أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - أنطون تشيخوف: الخطيب (قصة قصيرة مُترجَمة)















المزيد.....

أنطون تشيخوف: الخطيب (قصة قصيرة مُترجَمة)


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


العنوان: الخطيب
تأليف: أنطون تشيخوف
ترجمة عن الروسية: كونستانس جارنيت
المصدر: موقع Library of Short Stories
....
في صباح جميل، كانوا يشيّعون المستشار الجامعي كيريل إيفانوفيتش بابيلونوف، الذي راح ضحية اثنين من أكثر الآفات شيوعًا في بلادنا: زوجة سيئة الطباع وإدمان الخمر.
وما إن انطلق موكب الجنازة من الكنيسة في طريقه إلى المقبرة، حتى استقل أحد زملاء الراحل، ويدعى بوبلافسكي، عربة أجرة، وانطلق بها مسرعًا للبحث عن صديق له اسمه جريجوري بتروفيتش زابويكين، وهو رجل لا يزال في مقتبل العمر، لكنه اكتسب شهرة واسعة.
كان زابويكين، كما يعرف كثير من قرائي، يتمتع بموهبة نادرة في إلقاء الخطب المرتجلة في حفلات الزفاف والاحتفالات بالذكرى السنوية ومراسم الجنازات. وكان يستطيع أن يخطب متى شاء: وهو نائم، أو على معدة خاوية، أو في حال سُكر شديد، أو حتى وهو يعاني حمى مرتفعة. وكانت كلماته تنساب بسلاسة وانتظام، وبغزارة لا تنقطع، كالماء المتدفق من أنبوب؛ ففي قاموسه الخطابي من العبارات المؤثرة ما يفوق عدد الخنافس في أي مطعم. وكان يتحدث دائمًا ببلاغة وإسهاب، حتى إنهم كانوا يضطرون أحيانًا؛ ولا سيما في حفلات زفاف التجار، إلى الاستعانة بالشرطة لإسكاته.
قال بوبلافسكي، حين وجده في منزله:
"جئت لأصطحبك يا صديقي القديم! ارتدِ معطفك وقبعتك في الحال وتعال معي. لقد مات أحد رفاقنا، ونحن الآن نودعه في رحلته إلى العالم الآخر، ولا بد أن تلقي بضع كلمات في رثائه... أنت أملنا الوحيد. لو كان المتوفى واحدًا من صغار الموظفين، لما استحق الأمر أن نزعجك، لكن المسألة تتعلق بالسكرتير... إنه، إن جاز التعبير، أحد أعمدة المصلحة. وليس من اللائق أن يُوارى رجل بهذه الأهمية الثرى من دون خطاب تأبيني".
تثاءب زابويكين وقال:
"آه، السكرتير! أتعني ذلك السكير؟".
"نعم. سيكون هناك فطائر وغداء... وسندفع لك أجرة العربة. هيا يا عزيزي! ألقِ عند القبر كلامًا منمقًا على طريقة شيشرون، وسترى كم ستجني من الامتنان!".
وافق زابويكين من دون تردد؛ فعبث بشعره حتى بدا أشعث قليلًا، وأسبغ على وجهه مسحة من الحزن، ثم خرج إلى الشارع برفقة بوبلافسكي.
وقال وهو يستقل العربة:
"أعرف سكرتيركم. إنه محتال ماكر ووغد لئيم، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته! من طينة نادرة، لا يصادف المرء أمثاله كثيرًا".
قال بوبلافسكي معترضًا:
"مهلًا يا جريشا، ليس من اللائق أن نسيء إلى الموتى".
أجاب زابويكين:
"بالطبع، فالموتى لا يُذكَرون إلا بالخير، كما يقول المثل اللاتيني. ومع ذلك، فقد كان وغدًا".
لحق الصديقان بموكب الجنازة وانضما إليه. وكان الجمع يسيرون بالنعش على مهل، حتى إنهم تمكنوا، قبل بلوغ المقبرة، من التوقف في حانة ثلاث مرات، يتناولون الشراب على صحة الراحل وذكراه.
وفي المقبرة، أُقيمت مراسم الدفن عند القبر، وذرفت الحماة والزوجة وأخت الزوجة دموعًا غزيرة امتثالًا لما جرت به العادة. وحين أخذوا ينزلون النعش إلى القبر، أطلقت الزوجة صرخة مدوية قائلة:
"دعوني أذهب معه!".
لكنها لم تلحق بزوجها إلى داخل القبر، ولعلها تذكرت معاشها التقاعدي.
وحين هدأ كل شيء من جديد، تقدم زابويكين، وألقى بنظراته على الحاضرين، ثم بدأ خطبته:
"أيمكنني أن أصدق عينيّ وأذنيّ؟ أهذا القبر، وهذه الوجوه التي بللتها الدموع، وهذه الآهات والنحيب، إلا كابوس مروع؟ واحسرتاه! ليس الأمر حلمًا، ولا تخدعنا أعيننا! إن الرجل الذي رأيناه منذ وقت قريب، مفعمًا بالعزم، ناضرًا في شبابه، نقيًّا في روحه، والذي كان أمام أعيننا، كالنحلة التي لا تعرف الكلل، يحمل عسله إلى خلية الصالح العام ورفاه الدولة... ذلك الرجل الذي... أصبح الآن ترابًا، وظلًّا جامدًا لا حياة فيه!
"لقد قبضت يد الموت التي لا ترحم بعظامها عليه، في وقت كان فيه، على الرغم من انحناء ظهره بفعل السنين، لا يزال مزدهر القوة، متألق الآمال.
"يا لها من خسارة لا تعوض! من ذا الذي سيملأ الفراغ الذي تركه وراءه؟ إن بيننا كثيرًا من الموظفين الأكفاء، لكن بروكوفي أوسيبِتش كان فريدًا لا نظير له.
"لقد كان مخلصًا، حتى أعماق روحه، لواجبه الشريف. لم يكن يبخل بجهده، بل ظل يعمل حتى ساعات الليل المتأخرة، ولم يبتغِ من وراء عمله منفعة شخصية، ولم تكن الرشاوى تنال منه.
"كم احتقر أولئك الذين حاولوا، على حساب المصلحة العامة، إفساد ذمته! وكم قاوم إغراءات الحياة التي أرادت أن تدفعه إلى خيانة واجبه!
"أجل، لقد رأيناه بأعيننا يقسم راتبه الضئيل بين زملائه الأشد فقرًا، وقد سمعتم قبل قليل بأنفسكم نحيب الأرامل والأيتام الذين كانوا يعيشون على إحسانه.
"لقد كرّس حياته لأعمال الخير ولواجبه الوظيفي، وتخلى في سبيل ذلك عن مباهج الدنيا، بل تنازل حتى عن نعمة الحياة الزوجية؛ فكما تعلمون، ظل أعزب حتى آخر أيامه.
"ومن ذا الذي سيعوضنا عن رفيق كهذا؟ ما زلت أرى وجهه الوديع الحليق، وهو يلتفت إلينا مبتسمًا ابتسامة رقيقة، وما زلت أسمع صوته الهادئ الودود.
"سلام على رمادك يا بروكوفي أوسيبِتش! ارقد بسلام، أيها الكادح الشريف النبيل!".
وبينما واصل زابويكين خطبته، أخذ الحاضرون يتبادلون الهمسات. كانت كلماته قد أعجبتهم وأبكت بعضهم، لكنَّ كثيرًا مما جاء فيها بدا غريبًا ومحيرًا.
أولًا، لم يفهموا لماذا ينادي الخطيب المتوفى باسم بروكوفي أوسيبِتش، مع أن اسمه كيريل إيفانوفيتش.
وثانيًا، كان الجميع يعلمون أن الراحل قضى حياته كلها في الشجار مع زوجته الشرعية، ومن ثم لم يكن من الممكن وصفه بالأعزب.
وثالثًا، كانت له لحية حمراء كثيفة، ولم يُعرف عنه قط أنه حلقها، ولذلك لم يستطع أحد أن يفهم لماذا يتحدث الخطيب عن وجهه الحليق.
ساد الحيرة بين المستمعين، فأخذوا ينظر بعضهم إلى بعض ويهزون أكتافهم استغرابًا.
وتابع الخطيب، وهو يحدق في القبر بنظرة مفعمة بالإلهام:
"يا بروكوفي أوسيبِتش، لقد كان وجهك عاديًّا، بل قبيحًا إلى حد النفور، وكنت كئيبًا صارمًا، لكننا جميعًا نعلم أن وراء ذلك المظهر الخارجي قلبًا نقيًّا، مفعمًا بالود والإخلاص!".
وسرعان ما بدأ الحاضرون يلاحظون أمرًا غريبًا في الخطيب نفسه. فقد ظل يحدق في نقطة بعينها، ويتململ في مكانه بقلق، ثم أخذ يهز كتفيه هو الآخر.
وفجأة، توقف عن الكلام، وفتح فمه من شدة الذهول، ثم التفت إلى بوبلافسكي وقال، وهو يحدق في رعب:
"اسمع! إنه حي!".
سأله بوبلافسكي:
"من الحي؟".
قال زابويكين، وقد اشتد ذهوله:
"بروكوفي أوسيبِتش! إنه واقف هناك، بجوار شاهد القبر!".
أجابه بوبلافسكي:
"لكنه لم يمت أصلًا! الميت هو كيريل إيفانوفيتش".
صاح زابويكين:
"ولكنك أنت من أخبرني بأن سكرتيركم قد مات!".
قال بوبلافسكي:
"كان كيريل إيفانوفيتش هو سكرتيرنا. لقد خلطتَ بين الرجلين يا غريب الأطوار! صحيح أن بروكوفي أوسيبِتش كان سكرتيرنا من قبل، لكنه نُقل منذ عامين إلى القسم الثاني، حيث يعمل الآن رئيسًا للكَتَبة".
هتف زابويكين مستنكرًا:
"وكيف لي، بحق الجحيم، أن أميز بينهما؟".
قال بوبلافسكي:
"ولماذا توقفت؟ تابع خطبتك! لقد أصبح الموقف محرجًا".
استدار زابويكين نحو القبر، واستأنف خطبته من حيث انقطع، محافظًا على البلاغة نفسها.
أما بروكوفي أوسيبِتش، ذلك الموظف المسن ذو الوجه الحليق، فكان واقفًا بالفعل بجوار أحد شواهد القبور، يحدق في الخطيب عابسًا في غضب.
وفي طريق عودتهم من الجنازة، أخذ زملاء زابويكين يضحكون ويسخرون منه قائلين:
"لقد أوقعت نفسك في ورطة، أليس كذلك؟ لقد دفنت رجلًا وهو حي!".
أما بروكوفي أوسيبِتش، فقال متذمرًا:
هذا أمر مزعج يا سيدي الشاب. قد يصلح خطابك لرجل ميت، لكنه حين يُقال في رجل حي لا يعدو أن يكون سخرية لاذعة! أقسم بالله، ما الذي كنت تقوله؟ إنني لا أبتغي منفعة شخصية، ولا أقبل الرشاوى، ولا أسمح لأحد بإفساد ذمتي! لا يمكن قول مثل هذا الكلام عن الأحياء إلا على سبيل التهكم.
"ثم إن أحدًا لم يطلب منك، يا سيدي، أن تسهب في وصف وجهي. حسنًا، فليكن عاديًّا، بل قبيحًا إلى حد النفور، كما تقول. لكن لماذا تعرض ملامحي على الملأ بهذه الطريقة؟ إن في ذلك إهانة لي!".



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نيكولاي بوخارين: الفلاحون والطبقة العاملة في الفترة التاريخي ...
- حكايات إفريقية: ثقافة غانا والتنوع من الأدینكرا إلى  ...
- الأسئلة الثلاثة - ليو تولستوي (قصة قصيرة مُترجَمة)
- مجموعة (خلف النهايةبقليل) القاص وحيد الطويلة.. مونولوج متمهل ...
- نيكولاي بوخارين: التنظيم الاقتصادي في روسيا السوفييتية (مقال ...
- ميخائيل باكونين: أنا لا أؤمن بالدساتير ولا بالقوانين (مقال م ...
- شيخ العرب همام: -ابن البلد- الذي هندس تحالفات الصعيد
- حريق غير مكتمل / آمبروز بيرس (قصة مُترجَمة)
- ناديجدا ك. كروبسكايا: دروس أكتوبر (مقال مُتَرجَم)
- النصف الثاني من الشهادة (قصة قصيرة)
- (بؤساء) هوجو: نظرة نقدية سريعة مُبسَّطة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الألمانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الألمانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 4 ...
- في مقاربات الترجمة: فيناي وداربلنيه نموذجًا (ورقة بحثية تمهي ...
- على مقعد المقصورة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 3 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 2 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 1 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...


المزيد.....




- من همنغواي إلى نيتشه.. كيف يوظف دافيدي أنشيلوتي الأدب والفلس ...
- ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني ...
- نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب ...
- شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا ...
- فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان ...
- ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو ...
- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - أنطون تشيخوف: الخطيب (قصة قصيرة مُترجَمة)