أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.















المزيد.....

مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 13:13
المحور: الادب والفن
    


مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي :

صادَفَنِي أُنْسُ اللِّقَاءِ وَدَهْشَةُ الإِهْدَاءِ , حِينَ أَبْهَجَنِي الدُّكْتُورُ الأَفَنْدِيّ بِسِفْرٍ يَمِيسُ جَلاَلاً , كِتَابِ ((آدَابِ المُرِيدِينَ)) لأَبِي نَجِيبٍ السُّهْرَوَرِدِيِّ , المَقْرُونِ بِبَرَاقَةِ تَحْقِيقٍ لِسَمِيِّهِ عِنْدَ ابْنِ عَرَبِيّ , وَلَئِنْ كَانَ الكِتَابُ يَأْخُذُ بِالأَلْبَابِ فِي مَعَارِجِ الصَّفَاءِ , فَقَدْ هَزَّ فِي وَجْدَانِي وَتَرًا غَائِرًا , إِذْ أَعَادَنِي فِي لَحْظَةِ اشْتِعَالٍ إِلَى أَرْوِقَةِ (( الْعُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ )) وَمَحَاضِرِ (( المَعْهَدِ الدِّبْلُومَاسِيّ )) لِأَكْتَشِفَ أَنَّ (( مَرَاسِمَ السُّلُوكِ )) عِنْدَ أَهْلِ الحَقِيقَةِ مَا هِيَ إِلاَّ الرَّافِدُ الأَوَّلُ لِإِتِيكِيتِ أَهْلِ السِّيَاسَةِ وَالشَّأْنِ , ولَمْ يَكُنْ إِهْدَاءُ الصَّدِيقِ الدُّكْتُورِ الأَفَنْدِيّ للِكِتَابِ بِتَحْقِيقِهِ المَجْدُودِ مُجَرَّدَ هَدِيَّةٍ مَكْتَبِيَّةٍ تَبْعَثُ فِي النَّفْسِ الأُنْسَ وَالمَهَابَةَ , بَلْ كَانَ شَرَارَةً أَحْيَتْ فِي الذَّاكِرَةِ صَدَى السَّنَوَاتِ , فَبَيْنَ طَيَّاتِ سُلُوكِ (( المُرِيدِ )) فِي حَضْرَةِ الشَّيْخِ , انْزَاحَتِ الحُجُبُ لِتُطِلَّ عَلَيَّ قَاعَاتُ الدِّرَاسَةِ فِي كُلِّيَّةِ العُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ وَمَحَاضَرَاتُ المَرَّاسِمِ فِي المَعْهَدِ الدِّبْلُومَاسِيِّ , فِإِذَا بِقَوَاعِدِ (( الإِتِيكِيتِ )) المِعْيَارِيِّ لَيْسَتْ سِوَى صَدًى لِـ (( دِبْلُومَاسِيَّةِ الصَّفَاءِ )) الَّتِي صَاغَهَا الصُّوفِيَّةُ قَبْلَ أَقْلاَمِ المَفَاوِضِينَ , وعليه وانا اقلب بَيْنَ يَدَيَّ نُسْخَةٌ الأَفَنْدِيّ , وَرَغْمَ مَا يَسْكُنُ السِّفْرَ مِنْ أُنْسٍ وَرَوْحَانِيَّةٍ , إِلاَّ أَنَّهُ قَذَفَ بِي فُجَاءَةً إِلَى مَقاعدِ المَعْهَدِ الدِّبْلُومَاسِيِّ وَأَرُوِقَةِ العُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ , لِأَجِدَنِي أَقْرَأُ (( الإِتِيكِيتَ )) المَلَكِيَّ بِلُغَةِ العَارِفِينَ , وَأَسْتَشْهِدُ بِـ(( دِبْلُومَاسِيَّةِ السُّهْرَوَرِدِيِّ )) فِي مَقَامَاتِ السَّهَرِ وَالسُّلُوكِ.

فَمَا إِتِيكِيتُ المَوَاقِفِ وَالدَّوْرِيَّاتِ , وَلاَ المَرَاسِمُ المَضْبُوطَةُ فِي الِاسْتِقْبَالَاتِ وَالمُحَادَثَاتِ , إِلاَّ قَبَسٌ مِنْ ذَلِكَ النَّظْمِ الصَّارِمِ الَّذِي أَرَّخَهُ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي صُحُبَاتِ المُرِيدِينَ , حَيْثُ الصَّمْتُ فِي حَضْرَةِ الشَّيْخِ لَيْسَ غِيَاباً لِلْكَلاَمِ , بَلْ هُوَ (( سِيَاسَةُ صَمْتٍ )) تَكْتِيكِيَّةٍ تَنْتَظِرُ إِشَارَةَ المَقَامِ , وَحَيْثُ (( الخِرْقَةُ )) الَّتِي يَرْتَدِيهَا السَّالِكُ لاَ تَقِلُّ أَنَاقَةً وَمَهَابَةً عَنْ (( بَدْلَةِ السَّفِيرِ )) فِي الأَعْرَافِ الدَّوْلِيَّةِ , كِلاَهُمَا رَمْزِيَّةُ انْتِمَاءٍ , وَدَلِيلُ انْضِبَاطٍ , وَعُنْوَانُ رِسَالَةٍ , فَكَيْفَ إِذَنْ إِذَا كَانَ المَجْلِسُ المَجْلُووُّ يَجْمَعُ بَيْنَ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ: أَبِي نَجِيبٍ فِي زُهْدِهِ , وَابْنِ عَرَبِيَّ فِي إِشْرَاقِهِ ؟

وَمُنْتَهَى الدَّهْشَةِ فِي هَذِهِ المُمَاثَلَةِ يَتَجَلَّى فِي مَفْهُومِ (( الِاصْطِلَامِ )) ذَلِكَ الوَجْدِ العَارِمِ الَّذِي يَغْشَى السَّالِكَ فَيَسْلُبُهُ عَنْ حِسِّهِ , وَيَرْفَعُهُ عَنْ شَوَاغِلِ خَلْقِهِ , فَإِنْ كَانَ اصْطِلَامُ الصُّوفِيِّ فَنَاءً فِي الحَقِيقَةِ وَتَسْلِيماً لِلْجَذْبَةِ , فَإِنَّ (( اصْطِلَامَ الدِّبْلُومَاسِيِّ )) هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الضَّبْطِ وَالثَّبَاتِ , حَيْثُ يُفْتَرَضُ بِهِ أَنْ يَظَلَّ حَاضِرَ الذِّهْنِ فِي قَلْبِ العَاصِفَةِ , يُغَلِّفُ انْفِعَالَهُ بِهُدُوءٍ جَلِيدِيٍّ , وَيَقْرَأُ (( لُغَةَ العَيْنِ وَالإِشَارَةِ )) عِنْدَ خَصْمِهِ كَمَا يَقْرَأُ المُرِيدُ لَمْحَةَ شَيْخِهِ قَبْلَ أَنْ يَنِطَقَ بِالْمَقالِ , إِنَّهَا الدِّبْلُومَاسِيَّةُ حِينَ تَسْتَعِيرُ مِنْ العِرْفَانِ شَفَافِيَّةَ الإِلْهَامِ , وَتَسْتَعِيرُ مِنَ (( السُّهْرَوَرْدِيِّ )) أَدَبَ الحَضْرَةِ فِي مَقَامَاتِ الكَلاَمِ وَالصَّمْتِ .

وَمَا كَانَ السُّهْرَوَرْدِيُّ حِينَ وَضَعَ (( آدَابَ المُرِيدِينَ )) يَبْنِي حُدُوداً لِخَلْوَةٍ غَائِبَةٍ عَنِ الوَاقِعِ , بَلْ كَانَ يُؤَسِّسُ لِـ (( مُوَاطَنَةٍ سُلُوكِيَّةٍ )) تَنْظُمُ عَلَاقَةَ الذَّاتِ بِالآخَرِ , فَالْمُرِيدُ فِي حَضْرَةِ الشَّيْخِ كَالْمَبْعُوثِ فِي حَضْرَةِ المَلِكِ , يُدَارِكُ اللَّفْظَةَ قَبْلَ أَنْ يَنِطَقَ بِهَا , وَيَرْعَى حُرْمَةَ المَجْلِسِ كَأَنَّ عَلَى رَأْسِهِ الطَّيْرَ , وَإِنَّ رِحْلَةَ العَارِفِ فِي مُكَاَشَفَاتِهِ تُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ رِحْلَةَ الدِّبْلُومَاسِيِّ فِي مَفَاوَضَاتِهِ , كِلاَهُمَا يَسْعَى لِلْعُبُورِ مِنْ (( ظَاهِرِ المَقَالِ )) إِلَى (( بَاطِنِ الحَالِ )) , وَكِلاَهُمَا يَعْلَمُ أَنَّ زَلَّةَ اللِّسَانِ فِي المَقَامَاتِ الِكِبَارِ قَدْ تُطِيحُ بِعَهْدٍ أَوْ تَقْطَعُ حَبْلَ وَصْلٍ , فَهَلْ كَانَ السُّهْرَوَرْدِيُّ - مِنْ حَيْثُ لاَ يَدْرِي - يَضَعُ الدَّسْتُورَ الأَوَّلَ لِلِّبَاقَةِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ بِلُغَةِ الإِشْرَاقِ؟

فَلِلَّهِ دَرُّ الأَخِ الدُّكْتُورِ الأَفَنْدِيِّ , إِذْ أَهْدَانِي سِفْرًا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ صَفَحَاتٍ تُمْلَأُ بِالقِرَاءَةِ , بَلْ كَانَ (( مِفْتَاحًا عِرْفَانِيًّا )) أَعَادَ فَتْحَ خَزَائِنِ الـمَاضِي , وَأَجْلَى غُبَارَ السِّنِينِ عَنْ مَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ وَأَرُوقَةِ المَعْهَدِ , وَلَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ المَقَارَبَةِ بِحَقِيقَةٍ لاَ تُقَارَبُ : أَنَّ (( الدِّبْلُومَاسِيَّةَ الرَّفِيعَةَ )) فِي جَوْهَرِهَا الحَقِيقِيِّ , لَيْسَتْ سِوَى (( تَصَوُّفٍ سِيَاسِيٍّ )) يَتَّشِحُ بِأَدَبِ السُّلُوكِ , وَيَزِنُ الكَلِمَاتِ بِمِيزَانِ الذَّوْقِ , وَيَبْلُغُ سِدْرَةَ النَّجَاحِ حِينَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَيْبَةِ الحُضُورِ وَصَفَاءِ المَقَامِ , فَسَلاَمٌ عَلَى مَنْ صَاغَ (( آدَابَ المُرِيدِينَ )) قَدِيمًا , وَسَلاَمٌ عَلَى مَنْ جَدَّدَ أُنْسَهَا المَكْتُوبَ حَدِيثًا .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...


المزيد.....




- من همنغواي إلى نيتشه.. كيف يوظف دافيدي أنشيلوتي الأدب والفلس ...
- ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني ...
- نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب ...
- شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا ...
- فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان ...
- ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو ...
- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الأصطلام في دبلوماسية السهروردي.