أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شربل نصار - مدينة الله عند القديس أوغسطين: فلسفة التاريخ ومصير الإنسان















المزيد.....



مدينة الله عند القديس أوغسطين: فلسفة التاريخ ومصير الإنسان


شربل نصار

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 20:48
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في شهر آب من سنة 410م، سقطت روما في أيدي القوط بقيادة ألاريك، فاقتحموا المدينة ونهبوها، وهي التي ظلّت قرونًا طويلة رمزًا للإمبراطورية وللعالم المتحضّر. ولم يكن سقوطها مجرّد نكبة عسكرية أو اضطراب سياسي عابر، بل كان زلزالًا روحيًّا وفكريًّا أصاب العالم القديم في أعماق وجدانه، وزعزع الثقة التي انعقدت طويلًا على دوام السيادة الرومانية، وقوّض الشعور بالأمن الذي استظلّت به الإمبراطورية طوال قرون من الهيمنة. وفي خضمّ هذه المحنة، نهض صوت فكريّ ولاهوتيّ لم يقتصر على مجابهة الأزمة الآنية، بل مضى إلى إعادة رسم خريطة التاريخ الإنساني بأسره، من بدء الخليقة إلى انقضاء العالم وقيامته. وكان ذلك صوت أوغسطين، أسقف هيبو في شمال إفريقيا، الذي كرّس نحو ثلاثة عشر عامًا، بين سنتي 413 و426م، لتأليف كتابه مدينة الله (De Civitate Dei)، أحد أعظم المصنّفات التي صاغت الوعي التاريخي والسياسي في الفكر الغربي.
السياق والمناسبة
توالت الاتهامات الموجّهة إلى المسيحية من جهات شتّى، إذ رأى الوثنيون أن الآلهة القديمة كانت تكفل لروما الحماية والنصر، وأن إعراض الناس عن عبادتها، وانتشار المسيحية على حساب الشعائر التقليدية، قد حملا تلك الآلهة على التخلّي عن المدينة، فكان سقوطها جزاءً لذلك الإعراض. ولم يكن هذا الاتهام، في جوهره، مجرّد اعتراض على دين جديد، بل انطوى على سؤال أعمق يتعلّق بجدوى الإيمان المسيحي وحدود قدرته على أن يحلّ محلّ الديانة التي ارتبط بها مجد الإمبراطورية: أَيستطيع دينٌ تعرّض مؤسّسه للصلب أن يقوم مقام الآلهة التي نُسب إليها بناء روما وحفظ سلطانها؟ وهل كان اعتناق المسيحية، بما صاحبه من تراجع في مكانة العبادات القديمة، سببًا في الوهن الذي أصاب الإمبراطورية؟
لم يكتفِ أوغسطين بالردّ على هذه الاتهامات ردًّا دفاعيًّا مباشرًا، بل اتّخذ منها منطلقًا لتشييد تصوّر شامل للتاريخ، يعيد النظر في معنى المجد السياسي، وفي طبيعة الجماعة الإنسانية، وفي الغاية التي يتوجّه إليها الوجود البشري. فقد أمضى شبابه في طلب الحقيقة، متنقّلًا بين مذاهب ومدارس فلسفية متباينة، وعرف المانوية والشكوكية والأفلاطونية المحدثة، قبل أن يستقرّ على المسيحية. وكان قد ألّف الاعترافات، وكتب في مسائل الثالوث، وبلغ تصوّره للنعمة الإلهية مرحلة متقدّمة من النضج والصرامة. فجاء كتاب مدينة الله ثمرةً جامعة لهذا المسار الفكري والروحي، يجمع بين الدفاع عن المسيحية، ونقد الموروث الوثني، وإعادة تأويل تاريخ البشرية بأسره في ضوء رؤية لاهوتية تستمدّ وحدتها من العناية الإلهية ومقصد الخلاص.
بنية الكتاب ومنهجه
يتألّف كتاب مدينة الله من اثنين وعشرين كتابًا، ينتظمها قسمان كبيران، يتمايزان في الوظيفة ويتكاملان في البناء.
يُخصَّص القسم الأول، الممتدّ من الكتاب الأول إلى الكتاب العاشر، للدفاع عن المسيحية ونقض الاعتراضات الوثنية. وفيه يبيّن أوغسطين أن روما عرفت المحن والكوارث قبل ظهور المسيحية، وأن آلهتها المزعومة لم تكن قادرة على صونها من المصائب، كما يكشف عن عجز الفلاسفة الوثنيين، على اختلاف مذاهبهم، عن بلوغ السعادة الحقيقية. وتتدرّج حجّته من استقراء الوقائع التاريخية ونقد دعاوى الوثنيين إلى تفكيك أسس عباداتهم، ثم إلى محاورة الفلسفة الأفلاطونية المحدثة ونقد حدودها، لينتهي إلى أن عبادة الإله الحقّ وحدها هي السبيل إلى الغاية القصوى التي يتطلّع إليها الإنسان.
أمّا القسم الثاني، الممتدّ من الكتاب الحادي عشر إلى الكتاب الثاني والعشرين، فينهض بمهمّة بنائية أوسع وأعمق؛ إذ يتتبّع نشأة مدينتين متقابلتين، وتطوّرهما في التاريخ، ومصير كلّ منهما في نهاية الزمان. ويتناول الكتابان الحادي عشر إلى الرابع عشر أصل المدينتين، من خلال انقسام الملائكة وسقوط الإنسان الأول. ثم تتناول الكتب الخامس عشر إلى الثامن عشر مسارهما التاريخي، من قصة قابيل وهابيل إلى تاريخ بني إسرائيل وسائر الأمم. ويبلغ التحليل ذروته الفلسفية في الكتاب التاسع عشر، حيث يعالج أوغسطين مفهوم السلام بوصفه خيرًا تطلبه المدينتان كلتاهما، وإن اختلفتا في غايته القصوى، ويبحث في طبيعة الدهر (saeculum) باعتباره المجال الزمني الذي تتداخل فيه المدينتان وتتعايشان. أمّا الكتب العشرون إلى الثاني والعشرين، فتتناول مسائل الأمور الأخيرة، من الدينونة العامة وقيامة الأموات إلى المصير الأبدي للإنسان.
وعلى هذا الأساس، لا يمثّل الكتاب مجرّد دفاع عن عقيدة دينية في مواجهة خصومها، بل هو محاولة لإقامة فلسفة للتاريخ، تُفسَّر في ضوئها الوقائع السياسية والاجتماعية ضمن أفق يتجاوز حدود الإمبراطوريات وتقلبات السلطان.
المدينتان؛ حبّان يؤسّسان عالمين
يقوم البناء الفكري لكتاب مدينة الله على التمييز بين مدينتين (civitates)، لا يحدّدهما اختلاف المكان الجغرافي أو النظام السياسي أو الانتماء المؤسسي، بل يحدّدهما، في المقام الأول، اختلاف وجهة الحبّ الذي تتأسّس عليه كلّ منهما. ويصوغ أوغسطين هذا التمييز صياغة جامعة في الكتاب الرابع عشر، حين يردّ نشأة المدينة السماوية إلى حبّ الله (amor Dei) الذي يبلغ غايته في احتقار الذات (usque ad contemptum sui)، ويردّ نشأة المدينة الأرضية إلى حبّ الذات (amor sui) الذي ينتهي إلى احتقار الله (usque ad contemptum Dei).
ولا يتعلّق الأمر هنا بتعارض أخلاقيّ عابر بين فضيلة الإيثار ورذيلة الأنانية، بل ببنية وجودية تحدّد كيفية انفتاح الذات على ما يتجاوزها، أو انغلاقها على نفسها واتخاذها ذاتها غاية نهائية. فالمدينة السماوية تنشأ من حبّ يتوجّه إلى الله، ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبغيره في ضوء هذه الغاية المتعالية؛ أمّا المدينة الأرضية فتنبثق من حبّ الذات حين يستقلّ عن مرجعه المتجاوز، ويغدو طلب الذات لذاتها مبدأً منظّمًا للوجود والفعل.
ومن ثمّ، فإنّ حبّ الله، في التصوّر الأوغسطيني، حبّ علائقيّ بطبيعته؛ إذ يتضمّن، من جهة، محبّة الله للإنسان، ومن جهة أخرى، محبّة الإنسان لله، ضمن علاقة لا تنفصل فيها المحبة عن التوجّه إلى الآخر المتعالي. أمّا حبّ الذات، حين يستحكم ويستقلّ عن كلّ مرجع يتجاوزها، فيردّ العلاقة إلى دائرة مغلقة، فتغدو الذات محبّةً لنفسها بوصفها غايتها القصوى، ويغدو انغلاقها على ذاتها نقيضًا للانفتاح الذي يقتضيه الحبّ المتوجّه إلى الله.
وهكذا تتجاوز المدينتان، عند أوغسطين، معنى الجماعتين السياسيتين المتنافستين؛ فهما نمطان من أنماط الوجود الإنساني، ومبدآن لتنظيم الحياة، ووجهتان متعارضتان للحبّ والإرادة، تتجلّيان في التاريخ من غير أن تنحصر أيّ منهما في كيان سياسي أو مؤسّسة دينية بعينها.
أصل المدينتين وتطوّرهما ومصيرهما
يردّ أوغسطين أصل المدينتين إلى الانقسام الأول في عالم الملائكة، ثم إلى سقوط آدم وحواء. غير أنّه لا يجعل الشرّ جوهرًا مستقلًّا قائمًا بذاته، بل يفهمه بوصفه فسادًا أو حرمانًا (privatio) يصيب طبيعةً هي، من حيث أصل خلقها، خيّرة. فالشرّ ليس مبدأً أزليًّا يضارع الخير أو يقابله في الوجود، وإنما ينشأ من اختلال الإرادة وانحرافها عن النظام الذي به تتحقّق خيريّة الموجودات.
ومن هذا المنظور، يغدو الانصراف عن الله (aversio a Deo) أصلًا لتكوّن المدينة الأرضية؛ إذ تتمثّل الخطيئة، في جوهرها، في انحراف الإرادة عن الخير الأعلى، واتخاذها ما هو أدنى منه غايةً نهائية. وبذلك لا يُفسَّر ظهور المدينة الأرضية بوصفه نشأةً لكيان مستقلّ عن الخليقة الإلهية، بل بوصفه انشقاقًا داخل عالم خلقه الله على الخير، وانحرافًا أصاب إرادة بعض مخلوقاته.
ومع ذلك، لا تعيش المدينتان في التاريخ منفصلتين انفصالًا مكانيًّا أو اجتماعيًّا يمكن ضبط حدوده ضبطًا يقينيًّا، بل تتداخلان في الدهر (saeculum)، أي في مجال الوجود الزمني الذي تجري فيه شؤون البشر. وهما تتشاركان، في هذا المجال، جملةً من الخيرات الدنيوية، وتنتفعان بالمؤسّسات السياسية، وقد تجتمعان في الظاهر على المشاركة في الشعائر والأسرار الدينية. لذلك لا يكفي الانتماء الكنسي، أو تولّي منصب في الإمبراطورية، أو إظهار الاستقامة الأخلاقية، معيارًا حاسمًا لمعرفة المدينة التي ينتمي إليها المرء في الحقيقة.
وقد ينبئ المظهر الخارجي عن خلاف ما يستبطنه الإنسان في وجهة إرادته؛ فثمّة من يشاركون في الأسرار المسيحية، مع أنّهم، من حيث توجّههم الباطني، أقرب إلى المدينة الأرضية، كما أنّ بعض العاملين في مؤسّسات الإمبراطورية قد ينتمون، من حيث غايتهم النهائية، إلى المدينة السماوية. وبذلك لا تتطابق المدينة الأرضية مع الدولة، ولا المدينة السماوية مع الكنيسة في صورتها المؤسسية الظاهرة؛ إذ تتجاوز هوية كلّ مدينة الحدود المرئية التي تنتظم الجماعات البشرية.
وتسعى المدينة الأرضية إلى تحصيل الخيرات الزمنية، وإلى إحكام سلطانها على المجال السياسي والاجتماعي، غير أنّ السياسة، من حيث هي تنظيم للحياة المشتركة وتدبير لشؤون البشر، لا تختزل في ذاتها مشروع المدينة الأرضية، وإن أمكن أن تستولي عليها إرادة السيادة وتوظّفها في خدمة غاياتها.
وتختلف غاية المدينتين باختلاف الخير الذي تتوجّه إليه كلّ منهما. فالمدينة الأرضية تطلب السلام الزمني، بما ينطوي عليه من انتظام شؤون المواطنين، واستقرار العلاقات، وصون الأمن، وتيسير الحياة المشتركة. ولا ينكر أوغسطين قيمة هذا السلام، بل يعترف بأنّه خير حقيقي، وإن ظلّ محدودًا وفانيًا. أمّا المدينة السماوية، فتتطلّع إلى السلام الأبدي الذي يتحقّق في التمتّع الكامل بالله.
وفي الكتاب التاسع عشر، يقدّم أوغسطين تعريفه الشهير للسلام باعتباره «طمأنينة النظام» (tranquillitas ordinis). فالسلام ليس مجرّد غياب النزاع أو انقطاع الحرب، بل هو استقرار الأشياء في ترتيبها الملائم. ومن ثمّ، فإنّ السلام الأرضي، على ما ينطوي عليه من خير، يظلّ ناقصًا قياسًا إلى السلام الأبدي، ولا يستطيع أن يقوم مقامه أو أن يستنفد معناه. وتغدو المدينة الأرضية، بهذا الاعتبار، صورةً ناقصة أو شبيهةً بالمدينة السماوية (simulacrum)، كلّما سعت إلى بلوغ الخير والاستقرار؛ غير أنّها تصبح بديلًا زائفًا عنها حين تُتَّخذ خيراتها المحدودة غايةً نهائية، ويُعلَّق عليها رجاء الإنسان الأخير.
لاهوت التاريخ ومغزى سقوط روما
يستند تصوّر أوغسطين للتاريخ إلى رؤية خطّية وتدبيرية، تختلف اختلافًا جوهريًّا عن التصوّرات الدورية التي عرفتها تقاليد من التأريخ والفلسفة في العالم القديم. فالتاريخ، في نظره، ليس دورانًا أبديًّا للأحداث في دورة لا غاية لها، بل مسار ذو اتجاه، يبدأ بالخلق ويتحرّك نحو الاكتمال، وتضبطه العناية الإلهية وفق تدبير يتجاوز إدراك الإنسان المحدود.
وهذه الخطّية ليست مجرّد خاصية زمنية؛ إذ تتداخل فيها دلالة الزمن مع دلالة الخلاص. فالتاريخ هو المجال الذي تتجلّى فيه أفعال العناية الإلهية، وتنكشف خلاله مسيرة المدينة السماوية، من نشأتها إلى بلوغ غايتها الأخروية. ومن ثمّ، لا تُقاس أهمية الوقائع التاريخية بما تحقّقه من انتصارات سياسية أو توسّع إمبراطوري فحسب، بل بموقعها ضمن المسار الأوسع الذي تتحدّد دلالته النهائية في ضوء غاية الوجود الإنساني.
وفي هذا السياق، يكتسب سقوط روما سنة 410م دلالة تتجاوز الحدث العسكري نفسه. فهو يكشف، من وجهة النظر الأوغسطينية، عن خطأ تعليق الرجاء النهائي على كيان سياسي، مهما بلغ من القوة والمجد. لقد كانت روما مدينةً من مدن العالم الأرضي، ومجدها مجدًا زمنيًّا، ولذلك ظلّ معرّضًا للزوال شأنه شأن سائر الموجودات التاريخية.
ولا يعني ذلك أنّ أوغسطين ينكر قيمة روما أو ينفي كلّ خير عن تاريخها، بل إنّه يعيد تحديد موقعها في نظام أوسع من الدلالات. فسقوطها لا يبرهن على عجز المسيحية عن حماية العالم، كما لا يبرهن على تفوّق الآلهة القديمة؛ وإنما يبيّن، في منطقه، أنّ المصائر السياسية لا تصلح معيارًا نهائيًّا للحقيقة الدينية، وأنّ ازدهار الإمبراطوريات وانهيارها لا يحدّدان وحدهما قيمة الإنسان أو مآله.
وهكذا يجمع ردّ أوغسطين بين الوظيفة الدفاعية والوظيفة التأسيسية: فهو يدفع عن المسيحية تهمة التسبّب في سقوط روما، وفي الوقت نفسه يقترح أفقًا بديلًا لفهم التاريخ، تُعاد فيه كتابة ماضي الإمبراطورية وحاضرها ضمن دراما أوسع، تتقابل فيها المدينتان وتتحدّد دلالتهما النهائية في ضوء المصير الأخروي.
الخطيئة الأصلية والنعمة والقضاء الإلهي
كان أوغسطين، عند إتمام كتاب مدينة الله، قد بلغ في تصوّره للنعمة الإلهية صيغةً متشدّدة، ولا سيّما في ما يتعلّق بقدرة الإرادة البشرية على الخلاص. وهو يؤكّد أنّ الخطيئة الأصلية قد أضعفت الطبيعة البشرية، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يتحرّر من سلطانها تحرّرًا حقيقيًّا إلا بمعونة النعمة التي يمنحها الله من غير استحقاق سابق.
وتنتمي البشرية، في هذا التصوّر، إلى ما اصطلح أوغسطين على تسميته «كتلة الهلاك» (massa damnata)، أي الجماعة البشرية المنحدرة من آدم، التي ورثت آثار السقوط وصارت عاجزة، بقواها الذاتية وحدها، عن ابتداء حركة خلاصية مستقلة نحو الله. ولا يعني ذلك، في اصطلاحه، أنّ الإرادة البشرية قد زالت أو أنّ الإنسان صار فاقدًا لكلّ قدرة على الاختيار، بل يعني أنّ الإرادة، في حالتها الساقطة، لا تستطيع أن تحقّق الحرية الكاملة بمجرد اعتمادها على ذاتها.
وهنا يميّز أوغسطين بين مجرّد امتلاك الإرادة والحرية الحقيقية. فالإنسان يستطيع أن يريد ويختار، غير أنّ الإرادة المستعبدة للخطيئة لا تملك، من تلقاء نفسها، القدرة على بلوغ الخير الأعلى. أمّا الحرية الحقيقية (libertas)، فلا تتمثّل في مجرّد التصرّف وفق الرغبة، بل في القدرة على فعل الخير والتحرّر من سلطان الخطيئة، وهي قدرة لا يكتسبها الإنسان بقواه الطبيعية وحدها، وإنّما تُوهب له بالنعمة الإلهية.
ويتّصل بذلك مفهوم القضاء السابق (praedestinatio)، الذي يدلّ على الاختيار الأزلي الذي يخصّ به الله بعض البشر بالخلاص. ويشدّد أوغسطين على أنّ هذا الاختيار لا يقوم على استحقاق سابق أو على أعمال صالحة علم الله أنّ الإنسان سيؤدّيها باستقلال عن نعمته، بل يُردّ إلى الرحمة الإلهية التي لا يستطيع العقل البشري الإحاطة بأسرارها.
ومن هذا المنظور، ترتبط المدينة السماوية، في هويتها الباطنة ومآلها الأخروي، بجماعة الذين اختارهم الله للخلاص، في حين ترتبط المدينة الأرضية بجماعة من يثبتون في الخطيئة ولا يبلغون الخلاص. ومع أنّ أوغسطين لا يجعل البحث المطوّل في القضاء السابق محورًا ظاهرًا لجميع مباحث مدينة الله، فإنّ هذا الاعتقاد يظلّ حاضرًا في بنية تصوّره لمصير المدينتين، ويؤدّي دورًا أساسيًّا في تفسير انفصالهما النهائي عند انقضاء التاريخ.
الكنيسة والدولة في الفكر السياسي الأوغسطيني
يقطع التصوّر السياسي الذي يقدّمه أوغسطين في مدينة الله مع أيّ محاولة لإقامة تطابق جوهري بين الإمبراطورية الرومانية والمدينة السماوية، كما يرفض أن يُفهم اعتناق قسطنطين للمسيحية أو تحوّل الإمبراطورية إلى رعاية الدين المسيحي على أنّه تأسيس سياسي نهائي لملكوت الله في الأرض.
فالكنيسة والإمبراطورية مؤسّستان تاريخيتان تضمان أشخاصًا لا تتطابق بالضرورة انتماءاتهم الظاهرة مع هوياتهم الروحية الحقيقية. ولا يكفي الانتماء إلى الكنيسة، من حيث هو انتماء مؤسسي، لإثبات انتماء المرء إلى المدينة السماوية، مثلما لا يحول تولّي منصب في الإمبراطورية دون أن يكون صاحبه من أهلها، أو من أهل المدينة الأرضية. فالمعيار الحاسم ليس الموقع المؤسسي في ذاته، بل وجهة الحبّ والإرادة والغاية التي ينظّم بها الإنسان حياته.
ولا ينظر أوغسطين إلى الإمبراطورية بوصفها خيرًا مطلقًا، كما لا يجعلها شرًّا محضًا. فهي تؤدّي وظيفة ضرورية في عالم أصابته الخطيئة، إذ تسهم في الحدّ من الصراع، وضبط العلاقات، وصيانة قدر من النظام والأمن. غير أنّها تظلّ، شأنها شأن سائر الترتيبات السياسية، خاضعة لتدبير إلهي لا يحيط الإنسان بجميع مقاصده.
وتكشف الإمبراطورية، في الوقت نفسه، عن إمكان استيلاء إرادة السيطرة، أو ما يسمّيه أوغسطين «شهوة السيادة» (libido dominandi)، على الحياة السياسية. فالرغبة في الحكم والتسلّط قد تحوّل السلطة من وسيلة لتنظيم الحياة المشتركة إلى غاية في ذاتها، وتدفع الجماعة السياسية إلى طلب المجد والسيادة بدلًا من الاكتفاء بالخيرات المحدودة التي تستطيع الدولة تحقيقها.
ومع ذلك، لا يستلزم هذا النقد دعوة المسيحيين إلى الانسحاب من الشأن العام أو الامتناع عن المشاركة في الحياة السياسية. فالمسيحي، في نظر أوغسطين، حاجّ (peregrinus) في هذا العالم: يقيم في المدينة الأرضية، وينتفع بما تتيحه من سلام ونظام ومؤسّسات، ويسهم في صيانة خيراتها المشتركة، من غير أن يجعلها موطنه النهائي أو يعلّق عليها رجاءه الأقصى.
وعلى هذا الأساس، يمكن فهم الدولة بوصفها تدبيرًا يحدّ من آثار الخطيئة ويضبط بعض نتائجها، لا بوصفها طريقًا مستقلًّا إلى الخلاص. فالعدالة السياسية، مهما بلغت، تظلّ عدالةً محدودة بحدود الوجود التاريخي، ولا تستطيع أن تحقّق السلام الكامل الذي لا يتحقّق إلا في المدينة السماوية.
أمّا موقف أوغسطين من الإكراه الديني، فينطوي على توتّر واضح. فهو يقبل الاستعانة بالسلطة المدنية في بعض مسائل الانضباط الكنسي، وهو موقف أسهم لاحقًا في توفير مسوّغات لسياسات الإكراه والاضطهاد الديني. غير أنّه لا يساوي، من حيث المبدأ، بين الإكراه والإيمان الحقيقي؛ إذ لا يستطيع الضغط الخارجي، بمجرّده، أن يُنشئ في النفس إيمانًا صادقًا. وتظلّ وظيفة السلطة، في هذا السياق، ذات بُعد تأديبي وتربوي، فيما يبقى عدل الدولة تاريخيًّا ومحدودًا، لا يبلغ مرتبة العدالة الإلهية الكاملة.
الحرب العادلة والسلام
لا ينكر أوغسطين أنّ المدينة الأرضية تستطيع أن تحقّق قدرًا من السلام، يتجلّى في انتظام القوانين، واستقرار العلاقات الاجتماعية، وصيانة الأمن، والحدّ من العنف والفوضى. وهذا السلام، على نقصه، خير يستحقّ المحافظة عليه، ومن ثمّ فإنّ مشاركة المسيحيين في حمايته ليست منافية لانتمائهم إلى المدينة السماوية.
غير أنّ الاعتراف بقيمة السلام الأرضي لا يفضي إلى اعتباره غايةً نهائية. فهو سلام مؤقّت، تظلّ شروطه التاريخية معرّضة للتبدّل والزوال، ولا يستطيع أن يفي بجميع مقتضيات الخير الإنساني. إنّه خير ينبغي الانتفاع به والمحافظة عليه، من غير أن يتحوّل إلى موضوع تأليه أو إلى بديل من السلام الأبدي.
وفي ما يتعلّق بالحرب، أسهم أوغسطين إسهامًا مهمًّا في تشكيل التقليد المسيحي اللاحق لنظرية الحرب العادلة. فهو لا ينظر إلى الحرب باعتبارها خيرًا في ذاتها، بل يراها شرًّا مؤلمًا قد تقتضيه ظروف معيّنة، كصدّ العدوان، أو حماية الأبرياء، أو استعادة قدر من النظام والعدل. ومن ثمّ، لا تُقاس مشروعية الحرب بمجرد النصر الذي تحقّقه، ولا بالمنفعة السياسية التي تجنيها الدولة منها، بل بطبيعة الأسباب التي تدعو إليها، وبالسلطة التي تأذن بها، وبالغاية التي يُراد بلوغها.
وتتبلور في التراث الأوغسطيني، وفيما تطوّر عنه لاحقًا من تنظير للحرب العادلة، جملة من الاعتبارات الأساسية، منها صدور الحرب عن سلطة شرعية، واستنادها إلى سبب عادل، وتوجّه النية إلى تحقيق السلام لا إلى الانتقام أو طلب المجد، واستنفاد السبل السلمية الممكنة قبل اللجوء إلى القوة، ومراعاة التناسب في استعمالها. غير أنّ هذه المعايير، بصيغتها المنظّمة، قد تبلورت في التقليد اللاحق، ولا ينبغي إسقاط جميع تفاصيلها على نصوص أوغسطين كما لو أنّها وردت عنده في صورة قائمة مكتملة.
وحتى حين تتوافر المبرّرات التي قد تجعل الحرب مقبولة، لا تزول عنها طبيعتها المأساوية، ولا يصبح القتل موضوعًا للابتهاج أو التفاخر. فالغاية المنشودة ليست الحرب في ذاتها، ولا المجد العسكري، بل السلام الذي يُرجى أن تفضي إليه. ومن ثمّ، يظلّ الحزن على الحرب، وما تنطوي عليه من آلام وخسائر، جزءًا من الموقف الأخلاقي الذي يقتضيه التطلّع إلى السلام.
الأمور الأخيرة والمصير الأبدي للمدينتين
ينتهي البناء التاريخي واللاهوتي لكتاب مدينة الله إلى الفصل النهائي بين المدينتين. فالتاريخ، في الرؤية الأوغسطينية، ليس سلسلةً من الوقائع المتناثرة التي لا يجمعها مقصد، ولا دورةً أبديةً تتكرّر فيها الأحوال من غير غاية، بل مسار تتوجّه به العناية الإلهية نحو خاتمته.
وتتمثّل هذه الخاتمة في عودة المسيح، وقيامة الأموات، والدينونة العامة، ثم انكشاف المصير الأبدي لكلّ من المدينتين. ففي نهاية الزمان، تنتهي الأوضاع التاريخية التي ظلّت فيها المدينتان متداخلتين، وينفصل مصير كلّ منهما عن الآخر انفصالًا نهائيًّا. وتبلغ المدينة السماوية غايتها في التمتّع الأبدي بالله، بينما ينتهي مصير المدينة الأرضية إلى العقاب الأبدي والانفصال عن الخير الأعلى.
ولا يُفهم انتصار المدينة السماوية، في هذا السياق، بوصفه ثمرة تفوّقها العسكري أو السياسي في العالم، ولا باعتباره نتيجةً حتمية لتراكم قوتها التاريخية؛ إنّه، بالأحرى، ثمرة أمانة الله لوعده وتحقيقه غاية تدبيره. فالمدينة السماوية قد تبدو، في مجرى التاريخ، ضعيفةً أو مهمّشةً أو عاجزةً عن فرض سلطانها على العالم، غير أنّ موقعها الحقيقي لا يتحدّد بموازين القوة الدنيوية، بل بمصيرها الأخروي.
ومن ثمّ، فإنّ الأمل الذي يقدّمه أوغسطين ليس رجاءً في دوام الإمبراطوريات أو في إقامة نظام سياسي يبلغ الكمال، بل رجاءٌ في غاية تتجاوز التاريخ من غير أن تنفي دلالته، وتمنح الوجود الإنساني أفقًا لا تستطيع التحوّلات السياسية ولا الكوارث التاريخية أن تستنفده.
الأهمية الفكرية والفلسفية لكتاب مدينة الله
تنبع الأهمية التاريخية والفلسفية لكتاب مدينة الله من أنّه قدّم للمسيحية إطارًا فكريًّا جديدًا لفهم علاقتها بالتاريخ والسياسة، ولا سيّما في لحظة بدا فيها أنّ النظام الذي احتضنها قد أصيب بانهيار يصعب تجاوزه. فقد أتاح أوغسطين للمسيحيين أن يميّزوا بين مصير الإيمان ومصير الإمبراطورية، وأن يدركوا أنّ انهيار النظام السياسي لا يستلزم انهيار الحقيقة الدينية، كما أنّ ازدهار الدولة لا يشهد، في ذاته، على رضا الله عنها أو على قربها من الخلاص.
ولم يقف أثر الكتاب عند حدود الجدل الديني الذي نشأ في أعقاب سقوط روما، بل امتدّ إلى تشكيل جانب كبير من التصوّرات الغربية للتاريخ، والعلاقة بين الكنيسة والدولة، وطبيعة السلطة السياسية، ومشروعية الحرب، وحدود العدالة الأرضية، ومعنى الرجاء الإنساني. وقد أتاح تصوّره للمدينتين إطارًا نظريًّا للتفكير في التمييز بين الجماعة السياسية والغاية الدينية، وإن كانت تطبيقاته اللاحقة قد اختلفت، بل تناقضت أحيانًا، باختلاف السياقات التاريخية والتأويلات اللاهوتية.
وتكمن إحدى أبرز خصائص هذا العمل في أنّه ينقل السؤال عن معنى التاريخ من مجال تعاقب الانتصارات والهزائم إلى مجال الغايات التي تنظّم الوجود الإنساني. فليس كلّ ما يزدهر جديرًا بالخلود، وليس كلّ ما ينهار دليلًا على البطلان؛ إذ قد تبلغ الدولة أقصى درجات القوة من غير أن تحقّق الخير الأعلى، وقد تتعرّض جماعة ما للهزيمة في العالم من غير أن تفقد، في المنظور الأوغسطيني، وجهتها الأخروية.
ومع ذلك، فإنّ البعد التاريخي والسياسي للكتاب لا يستنفد دلالته؛ إذ يظلّ في صميمه سؤالٌ يتعلّق بالإنسان نفسه، وبالوجهة التي تنتظم بها إرادته، وبالخير الذي يختاره غايةً لحياته. ومن هنا، فإنّ التمييز بين المدينتين لا يُختزل في تصنيف الجماعات والمؤسسات، بل يعود في النهاية إلى سؤال عن الحبّ بوصفه مبدأً يؤسّس الذات ويحدّد علاقتها بالعالم.
فالسؤال الذي يوجّهه أوغسطين إلى قارئه، في جوهر مشروعه، هو: ما الخير الذي تحبّه حبًّا يعلو على سائر الخيرات؟ وأيّ غاية تمنحها لإرادتك، وتعيد في ضوئها ترتيب علاقتك بنفسك وبالآخرين وبالعالم؟ إنّ وجهة الحبّ، في هذا التصوّر، ليست مجرّد شأن وجداني خاص، بل هي المبدأ الذي تتحدّد به هوية الإنسان، ويتشكّل وفقه انتماؤه، وينكشف على أساسه مصيره.
فالإنسان، عند أوغسطين، لا يُعرَف فحسب بما يملكه أو بما يحقّقه من مجد، ولا بالمؤسّسات التي ينتسب إليها أو بالموقع الذي يشغله في نظام السلطة، بل بما يحبّه، وبالترتيب الذي يقيمه بين الخيرات، وبالغاية التي يوجّه إليها وجوده. ومن ثمّ، فإنّ السؤال عن المدينة التي ينتمي إليها الإنسان هو، في عمقه، سؤال عن الحبّ الذي يسكنه، وعن الخير الذي اتخذه مبدأً لحياته ومآلًا لوجوده.



#شربل_نصار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن «موضوع الأيديولوجيا السّامي» (1989) - سلافوي جيجك
- نقد أدورنو لهايدغر: رطانة الأصالة


المزيد.....




- -هل تعتقد أنك تُستخدم ككبش فداء لمشاكل ترامب-؟.. زيلينسكي ير ...
- النفط يقفز إلى 110 دولارات للبرميل لأول مرة منذ 5 أشهر.. ما ...
- إيران تحدد 3 شروط للصلح مع الولايات المتحدة
- دول معاهدة الأمن الجماعي تجري مناورات
- معتمر باكستاني يعود من الموت بعد 14 ثانية
- اختتام منتدى -أسبوع الطاقة الروسي-
- بعد خمسة أيام في المنصب.. ترامب ينهي مهام المتحدثة باسم البي ...
- زيلينسكي في مهبّ العاصفة
- سوريا.. سماع دوي انفجارات وحديث عن تصد لمسيرات معادية في غرب ...
- ليبيا: روسيا شريك مهم بقطاع الطاقة


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شربل نصار - مدينة الله عند القديس أوغسطين: فلسفة التاريخ ومصير الإنسان