نادر عبدالحميد
(Nadir Abdulhameed)
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 04:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
1. إقليم كوردستان في السِّياق التَّاريخي العالمي
شَهِدَ مُجْتَمَع إقليم كوردستان، كجزء من العراق، تَحَوُّلات سياسيَّة واجتماعيّة شاملة منذ بداية تسعينيات القرن العشرين (١٩٩١) وحَتَّى وقتنا الراهن (٢٠٢٦)، وذلك في سياق التَّغيُّرات الجيو-سِياسيّة والجيو-عَسْكَرية التي فرضتها القوى الإمبريالية العظمى في الشرق الأوسط. وكغيره من مُجْتَمَعات العالم، دخل الإقليم منذ ذلك الحين سَيْرورَة الإندماج في السوق الرَأْسماليَّة العالمِيَّة، وخضع لهيمنة النيو-ليبرالية في مختلف المجالات الاقتصاديَّة والسِّياسيّة والفكرية والثقافية والأخلاقية، ضمن نِظام إمبريالي جديد أُحادي القطبية أعقب إنهيار "القطب الشرقي".
كانت هذه السَيْرورَةٌ ذات طبيعة عالمية، واتخذت في كل بلد ومُجْتَمَع شكلاً خاصاً ومُحَدّداً، لكنها اِتَّسَمَتْ في جَوْهَرها بتَجْسِيد التحولات التَّاريخيَّة العالمِيَّة التي طبعت تلك الْمَرْحَلَةَ بهَيْمَنَة النيو-ليبرالية.
مَرّ إقليم كوردستان العراق بدوره بعَمَليَّة خاصة ومحددة، تعاقبت عليها عدة مراحل، تميزت كل منها بخصائصها وانقسمت بدورها إلى مراحل أصغر. ومن أبرزها مرحلة (١٩٩١٢٠٠٣)، من (إنتفاضة آذار/مارس ١٩٩١) حَتَّى سقوط نِظام البعث الفاشي في (نيسان/أبريل ٢٠٠٣)، ثم الْمَرْحَلَةَ التي تلت السقوط حَتَّى إعلان "سِياسة الإستقلال الإقتصادي لكوردستان"، أي سنوات (٢٠٠٣٢٠١٤)، ومن ثم الْمَرْحَلَةَ الممتدة حَتَّى اليوم (٢٠١٥٢٠٢٦).
لا يهدف هذا المقال إلى الخوض في تفاصيل تلك التقسيمات المرحلية، وإنما يشير إليها من أجل تقديم الصورة العامة للقارئ، وإظهار كيف أن البرجوازية القومية الحاكمة في الإقليم دفعت بالمُجْتَمَع في كوردستان إلى قلب هذه العَمَليَّة العالمِيَّة، بالإكراه والضغط والزخم الشديد، وأخضعت مصير ملايين العمال والكادحين في الإقليم لمصالحها السِياسيّة والاقتصاديَّة ومصالح شركائها من البرجوازية في دول المنطقة والدول الإمبريالية. إن الوضع القائم حالياً هو نتاج تلك العَمَليَّة التَّاريخيَّة.
ومن الواضح أن هذه السيرورة التَّاريخيَّة العالمِيَّة، القائمة على النيو-ليبرالية و الأُحاديَّة القطبية، تمرُّ الآن بحالة من المأزق والإنسداد؛ إذ ظهرت في عالم اليوم أقطاب اقتصادية وسِياسيّة وعَسْكَرية إمبريالية جديدة، واشتدت الصراعات الجيو-سِياسيّة والجيو-عَسْكَرية بينها. ومع ذلك، لم تفقد النيو-ليبرالية والكتلة الإمبريالية الغربية (ولا سيما الهَيْمَنَة الأمريكية) نفوذها كلياً رغم تراجعها المستمر. إن الْمَرْحَلَةَ الراهنة مرحلة إنتقالية شبيهة بالْمَرْحَلَةَ الممتدة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية (١٩٢٠١٩٤٠)، وبالتالي تجد منطقة الشرق الأوسط -ومنها العراق وإقليمه الكوردستاني- نفسها أمام معادلات وتوازنات جديدة ليس هنا مجال التفصيل فيها.
2. نِضال الجماهير الكادحة وتأريخ الإقليم
في خضم هذه العَمَليَّة التَّاريخيَّة العالمِيَّة، شهدت الرَأْسماليَّة في كوردستان نمواً ملحوظاً، وقسّمت المُجْتَمَع الكوردستاني (شأنه شأن سائر المُجْتَمَعات المعاصرة في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا) إلى طبقات وشرائح اجتماعيّة متباينة؛ تتلخص أساساً في طبقتين: أغلبية كاسحة تتكوّن من الجماهير الكادحة المفقرة، وأقلية ضئيلة تستأثر برؤوس الأموال والثروات.
إن مُجمَل المشكلات الاجتماعيّة والاقتصاديَّة والسِّياسيّة في إقليم كوردستان، وكذلك موجات السَّخط والإحتجاجات الجماهيرية التي شهدها ويشهدها المُجْتَمَع، لا تختلف في جوهرها عن مثيلاتها في أي مُجْتَمَع رأسمالي آخر؛ إلا من حيث أشكال الظُّهورِ وصور التَّجَلِّي وأساليب التَّطوُّر. أما من حيث المضمون، فهي صراعات ومشكلات مُجْتَمَع رأسمالي تحكمه سلطة طبقته البرجوازية القومية.
على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية، ظلت الجماهير الكادحة، بمختلف فئاتها وشرائحها من عمال وموظفين ومعلمين، فضلاً عن الشباب والشابات والطلاب والعاطلين عن العمل والنساء والأحرار، في حالة دائمة من السخط والإستياء، مُنَظِّمةً الإحتجاجات والمظاهرات والإنتفاضات ضد سلطة الأحزاب الميليشية الحاكمة في الإقليم.
تحولت هذه الإحتجاجات، مع اتساعها وتطورها، في مراحل عدة، إلى حركات جماهيرية إحتجاجية لم تقتصر مطالبها على القضايا المِهَنية والاقتصاديَّة، بل ارتقت أيضاً إلى مستوى موجات سِياسيّة ضد سلطة حكومة الإقليم وأحزابها الحاكمة. إذ لم تكتفِ السلطة بمواجهتها بالقمع والعنف، بل أراقت الدماء في كثير من الأحيان، ناهيك عن ممارسة الإرهاب والإعتقال والتعذيب وملاحقة الناشطين.
وعليه، فإن تأريخ هذا الإقليم هو تاريخ صراع ونضال طبقي تخوضه الجماهير الكادحة في مواجهة جهاز سلطة مُنظَّم يمتلك ميليشيات حزبية، وأجهزة أمن واستخبارات، ومحاكم وسجوناً، وإعلاماً ضخماً. كما احتكرت هذه السلطة -عبر تطبيق السِياسة الاقتصاديَّة النيو-ليبرالية- مجمل ثروات المُجْتَمَع وموارده لمصلحة فئة قليلة تقف هي في مركزها، بينما فرضت في الوقت ذاته البطالة والفقر وغياب الخدمات على الغالبية الساحقة من الجماهير.
3. الظروف الجديدة
يجري هذا الصراع الطَّبَقِي اليوم في ظروف مختلفة تماماً عما كانت عليه الأوضاع قبل عشرة أو خمسة عشر عاماً. وتتمثل أبرز العوامل المكوِّنة لهذا الوضع الجديد في التراجع المتواصل لمكانة التَّيار القومي الحاكم ودوره في الصراعات والتوازنات الداخلية بالعراق وفي المعادلات الإقليمية بالشرق الأوسط، يضاف إلى ذلك الخلافات المحتدمة داخل صفوفه وعجزه عن تشكيل الكابينة الوزارية العاشرة لحكومة الإقليم الإئتلافية (حكومة الشراكة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستانی).
من جهة أخرى، أدت مسار التسوية والمصالحة لتيار أوجلان مع الدولة التركية وحكومة الشرع في سوريا إلى إثارة القلق ونوع من الخيبة والإحباط السياسي لدى التَّيار القومي اليساري الكردي الذي كان يعقد آمالاً كبيرة على هذا التَّيار.
ولسنا هنا بصدد الخوض في تفكيك تراجع التَّيار القومي الحاكم، ولا في إحباطات اليسار القومي، بل ما نود الإشارة إليه هو أنه بالتزامن مع هذين التحولين، وفي هذا المناخ الفكري والسياسي، تنامت سمتان رجعيتان داخل المُجْتَمَع: الأولى تتمثل في دعم الدولة الإسرائيلية العنصرية والفاشية، والثانية في تنامي نزعة عنصرية صريحة ومكشوفة بلا أقنعة.
من الواضح أن هذه الظاهرة ليست حِكْراً على كوردستان، بل هي ظاهرة عالمية تشكل جزءاً من أَزْمة الرَأْسماليَّة العالمِيَّة وأَزْمة سلطاتها البرجوازية؛ فها هي التَّيارات الفاشية والعنصرية تتصاعد يوماً بعد يوم في قلب المُجْتَمَعات الديمقراطية للدول الإمبريالية الغربية كأحد البدائل التي تطرحها البرجوازية.
لا تزال هذه السمات الفاشية والعنصرية في كوردستان بعيدة عن أن تتبلور بوصفها حركة سِياسيّة واضحة وملموسة، غير أنها، بالتزامن مع مأزق سلطة الإقليم والإحباط الذي أصاب الجناح اليساري، بدأت تؤثر بأشكال مختلفة في الصراع الطَّبَقِي وفي الحركات الإحتجاجية. لذا، فإن قراءة هذه الظواهر وأخذها بالحسبان يعد أمراً ضرورياً لنشطاء الحركات الجماهيرية وقادة المنظمات المِهَنية والعمال الطليعيين والإشتراكيين.
4. التحولات داخل الحركة اليسارية والشيوعية
النقطة الأخرى في هذا المناخ الجديد هي التغييرات التي طرأت داخل الحركة اليسارية والشيوعية في كوردستان العراق خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية. إذ رأينا أن منظمة "اتحاد الشيوعيين في العراق"، وبعد عملية مراجعة ذاتية استمرت عدة سنوات، أعلنت حلّ نفسها في (٢٧٩٢٠٢٥) من خلال بيان طرحت فيه تبنّي النموذج نفسه للعراق ومنطقة الشرق الأوسط الذي كان قائماً في كوردستان سوريا (روج آفا)، وهو النموذج الذي أصبح الآن مندمجاً مع مؤسسات حكومة أحمد الشرع.
ومن جهة أخرى، بدأ الميل الإصلاحي داخل الحركة اليسارية، خلال السنوات الأخيرة، في إظهار ملامحه بشكل أوفى وأكثر وضوحاً من خلال الانخراط في العَمَليَّة الانتخابية البرلمانية، والتنسيق مع سياسات "الحزب الشيوعي الكوردستاني" و"الحزب الشيوعي العراقي"، والتعويل على حملة "مكافحة الفساد" التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي. هذا فضلاً عن أن استراتيجيته تتمحور حول استقلال كوردستان، وأن نهجه السياسي تجاه الحركات الاحتجاجية للجماهير الكادحة التي تناضل ضد السلطة القائمة في الإقليم يتمثل في التعامل مع هذه الحركات باعتبارها شيئاً مستقلاً، إلى حد ما، عن الحركة الاحتجاجية على صعيد العراق، وذلك لتكملة استراتيجيته الاستقلالية الرامية إلى انفصال كوردستان عن العراق.
وهكذا، أصبحت الاستقطابات داخل الحركة اليسارية والشيوعية أكثر جلاءً؛ إذ ارتبط قسم منها بنموذج القومية اليسارية، بينما يتجه قسم آخر نحو التكيف مع السياسات الإصلاحية وتأطير الصراع الطَّبَقِي في الإقليم كحالة معزولة عن مجمل الصراع الطَّبَقِي في العراق، وفي خضم ذلك، تواصل "منظمة البديل الشيوعي" التمسك بخطها الماركسي الراديكالي والأممي في العراق.
5. خروج الماركسية من دائرة التنوير الفكري
إلى جانب ما سبقت الإشارة إليه، توجد أيضاً عدة محافل ومجموعات فكرية سِياسيّة، وكذلك تنظيمات أخرى داخل الحركة اليسارية والشيوعية في كوردستان العراق، من بينها "البديل الإشتراكي" و"الإشتراكيون الثوريون". وتتلخص أنشطة هذه القوى في نشر النظريات الماركسية ومناقشتها من جهة، والدعاية ضد الرَأْسماليَّة وأزماتها وسلطتها البرجوازية من جهة أخرى، إلى جانب التبشير بالإشتراكية والمساواة والحرية.
وهذا أمر يستحق التقدير ويشكل جزءاً أساسياً من العمل الشيوعي، إلا أن النشاط الشيوعي الماركسي لا ينبغي أن يظل حبيس هذا الإطار؛ لأن الهدف الأسمى للماركسية هو تغيير العالم عملياً، وهذا لا يتحقق إلا عبر ممارسة ثورية منظمة تستند إلى نظرية ثورية، وليس الاكتفاء بالتنوير الفكري والدعاية السِّياسيّة.
صحيح أن الرَأْسماليَّة تعيش أَزْمة مُسْتَعْصِيَةً، وأن البرجوازية تعاني العجز القاتل ولا تجد مخرجاً إلا بالقمع الداخلي والحروب الخارجية، وصحيح أيضاً أن الإحتجاجات قائمة، لكن وضع حدّ للرأسمالية ولسيادة البرجوازية، وإقامة سلطة تعبر عن إرادة العمال والكادحين يتطلب الارتقاء بهذه الإحتجاجات الاجتماعيّة العفوية إلى مستوى حركة طبقية سِياسيّة منظّمة وموحّدة ذات أفق اشتراكي أممي. هنا تحديداً تعطلت المسيرة التَّاريخيَّة للمُجْتَمَعات الرَأْسماليَّة، ومنها العراق وإقليم كوردستان، وهذه هي العقدة الأساسية للنضال الطَّبَقِي اليوم.
ومع أن العمل التنويري المناهض للرأسمالية ولسيادة البرجوازية عمل أساسي ينبغي مواصلته باستمرار، إلا إن المسألة المحورية الراهنة تكمن في طرح خط ونهج سياسي ماركسي وشيوعي ثوري وأممي للعمل السياسي على مستوى العراق ككل، بحيث يكون إقليم كوردستان جزءاً متكاملاً منه كما تطرح ذلك (منظمة البديل الشيوعي). هذه هي المهمة المحددة الملقاة على عاتق الشيوعيين في الوقت الحالي.
إن هذا النِضال السياسي الشيوعي هو الكفيل بصون الإستقلال الطَّبَقِي للحركات الاحتجاجية في مواجهة أجندات المعارضة البرجوازية (القومية والإسلامية)، وهو الذي يمنع تفشي العنصرية والفاشية داخل أوساط الجماهير الكادحة، وتوجيه غضبهم وإستيائهم من النِظام ومن سلطة البرجوازية نحو معاداة جزء آخر من العمال والشغيلة، تحت شعارات القومية والدين والجندر... إلخ.
ختاماً، يجب على الشيوعية أن تطرح عملياً أمام المُجْتَمَع بديلاً سياسياً إشتراكياً وبروليتارياً ناجزاً في مواجهة البدائل البرجوازية القومية والليبرالية-الإصلاحية والإسلامية السِّياسيّة والفاشية، وهي مهمة تتجاوز بكثير مجرد التنوير الإشتراكي والدعاية النظرية المناهضة للرأسمالية ولسيادة البرجوازية.
أيلول / سبتمبر ٢٠٢٦
#نادر_عبدالحميد (هاشتاغ)
Nadir_Abdulhameed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟