سعيد لحدو
كاتب وباحث، شاعر
(Saied Lahdo)
الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 02:47
المحور:
قضايا ثقافية
عيد أكيتو هو أحد أقدم الأعياد المعروفة في تاريخ البشرية، ويعود أصله إلى حضارة بلاد ما بين النهرين، خاصة العصر السومري ثم تبناه لاحقًا البابليون والآشوريون.
كان أكيتو في الأصل عيد رأس السنة، ويُحتفل به في بداية الربيع (عادة في شهر نيسان/أبريل)، عندما تبدأ دورة زراعية جديدة. وهذا الاسم نفسه مرتبط بالشعير وفق المفهوم السومري، وهو محصول أساسي، ما يعكس طابعه الزراعي.
وحين نبحث عن خلفيته الدينية نجده يحمل أبعادًا دينية عميقة، خاصة في ديانة بلاد ما بين النهرين، كما كانت في بداياتها، حيث كان يُجسد فكرة تجدد الكون وانتصار النظام على الفوضى.
ولعل أبرز العناصر الدينية التي حملها هذا العيد وبخاصة مع التطور التاريخي في نظرة شعب ما بين انهرين إلى المفهوم الديني الذي كان يتطور مع الزمن تتجلى في الطقوس التالية:
إرتباطه بالإله مردوخ، الإله الرئيسي في بابل. وكانت تُتلى خلال الاحتفالات، (ملحمة الخلق البابلية إنوما إيليش)، التي تروي كيف انتصر مردوخ على قوى الفوضى وخلق العالم.
كان الملك يخضع لطقوس رمزية تُظهر خضوعه للآلهة، وأحيانًا يُجرد من سلطته مؤقتًا لإعادة تأكيد شرعيته الإلهية. وكانت هذه الطقوس والاحتفالات تستمر عادة 12 يومًا. وتشمل مواكب دينية، إضافة إلى طقوس، وتمثيليات رمزية للصراع بين الخير والشر تجري في المعابد. كما يتم نقل تماثيل الآلهة المتعددة الأخرى، في مواكب احتفالية بين المعابد وتتجمع في بابل.
ولفهم المعنى الرمزي فإننا نجد أكيتو يمثل: بداية دورة حياة جديدة (زراعيًا وروحيًا). إصافة إلى تجديد السلطة السياسية والدينية (كما هي الحال اليوم في الأنظمة الديمقراطية بعد إبعادها للدين عن السياسة). ومن خلالها تتم مسألة تأكيد النظام الكوني والانتصار على الفوضى.
الإستمرارية الحالية
لا يزال يُحتفل به اليوم بشكل رمزي لدى الآشوريين بمختلف تسمياتهم في العصر الحالي كعيد ثقافي وقومي، رغم أن معناه الديني القديم لم يعد يُمارس، بالطبع كما كان، بل اقتصر الاحتفال به كرمز للثقافة والتراث والارتباط الرمزي بحضارة ما بين النهرين.
ولكي نفهم كيف تطور هذا العيد من الطابع الوثني إلى رمزيته الثقافية الحديثة، علينا أن نأخذ نظرة أعمق ومترابطة على تطور عيد أكيتو من جذوره الدينية القديمة إلى معناه الثقافي الحديث، مع مقارنات تساعدنا على فهمه بشكل أشمل.
أولًا: أكيتو في جذوره السومرية
ظهر العيد أولًا لدى الحضارة السومرية حوالي الألف الثالث قبل الميلاد. وكان في ذلك الوقت عيدًا زراعيًا بحتًا، مرتبطًا بحصاد الشعير وذلك بالنظر إلى طبيعة الحياة التي كان يعيشها الإنسان في ذلك الوقت، ليعكس علاقتة المباشرة مع الطبيعة ودوراتها. فلم يكن في بدايته معتقدًا لاهوتيًا، بل احتفالًا بالحياة والخصب. لكن مع تطور المجتمعات، بدأت الأساطير والمفاهيم الدينية الجديدة يدخلان بقوة في تفسير هذا التجدد.
ثانيًا: التحول البابلي – من الزراعة إلى الكوسمولوجيا
مع صعود بابل، وخاصة في عهد حمورابي وما بعده، ومع تطور المفهوم العلمي الكوسمولوجيا (Cosmology) التي تدرس الكون بأكمله، وكيف نشأ وتطور وإلى أين يتجه، وهنا بدأ معنى أكيتو يتغيربشكل كبير، ليتماشى مع التطورات الجديدة. وهكذا أصبح العيد مرتبطًا بالإله مردوخ، وتم دمج العيد مع ملحمة الخلق إنوما إيليش ليتوافق مع الفكرة الأساسية. التي تلخَّصت في المفهوم البابلي بأن العالم، يحتاج إلى إعادة تثبيت كل سنة.
أي أن: الفوضى قد تعود،إن لم يتم ذلك. ولهذا يجب أن يُعاد تأكيد فكرة النظام وتثبيته كل عام. وهنا يأتي دور الطقوس،
لتجسيد هذين المفهومين البدائيين، وفق التطورات الحديثة في مفاهيم طبيعة الكون. وهنا نأتي إلى النقطة الثالثة في هذا البناء الملحمي الأسطوري. فما هي هذه الطقوس؟ وكيف يمكن ممارستها؟
ثالثًا: الطقوس الكبرى ومعناها العميق
1. إذلال الملك كمقدمة لتجديد سلطته (طقس سياسي-ديني مذهل). ويعد هذا أحد أغرب الطقوس التي كانت تجري بهدف تجديد السلطة على الشكل التالي:
• يتم إحضار الملك إلى المعبد
• يُجرد من رموزه (التاج، الصولجان)
• يتلقى صفعة من الكاهن
2. وهذا يعني عملياً بأن :
• الملك ليس إلهًا، بل خاضع للإله
• شرعيته تُمنح سنويًا من مردوخ (الإله الأعظم)
• إن بكى الملك فهذا فأل جيد (ويعني قبول إلهي بسلطته الموكلة إليه). وهذا الطقس يمثل أقدم أشكال فكرة "المحاسبة الرمزية للسلطة" كونها وظيفة رمزية وليست مطلقة.
• ثم تتبع ذلك تلاوة ملحمة الخلق
خلال العيد، تُتلى إنوما إيليش التي تحكي عن صراع مردوخ مع قوى الفوضى التي تمثلها الإلهة تيامات. وهنا لابد أن ينتصر النظام على الفوضى، ويخلق العالم من جديد.
ويتلخص المغزى هنا بأن الأمر ليس مجرد تذكير بالأحداث الأزلية، وإنما إعادة خلق رمزية للعالم. ويتم كل هذا من خلال مواكب الآلهة حيث: تُنقل تماثيل الآلهة من المعابد المتعددة في مختلف المدن، ويجري تجميعها في "بيت أكيتو" خارج المدينة . والمعنى المقصود هنا هو: (اجتماع القوى الإلهية لإعادة تنظيم الكون من خلال "مجلس كوني" تمثله تلك الآلهة،) كما هو اليوم في الدور الموكل للبرلمانات في البلدان الديمقراطية كإعادة تأكيد للسلطة.
رابعًا: البعد الفلسفي العميق
عيد أكيتو يعكس فكرة محورية في ديانة بلاد ما بين النهرين وتعني بأن الكون ليس ثابتًا، بل هو مهدد دائمًا بالفوضى، ويحتاج إلى طقوس للحفاظ على توازنه.
خامسًا: أكيتو في الحضارة الآشورية
انتقل العيد إلى الآشوريين، حيث بقي بالبنية نفسها مع بعض التعديلات وتتمثل بالتركيز على الإله آشور بدل مردوخ. هذا الإله الذي صار يحمل طابعًا إمبراطوريًا أقوى.
سادسًا: التحول من عيد ديني إلى رمز ثقافي حديث
اليوم، يُحتفل بأكيتو لدى الآشوريين/السريان كعيد تراثي يربطنا بحضارة ما بين النهرين وموروثها الثقافي. ومن هذا المنطلق نرى أنه لم يعد طقسًا دينيًا وثنيًا، بل أصبح يمثل عيداً كهوية قومية مرتبطاً بالتراث الحضاري الذي غدا رمزاً للبقاء والارتباط الثقافي، حيث يجري الاحتفال به عبر المسيرات الشعبية والأزياء التقليدية والرقصات والموسيقا الفولكلورية. بالإضافة إلى التأكيد العملي على الجذور التاريخية لهذا الشعب.
ويمكننا استنتاج خلاصة الفكرة الكبرى كون عيد أكيتو ليس مجرد عيد… بل هو فكرة فلسفية تتحدث عن هشاشة الكون، لنصل إلى نتيجة حتمية بضرورة التجديد الدوري. والربط بين الدين والسياسة والطبيعة كهويات أساسية في الحياة في ذلك الزمن. وهذا يمثل أولى محاولات الإنسان لفهم الزمن كدورة، وليس خطًا مستقيمًا.
دور عشتار في هذا العيد
إن الرمزية والدلالاتالتي تمثلها عشتار باعتبارها إلهة الخصب وإعادتها تموز إلى الحياة يقودنا مباشرة إلى قلب الرمزية الرافدينية، لأن فهم ثنائية الفوضى والنظام لا يكتمل فعلًا دون إدخال دور الإلهة عشتار وعلاقتها بـ تموز. وهذا يقودنا بدوره إلى مستويين:
الأول هو علاقتها بعيد أكيتو، والثاني رمزيتها الأعمق في دورة الحياة.
التساؤل الأول:هل كانت عشتار جزءًا من طقوس أكيتو؟
رغم أن مركز عيد أكيتو كان حول الإله مردوخ، إلا أن عشتار كانت حاضرة ضمن المنظومة الرمزية العامة. من خلال حضور تماثيل عدة آلهة (ومنها عشتار في بعض المدن) كانت تُنقل في المواكب.
أما في الرمزية الأخرى فإن العيد كله يدور حول إعادة تنشيط قوى الحياة، وهنا تدخل عشتار كقوة خصب وحب وحرب. بمعنى إن مردوخ يمثل النظام الكوني، أما عشتار فتمثل الطاقة الحيوية التي تجعل هذا النظام حيًا.
ثانيًا: عشتار بين الفوضى والنظام
عشتار ليست إلهة "نظام" خالص، بل كائن حدّي يجمع بين الحب والخصب ومعناه النظام والاستمرارية .
وأيضاً: الحرب والرغبة الجامحة التي تعني الفوضى والانفجار.
لذا فهي تمثل قوة مزدوجة: فمن ناحية تهب الحياة، ومن ناحية أخرى تستطيع تدميرها. وهذا يمنحنا القدرة على فهم جديد للفكرة الرافدينية التي تبنى على مفهوم أن النظام لا يبنى بإقصاء الفوضى، وإنما بترويضها، لتصبح في خدمة الإنسان عوضاً عن تدميره.
وهنا تأتي أسطورة نزول عشتار إلى العالم السفلي الذي هو عالم الموت لإعادة حبيبها تموز إلى الحياة.
وعندما تنزل عشتار إلى العالم السفلي وتُحتجز هناك، يتوقف دورها في الحب والخصب والتكاثر، فيموت العالم رمزياً.
وهكذا يأتي دور تموز ، حبيب عشتار، إله النبات. وتبدأ معه دورة جديدة للحياة. وهذا يعني أن تموز يموت في الصيف (يموت النبات)، ويعود في الربيع، لتعود الحياة معه من جديد (بعودة النبات للحياة).
هذا التقاسم الدوري للحياة والموت لا يتم تلقائياً، وإنما يتم عبر الدور الذي تلعبه عشتار في إعادة تموز إلى الحياة. لكنها تعيده عبر مخاطرة كونية بالنزول إلى عالم الموت واجتيازها حدود العالم السفلي، وفرض الإرادة الكونية للحياة التي تمثلها برمزيتها العميقة، وكأنها تقول: "حتى الموت ليس نهائيًا"
ماهي رمزية ربطها مع أكيتو؟
في عيد أكيتو يتم عبر مردوخ تثبيت النظام الكوني، ويعاد خلق العالم من جديد من خلال ملحمة إينوما إيليش.
أما في أسطورة عشتار وتموز: فإن الحياة تُعاد داخل هذا العالم، كما تُعاد دورة الطبيعة الضرورية لاستمرارية الحياة.
ما الذي نستخلصه من كل هذا؟
هذا يفسر لنا بأن الكون ليس مجرد نظام يُفرض، بل كائن حي يموت ويعود إلى الحياة باستمرار، وفق رؤية سكان ما بين النهرين القدماء. وتمثل عشتار في هذه الحالة الجسر بين الموت والحياة، وبين الفوضى والخصب، وكذلك بين الانهيار والبعث. فتمل بذلك الدور الذي احتاجه الإنسان لإله يستكمل دورة الحياة عبر رمزية متكاملة لطبيعة غير ثابتة لكنها سائرة في دورة كونية مستمرة بوجود هذه الآلهة وطقوس الاحتفال بها كل عام وأبرزها أكيتو.
والمهم هنا أن ننتقل من مجرد مقارنة الأساطير إلى مقارنة تصورات العالم نفسه: ماذا كان يعني أن يكون الكون «منظّمًا»؟ هل النظام ينتصر على الفوضى مرة واحدة، أم يجب أن يتجدد باستمرار؟ وهل الطبيعة نفسها جزء من هذا الصراع، أم أنها نتيجة لإرادة إلهية سابقة عليه؟
لقد حاول الإنسان منذ البداية الإجابة على هذه الأسئلة ليحصل على نتيجة مؤكدة، وما زال يسعى، رغم كل ما تقدم من علوم في مختلف مجالات الحياة. إذ بقي السؤال ذاته يتكرر في التفكير البشري دون أن يجد تفسيراً ثابتاً.
#سعيد_لحدو (هاشتاغ)
Saied_Lahdo#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟