أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - جوزيف مسعد - ثلاثة أعوام من الإبادة: ما الذي عجزت إسرائيل عن تدميره؟















المزيد.....


جوزيف مسعد - ثلاثة أعوام من الإبادة: ما الذي عجزت إسرائيل عن تدميره؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 00:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إعداد وترجمة: د. زياد الزبيدي بتصرّف


16 تشرين الأول أكتوبر 2026

▪️مقدمة

لا يعرف القارئ العربي على نطاق واسع البروفيسور جوزيف مسعد، الأكاديمي الفلسطيني الأصل وأستاذ جامعة كولومبيا في نيويورك، رغم حضوره في النقاشات الأكاديمية والسياسية المتعلقة بفلسطين والصهيونية والإستعمار. ويتابع بعض القراء مقالاته المنشورة في مواقع غربية أو عربية، فيما واجهت كتاباته ومواقفه إنتقادات وحملات إستهدفت تشويهها، ولا سيما من أوساط مؤيدة لإسرائيل.
وتتيح مقابلة مطوّلة أجراها معه موقع «الإنتفاضة الإلكترونية» في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2026 فرصة للتعرف إلى أفكاره من خلال القضية التي تتصدر المشهد العالمي: حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وما خلّفته من دمار بشري ومادي، وما كشفته عن طبيعة المشروع الصهيوني وعلاقة إسرائيل بالغرب وحدود الخطاب الليبرالي حول حقوق الإنسان.
لا يقتصر مسعد على تحليل الحرب ونتائجها المباشرة، بل يضعها في سياق تاريخي أوسع، يعود فيه إلى نشأة الصهيونية، وتطور الإستعمار الإستيطاني، والمصالح الإمبراطورية التي يرى أنها أسهمت في قيام إسرائيل وإستمرار الدعم الغربي لها. ويتناول كذلك موقف الأنظمة العربية، والتحولات التي طرأت على الرأي العام الغربي، والتناقض بين التعاطف مع الفلسطينيين بوصفهم ضحايا وبين الإعتراف بحقهم في مقاومة الإحتلال.
فيما يلي عرض لأبرز أفكاره، مع الحفاظ قدر الإمكان على منطقه وتسلسل حججه، وترك المساحة الأكبر له كي يشرح موقفه بنفسه.

▪️ما الذي لم تنجح ثلاثة أعوام من الحرب في تحقيقه؟

يرى مسعد أن السنوات الثلاث من الحرب لم تغيّر طبيعة العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين بقدر ما كشفتها ودفعتها إلى مستوى أشد عنفاً. فما بدأ، في نظره، بوصفه مشروعاً إستعمارياً إستيطانياً يسعى إلى السيطرة على الأرض وإقصاء سكانها الأصليين، وصل إلى مرحلة إتسمت بإتساع نطاق التدمير والعنف، من دون أن يحقق الغاية السياسية الأبعد: محو الفلسطينيين بوصفهم شعباً له وجود وحقوق وتطلعات وطنية.
ويقول إن إستمرار المقاومة الفلسطينية، منذ أواخر القرن التاسع عشر، حال دون تحقيق هذا الهدف. فالمشروع الإستيطاني، على الرغم من تفوقه العسكري والدعم الخارجي الذي يحظى به، لم يتمكن من إنهاء الوجود الفلسطيني أو إنتزاع موافقة مستقرة من العالم على شرعيته التاريخية والسياسية.
ويضع مسعد إسرائيل في سياق أوسع من تجارب الإستعمار الإستيطاني، مستحضراً الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، حيث تمكن المستوطنون الأوروبيون، عبر قرون من العنف والإقصاء، من إقامة دول حافظت على هيمنة المستوطنين ومؤسساتهم. لكنه يرى أن إسرائيل تواجه تناقضات لم تُحسم بعد، تتعلق بالتركيبة السكانية، ومستقبل السيطرة على الأرض، والإنقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ويشير إلى التراجع في الهجرة إلى إسرائيل، وإلى الإنقسامات بين المتدينين وغير المتدينين، وبين من يخدمون في الجيش ومن يرفضون الخدمة، وبين معسكرات اليمين واليسار وأنصار بنيامين نتنياهو وخصومه. وهذه التناقضات، في قراءته، ليست خلافات سياسية عابرة فحسب، بل تعكس صعوبة الحفاظ على مجتمع إستيطاني موحد حول مشروع طويل الأمد، خصوصاً حين تستمر المقاومة وتتزايد الكلفة البشرية والسياسية والأخلاقية للحرب.
إن المسألة، كما يراها مسعد، لا تتعلق بما تستطيع إسرائيل تدميره من مبانٍ وبنى تحتية، بل بما إذا كان بوسع القوة العسكرية أن تحوّل شعباً بأكمله إلى جماعة بلا مستقبل سياسي. فالتدمير الواسع لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، وقد يؤدي، على العكس، إلى تعميق الصراع وتوسيع دائرة الرافضين للمشروع الإسرائيلي.

▪️الصهيونية ليست مجرد فكرة عن الهوية

يرفض مسعد التعامل مع الصهيونية بإعتبارها مفهوماً فضفاضاً يمكن أن يعني أشياء مختلفة تماماً بحسب الأشخاص الذين يستخدمونه. وهو يرى أن هذا التوسع في التعريف يسمح أحياناً بتجاوز السؤال الأساسي المتعلق بطبيعة المشروع السياسي الذي نشأت الصهيونية من أجله.
ويقول إن من الضروري العودة إلى الصهيونية المنظمة التي تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر، ولا سيما مع تأسيس المنظمة الصهيونية عام 1897. فمن وجهة نظره، لم يكن الأمر مجرد حركة ثقافية تهدف إلى إحياء هوية يهودية أو حماية جماعة تعرضت للإضطهاد، بل مشروعاً سياسياً سعى إلى إقامة وطن قومي في فلسطين، التي كان يعيش فيها شعب آخر.
ويضع مسعد نشأة الصهيونية ضمن المرحلة التاريخية التي كانت فيها القوى الأوروبية تتنافس على الأراضي والموارد والنفوذ، وتبرر التوسع الإستعماري بخطابات دينية وحضارية. وفي هذا السياق، يرى أن الصهيونية تبنت منطق الإستعمار الإستيطاني: الإنتقال إلى أرض يسكنها شعب أصلي، وإقامة مؤسسات سياسية وإقتصادية وعسكرية تهدف إلى ترسيخ وجود المستوطنين وسيطرتهم.
ولا ينكر هذا التحليل، في عرضه، حقيقة إضطهاد اليهود في أوروبا، بل يميز بين معاناة اليهود وبين الحل السياسي الذي إقترحته الصهيونية. فإضطهاد جماعة ما لا يمنح حقاً تلقائياً في إقامة مشروع سياسي على أرض شعب آخر أو إنتزاع حقوقه.
ويستحضر مسعد في هذا السياق حركة البوند الإشتراكية اليهودية في أوروبا الشرقية، التي دافعت عن حقوق اليهود الثقافية واللغوية والإجتماعية في البلدان التي عاشوا فيها، ولم تجعل الهجرة إلى فلسطين وإقامة دولة منفصلة الحل الوحيد للمسألة اليهودية. كما يشير إلى تجارب سوفياتية لإقامة مناطق للحكم الذاتي اليهودي، معتبراً أنها تختلف عن المشروع الصهيوني من حيث عدم قيامها على الإستيلاء على أرض شعب آخر.
والمقصود من هذه المقارنة، كما يعرضها، هو التأكيد أن اليهود لم يكونوا كتلة واحدة تتبنى الصهيونية، وأن تاريخهم السياسي والفكري عرف تيارات مختلفة، بعضها عارض المشروع الصهيوني منذ بداياته.

▪️الإستعمار الإستيطاني: من فلسطين إلى التجارب الأخرى

لا يتعامل مسعد مع ما يجري في فلسطين بإعتباره ظاهرة منفصلة عن تاريخ العالم الحديث. فهو يربط التجربة الفلسطينية بمسارات الإستعمار الإستيطاني الأوروبي في مناطق أخرى، حيث أستُخدمت القوة العسكرية والقوانين والمؤسسات لتغيير الواقع السكاني والسياسي، وإضعاف السكان الأصليين أو إقصائهم.
ويستحضر تجارب الإستيطان البريطاني والأفريكاني في إفريقيا، إلى جانب التجربة الأميركية والكندية والأسترالية والنيوزيلندية. ويرى أن هذه الحالات، على إختلاف ظروفها التاريخية، تكشف عن نمط متكرر: مشروع إستيطاني يسعى إلى تثبيت السيطرة على الأرض، ثم يقدم وجوده بوصفه أمراً طبيعياً أو شرعياً، فيما يُدفع السكان الأصليون إلى هامش النظام السياسي أو يُحرمون من حقوقهم.
ومن هذا المنطلق، يرفض مسعد تصوير العنف الإسرائيلي بإعتباره إنحرافاً طارئاً عن مسار طبيعي، أو مجرد نتيجة لسياسات حكومة بعينها. فهو يرى أن فهم الحرب يتطلب النظر إلى البنية التاريخية التي نشأت داخلها الدولة الإسرائيلية، وإلى العلاقة بين الإستيطان والسيطرة على الأرض وإخضاع السكان الفلسطينيين.
ويشير إلى أن الفلسطينيين حذروا طويلاً من طبيعة المشروع الصهيوني، لكن قطاعات واسعة من الغرب لم تأخذ تحذيراتهم بالجدية اللازمة إلا بعد أن بلغ العنف مستويات هائلة. ويعترف بأنه كان يعتقد أن المجتمعات الغربية التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية ستتمكن من وقف إسرائيل أو إجبارها على تغيير مسارها، لكنه خلص إلى أن هذا الإعتقاد لم يكن واقعياً بالقدر الذي تصوره.
ويؤدي هذا الإستنتاج إلى سؤال أوسع: هل تكفي المبادئ المعلنة لتفسير سياسات الدول، أم أن المصالح الإستراتيجية تحدد في كثير من الأحيان الحدود الفعلية لتلك المبادئ؟

▪️لماذا تدعم الولايات المتحدة إسرائيل؟

يقدم مسعد تفسيراً للدعم الغربي لإسرائيل يقوم على تداخل المصالح الإستراتيجية والأفكار الأيديولوجية، لا على فرضية أن إسرائيل تتحكم بالولايات المتحدة أو تجرها إلى قراراتها.
فهو يرى أن إسرائيل إحتلت موقعاً مهماً في الحسابات الغربية لأنها تُعامل بإعتبارها إمتداداً إستراتيجياً للغرب في منطقة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة. ويعيد جانباً من جذور هذا التصور إلى التاريخ الإمبراطوري البريطاني والفرنسي، وإلى أهمية قناة السويس وطرق التجارة والمواصلات، ثم إلى المصالح المرتبطة بالنفط وأمن الإمدادات والتحكم في البيئة الإستراتيجية للشرق الأوسط.
كما يتناول البعد الديني في نشأة بعض تيارات الدعم الغربي للصهيونية، ولا سيما بين الإنجيليين الذين ربطوا عودة اليهود إلى فلسطين بتصورات دينية عن عودة المسيح. ويرى أن هذا البعد أسهم في توفير غطاء أيديولوجي لمشروع كانت له أيضاً أهداف سياسية وإستراتيجية.
لكن مسعد يرفض أن يُختزل الدعم الأميركي لإسرائيل في تأثير جماعات الضغط المؤيدة لها. فهو لا ينكر نفوذ هذه الجماعات، ولا ينكر قدرتها على التأثير في النقاش السياسي الأميركي، لكنه يعتبر أن تصويرها بإعتبارها القوة التي تتحكم في القرار الأميركي يحجب طبيعة العلاقة الأوسع.
وفي رأيه، يدور الصراع الحقيقي داخل النخب الأميركية حول أفضل السبل لحماية المصالح الأميركية: هل يكون التحالف مع إسرائيل هو الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق تلك المصالح، أم أن سياسات إسرائيل قد تتحول في ظروف معينة إلى عبء على الولايات المتحدة؟
وبذلك، لا تظهر إسرائيل في تحليله بإعتبارها قوة منفصلة تستطيع ببساطة إملاء إرادتها على واشنطن، بل بإعتبارها شريكاً إستراتيجياً يحظى بدعم قطاعات نافذة من النخبة الأميركية، فيما تتقاطع مصالحه مع تصورات أوسع عن النفوذ الأميركي في المنطقة.
وهذا التمييز مهم بالنسبة إلى مسعد، لأنه يوجه النقد إلى بنية التحالف ومصالحه، بدلاً من تحويل القضية إلى تفسير يقوم على إفتراض وجود قوة خفية تتحكم في السياسة الأميركية.

▪️التطبيع العربي: من يحمي من؟

ينتقل مسعد من العلاقة الأميركية الإسرائيلية إلى موقف الأنظمة العربية، ويقدم قراءة نقدية لمسار التطبيع مع إسرائيل.
فهو يرى أن التطبيع لم ينطلق، في جوهره، من إعتقاد بأن إسرائيل ستغير سياساتها أو ستتخلى عن طموحاتها الإقليمية، بل من حسابات تتعلق ببقاء الأنظمة العربية ومصالح النخب الحاكمة، وبالحصول على دعم واشنطن أو ضمان إستمرار العلاقات معها.
ويستحضر في هذا السياق مسارات التقارب بين دول عربية وإسرائيل، ويربطها بمحاولات تلك الدول تعزيز علاقاتها الإقتصادية والسياسية بالولايات المتحدة، وإحتواء الضغوط التي تعرضت لها في مراحل مختلفة.
ومن وجهة نظره، قبلت أنظمة عربية مكانة الحليف الأقل وزناً في العلاقة مع واشنطن، على أمل أن توفر لها هذه العلاقة الحماية والإستقرار. غير أن الأحداث الإقليمية، كما يقرأها، أظهرت حدود الإعتماد على الضمانات الأميركية، وأثارت تساؤلات حول مدى إستعداد الولايات المتحدة لتحمل المخاطر من أجل حماية حلفائها العرب.
ويشير مسعد إلى التطورات المرتبطة بالحرب مع إيران، وإلى ما يعتبره مؤشرات على أن الأولويات الأميركية والإسرائيلية لا تتطابق بالضرورة مع حسابات الأمن العربي. كما يتناول الهجوم الإسرائيلي على قطر، ويربط النقاش حوله بمشاريع إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، ومنها التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان الذي يذكره في المقابلة.
ولا ينظر مسعد إلى هذه التحولات بإعتبارها مجرد خلافات دبلوماسية، بل يربطها بسؤال أعمق عن طبيعة النظام الإقليمي: هل تستطيع الدول العربية الإعتماد على تحالفات خارجية لحماية أمنها، بينما تستمر مصالح القوة الكبرى وحليفتها الإسرائيلية في تحديد أولويات المنطقة؟
وفي قراءته، لا يمكن فهم التطبيع بمعزل عن المصالح الإقتصادية والسياسية للنخب التي تدعمه. فهو يرى أن هذه النخب قد تفضل المحافظة على مواقعها وعلاقاتها الدولية حتى عندما تتعارض تلك الخيارات مع المطالب الشعبية المتعلقة بفلسطين.

▪️القيادة الفلسطينية وأزمة الرهان على التسوية

لا يوجه مسعد نقده إلى إسرائيل والولايات المتحدة والأنظمة العربية وحدها، بل يتناول أيضاً النخب الفلسطينية التي راهنت على مسار التسوية السياسية.
ويضع هذه النخب في سياق أوسع من تجارب المجتمعات الخاضعة للإستعمار، حيث تظهر، بحسب تحليله، قوى محلية ترى أن التعاون مع السلطة القائمة أو التفاوض معها قد يتيح لها الإحتفاظ بمصالحها وتحقيق مكاسب محدودة، حتى إن لم يؤد ذلك إلى إنهاء السيطرة الإستعمارية.
وفي الحالة الفلسطينية، يرى مسعد أن إتفاق أوسلو أفضى إلى نشوء بنية سياسية وإقتصادية إرتبطت بمصالح فئات محددة، راهنت على الحصول على حقوق محدودة في الضفة الغربية وقطاع غزة، مقابل التخلي عن أجزاء أساسية من المطالب الوطنية الفلسطينية.
ويقول إن طبقة من رجال الأعمال والمصالح الإقتصادية إستفادت من البيئة التي نشأت بعد أوسلو، وإن بعض هذه المصالح قد تجد فرصاً جديدة في المشاريع الإقتصادية المقترحة لغزة، بما فيها التصورات التي روج لها دونالد ترامب لتحويل القطاع إلى منطقة إستثمارية وسياحية.
ويثير مسعد هنا سؤالاً عن العلاقة بين المصالح الإقتصادية والقرار السياسي: هل تستطيع طبقة إقتصادية مرتبطة بمسار التسوية أن تتخلى عن هذا المسار عندما يتضح عجزه عن تحقيق الحقوق الوطنية؟ أم أن إستمرار مصالحها قد يدفعها إلى قبول ترتيبات لا تحقق تطلعات الفلسطينيين؟
ويتناول كذلك مروان البرغوثي، الذي شارك في المرحلة السياسية المرتبطة بأوسلو، ثم أصبح من أبرز الشخصيات الفلسطينية التي إرتبط إسمها بالمقاومة والسعي إلى إنهاء الإحتلال. ويطرح مسعد إحتمال أن تأمل أطراف أميركية وأوروبية وفئات فلسطينية في أن يؤدي الإفراج عنه إلى إعادته إلى مسار التسوية، لكنه لا يرى أن هذا الإحتمال يمكن إعتباره نتيجة محسومة.
والفكرة الأساسية في نقده أن القضية الفلسطينية لا تتعلق فقط بالصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، بل أيضاً بالخلاف حول طبيعة المشروع الوطني نفسه، وبالتناقض بين من يضع إنهاء السيطرة الإستعمارية في مقدمة الأولويات، ومن يقبل بتسويات محدودة قد تحفظ مصالح سياسية وإقتصادية قائمة.

▪️الرأي العام الغربي: تحول حقيقي أم تضامن مشروط؟

يرى مسعد أن الحرب على غزة أحدثت تحولاً ملحوظاً في قطاعات من الرأي العام العالمي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة. ويشير إلى الجامعات والطلاب والأكاديميين والفنانين والصحفيين، وإلى تنامي الإعتراض على السياسات الإسرائيلية في أوساط من الشباب والتيارات الديمقراطية الأميركية.
ويعتبر أن هذا التحول مهم لأنه أضعف، في بعض الأوساط، قدرة الرواية الإسرائيلية التقليدية على إحتكار تفسير ما يجري. فالمشاهد القادمة من غزة، وحجم الدمار والضحايا، أثارا تساؤلات حول التناقض بين الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان وبين إستمرار الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل.
لكن مسعد يحذر من المبالغة في تفسير هذا التحول. فالتعاطف مع الفلسطينيين لا يعني بالضرورة قبول حقهم في مقاومة الإحتلال، كما أن الإعتراض على حجم العنف الإسرائيلي لا يعني دائماً رفض البنية السياسية التي أنتجته.
ولشرح هذه النقطة، يستحضر الناشط الجنوب أفريقي ستيف بيكو وإنتقاداته لليبراليين البيض في ظل نظام الفصل العنصري. ويقول إن بعض الليبراليين كانوا مستعدين للإعتراف بظلم النظام، لكنهم أرادوا في الوقت نفسه تحديد الوسائل التي يجوز للسود إستخدامها في مواجهته، ووضع حدود لطموحاتهم السياسية.
ويرى مسعد أن هذا النمط يتكرر في بعض أشكال التضامن الغربي مع الفلسطينيين: يُسمح بالتعاطف مع الضحايا، لكن حين ينتقل الفلسطينيون من موقع الضحية إلى موقع الفاعل السياسي الذي يقاوم السيطرة المفروضة عليه، يصبح التضامن أكثر تردداً أو يتحول إلى إدانة.
ويصف مسعد هذا الموقف بأنه محاولة للإحتفاظ بالسلطة الأخلاقية، بحيث يبقى الطرف الغربي هو الذي يحدد ما يُعد مقاومة مقبولة، وما يتجاوز الحدود التي يرسمها. وبهذا المعنى، قد يتحول التضامن إلى علاقة غير متكافئة، يُطلب فيها من الفلسطينيين أن يثبتوا إستحقاقهم للتعاطف وفق شروط يضعها الآخرون.
ولا ينكر مسعد أهمية التحولات التي شهدتها الجامعات والمجتمعات الغربية، لكنه يرى أن قياسها ينبغي ألا يقتصر على حجم الإحتجاجات أو التصريحات المؤيدة للفلسطينيين، بل يجب أن يشمل مدى إستعداد هذه الأوساط للإعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وفي مقاومة النظام الذي يحرمهم من حقوقهم.

▪️لماذا تُدان مقاومة الفلسطينيين ولا تُدان مقاومة الآخرين بالطريقة نفسها؟

في إمتداد لهذا النقد، يقارن مسعد بين الدعم الغربي للمقاومة الأوكرانية ضد روسيا وبين الموقف من المقاومة الفلسطينية.
ويقول إن الغرب أبدى إستعداداً واسعاً لدعم إستخدام الأوكرانيين القوة في مواجهة روسيا، بينما تُعامل المقاومة الفلسطينية وفق معايير مختلفة، رغم أن الفلسطينيين يواجهون، في تحليله، قوة إحتلال مدعومة عسكرياً وسياسياً من الولايات المتحدة.
ويربط مسعد هذا التناقض بهوية الأطراف وموقعها في شبكة التحالفات الدولية. فأوكرانيا تواجه دولة تعدّها واشنطن خصماً إستراتيجياً، بينما تواجه المقاومة الفلسطينية إسرائيل، التي تشكل حليفاً أساسياً للولايات المتحدة.
ومن هنا، يطرح سؤالاً عن مدى ثبات المبادئ التي يستند إليها الخطاب الغربي: هل يُمنح حق إستخدام القوة في مواجهة السيطرة الخارجية على أساس مبدأ عام، أم أن الإعتراف بهذا الحق يتغير وفقاً لهوية الطرف الذي يمارسه وموقع خصمه في السياسة الدولية؟
ولا تعني المقارنة، في سياق عرضه، أن الحالتين متطابقتان في التاريخ أو الظروف أو طبيعة النزاع، بل إنها تُستخدم للكشف عن تفاوت المعايير التي تُطبق على أطراف مختلفة. فالمشكلة التي يثيرها مسعد هي أن الخطاب السياسي الغربي كثيراً ما يعلن مبادئ عامة، ثم يضيق نطاق تطبيقها عندما تتعارض مع مصالحه الإستراتيجية.

▪️الصهيونية واليهودية: من يتحدث بإسم اليهود؟

يخصص مسعد جانباً مهماً من حديثه للتمييز بين الصهيونية واليهودية، ويرى أن الخلط بينهما لا يسيء إلى الفلسطينيين وحدهم، بل يحمّل اليهود أيضاً مسؤولية جماعية عن أفعال دولة تقول إنها تمثلهم.
ويستشهد بمواقف فلسطينية تاريخية أكدت هذا التمييز، ومن بينها خطاب ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974. ويشير إلى أن حركات وشخصيات فلسطينية ميزت، منذ عقود، بين اليهودية بوصفها ديناً وثقافة وتاريخاً، وبين الصهيونية بوصفها مشروعاً سياسياً.
ويقول مسعد إن إسرائيل، حين تقدم نفسها بإعتبارها دولة الشعب اليهودي، وتربط إنجازاتها وجرائمها باليهود جميعاً، تفرض على اليهود هوية سياسية لا يتبناها الجميع بالضرورة. ويرى أن الإعتراض على هذا الإدعاء لا يشكل معاداة للسامية، بل رفضاً لتحميل جماعة دينية وثقافية كاملة مسؤولية سياسات دولة.
ويؤكد مسعد أنه يرفض معاداة السامية، وأنه يدافع عن اليهود الذين يتعرضون لها، كما يرفض النظريات التي تزعم أن إسرائيل أو جماعات الضغط المؤيدة لها تتحكم بالولايات المتحدة. ويقول إن نقده للصهيونية نابع من اعتقاده بأنها ألحقت أضراراً بالفلسطينيين، وأنتجت أيضاً تناقضات ومخاطر بالنسبة إلى اليهود أنفسهم.
ويضيف أن تاريخ اليهود عرف معارضة للصهيونية، خصوصاً في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأن مواقف اليهود من إسرائيل تغيرت مع الأحداث التاريخية، ولا سيما بعد المحرقة وإغلاق دول أوروبية والولايات المتحدة أبوابها أمام كثير من الناجين واللاجئين اليهود.
ويشدد على أن فهم هذه المسألة يتطلب معرفة التاريخ اليهودي وتعدد تياراته، بدلاً من افتراض وجود موقف يهودي واحد تجاه الصهيونية أو التعامل مع كل نقد لإسرائيل بوصفه عداءً لليهود.

▪️لماذا يواصل الكتابة رغم الحملات ضده؟

في ختام المقابلة، يتحدث مسعد عن الانتقادات والحملات التي تعرض لها بسبب كتاباته ومواقفه، ويقول إن إستمرار ه في العمل الأكاديمي والفكري مرتبط بالمبادئ التي يؤمن بها، وباعتقاده أن واجب الباحث هو الدفاع عن العدالة ومواجهة الظلم، حتى عندما يترتب على ذلك خلاف أو إستهداف.
ويؤكد أن موقفه لا يقوم على رفض القراءة المخالفة أو تجاهل الحجج التي تدافع عن إسرائيل والصهيونية. بل يقول إنه يقرأ هذه النصوص ويحاول فهم منطقها، لأن معرفة الحجج المقابلة تساعده على مناقشتها بصورة أفضل.
ويقدم هذه النصيحة لطلابه وللناشطين والباحثين: القراءة المستمرة، والتعلم، والنظر النقدي في الأفكار، بما فيها الأفكار التي تتعارض مع القناعات الراسخة. فالمعرفة، في رأيه، لا تتقدم بتجنب الحجج المخالفة، بل بفهمها وإختبارها ومناقشتها.
ثم يعود إلى المقارنة بين فلسطين وتجارب الشعوب الأصلية في العالم. ويرفض القول إن الفلسطينيين يمثلون الإستثناء الوحيد في تاريخ إضطهاد الشعوب الأصلية، مشيراً إلى أن السكان الأصليين في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا لم يحظوا هم أيضاً بالحماية التي يفترض أن توفرها الخطابات الليبرالية عن حقوق الإنسان.
ويرى أن خصوصية الحالة الفلسطينية اليوم تكمن في إستمرار العنف الإستيطاني على نطاق واسع، لا في كون هذا العنف ظاهرة بلا سوابق. ويضع ما يجري في فلسطين ضمن تاريخ طويل من الصراعات التي رافقت قيام المستعمرات الإستيطانية، معتبراً أن فهم هذا التاريخ ضروري لفهم الحاضر.

▪️ما الذي عجزت إسرائيل عن تدميره؟

تعود المقابلة، في معناها الأعمق، إلى السؤال الذي بدأت منه: ما الذي لم تنجح ثلاثة أعوام من الحرب في تدميره؟
إجابة مسعد لا تقتصر على بقاء الفلسطينيين في أرضهم، رغم أن هذا البقاء يمثل محوراً أساسياً في تحليله. إنها تتصل أيضاً بإستمرار القضية الفلسطينية بوصفها قضية سياسية وأخلاقية، وبقدرتها على تحدي الروايات التي سادت طويلاً في قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية.
فقد كشفت الحرب، وفق قراءته، التناقض بين المبادئ التي تعلنها الدول الغربية والسياسات التي تنتهجها، وأعادت فتح النقاش حول الصهيونية والإستعمار الإستيطاني وحدود التضامن الليبرالي. كما أظهرت أن التعاطف مع الضحايا لا يساوي بالضرورة الإعتراف بحقوقهم السياسية، وأن إدانة العنف لا تكفي وحدها لفهم النظام الذي ينتجه أو إنهائه.
لكن مسعد لا يقدم هذه التحولات بوصفها إنتصاراً مكتملاً أو تحولاً نهائياً في موازين القوى. فهو يدرك أن الدعم الغربي لإسرائيل لا يزال قائماً، وأن التحولات في الرأي العام لا تعني تلقائياً تغيير السياسات الرسمية. وما يلفت إليه هو إتساع الفجوة بين المواقف الرسمية وقطاعات من المجتمعات التي باتت تنظر إلى إسرائيل والحرب على غزة من زاوية مختلفة.
وتبقى دعوته الأخيرة إلى القراءة والفهم النقدي جزءاً من هذه الرؤية: لا يكفي أن نتبنى موقفاً سياسياً، بل ينبغي أن نفهم جذوره التاريخية، ومصالح القوى التي تدعمه، واللغة التي تُستخدم لتبريره، والحدود التي يرسمها للآخرين.
بهذا المعنى، لا تتوقف أهمية المقابلة عند موقف مسعد من الحرب على غزة، بل تمتد إلى محاولته وضع الحرب في سياق تاريخي وسياسي أوسع، يربط بين فلسطين والإستعمار الإستيطاني، وبين التحالف الأميركي الإسرائيلي والنظام الإقليمي، وبين التضامن مع المظلومين والسؤال الأصعب المتعلق بحقهم في تقرير مصيرهم.

*****

المصدر: مقابلة البروفيسور جوزيف مسعد مع موقع «الإنتفاضة الإلكترونية»، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعنوان: «ما الذي عجزت ثلاثة أعوام من الإبادة الإسرائيلية عن تدميره؟»



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين: نهاية العالم أحادي القطبية ومعركة السيادة الح ...
- جون ميرشايمر: ترامب لا يستطيع خداع إيران وإجبارها على الإستس ...
- جزر الكوريل بين موسكو وطوكيو: قنبلة حدودية مؤجلة؟
- جيفري ساكس: عالم بلا ضوابط… من أزمة السلطة في أمريكا إلى خطر ...
- ألكسندر دوغين - عندما يصبح الحاكم تجسيداً لإستمرارية الدولة
- روسيا بعد إنتخابات 2026: دوما الحرب وإعادة تشكيل النخبة
- مطبخ هيئة الأركان الروسية: عن «المراجل الصغيرة» وتغيير فلسفة ...
- وجهة نظر روسية – كيف نحقق أمن الخليج بعد تراجع المظلة الأمير ...
- جون ميرشايمر: لماذا يصعب على واشنطن وبكين الإتفاق؟
- بيرني ساندرز: الأوليغارشية تصعد... والديمقراطية تتراجع
- الصهيونية حركة عنصرية... سؤال يعود من جديد
- «نازا» مرة أخرى.. من عاصفة إسرائيلية إلى شاشة العالم
- الصهيونية تحتاج إلى معاداة السامية؟ بلومنتال أمام كارلسون
- فلاي دبي 1073: الطائرة التي كادت تسقط... والسباك الذي أصبح ب ...
- أميركا والشرق الأوسط: نهاية الهيمنة أم نهاية الدور القديم؟
- ألكسندر دوغين: «نحن في بداية حرب رهيبة»..
- إنتخابات الدوما 2026: ماذا يجري خلف أسوار الكرملين؟
- «فيفالدي» في ليمان: ماذا يجري فعلاً على الجبهة الأوكرانية؟
- جون ميرشايمر - هل أوكرانيا ذاهبة إلى الإنتحاراً؟
- ويستمر الهذيان


المزيد.....




- تحليل: ترامب يبدو وكأنه لا يعرف شيئاً عن التضخم وتراجع تأييد ...
- دمشق ترد على نتنياهو بعد حديثه عن دروز سوريا واتصاله -الحاد ...
- فرقاطة فرنسية تسقط مسيّرة جوية خلال استهدافها ناقلة حاويات ض ...
- تحذيرات من مخطط استيطاني جديد بالضفة
- الحوثيون يعلنون تفكيك خلية تعمل لصالح الاستخبارات السعودية ف ...
- خلاف ليبي حول مسار لجنة 4+4
- اللغتان الروسية والعربية تتوهجان بمسقط
- -البديل من أجل ألمانيا-: قصف كييف لمصافي النفط الروسية استفز ...
- صحيفة: أوكرانيا استخدمت مسيرات بحرية بريطانية لتنفيذ هجمات ف ...
- 6 أجزاء في جسمك لا تحتاجها فعلا ويمكنك العيش من دونها!


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - جوزيف مسعد - ثلاثة أعوام من الإبادة: ما الذي عجزت إسرائيل عن تدميره؟