أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حكمت الحاج - شاعرة تجرجر موتاها نحو منصة التتويج















المزيد.....



شاعرة تجرجر موتاها نحو منصة التتويج


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 04:54
المحور: قضايا ثقافية
    


أربعة أيام بعد نوبل: شاعرة تجرجر موتاها نحو منصة التتويج..
بقلم: حكمت الحاج *
حين اتصلت إنغريد كارلبيرغ، السكرتيرة الدائمة للأكاديمية السويدية، بآن كارسون ظهر الخميس 8 أكتوبر 2026، لم يتسع الوقت إلا لجملة واحدة قالتها الشاعرة: إنها في آيسلندا، وإنها تصغي إلى الريح. ثم وقفت على قارعة طريق عاصف، ممسكة بقبعتها كي لا تطير، وقالت لمراسل التلفزيون الآيسلندي (RÚV) إنهم جميعاً مجانين، ووصفت المكالمة مع الأكاديمية بأنها كانت متعثرة. وحين سُئلت إن كانت الجائزة ستغيّر عدد قرائها، أجابت بأنها ستحصل على ملصق على أغلفة كتبها.
أفتتح مقالي بهذه الجملة الأخيرة. فالملصق الذهبي الصغير الذي تضعه دور النشر على أغلفة الفائزين بنوبل هو أصغر ما تمنحه الجائزة وأوسعه أثراً في الوقت نفسه. إنه العلامة التي تنقل الكتاب من رف الشعر ، حيث يوضع عادة في آخر المكتبة، إلى طاولة العرض عند المدخل. وكارسون، التي قضت عقوداً تحاول أن تتحكم في كل ما يحيط بنصوصها من صور وعبارات مديح وسِيَر، تعرف أكثر من غيرها أن الملصق لا يُستأذن فيه.
ما الذي جرى في الأيام الأربعة التي تلت الإعلان؟ أتتبع هنا سبعة أطراف: الفائزة نفسها، وكتبها في الأسواق، وناشريها، و سافو التي قامت على شذراتها الشعرية واحدة من أشهر ترجماتها، ثم المراهنين والمضاربين الذين وضعوا أموالهم على اسمها. وأنطلق من سؤال ساخر في أصله: كيف يمكن لـ«الرواية الشعرية»، وهي آخر ما يُنتظر منه ربح، أن تصير موضوع مضاربة وعرض وطلب؟

# أولاً: الفائزة، أو الكاتبة التي خسرت السيطرة على غلافها/
نالت كارسون جائزة قيمتها 12 مليون كرونة سويدية، أي نحو 1.2 مليون دولار، ستُسلَّم لها في حفل ستوكهولم في 10 ديسمبر، ذكرى وفاة ألفرد نوبل. وهي في السادسة والسبعين، وُلدت في تورنتو في 21 يونيو 1950، وتعيش منذ سنوات بين كندا وآيسلندا، وقد حصلت هي وزوجها روبرت غري على الجنسية الآيسلندية عام 2022. وفي عام 2024 كتبت في مجلة London Review of Books عن تشخيص إصابتها بداء الباركنسون. وأذكر هذه المعلومة لأن نوبل لا تُستلم بالبريد: إنها أسبوع من المراسم والمحاضرات والمقابلات، تقضيه كاتبة معروفة بنفورها من الإعلام، كما لاحظت الصحافة الكورية في تغطيتها للخبر.
وهذا النفور له تاريخ موثّق. فقد أصرّت على ناشرها الأميركي ألا تحمل أغلفة كتبها صورتها، وكانت نبذتها التعريفية جملة واحدة تقول إنها تعيش في كندا، ثم صارت في السنوات اللاحقة تقول إنها تدرّس اليونانية القديمة لتكسب عيشها. وتروي مصادر قديمة عنها أنها ضغطت على دار النشر الشهيرة كنوب Knopf لكي تزيل عبارات المديح من الأغلفة، فانتقلت العبارة التي كتبها الروائي مايكل أونداتجي عن «سيرة الأحمر الذاتية/يوميات رىد» من الواجهة إلى الظهر، ثم اختفت من الطبعات اللاحقة. عملت كارسون إذن طويلاً على ما سماه جيرار جينيت «العتبات» (paratexte)، أي كل ما يحيط بالنص من عنوان واسم ونبذة وغلاف، وأرادت لهذه العتبات أن تكون في حدها الأدنى. ثم جاءت الجائزة لتضيف إلى الغلاف عتبة لا تملك هي أن تمحوها.
يمكن أن نقرأ جملة الملصق على الغلاف قراءتين. الأولى أنها دعابة متواضعة من كاتبة لا تريد أن تبدو مأخوذة بالحدث. والثانية أنها ملاحظة دقيقة عن موضع الجائزة من الكتاب: نوبل لا تغيّر سطراً واحداً في «نوكس» أو في «إن لم يكن، فالشتاء»، لكنها تغيّر الغلاف، وتغيير الغلاف هو ما يغيّر المبيعات. وأميل إلى الجمع بين القراءتين، لأن كارسون في كتابتها كلها تجعل الدعابة طريقة في قول ما هو جاد.
وثمة مفارقة أخرى في الطريقة التي قدّمت بها الأكاديمية كارسون. فقد قال أندرش أولسون، رئيس لجنة نوبل للآداب، إن إنتاجها كله تقريباً يقع عند تقاطع هوس المختص الفيلولوجي بالكلمات، مع رغبة الشاعر في معنى جديد، وذكّر بأنها نفسها جعلت اشتقاق الكلمة نقطة انطلاق عملها. هذه صفة أكاديمية خالصة، لا تكاد تصلح شعاراً تجارياً. ومع ذلك فإن السوق لم تسمع منها إلا كلمة «نوبل». الأيام التالية للإعلان أثبتت أن ما يُباع هو الاسم والحكاية، وأن "الفيلولوجيا" و"الرواية الشعرية"، التي جعلتها الأكاديمية سبب الفوز بالجائزة، بقيت في الحيثية ولم تنتقل إلى واجهات المكتبات. والقارئ الذي سيفتح «سيرة الأحمر» بعد أن اشتراها لأجل الملصق سيجد في صفحاتها الأولى ترجمات لشذرات ستيسيخوروس وتعليقات عليها، أي سيجد الفيلولوجيا التي لم يطلبها. ولعل هذا أطرف ما في الأمر: الجائزة تبيع الكتاب، والكتاب يعلّم مشتريه ما لم يشترِه من أجله.
ويبقى سؤال لا تجيب عنه المعطيات المتاحة: ماذا ستفعل كارسون بالمال وبالمنبر؟ لم تُدلِ بتصريح عن ذلك، ولا أملك ما يسوّغ التخمين. ما يمكن قوله إن الجائزة تأتي في لحظة متأخرة من مسيرة كاتبة مقلّة في الظهور، وإن كتاباً جديداً لها بعنوان «احذر الرجل الذي يتمايل خطّه كالقصبة في الريح» (Beware the Man Whose Handwriting Sways Like a Reed in the Wind) والمقرر صدوره في فبراير 2027. فالجائزة وصلت إلى كاتبة لها كتاب في الطريق، وهذا ما يضاعف أثرها التجاري.

# ثانياً: الكتب، أو كيف اختارت السوق «سيرة الأحمر»/
لنبدأ بالأرقام، ثم بما تقوله وما لا تقوله.
في كندا، أعلنت سلسلة Indigo أن مبيعات كتب كارسون قفزت يوم الخميس بنسبة 10,325% مقارنة باليوم السابق، وأنها باعت في ذلك اليوم 18 عنواناً مختلفاً لها، تصدّرتها «سيرة الأحمر الذاتية» ثم «جمال الزوج» ثم «Red Doc>»، الجزء الثاني من «سيرة الأحمر» الصادرة عام 2013. وفي مكتبة أوتاوا العامة ارتفعت طلبات الحجز على 12 عنواناً لكارسون من 14 طلباً قبل الإعلان إلى 972. وسجّلت مكتبات هاليفاكس العامة 152 طلب حجز جديداً على عناوينها الخمسة. وفي كيبيك تحولت كارسون، بحسب الصحافة الكندية، من كاتبة لا يكاد أحد يستعير كتبها إلى كاتبة حُجزت نسخها الورقية كلها تقريباً.
وأرقام المكتبات العامة تستحق أن تُقرأ على حدة، لأنها تنتمي إلى اقتصاد آخر. فطلب الحجز في مكتبة عامة لا يدفع للكاتبة شيئاً في لحظته، والمكتبة تشتري النسخة مرة واحدة ثم تعيرها مرات. وفي كندا يقوم برنامج حق الإعارة العامة (Public Lending Right) على تعويض الكتّاب بحسب وجود عناوينهم في فهارس عينة من المكتبات، لا بحسب عدد مرات إعارتها، فلن يزيد ما تتلقاه كارسون منه لأن 972 قارئاً في أوتاوا ينتظرون دورهم، وإن كان قد يزيد قليلاً إذا اشترت مكتبات لم تكن تقتني كتبها نسخاً جديدة. لكن هذه الأرقام تقول شيئاً لا تقوله أرقام المبيعات: أن جزءاً كبيراً ممن أثارهم الخبر أرادوا أن يقرؤوا كارسون من غير أن يدفعوا ثمن كتبها. وهذا، في سوق الشعر، ليس سلوكاً جديداً، فقارئ الشعر كثيراً ما يكون قارئ مكتبات، ومتطفلا مجانيا.
وفي كوريا الجنوبية، قالت سلسلة كيبوو إن مبيعات كتب كارسون تضاعفت 138.1 مرة بين الثامنة من مساء الخميس وصباح الجمعة، مقارنة بالفترة نفسها قبل أربع وعشرين ساعة. وسجّلت المكتبة الإلكترونية YES24 تضاعفاً بلغ 183.5 مرة، وقفزت مبيعات الرواية الشعرية «سيرة الأحمر» وحدها لديها 367 مرة. وتصدّرت القائمتين اليوميتين لدى Kyobo وYES24، واحتلت هي و«نوكس» المرتبتين الأولى والثانية في قائمة Aladin. ولكارسون في كوريا تسعة كتب مترجمة، موزعة بين ثلاث دور نشر.
وأول ما ينبغي قوله عن هذه الأرقام إنها نسب محسوبة على قاعدة صغيرة جداً. فحين تبيع سلسلة كبيرة يوم الأربعاء عدداً محدوداً من كتب شاعرة ما، ثم تبيع يوم الخميس مائة ضعف، يخرج رقم مذهل في صياغته ومتواضع في حجمه المطلق. ولم تعلن Indigo ولا Kyobo عدد النسخ المباعة فعلاً، ولذلك لا يصح أن نستنتج من نسبة 10,325% أن كارسون صارت كاتبة جماهيرية بمقاييس الروايات الأكثر مبيعاً. وأما النسبة التي تداولتها بعض التغطيات عن ارتفاع عمليات البحث عن كتبها لدى Indigo فلم أجد ما يؤكدها في المصادر التي اطلعت عليها، فنتركها جانباً.
والرقم الكوري له سياقه الملفت هنا. فكوريا الجنوبية عاشت في أكتوبر 2024 ما يمكن عدّه أكبر «أثر لنوبل» في سوق الكتاب الحديثة، حين فازت هان كانغ وتجاوزت مبيعات كتبها المليون نسخة في أقل من أسبوع، بحسب ما أُعلن يومها. تعلّمت المكتبات الكورية وقراؤها منذ عامين أن إعلان نوبل حدث استهلاكي، وأن الكتاب الفائز يُشترى في الليلة نفسها. وهذا يفسر جزئياً سرعة الاستجابة لكارسون، وهي كاتبة لا صلة لها بكوريا: السوق هناك صارت مهيأة لأن تتعامل مع نوبل كما تتعامل مع إصدار هاتف آيفون جديد.
والملاحظة التي تعنيني أكثر من غيرها هنا أن السوق اختارت «سيرة الأحمر». في كندا تصدّرت، وفي كوريا تصدّرت، وفي الولايات المتحدة كانت قد باعت قبل الجائزة قرابة مئة ألف نسخة بحسب متحدثة باسم دار كنوب Knopf. وكارسون نفسها، حين سُئلت في مقابلة مع مؤسسة نوبل عن الكتاب الذي تنصح القراء بالبدء به، قالت إن أكثر الناس يقرؤون «سيرة الأحمر»، وإنه يبدو في متناولهم. والكتاب الذي اختارته السوق هو بالضبط ما نسميه «الرواية الشعرية»، وما سمته كارسون «الرواية المنظومة بالشعر» (A Novel in Verse).
هنا ينقلب السؤال الساخر. الرواية الشعرية كانت أقرب أعمال كارسون إلى المال، لا أبعدها عنه. والسبب في تقديري سبب بنيوي: فهي العمل الوحيد تقريباً في منجزها الذي يقدّم للقارئ حكاية متصلة، فيها شخصية تكبر وتعشق وتُجرح وتسافر. أما «إن لم يكن، فالشتاء» فشذرات وأقواس وبياض، و«نوكس» علبة وشريط مطوي، و«طوف» اثنان وعشرون كراساً منفصلاً داخل علبة. وقارئ نوبل العابر، الذي يدخل المكتبة لأن الخبر بلغه، يحتاج إلى باب، والسرد هو الباب. الشعر عند كارسون يدخل السوق متنكراً في هيئة رواية، والرواية الشعرية جسر يعبر عليه المال إلى شعرها.
وسأقدّم هنا فرضية ألحقها ببعض التحفظ الضروري: تقول فرضيتي أن الطلب على «نوكس» في كوريا، حيث جاءت ثانية، يمثل درجة أخرى من الاستهلاك، درجة القارئ الذي يشتري الكتاب لأنه شيء غريب يستحق الاقتناء. فـ«نوكس» علبة، والعلبة تُهدى وتُعرض وتُصوَّر. ولا نملك ما يؤكد دوافع المشترين، فلنترك الفرضية مفتوحة. غير أن اللافت أن العملين اللذين تصدّرا قائمة Aladin هما أكثر أعمال كارسون سرداً وأكثرها شيئية: الأول لأنه يحكي، والثاني لأنه يُلمس.

# ثالثاً: الناشرون، أو حساب الطبعات في عام بلا نوبل/
إذا كانت الجائزة قد أفادت الكاتبة رمزياً، وأفادت الكتب في المبيعات، فإن الناشرين عاشوا الحدث على هيئة أزمة توريد. ففي مالمو بالسويد، كانت دار ئيللرستروم Ellerströms، وهي دار سويدية صغيرة متخصصة في نشر الشعر، وصاحبها شاعر، قد تسلّمت للتو ألف نسخة من الترجمة السويدية لكتاب «نورما الخطأ» (Fel Norma)، الصادر في 1 أكتوبر 2026، أي قبل أسبوع واحد من الإعلان. ونفدت النسخ بسرعة. وقالت المديرة التنفيذية للدار، ماري بيترسون، للتلفزيون السويدي إنهم طبعوا الكتاب بعدد بدا طبيعياً لعام لا تفوز فيه الكاتبة بنوبل. والعبارة تستحق التوقف، لأنها تختصر اقتصاد نشر الشعر في أوروبا: الطبعة الأولى لكتاب شعري مترجم تُحسب على قراء معروفين ومحدودين، والألف نسخة رقم معقول، بل سخي، لدار بهذا الحجم. ثم يأتي حدث خارج كل حساب.
والمشكلة التالية مادية. فالدار تطبع كتبها في إستونيا، والطباعة تستغرق عادة ثلاثة أسابيع، وهي تفكر في نقل جزء من الطلبية إلى مطبعة سويدية لتسريع العمل، والأمر يشمل العناوين الأربعة التي نشرتها لكارسون. وفي ثلاثة أسابيع قد يهدأ جزء من الاهتمام، وقد يذهب القارئ المستعجل إلى النسخة الإنكليزية، وقد يبقى الطلب على حاله. هذا هو مأزق الناشر الصغير بعد نوبل: إن طبع قليلاً فاتته لحظة الذروة، وإن طبع كثيراً جازف بمخزون لا يُباع حين تنطفئ الأضواء. وقد أفاد دليل استهلاكي سويدي على الإنترنت بأن الطبعة السويدية من «نورما الخطأ» صارت مسجلة بوصفها نافدة لدى بوكوس Bokus، أحد أكبر باعة الكتب الإلكترونيين في السويد.
ولا تقف دار ئيللرستروم Ellerströms وحدها. فالتلفزيون السويدي ذكر أنها واحدة من ثلاث دور سويدية ستتقاسم «الكعكة»، ومنها دار بونيير العريقة Bonniers. والفارق كبير هنا بين دار كبرى ودار صغيرة: الكبرى تملك علاقات بمطابع وموزعين تتيح لها إعادة الطبع بسرعة، والصغيرة تراهن، بالمعنى الحرفي هذه المرة، على قدرتها على الاستجابة قبل أن يبرد الطلب.
وفي كوريا اصطدم الطلب بعطلة وطنية. فدار ناندا ، التي نشرت «إيروس الحلو المر» و«أحاديث قصيرة» و«الزجاج والسخرية والله» و«ماء سهل»، أعلنت أن مخزونها نفد كله، وأنها لن تستطيع الطباعة والتوزيع إلا بعد عطلة يوم الهانغول، حين تكون المطابع مغلقة، وذكرت الصحافة الكورية أن إعادة الطبع والشحن تبدأ من 12 أكتوبر، أي من اليوم الذي أكتب فيه هذه السطور. وتحضّر الدار في الوقت نفسه سلسلة محاضرات بعنوان «قراءة آن كارسون في العمق» مع الشاعر هوانغ يو وون، مترجم كارسون إلى الكورية. والتفصيل له دلالة: فالناشر الكوري يبيع مع الكتاب الوساطة الثقافية التي تجعله قابلاً للقراءة.
وأما الناشرون الكبار بالإنكليزية فوضعهم مختلف. فدار جوناثان كايب Jonathan Cape البريطانية، التابعة لمجموعة بينغوين راندوم هاوس، أعلنت أن كارسون تنضم إلى أكثر من ثمانين كاتباً من كتّاب المجموعة سبق لهم وأن نالوا جوائز نوبل الآداب. وفي البيان كلمة لروبن روبرتسون، محررها لسنوات طويلة، يقول فيها إن الصفات المعتادة التي تُطلق عليها، يقصد آن كارسون، أستاذة كلاسيكيات الأدب وشاعرة وكاتبة مقالة ومترجمة، لا تقترب من تعريف أي كتاب من كتبها. جملة ترويجية بالطبع، لكنها تكشف أن الناشر الكبير يبيع آن كارسون اليوم بالحجة نفسها التي كانت تجعل بيعها صعباً بالأمس: صعوبة التصنيف. فما كان عائقاً أمام رفوف المكتبات، التي تحتاج إلى أن تعرف أين تضع الكتاب، صار بعد نوبل علامة امتياز.
والملاحظة الاقتصادية الأعمق أن المستفيد الأكبر من نوبل هو من يملك «الرصيد القديم» (backlist)، أي الكتب المنشورة منذ سنوات وما زالت حقوقها في يده. فـ«سيرة الأحمر» صدرت عام 1998، ولا يكلّف بيعها اليوم الناشر شيئاً سوى ورق جديد وملصق. ونوبل، بالنسبة إلى ناشر احتفظ بكاتبة صعبة عقوداً، هو نوع من التعويض المتأخر عن صبره. والدور التي نشرت كارسون في التسعينيات، حين لم يكن أحد يتوقع أن تُطلب رواية شعرية بالآلاف، هي التي تجني اليوم ثمار تلك المجازفة.
ويبقى ما لا نعرفه بعد: حجم الطلب على حقوق الترجمة إلى لغات جديدة، وحجم الطبعات الجديدة بالأرقام لا بالنسب، ومدة الذروة. فالمعطيات المتاحة تغطي أربعة أيام، وكل حديث عن أثر طويل الأمد هو في هذه اللحظة تقدير لا معرفة حقة.

# رابعاً: سافو ، أو الشريكة التي لن تتقاضى شيئاً/
يُقال عادة إن آن كارسون نهلت من "سافو" حتى شبعت. والعبارة صحيحة في مسيرتها، فقد استفادت منها إلى درجة التمعش، لكنها تحتاج إلى تعديل في ضوء ما جرى بعد الإعلان.
إن الشاعرة الإغريقية الإيروتيكية سافو حاضرة في مشروع كارسون منذ بدايته. فكتابها الأول، «إيروس الحلو المر» (1986)، ينطلق من عبارة لسافو، و«إن لم يكن، فالشتاء» (2002) هي ترجمة كاملة للشذرات، يقابل فيها النص اليوناني الترجمة الإنكليزية، وتظهر فيها القصائد كأنها على قصاصات البردي الممزقة التي حفظتها. وقد قالت الأكاديمية السويدية إن ترجمات كارسون من الإغريقية يمكن أن تُعدّ أعمالاً مستقلة بذاتها، وذكرت وكالة أسوشيتد برس «إن لم يكن، فالشتاء» أولاً بين هذه الترجمات، إلى جانب «إلكترا» و«أنتيغون» لسوفوكليس و«الباخوسيات» ليوريبيدس.
لكن السوق بعد نوبل تحكي قصة أخرى. ففي قائمة Indigo لم تكن سافو بين العناوين الثلاثة الأولى. وفي كوريا، وهذا هو الأدلّ، لا تضم قائمة الكتب التسعة المترجمة لكارسون «إن لم يكن، فالشتاء» أصلاً. أكبر موجة شراء لكتب كارسون في آسيا مرّت إذن من غير أن تلمس سافو. والذين استفادوا من القدماء في هذه الموجة هم ستيسيخوروس، الذي خرج جيريون الأحمر من شذراته، وكاتولوس الروماني، الذي تقع قصيدته (الشذرة رقم 101) في قلب كتاب «نوكس».
وحالة ستيسيخوروس لافتة على نحو خاص. فهذا الشاعر الصقلي من القرن السادس قبل الميلاد لم يصلنا من قصيدته عن جيريون إلا شذرات، كشفت البرديات المصرية في القرن العشرين معظمها، وظل اسمه لعقود شأناً يخص المتخصصين في الشعر الغنائي اليوناني. ثم جاءت «سيرة الأحمر» فجعلته اسماً يقرؤه طلاب الأدب في الجامعات الإنكليزية. واليوم، بعد أن تصدّرت الرواية الشعرية قوائم المبيعات في سيئول وتورنتو، صار ستيسيخوروس يُشترى في ليلة واحدة بمئات النسخ، داخل كتاب يحمل اسم غيره. لم يكن أحد في أثينا القديمة أو صقلية ليتخيل أن قصيدة عن عملاق أحمر قتله هرقل ستصل، بعد ستة وعشرين قرناً، إلى طاولة عرض في مكتبة بسيئول. وهذا ما تفعله نوبل حين تُمنح لباحثة فيلولوجية تجرّ معها الموتى الذين اشتغلت عليهم إلى السوق.
فإن سألنا من أخذ من الآخر، فالجواب أعقد مما توحي به عبارة الشبع. كارسون أخذت من سافو، هذا صحيح، وسافو أخذت من كارسون أيضاً: لقد أخذت صوتاً إنكليزياً معاصراً صار عند جيل كامل من القراء غير المتخصصين هو صوت سافو نفسه. والنص التعريفي الذي قدّم به الناشر الترجمة يوم صدورها رشّحها لأن تصير الترجمة المعيارية لسافو في زمننا، وقد تحقق ذلك إلى حد بعيد في الجامعات وفي نوادي القراءة العامة. والأقواس المعقوفة التي تتركها كارسون حيثما ضاع منها النص، صارت عند قراء كثيرين الشكل الذي يتخيلون به سافو: شاعرة الثغرة والبياض والشذوذ الجنسي.
ثم يبرز السؤال الذي يخص سافو في سياق المال. سافو لا تتقاضى شيئاً بطبيعة الحال. نصها في المِلك العام وحق المشاع منذ ما يزيد على ألفي عام، وكل ما يُباع منه يُباع ترجمةً، أي عملاً لمترجم. ونوبل، حين تقول إن هذه الترجمات أعمال مستقلة بذاتها، تمنح ثقلاً مؤسسياً لما كان صحيحاً تجارياً منذ البداية: «سافو كارسون» سلعة تحمل اسم كارسون، والشذرة اليونانية مادتها الخام. لا أقصد بهذا اتهاماً أخلاقياً، فهذا وضع كل ترجمة لنص قديم. غير أن الجائزة ترفع هذا الوضع إلى أعلى ما تملكه المؤسسة الأدبية من اعتراف، فتجعل المترجم مؤلفاً معترفاً به.
وفي هذا ما قد يقلق المختصين بالكلاسيكيات ويرضيهم في آنٍ واحد. يقلقهم لأن الحرية التي تتعامل بها كارسون مع النص، وهي فيلولوجية دقيقة في أساسها وشعرية في نتيجتها، قد تصير المعيار الذي يُقاس به كل من يترجم سافو بعدها. ويرضيهم لأن سافو ستُقرأ أكثر، حتى لو قرأها الناس بصوت كارسون. والسؤال الذي لا أملك جواباً عنه: هل يشتري قارئ نوبل اليوم «إن لم يكن، فالشتاء» لأنه يريد سافو، أم لأنه يريد كارسون؟ الأرجح عندي أنه يريد كارسون، وأن سافو تصل إليه بالتبعية. وإن صحّ هذا، فقد صارت شاعرة من القرن السابع قبل الميلاد مستفيدة غير مباشرة من جائزة لم تكن لتُمنح لها، ومن سوق لم تكن لتعرف بوجودها.

# خامساً: المراهنون والمضاربون على ما لا يُكتب له الربح/
نصل إلى الطرف الذي يبدو أبعد الأطراف عن الشعر: الذين وضعوا أموالهم على اسم آن كارسون.
المراهنة على نوبل الآداب تقليد قديم في سوق المراهنات البريطانية والإسكندنافية، وكارسون اسم دائم في قوائمها. كانت عام 2021 ثانية بعد الروسية لودميلا أوليتسكايا في بعض القوائم، وكانت عام 2024 لدى لاندبروكس عند 20 مقابل 1، وفي مطلع موسم 2025 كانت مرشحة أولى مشتركة عند 6 مقابل 1 لدى بعض المواقع. فالمراهنون عليها خسروا سنوات قبل أن يربحوا.
وفي 2026 تعطي المصادر صوراً متباينة، وتباينها نفسه هو ما يستحق الدرس. قبل الإعلان بنحو أسبوع نشر موقع ليتهاب قائمة لاندبروكس، وكانت كارسون فيها عند 33 مقابل 1، خلف كان شيوي (10 مقابل 1) وموراكامي (14 مقابل 1) وجيرالد مورنان وتوماس بينشون (16 مقابل 1 لكل منهما). وفي القائمة التي نشرتها شركة بيتسون السويدية كانت الصينية كان شيوي في المقدمة باحتمال عند 5.00، ثم كارسون عند 7.00، ثم مورنان عند 8.00. وفي سوق التنبؤ الأميركية "كالتشي"، كانت كارسون قبيل الإعلان في المرتبة الأولى بنسبة 22%، تليها كان شيوي بنسبة 14% ومورنان بنسبة 12%.
لنترجم هذه الأرقام إلى "فلوس"، مع التنبيه إلى أن ما يلي حساب توضيحي لا كشف عن أرباح أشخاص بعينهم. فمن راهن بمائة جنيه إسترليني مثلا عند 33 مقابل 1، وثُبّت له هذا السعر عند قبول الرهان، يسترد 3,400 جنيه: مائة هي رهانه، و3,300 قيمة ربحه. ومن راهن بمائة يورو لدى بيتسون عند 7.00 يسترد 700 يورو، منها 600 قيمة ربحه. ومن اشترى في كالتشي عقوداً بسعر 22 سنتاً للعقد، والعقد يدفع دولاراً واحداً إن تحققت النتيجة، فكل مائة دولار تشتري نحو 454 عقداً، أي نحو 454 دولاراً عند التسوية قبل الرسوم، أي ما يقارب أربعة أضعاف ونصفاً.
الفارق بين أربعة وثلاثين ضعفاً وأربعة أضعاف ونصف هو ثمن التوقيت الزمني. فالأسعار لا تعكس آراء منصات مختلفة فحسب، وإنما تعكس أيضاً حركة السوق عبر الأيام: كلما اقترب الإعلان وتكاثرت المراهنات على اسم واحد، كلما هبط العائد. ومن راهن على كارسون مبكراً، في أسبوع لم يكن اسمها فيه في المقدمة لدى لاندبروكس، حصل على العائد الأعلى، ومن انتظر حتى صارت المرشحة الأولى في كالتشي حصل على عائد متواضع نسبياً.
ولا ينبغي أن نتعامل مع قوائم المراهنات كأنها عشوائية تماماً. فشركة بيتسون، التي تعرض احتمالات على الجائزة منذ أكثر من عشر سنوات، ذكرت في بيانها لهذا العام أن الفائزين في السنوات الأخيرة كانوا كثيراً ما يأتون من بين أبرز مرشحيها، وأن كراسناهوركاي نفسه كان صاحب ثاني أدنى احتمال لديها قبل إعلان العام الماضي. وكارسون جاءت هذا العام في المرتبة الثانية بالضبط. غير أن الشركة نفسها تذكّر بالمفاجآت، من بوب ديلان إلى عبد الرزاق گرناه الذي لم يكن اسمه على قائمتها أصلاً. والقوائم إذن تقيس الإجماع النقدي المتداول أكثر مما تقيس ما يدور داخل الأكاديمية. والمراهن الذي يربح على مرشح من المراتب الأولى إنما يربح على صواب الرأي العام الأدبي، لا على معرفة خاصة.
ويطرح هذا سؤالاً لا مفر منه في سياق عام 2026: هل كان صعود كارسون في الأيام الأخيرة علامة على تسرب معلوماتي؟ لا أحد يملك أي دليل على ذلك، ولم أجد في المصادر المتاحة ما يشير إلى تحقيق أو شبهة تخص جائزة نوبل الآداب لهذا العام. والأرجح أن الصعود يعكس ما هو معروف للجميع: كارسون مرشحة دائمة منذ سنوات، والجائزة تناوبت في الأعوام الأخيرة بين كاتب وكاتبة، وفق تصور جندري تحدثنا عنه في مقال يسبق هذا، فجاءت هان كانغ عام 2024، ثم كراسناهوركاي عام 2025، وكان دور امرأة متوقعاً عند من يقرأ هذا التناوب. لكن السؤال حول التسريب هو سؤال مشروع، لأن العام الماضي شهد سابقة كهذه. ففي أكتوبر 2025، قبل ساعات من إعلان جائزة نوبل للسلام لماريا كورينا ماتشادو، وضعت حسابات جديدة على منصة Polymarket رهانات كبيرة عليها، وقُدّرت أرباح ثلاثة حسابات منها بنحو 90 ألف دولار مجتمعة. وفتحت السلطات النرويجية تحقيقاً في ذلك، وخلص معهد نوبل النرويجي في فبراير 2026، بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات، إلى أن هجوماً إلكترونياً هو التفسير «الأرجح» للتسريب، من غير أن يحدد من هو المسؤول عنه.
أذكر هذه السابقة لأنها تغيّر معنى المراهنة على نوبل. قبل أسواق التنبؤ كانت المراهنة على جائزة الآداب ضرباً من الهواية الأدبية: قارئ يضع عشرين جنيهاً على كاتبه المفضل، ومكتب مراهنات يعرض الاحتمالات لأن الأمر يجلب انتباه الصحافة أكثر مما يجلب المال. أما في 2026 فقد صارت جوائز نوبل أسواقاً قائمة بذاتها. سوق بوليماركت جمعت على نوبل للسلام لهذا العام ما مقداره 32.3 مليون دولار منذ افتتاحها في أكتوبر 2025، ثم ذهبت الجائزة إلى نافي بيلاي، التي لم تكن بين المرشحين السبعين المسمّين في السوق، فدُفعت الأرباح عبر العقد الجامع الذي يراهن على «أي شخص أو منظمة أخرى». وذكر التقرير نفسه أن سوق كالتشي على جائزة الآداب كانت قد أدرجت كارسون بالاسم.
لم أعثر شخصيا على رقم منشور لحجم التداول في أسواق جائزة الآداب هذا العام، ولا على كشف بإجمالي ما دُفع للرابحين. ولذلك لا يصح القول إن المراهنين ربحوا الملايين على كارسون، ولا القول بعكسه. ما يصح قوله أن بعضهم ربح، وأن ربح من راهن مبكراً فاق بكثير ربح من راهن متأخراً، وأن سوق الآداب أصغر على الأرجح من سوق السلام، لأن الأخيرة تجتذب مضاربين سياسيين لا يعنيهم الأدب أصلاً.

# سادساً: هل المال في الشعر، أم الشعر في المال؟/
لقد كتبت منذ سنوات عن الأطروحة الجامعية الخطيرة للدكتور مبروك المناعي، صديقي التونسي الذي أعتز به وبأبحاثه القيمة، بعنوان "الشعر والمال"، لكني لن أعود إليه اليوم، بل سأعود إلى السؤال الساخر الذي انطلقت منه: كيف تجلب الرواية الشعرية، وهي آخر ما يُنتظر منه أي ربح، كل هذا الحراك المالي؟
النصف الصحيح من السخرية أن الشعر، بوصفه كتابة، لا يجلب المال في الأحوال العادية. والدليل في عبارة ماري بيترسون عن طبعة عام بلا نوبل: ألف نسخة. وفي أن مكتبة أوتاوا كانت تستقبل أربعة عشر طلب حجز على كتب كارسون قبل الإعلان. يعيش الشعر في سوق الكتاب على قاعدة قراء صغيرة وفيّة، وعلى ناشرين صغار يقبلون أرباحاً ضئيلة أو معدومة.
والنصف الخاطئ هو أن «سيرة الأحمر» نفسها لم تكن قبل نوبل كتاباً بلا مال. مئة ألف نسخة في الولايات المتحدة وحدها رقم كبير لأي كتاب شعري، بل لكثير من الروايات. كانت الرواية الشعرية أنجح كتب كارسون تجارياً قبل الجائزة، وهي الآن، بحكم ما فيها من سرد، الباب الذي تدخل منه موجة القراء الجدد. ومن هنا أرى أن الرواية الشعرية عند كارسون هي الصيغة التي وجد بها الشعر طريقه إلى المال، وأن وصفها بأقصى درجات البعد عن الربح يقلب الصورة.
ثم إن المال الذي نتحدث عنه هو في الحقيقة ثلاثة أموال. مال الجائزة نفسها: 12 مليون كرونة، يذهب إلى كارسون لأن الأكاديمية قررت ذلك، من غير أن يشتري أحد شيئاً. ومال المبيعات: يذهب إلى الناشرين وباعة الكتب، وإلى كارسون عبر حقوق المؤلف، ويتوقف حجمه على مدة الذروة. ومال المراهنات: الذي لا يمر بالكتاب أصلاً: فالمراهن لا يحتاج إلى أن يقرأ سطراً من كارسون كي يضارب عليها، ولا إلى أن يشتري كتاباً. إنه يراهن على قرار أعضاء الأكاديمية السويدية، أو على تقدير الآخرين لهذا القرار المحتمل. والقصيدة في هذه الحالة هي حدث يُتوقَّع، لا سلعة تُشترى.
وهذا المال الثالث هو الأغرب. ففيه يصير الأدب أصلاً مشتقاً بلغة الأسواق المالية: أي لا قيمة له في ذاته، وكل قيمته في المسافة بين ما تتوقعه السوق وما يحدث فعلاً. وقد تذكّرنا هذه المسافة بما وصفته كارسون نفسها في «إيروس الحلو المر»، حين جعلت الرغبة قائمة على نقص بين طرفين، وعلى أن المرغوب يبقى على بُعد دائما. والمراهن، بهذا المعنى، يشتهي المسافة لا الشيء: يشتهي الفارق بين احتمال 3% وتحقق النتيجة. ولا أريد أن أدفع المقارنة إلى أبعد مما تحتمل، فالمراهن ليس قارئاً، والمال ليس إيروس. لكن من الطريف أن الكاتبة التي جعلت الفجوة موضوعاً لكتابتها صارت هي نفسها فجوة يربح منها من يحسن قياسها.

# سابعاً: ما لا نكاد نعرفه بعد/
كل ما سبق من حديثي يعتمد على أربعة أيام من المعطيات، وهي بالتعريف أيام الذروة. والسؤال الحقيقي عن أثر نوبل يتعلق بما بعد الحفل في ديسمبر، وبما بعد صدور الكتاب الجديد في فبراير 2027، وبما يبقى حين ينسى المشترون الملصق ويبقى هو على الأغلفة.
وأمامنا فرضيتان متنافستان: الأولى أن أثر نوبل على كارسون سيشبه أثرها على أليس مونرو، آخر كاتبة كندية نالتها قبلها عام 2013، والتي ذكرت أسوشيتد برس أن مبيعاتها ارتفعت ارتفاعاً كبيراً بعد الجائزة. أي أن الجائزة ستضع كارسون في المناهج الدراسية وعلى الرفوف الثابتة، وتجعل «سيرة الأحمر» من الكتب التي يُطلب من الطلاب قراءتها. والثانية أن الأثر سيكون من نوع ما يحدث لكثير من الشعراء الفائزين: موجة شراء قصيرة، ثم عودة إلى القاعدة الصغيرة الوفية، مع ارتفاع دائم في القاعدة لا في القمة.
أميل إلى الأولى بحذر، لأن كارسون تملك ما لا يملكه أكثر الشعراء، فهي تملك عملاً سردياً واحداً على الأقل جرّبه الجمهور العريض، وحضوراً في الجامعات الناطقة بالإنكليزية منذ ربع قرن، وكتاباً جديداً في الطريق. وما يُضعف هذا الترجيح أنني لا أعرف شكل الكتاب الجديد، وعنوانه لا يوحي برواية شعرية أخرى، ولا أعرف إن كان قارئ «سيرة الأحمر» سيتبعها إلى حيث ستذهب.
ويبقى سؤال حفل التتويج في ستوكهولم. فكارسون ستُلقي محاضرة نوبل، ومحاضرات نوبل أضحت نوعا أدبيا له تاريخ وأسلوب. ومن يعرف «أحاديث قصيرة»، حيث تتحول المحاضرة الجامعية إلى قصائد نثر خاطفة، يتوقع أن تأتي محاضرتها نصاً لا يشبه محاضرات نوبل المعتادة. وقد يكون ذلك النص أول كتاب تبيعه السوق بعد الملصق.
وفي مكان ما، على الأرجح، شخص وضع مئة جنيه على 33 مقابل 1 قبل أسبوعين، وقبض ثلاثة آلاف وأربعمئة، ولم يفتح «سيرة الأحمر» قط.

* ملاحظات هامة:/
- يشكل هذا المقال الحلقة الثالثة والأخيرة من سلسلة مقالات عُنيت بجائزة نوبل للآداب لهذا العام 2026، ابتدأت من يوم 4 أكتوبر وانتهت في يوم 12 أكتوبر، مرورا بالثامن منه، يوم الإعلان عن اسم الفائزة بها لهذه الدورة.
- كل الحقوق للمقالات الثلاث محفوظة لمجلة "كناية" الرقمية الثقافية المستقلة، ولموقع "الحوار المتمدن".
- آراء هذا المقال وتخريجاته وسخرياته تخصني وحدي أنا كاتب المقال، أما المعلومات والمعطيات الواردة فيه، وبخاصة أرقام المضاربات وعوائد المراهنات وأرباح المستفيدين من الجائزة، فأنا مدين بها للمصادر الموثوقة التالية:
Swedish Academy / NobelPrize.org, «Nobel Prize in Literature 2026: Anne Carson», summary page, 8–9 October 2026.
Associated Press, «Canadian author Anne Carson wins literature Nobel for "bold and inventive" works that blend genres», 8 October 2026 (Boston Globe, Anchorage Daily News).
AFP, «Canada s Anne Carson wins Nobel for modern spin on classics», 8 October 2026 (Kuwait Times).
The Canadian Press, «Anne Carson s Nobel win leads to surge in book sales, library holds and streams», 9 October 2026 (CTV News CP24).
Korea JoongAng Daily, «Anne Carson s Nobel Prize win sends Korean book sales soaring overnight», 9 October 2026.
The Korea Herald, «Sales of Nobel laureate Anne Carson s books jump 138-fold in South Korea», 9 October 2026.
Asia Economy, «Books Sell Out Overnight After Nobel Announcement… Anne Carson Book Sales Surge 184-Fold», 9 October 2026.
SVT Kultur, «Stor press på förlagen efter Anne Carsons nobelbesked», October 2026.
SVT Kultur, «Nobelpriset i litteratur 2026», October 2026.
Literary Hub, «Here are the bookies odds for the 2026 Nobel Prize in Literature», October 2026 and «Anne Carson has won the 2026 Nobel Prize in Literature», 8 October 2026.
Betsson Group, «Odds Favourites for the 2026 Nobel Prize in Literature», press release, October 2026.
Kalshi News, «Nobel Prize in Literature odds: Anne Carson», October 2026.
Bitcoin.com News, «Polymarket s -$-32M Nobel Market Didn t Anticipate the Peace Prize Winner», October 2026.
The Block, «Officials probe Polymarket over suspicious trades predicting Nobel Peace Prize winner», 10 October 2025.
Casino.org, «How Prediction Markets Called the 2025 Nobel Peace Prize, and What It Means for 2026», September 2026.



#حكمت_الحاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تكهنات اللحظة الأخيرة: من سيفوز بنوبل الآداب هذا العام؟
- نوبل الآداب على الأبواب: خريطة التكهنات العالمية وحظوظ العرب ...
- كل شيء حدث فجأة
- نشيدان للطاهرة
- زينب..
- قصيدتان سرياليتان من جاك بريفير
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
- في الرواية الشعرية العربية: مهاد نظري وتطبيق
- قصيدتان عن رام الله
- زينب
- النهر جرى ليجري
- الفعل
- أصياف
- يا روحي
- لا تنس غابرييل
- Vierge Moderne أو العذراء العصرية
- قلبي من حديد
- من اللوغوس الأرسطي إلى الحيوان الداريدي: حيرة في الفلسفة وال ...
- عن مسرحية الخياطات
- مسرحنا العربي من الكتابة إلى الخشبة: ثلاث مقاربات واقتراح


المزيد.....




- من الوساطة بين واشنطن وطهران إلى هجمات الحوثيين على السعودية ...
- برلمانية أوكرانية تحذر زيلينسكي: أقرب الناس إليك يريدون استب ...
- رئيس وزراء لاتفيا: إذا أردنا أن نأكل الكرواسون ونشرب القهوة ...
- تصويت في الولايات المتحدة على اسم باندا حمراء حديثة الولادة ...
- Rocket Lab تؤجل إطلاق صاروخها القابل لإعادة الاستخدام مرة أخ ...
- زيلينسكي يخشى إبرام روسيا والولايات المتحدة صفقات أخرى عقب ا ...
- التخلي التام عن الدهون لا يقل ضررا عن الإفراط في تناولها
- روسيا.. انتهاء الاختبارات ما قبل السريرية لدواء شامل لعلاج س ...
- Amazon تعلن عن حاسب ممتاز متعدد الاستخدامات
- رغم تأخر تسليم F-35.. بلجيكا تتعهد بتزويد أوكرانيا بـ10 مقات ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حكمت الحاج - شاعرة تجرجر موتاها نحو منصة التتويج