيف يمكن تجاوز أخطاء الماضي كليا؟". أما الاكتفاء برفع شعار رنان وخاطئ مثل "استعادة الديمقراطية" بالتحالف والتعاون مع ذات الطرف الذي خرب التجربة الديمقراطية من داخلها، وهدد الدولة في كيانها، وقسّم المجتمع إلى فئتين، هو خيار سطحي وانفعالي، ولا يعكس أي نضج سياسي.
إن إنقاذ تونس وصيانة مستندات المستقبل يشترطان وعيا حاسما بأن الديمقراطية لا يمكن أن تُبنى بالتمكين. وأن حركة النهضة معادية للديمقراطية، وهي التي أفسدت نتائج الثورة. وأن الحل الوحيد الممكن هو مواجهة الحكم الفردي والنهضة معا. وليس التحالف مع أحدهما ضد الآخر.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في الفصل بين الملفات
-
عقدة -المركز المعرفي-: حين يشتغل اليسار العربي بتوقيت البلاش
...
-
مشروع قانون -استعادة الديمقراطية في تونس-: بين الواقع التشري
...
-
أزمة الإمبريالية وصعود اليمين الفاشي
-
ثلاثة أسئلة عن تونس: من أين تأتي القوة، وأين يكمن الضعف، ومت
...
-
هل يُهزم الحوثيين؟
-
فرنسا بين ثقافة العنف وفقدان الدولة لمعناها
-
الانسحاب الأمريكي من العراق: قراءة في مستقبل السيادة،
-
المعارضة التونسية ومتلازمة ستوكهولم
-
قراءة في خلفية إيقاف هيئة تنظيم الأسطول وأبعاده
-
بين فشل السلطة وعُقم المعارضة والأمعاء الخاوية: قراءة في ثنا
...
-
الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج
-
بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصر
...
-
بين البوصلة المفقودة وفقه الضرورة المُزوّر
-
في عناد التاريخ الذي لا يُرد.
-
تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها
-
لا أحد يقبل بسقوط النظام الإيراني باستثناء الكيان الصهيوني
-
هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل
...
-
الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص
...
-
بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
المزيد.....
-
-التحالف- يعلن -تدمير منصتين لإطلاق الصواريخ الباليستية في ص
...
-
وزيرة المالية السويسرية تحذر دول الاتحاد الأوروبي من -أزمة ي
...
-
سنتكوم: فصائل موالية لإيران ترسل أموالا إلى الحرس الثوري
-
كوريا الشمالية تطلق طوربيدا موجها بالذكاء الاصطناعي عالي الد
...
-
التحالف: تدمير منصتي إطلاق صواريخ باليستية للحوثيين بمحافظة
...
-
نيويورك تايمز: العلاقات بين ترامب وزيلينسكي تقترب من القطيعة
...
-
-التايمز-: احتمال نشر 1500 عسكري من دول -تحالف الراغبين- في
...
-
الخارجية البريطانية تنصح مواطنيها بتجنب الرحلات غير الضرورية
...
-
من داخل الهجوم الأوكراني الذي يدفع روسيا إلى التراجع - مع دو
...
-
-فيتو- القوى الكبرى يهدد المرشحين لخلافة غوتيريش
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|