|
|
مختارات آن كارسون الشعرية* - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري
أكد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 00:36
المحور:
الادب والفن
اختيار واعداد إشبيليا الجبوري - ت: من الإنجليزية أكد الجبوري
المحتويات 1. سيرة ذاتية موجزة؛ (ت: من اليابانية) 2. إضاءة؛ آن كارسون… صراع الحضور الأبهى (ت: من اليابانية) 3- المختارات الشعرية؛ (ت: من الإنجليزية)) 3.1. البشرُ حينَ يقعونَ في الحبِّ فظيعون 3.2. إيروس: المزيجُ من المرارةِ والحلاوة 3.3. مدينة الحب 3.4. مدينة العروس 3.5. مدينة الربيع.. مرةً أخرى 3.6. مدينةُ صوتِ انكسارِ الغُصن 3.7. مدينة على الدربِ عبر غابات الله 3.8. غرفة في بروكلين 3.9 مع القهوة 3.10. دروس في الحزن 3.11. رقصة مظروف 3.12. دعني أشاركك بعض الحكمة 3.13. أتسمع ذلك؟ 3.14. فقدان الحبيب 3.15. قاعدة جديدة 3.16. طيور الليل 3.17. ثلاثة موسيقيين عجائز 3.18. البندقية/ فينيسيا 3.20. ما الاقتباس؟ 3.21. ما الصفة؟ 3.22. يا زوجة "برين" 3.23. حديث مقتضب عن "مذهب الضوء واللون" 3.24. حديث مقتضب عن الغيشا 3.25. حديث مقتضب عن الإنسان العاقل 3.26. حديثٌ مقتضب عن الأمور الجليلة والصغيرة 3.27. حديث مقتضب عن قواعد المنظور 3.28. حديث مقتضب عن سمك السلمون المرقط 3.29. حديث موجز عن حيوانات الفيكونا 3.30. تراكم العاصفة الرعدية 3.31. كان في الرابعة عشرة 3.32. سفر إشعياء 3.33 بيننا وبين… 3.34. تانغو. 7 3.35. تانغو. 12 3.36. تانغو. 14 3.37. تانغو. 19 3.38. سترة أبي الزرقاء القديمة 3.39. بلدة الرسول 3.40. ثباتٌ جامح 3.41. من مسرحية الدبابيس 3.42. صالون التجميل
1. سيرة ذاتية؛ ت: من اليابانية أكد الجبوري
آن كارسون (1950-)() شاعرة وكاتبة مقالات ومترجمة وباحثة في الأدب الكلاسيكي كنديّة. في عام 2026()، فازت كارسون بجائزة نوبل في الأدب، وقد أشادت بها لجنة نوبل "لأعمالها الجريئة والمبتكرة التي، من خلال حوارها الممتع مع التراث الكلاسيكي، ابتكرت أشكالًا جديدة للأدب المعاصر".() تتناول أعمالها المواضيع الكلاسيكية بأسلوب يُوصف بأنه ما بعد حداثي.() يمزج أسلوب كارسون، الذي يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية، بين الشعر والمقال والنقد الأدبي وأنواع أخرى من النثر، ويتسم أسلوبها بالغرابة والإبداع والعمق في آنٍ واحد. إن شئتم.
تُعد آن كارسون شاعرة وكاتبة مقالات ومترجمة وأكاديمية كندية، وتحظى بتقدير واسع بفضل أسلوبها المبتكر في الشعر وتعمقها في دراسة الأدب اليوناني القديم. ورغم شهرتها كشاعرة، تؤكد كارسون أن دراسة الثقافة اليونانية القديمة هي شغفها الأكبر في الحياة. منذ أن وُلدت. تفاعل لديها ميول حكائي. ما نشأ لديها شغف مبكر بسِيَر القديسين تحوّل لاحقاً إلى اهتمام بشخصيات اليونان الكلاسيكية. بدأت رحلتها الأكاديمية في مجال الدراسات الكلاسيكية بجامعة تورونتو، حيث نالت درجتي البكالوريوس والماجستير وأعدت أطروحتها للدكتوراه حول الشاعرة اليونانية القديمة "سافو"() (= التي ازدهر نتاجها الأدبي في القرن السادس قبل الميلاد)() وذلك عام 1981.(). ويستكشف كتابها الأول، ("إيروس: الحب: الحلو-المر". 1986)()، مفهوم "إيروس" (الحب والرغبة) في الشعر اليوناني.
نشأت كارسون، ابنة مصرفي وربة منزل (روبرت (1885-1971)في عام 2026()، ومارغريت كارسون (1913-1997))()، في عدد من البلدات الكندية الصغيرة. استلهمت كارسون من معلمة اللغة اللاتينية في المدرسة الثانوية دراسة اللغة اليونانية، وبعد بعض الانقطاعات، حصلت على شهادات البكالوريوس (1974)()، والماجستير (1975)()، والدكتوراه (1981)() في الدراسات الكلاسيكية من جامعة تورنتو. كما التحقت بجامعة سانت أندروز في اسكتلندا، حيث درست البنى العروضية اليونانية، وحصلت منها على دبلوم في الدراسات الكلاسيكية عام 1976(). درّست في عدد من الجامعات في كندا والولايات المتحدة، منها جامعة برينستون في نيوجيرسي، وجامعة إيموري في أتلانتا، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجامعة ميشيغان في آن أربور، وجامعة ماكجيل في مونتريال.() وحصلت على زمالة مؤسسة ماك آرثر عام 2000.()
يُعدّ كتاب كارسون الأول، ("إيروس الحلو والمر". (1986، 1998)()، مزيجًا من الترجمة والتاريخ الأدبي والفلسفة، وهو دراسة لطبيعة الرغبة. أُدمجت المقالات القصيرة (أو القصائد النثرية) التي تتناول مواضيع متعددة، والتي تشكل كتاب ("محادثات قصيرة". 1992)()، في كتاب ("مياه صافية: مقالات وقصائد". 1995)()، وهو مجلد يتخذ الماء استعارةً مركزيةً له. يحتوي كتاب ("الزجاج، السخرية، والله". 1995)() على قصيدة هادئة لكنها معبرة للغاية، بعنوان "مقال الزجاج"()، حيث تتأمل الراوية، أثناء زيارتها لوالدتها،() في علاقة عاطفية انتهت نهايةً سيئة، وفي الروائية والشاعرة الإنجليزية إميلي برونتي()، وفي مجموعة متنوعة من المواضيع الأخرى المترابطة.
بل غالباً ما تمزج أعمال كارسون بين التجارب الشخصية والمراجع التاريخية، إذ تتناول نصوص بارزة منها العلاقات العائلية وتفاصيل حياتها الخاصة، بما في ذلك قصائدها الطويلة المرموقة في ديوان ("ماء عادي". 1995)(). ومن بين مؤلفاتها التي تزيد ثراءًا عن عشرين كتاباً، تبرز أعمال مميزة لها كما أشرنا أعلاه. كـ("سيرة ذاتية باللون الأحمر: رواية شعرية". 1998)() و("أوريستيا". 2009)()، وكلاهما يجسد مزيجها الفريد الذي يجمع بين الترجمة والإبداع الأدبي الأصيل. وقد حازت طوال مسيرتها المهنية على العديد من الجوائز المرموقة، منها "جائزة الحاكم العام"() للشعر باللغة الإنجليزية و"جائزة غريفين للشعر"(). وتعمل كارسون حالياً أستاذة في جامعة ميشيغان()، وتواصل حضورها كشخصية بارزة في الأدب المعاصر، بفضل إسهاماتها المتميزة في مجالي الشعر ودراسة الثقافة اليونانية القديمة.()
في روايتها ("سيرة ذاتية للأحمر: رواية شعرية". 1998)()، (والتي ستترجمها د. أكد الجبوري. قريبًا )(). المستوحاة من أعمال الشاعر اليوناني ستيسيكوروس (632-556 ق.م.)() من القرن الخامس قبل الميلاد، تُحوّل كارسون الأسطورة اليونانية القديمة لـ(هرقل وجيريون)() - وهو في الأساطير وحش ثلاثي الأجسام ذو أجنحة حمراء، وتُعد سرقة ماشيته إحدى مهام هرقل الأساسية - إلى قصة حديثة عن الحب من طرف واحد. لاقت الرواية رواجًا واسعًا بشكلٍ مُفاجئ بالنسبة لكتاب من هذا النوع. كما ألّفت كارسون جزءًا ثانيًا بعنوان ("الوثيقة الحمراء". 2013)()، حيث يتجول هرقل وجيريون - اللذان أُعيدت تسميتهما إلى ساد وجي ()على التوالي - في سلسلة من المناظر الطبيعية المُستوحاة من الأساطير. وقد حاز هذا الجزء على جائزة غريفين للشعر. وفي مقارنة غير متوقعة أخرى، أقامت صلة قوية بين سيمونيدس القيوسي (556 قبل الميلاد - 468 قبل الميلاد)()، وهو شاعر يوناني عاش في القرن السادس - الخامس قبل الميلاد، والشاعر الروماني المولد الذي كتب باللغة الألمانية في القرن العشرين بول سيلان (1920-1970)() في كتاب "اقتصاد المفقود/ين" (1999)().
وُلدت آن كارسون في تورنتو في 21 يونيو 1950()، ونشأت في عدة بلدات صغيرة بمقاطعة أونتاريو حيث كان والدها يعمل موظفاً في أحد البنوك. وفي صباها، حين كانت فتاة كاثوليكية من أصول أيرلندية، شغفت بقراءة كتاب ("حياة القديسين". 1756)() بقلم الكاهن وكاتب سير القديسين ألبان بتلر (1710-1773)-()-وهو عمل متعدد المجلدات يوثق سير القديسين الكاثوليك، إلا أنها في مرحلة المراهقة حوّلت اهتمامها نحو شخصيات من الأدب اليوناني الكلاسيكي. بدأت كارسون دراسة اللغة اليونانية القديمة على يد معلم للغة اللاتينية في مدرستها الثانوية بمدينة هاميلتون في أونتاريو، ثم واصلت دراسة اللغتين اللاتينية واليونانية في جامعة تورنتو، حيث التحقت أيضاً بمدرسة للفنون التجارية خلال سنوات دراستها الجامعية الأولى.() وبعد حصولها على درجة البكالوريوس، بقيت في تورنتو لتُتم متطلبات درجة الماجستير في الدراسات الكلاسيكية عام 1975(). كما حصلت على دبلوم في الدراسات الكلاسيكية من جامعة سانت أندروز في اسكتلندا قبل أن تعود إلى تورنتو لكتابة أطروحتها للدكتوراه حول الشاعرة اليونانية القديمة "سافو"() (= التي ازدهر نتاجها الأدبي في القرن السادس قبل الميلاد)() وذلك عام 1981.() وقد مهدت هذه الدراسة الطريق لكتابها الأول “إيروس؛ الحب: الحلو والمر"() الصادر عام 1986، والذي يُعد دراسة تحليلية لمفهوم “إيروس: الحب" في الشعر اليوناني.
مع تأكيدها على أن أعمالها ليست سيرة ذاتية بالمعنى الدقيق، إلا أن آثار زواجها الذي دام ثماني سنوات وانتهى عام 1980() تظهر جليًا في قصائدها الطويلة التي لاقت استحسانًا واسعًا. ففي قصيدة ("أنثروبولوجيا الماء". 1995)() من مجموعتها الشعرية ("مياه صافية". 1995)()، وفي قصيدة ("مقال الزجاج". 1995)()، تُصوّر كارسون بأسلوب مؤثر التدهور العقلي والجسدي لوالدها الذي كان يعاني من مرض الزهايمر. كما أهدت كارسون "مياه صافية"() إلى الكاتب المسرحي بنجامين سوننبرغ (1936-2010)()، المحرر المؤسس لمجلة "غراند ستريت" الأدبية، والذي كان يعاني من التصلب المتعدد. التقت كارسون بسوننبرغ في نيويورك عام 1987()، وكان لحماسه لشعرها دورٌ حاسم في قرارها احتراف الكتابة. وتختتم مجموعتها الشعرية ("رجال في أوقات فراغهم". 2001)()، التي وصلت إلى القائمة النهائية لجائزة تي إس إليوت للشعر، بإهداءٍ ذاتي لوالدتها مارغريت، التي توفيت أثناء كتابة كارسون للكتاب.()
يُعدّ الرسم وسيلة تعبيرية مهمة أخرى لكارسون. قبل نشر مجموعتها الشعرية الأولى، ("محادثات قصيرة". 1992)()، ركّزت على شغفها بالفنون البصرية. على مدى عشرين عامًا، كُتبت قصائدها في المقام الأول كجزء من أعمال فنية متعددة الوسائط. على سبيل المثال، كانت قصائد "محادثات قصيرة"()في الأصل مُخصصة لتكون تعليقات توضيحية لسلسلة من الرسومات. ولكن نظرًا للاهتمام المتزايد بشعرها، نشرت القصائد منفردة. صرّحت كارسون بأنها تعتبر الكتابة فنًا تجميعيًا. يتضمن كتابها ("سيرة ذاتية باللون الأحمر: رواية شعرية". 1998)() أقسامًا متميزة: مقال عن الشاعر اليوناني ستيسيكوروس (حوالي 630 - حوالي 555 قبل الميلاد)، ومقتطفات مترجمة من قصيدة ستيسيكوروس "جيريونيس" التي تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، وسلسلة غنائية مستوحاة من "جيريونيس"، وقصيدة تمهيدية، ومقابلة ساخرة، وملحقين.
معظم أعمال كارسون المنشورة، والتي تتجاوز عشرين كتابًا، إما أنها تشير إلى الأدب اليوناني القديم أو أنها ترجمة مباشرة له. على سبيل المثال، كتابها ("الأوريستيا". 2009)() هو ترجمة لمسرحية التراجيديا اليونانية القديمة "أجاممنون" (458 ق.م.) للكاتب المسرحي اليوناني القديم إسخيلوس (524-455 ق.م.)()، ومسرحية "إلكترا" لسوفوكليس (حوالي 496-406 ق.م.)() التي كتبها في القرن الخامس قبل الميلاد (حوالي 420-414 ق.م.)()، ومسرحية "أوريستس" (408 ق.م.)() ليوريبيدس (حوالي 484-406 ق.م.)(). كتابها ("الوثيقة الحمراء", 2013)() هو تكملة لكتابها ("سيرة ذاتية باللون الأحمر")()، وقد فاز بجائزة غريفين للشعر عام 2014().
نشرت كارسون كتاب ("عائم". 2016)()، حيث جربت فيه أسلوبًا جديدًا في عرض الكتاب، وهو عبارة عن غلاف يحتوي على اثنين وعشرين كتيبًا منفصلًا. في عام 2020()، مُنحت كارسون جائزة الحاكم العام للشعر باللغة الإنجليزية. وفي العام نفسه، نالت أيضًا جائزة أميرة أستورياس للأدب. وفي عام 2021()، فازت بجائزة "بين/نابوكوف" للإنجاز في الأدب العالمي. وفي عام 2022()، اختيرت كارسون كاتبةً دوليةً من قِبل الجمعية الملكية للأدب، ثم رئيسةً فخريةً للجمعية الكلاسيكية في عام 2023(). وفي عام 2024()، نشرت كارسون مجموعتها الشعرية والنثرية "المعيار الخاطئ"()، التي وصلت إلى القائمة النهائية لجائزة الكتاب الوطني في فئة الشعر.
تُدرّس كارسون الأدب الكلاسيكي والمقارن في جامعة ميشيغان، كما درّست سابقًا في جامعات كالجاري، وبرينستون، وإيموري، وماكجيل. وقد ألقت محاضراتٍ زائرةً في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وكلية كاليفورنيا للفنون والحرف.
بعض أعمال آن كارسون؛ - إيروس: الحلو-المرّ (1986؛ 1998)(). و - أحاديث قصيرة (1992؛ 2015)(). و - زجاج، وسخرية، وإله (1995)(). و - ماء صافٍ: مقالات وشعر (1995؛ 2000)(). و - زجاج وإله (1998)(). و - اقتصاد ما لم يُفقد (1999)(). و - رجال في أوقات الفراغ (2000)(). و - جمال الزوج (2001)(). و - إلكترا، سوفوكليس؛ ترجمة.(2001)(). و - إن لم يكن، شتاءً: شذرات من شعر سافو (2003)؛ ترجمة(). و - إلغاء الخلق: شعر، ومقالات، وأوبرا (2006)(). و - دروس في الحزن: أربع مسرحيات (2006)، يوريبيديس؛ ترجمة.. - أوريستيا: أغاممنون (لإسخيلوس)، إلكترا (لسوفوكليس)، أوريستيس (ليوريبيديس) (2009)، ترجمة(). و - السيرة الذاتية للأحمر: رواية شعرية (2010)(). و - نوكس (2010)(). و - وُلدتُ ضد اللحظة، سوفوكليس؛(2012) ترجمة(). و - وثيقة حمراء (2013)(). و - بل بالأحرى (2013)(). و - إيفيجينيا بين التاوريين، يوريبيديس؛(2014) ترجمة(). و - تمرين ألبرتين (2014)(). و - باخاي (الباخيات)، يوريبيديس؛(2015) ترجمة(). و - أنتيغوني (2015)، سوفوكليس؛ ترجمة(). و - عوائم (2016)(). و - إذا كنت خائفة فلن نتمكن من الفوز (2016))(). و - نورما جين بيكر من طروادة: نسخة من مسرحية "هيلين" ليوريبيديس (2019))(). و - نساء طروادة: رواية مصورة؛ تأليف: يوريبيديس، وروسانا برونو، وآن كارسون (النص).(2021)(). و - كتيب مسرحية "إتش أوف إتش" (2021).() و - نورما الخاطئة (2024)().
من بين الجوائز والتكريمات التي حازت عليها: - جائزة نوبل في الأدب. (2026)() و - جائزة لانان (1996)() وو - جائزة بوشكارت (1997)،() و - زمالة غوغنهايم (1998)()، - وزمالة ماك آرثر (2000)()، و - عضوية وسام كندا (2005)()، و - جائزة القلم للشعر المترجم (2010)(). و - في عام 2022، مُنحت كارسون الجنسية الأيسلندية(). و - في عام 2025، نالت كارسون جائزة زبيغنيو هيربرت الدولية للتقدير الأدبي، وهي جائزة عالمية مرموقة تُمنح تقديرًا للإنجاز الأدبي، وتعكس عمقًا فنيًا ورؤية فلسفية.() و - في العام نفسه، حازت كارسون على جائزة هادادا لإنجازاتها الأدبية المتميزة من مجلة باريس ريفيو، تكريمًا لإسهاماتها الرائدة في الشعر والأدب.()
2. إضاءة؛ آن كارسون… صراع الحضور الأبهى؛ ت: من اليابانية أكد الجبوري
أخبرت كارسون الأكاديمية في مقابلة هاتفية أنها وزوجها "يفكران في طرق للتبرع بالمال".()
فازت الشاعرة والكاتبة والمترجمة الكندية آن كارسون(1950-)() بجائزة نوبل للآداب، 2026()، عن أعمالها "الجريئة والمبتكرة"() التي تدمج بين الكلاسيكي والحديث وتطمس الخطوط الفاصلة بين الشعر والنثر. إن شئتم.
تعتمد كارسون، المولودة في تورونتو، البالغ من العمر 76 عامًا()، على موضوعات من الأدب اليوناني والروماني الكلاسيكي والتأثيرات الحديثة والخبرة الشخصية لإنشاء أعمال ممزوجة بالأنواع تراوحت من ترجمات الشعراء اليونانيين القدماء إلى التعاون مع الراقصين والموسيقيين، بما في ذلك لوري أندرسون ولو ريد.
وقالت الأكاديمية السويدية التي تمنح الجائزة إنها فازت “لعملها الجريء والمبتكر الذي خلق أشكالا جديدة للأدب المعاصر في حوار لعوب مع التقليد الكلاسيكي"(). وأشارت السكرتيرة الدائمة للأكاديمية إنجريد كارلبيرج (1961-)() إلى أن المؤلفة كانت في أيسلندا "تستمع إلى الريح" عندما تمكنت الأكاديمية من الاتصال بها لإبلاغها بهذا التكريم. قالت إنغريد كارلبيرج: "لقد كانت مندهشة للغاية"(). وعندما سُئل عن شعورها تجاه الجائزة، قالت كارسون لمحطة الإذاعة العامة الأيسلندية: "أعتقد أنهم جميعًا مجانين"(). ووصف المحادثة مع الأكاديمية بأنها "متقلبة للغاية"().
وعلقت قائلة: "لديهم الأسئلة المعتادة، وليس لدي إجابات"(). وأشارت إلى أن الشعر "ربما يكون أكثر فائدة من النثر في الوقت الحالي لأنه أسرع، والجميع في عجلة من أمرهم. لذا، في الأساس، أعتقد أنه جيد لأنه قصير. باستثناء هوميروس، فهوميروس ليس قصيرًا"(). تُعد كارسون من بين أبرز الفائزين بجائزة نوبل في الأدب مؤخرًا، والتي غالبًا ما تكرم المؤلفين غير المعروفين خارج عالم الأدب، ويتم انتقادها أحيانًا لتقديرها التجريب الأدبي على حساب القدرة على التواصل مع جمهور واسع.
ومع ذلك، يمكن للجائزة أيضًا تعريف القراء بكتاب وأعمال تتجاوز لغاتهم أو عادات القراءة الخاصة بهم. ومن بين الفائزين السابقين الذين ارتفعت مبيعات كتبهم كاتبة القصة القصيرة الكندية أليس مونرو (1931-2024)()، التي فازت في عام 2013() وكانت آخر كندية تم تكريمها قبل كارسون. وعندما سئلت كيف ستغير الجائزة مبيعاتها، أجاب: "سأحصل على ملصق على غلاف كتابي. الملصقات تساعد"().
تتراوح الأعمال بين الترجمات من اليونانية الكلاسيكية إلى الشعر؛ تشمل كتب كارسون "إيروس الحلو والمر" (1986)()، وهو نظرة على لذة وألم الرغبة في الأدب اليوناني القديم؛ الرواية الشعرية "السيرة الذاتية للأحمر" (1998)()؛ وكذلك "رجال في غير ساعات العمل" (2001)()، وهي مجموعة شعرية ونثرية فازت بجائزة جريفين للشعر الكندية عام 2001، و"نورما جين بيكر طروادة" التي تقارن بين الممثلة وعارضة الأزياء الأمريكية مارلين مونرو (1926-1962)() وهيلين طروادة كتجسيد للجمال الأنثوي المثالي.
ربما تكون "السيرة الذاتية للأحمر"()، التي أعادت تفسير أسطورة هرقل والوحش جيريون كقصة حب، أشهر أعماله. وقد باع ما يقرب من 100 ألف نسخة في الولايات المتحدة وحدها()، وفقًا للمتحدث باسم ألفريد أ. كنوبف، الناشر الذي نشر الكتاب في عام 1998.()قصائد سافو؛ والمآسي اليونانية لسوفوكليس (496 ق.م - 406)()؛ مثل ("إلكترا"، 420-414 ق.م (أو حوالي 410 ق.م)() و("أنتيجون"، 442-440 ق.م)()، و("باكاي"، 407 ق.م)() آخر المسرحيين التراجيديين الأثينيين الثلاثة الكبار، المعروفين بواقعيتهم النفسية ليوربيدس (484-406 ق.م)().
قالت لورا يانسن (1977-)()، الأستاذة المشاركة في الأدب الكلاسيكي والأدب المقارن بجامعة بريستول في المملكة المتحدة، إن جائزة كارسون هي أحدث مثال على تكريم أكاديمية نوبل "للكتاب الذين يوسعون فهمنا لما يمكن أن يكون عليه الأدب"(). وقال يانسن لوكالة أسوشيتد برس: "لقد كتب النثر كشعر والشعر كنثر، لذا فهو مبتكر للغاية في أشكاله". واعترفت الأكاديمية "بأنه لم يتمكن أي شخص باللغة الإنجليزية من القيام بما فعلته"().
"اقتصاد المفقود" (1999)() يضع الشاعر اليوناني القديم الشهير بشعره الغنائي ومراثيه وقصائده القصيرة سيمونيدس السيوس (حوالي 556-468 قبل الميلاد) في مواجهة شاعر القرن العشرين بول سيلان، بينما "الرجال في أوقات تفراغهم". 2000)()، وهو عمل أساسي في التأريخ الكلاسيكي، يصطف مع المؤلف المؤرخ لكتاب "تاريخ الحرب البيلوبونيسية". (431-404 ق.م)()، بقلم ثوسيديدس (460 ق.م - 396 ق.م)() مع الروائية الإنجليزية وكاتبة المقالات وكاتبة السيرة الذاتية والناشطة النسوية فيرجينيا وولف (1882-1941)()، كما قال الكاتب السويدي وأستاذ الأدب في جامعة ستوكهولم والناقد الأدبي وعضو الأكاديمية السويدية أندرس أولسون (1949-)()، رئيس لجنة جائزة نوبل في الأدب.
فازت كارسون بمنحة ماك آرثر "العبقرية" في عام 2000.() وذلك عن "براعة وخيال وأسلوبه الخاص، أعاد كارسون اختراع الكلاسيكيات. لقد جعل القصص القديمة أقرب إلى جماهير جديدة وغير طريقة تفكيرنا في الأدب"()، هكذا نشر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (1965-)() على شبكات التواصل الاجتماعي.
كتبت كارسون عن حياتها والصعوبات التي تواجهها. إذ قامت كارسون بتدريس الدراسات الكلاسيكية في العديد من جامعات أمريكا الشمالية، وعاشت في أيسلندا، حيث حصلت هي وزوجها الفنان روبرت كوري (1976-)()، على الجنسية في عام 2022.()وقد استلهم أيضًا من حياته الخاصة أعمالًا مثل ("الليلة". 2010)()، والتي تناولت غياب أخيه مايكل (1946-)() الذي دام عقودًا ثم وفاته.
وصفها أولسون بأنها "إبداع نحتي بقدر ما هو أدبي، عبارة عن نقش على شكل صندوق يحتوي على مطوية أكورديون من الصور والرسائل والنصوص المكتوبة الأخرى المخصصة لأخيه المتوفى"() . ويتضمن أيضًا ترجمة كارسون لمرثية للشاعر الروماني كاتولوس لأخيه.
من بين أحدث أعمالها كتاب "نورما الخاطئة" (2024)()، وهو مجموعة واسعة من المقالات المنشورة في مجلات مثل "ذا باريس ريفيو"() و"ذا نيويوركر"()، مصحوبة برسومات كارسون اليدوية.
في العام نفسه، كتبت كارسون في "لندن ريفيو أوف بوكس"() عن تشخيص إصابتها بمرض باركنسون. وقالت إن أحد الأعراض "المحرجة للغاية"() هو "تدهور" خطها. وأضافت: "من الصعب وصف أو شرح الإحراج الناتج عن سوء الخط. الخط السيئ قبيح، كما أنه غير أصيل، بمعنى أنه لا يعكس شخصيتك".()
تبلغ قيمة جائزة هذا العام 12 مليون كرونة سويدية (حوالي 1.2 مليون دولار أمريكي).()
وأخبرت كارسون الأكاديمية في مقابلة هاتفية أنها وزوجها "يفكران في طرق للتبرع بالمال".()
3. المختارات؛ ت: من الإنجليزية أكد الجبوري
3.1. البشرُ حينَ يقعونَ في الحبِّ فظيعون البشرُ حينَ يقعونَ في الحبِّ فظيعون. تراهم يندفعون نحو بعضهم بلهفةِ ذئابٍ من عصورٍ غابرة، وترى شيئاً يكافحُ للبقاءِ بينهما -كجذرٍ أو روحٍ- يتوهجُ للحظةٍ، ثم يُهشمونه. إنَّ الفوارقَ بينهما تُهشّمُ العظام. يا لِرِقَّةِ تلكَ العظام.
3.2. إيروس: المزيجُ من المرارةِ والحلاوة إيروس مسألةٌ تتعلّقُ بالحدود؛ فهو موجودٌ لأنّ ثمة حدوداً قائمة. في الفاصلِ بين المَدِّ والقبض، وبين النظرةِ وتبادلِ النظرات، وبين عبارة "أحبك" وردّها بـ "أحبك أيضاً"، يدبُّ الحيويةُ في ذلك الحضورِ الغائبِ للرغبة. غيرَ أنَّ حدودَ الزمنِ والنظرةِ وكلمةِ "أحبك" ليست سوى توابعَ للحدِّ الرئيسِ الحتميِّ الذي يخلِقُ إيروس: حدُّ الجسدِ والذاتِ الفاصلِ بيني وبينك. وفجأةً، وفي اللحظةِ التي أودُّ فيها تذويبَ ذلك الحدِّ، أدركُ أنني لن أستطيعَ ذلك أبداً.
3.3. مدينة الحب
دخلتْ راكضةً. ذرةٌ مبللة. جديلةٌ صفراء. تنسدلُ على ظهرها.
3.4. مدينة العروس
معلقةً على سواد ضوء النهار، كِمعطفٍ خالٍ من جسدٍ في يومٍ باردٍ ومُشرق. وعند الظهيرة، كان "المُطالِب" بانتظاري.
3.5. مدينة الربيع.. مرةً أخرى
"الربيعُ يظلُّ دائماً كما عهدناه." قالها رجلٌ صينيٌّ مسنّ. كان المطرُ يهمسُ على النوافذ، وأشواقٌ قادمةٌ من مسافاتٍ بعيدةٍ بلغتْنا.
3.6. مدينةُ صوتِ انكسارِ الغُصن
ظننتُ وجوههم سكاكينَ؛ بتلك الطريقة التي صوّبوها نحوي، ثم انتظروا. فالصيادُ هو مَن يُصغي إلى فريسته بتركيزٍ شديدٍ، لدرجةٍ تجعلها تنتزعُ السلاحَ من يده... وتغرزُه في جسدها.
3.7. مدينة على الدربِ عبر غابات الله أخبرني. هل رأيتَ يوماً غابةً. بهذا العمق؟ حيث كلُّ شجرةٍ هي كلمةٌ؛ هل يتوقفُ قلبُك؟ رأيتُ ذاتَ مرةٍ سحابةً فوق بوليفيا، عميقةً للغاية. كانت الجبالُ تنكمشُ هيبةً؛ هل حدثَ لك ذلك؟ أن تنظرَ بلمحةٍ خاطفةٍ فترى السرَّ. الكلمةَ الكامنةَ داخلَ الكلمة؟ كما في عربةِ قطارٍ مهجورة. في ظهيرةِ يومٍ شتويٍّ، رأيتُ... الكلمةَ التي تعني "غاباتِ الله".
3.8. غرفة في بروكلين هذا اليوم البطيء يمضي عبر الغرفة أسمعُ صريرَ محاوره وهو يتحرك وَهَجٌ متدرجٌ على السقف يمنحني ذلك الشعورَ المثير الممزوجَ بالأزرق والأصفر بينما تمضي الساعات عبر المدى الفسيح مُنسابةً في ظهيرتي.
3.9 كالقهوة بينما كانت القهوة تنساب في حلقي، ويتغلغل الكافيين ليُبدّد غشاوة ذهني، تساءلتُ عن سبب عودته المبكرة تلك. ضممتُ رداء المنزل الرثّ حولي بإحكام.. كانت عيناه الرماديتان تبدوان يقظتين للغاية بالنسبة لهذا الوقت من اليوم. لا بد أنه من أولئك الأشخاص الذين يفضلون الصباح. وبعد أن جلس في هدوء ورضا لخمس دقائق، بدأت ركبته اليسرى تتحرك بتوتر وتململ. استمتعتُ بذلك الانزعاج الذي بدا عليه. يمكنك وصفي بالقسوة، لكن أي شخص يجرؤ على دخول مملكتي قبل احتساء كوبي الأول من القهوة لا يستحق أقل من ذلك. واصلتُ الشرب، مغمضةً عينيّ تعبيراً عن نشوتي، ومستمتعةً -ولو قليلاً- بذلك الانزعاج الذي بدا عليه.
3.10. دروس في الحزن ثمة نظرية مفادها أن مشاهدة قصصٍ مؤلمة لا تُطاق عن أشخاصٍ غارقين في الحزن والغضب أمرٌ مفيدٌ لك؛ إذ قد يطهّرك من ظُلمتك الداخلية. هل ترغب في النزول إلى أغوار ذاتك وحيداً؟ غالباً لا. ولكن، ماذا لو أمكن لممثلٍ أن يفعل ذلك نيابةً عنك؟ أليس هذا هو سبب تسميتهم بـ "الممثلين”؟ إنهم يمثّلون دورك؛ فأنت تضحّي بهم في سبيل الفعل الدرامي. وتُعدّ هذه التضحية شكلاً من أشكال الألفة العميقة بينك وبين حياتك الخاصة؛ فمن خلالها تشاهد "ذاتك" وهي تُجسّد طبيعتك، سواء في واقعها الراهن أو في احتمالات تشكّلها. هكذا، يتسنى لك إدراك وعيك بتلك الطبيعة على نحوٍ يتعذر عليك بلوغه في خضمّ التجربة ذاتها. فالممثل، حين يعيد تجسيد شخصيتك، يضحّي بلحظةٍ من حياته الخاصة ليمنحك قصةً تخصّك أنت.
3.11. رقصة مظروف
رقصة المظروف رقصة مظروف "ويسترن يونيون" كيف يقفز القلبُ طرباً بلهفةٍ تفوقُ النباتَ أو الوحش "نصيبُ الشيطان" هو ذلك الجزءُ من الممتلكات الذي لا يمكن إنفاقُه على نحوٍ مُجدٍ فيُضحَّى به. لكن، ماذا لو لم يكن الشيطانُ بتلك الحماقة؟ ماذا لو بدأ شيطانٌ -بعد زمنٍ طويلٍ من تلك التضحية- بالترددِ ذهاباً وإياباً عند الحدود الفاصلة. مجردَ ثنيةٍ في ضوء النهار. كان الاختفاءُ لعبةً بالنسبة له، أما أمي... فلم تبدُ متفاجئةً
حين لم يحضر حفلَ الزفاف، وكانت حريصةً على مشاعري؛ حرصاً يشبه وخزةَ الشوكة. أما كعكةُ الزفاف (المحفوظة في خزانة المؤن) فقد التهمتُها وحدي قطعةً تلو الأخرى، أكلتُها بالكامل في الأشهر التي تلت ذلك، جالسةً في غرفة المعيشة في وقتٍ متأخرٍ من الليل، والأضواءُ كلها مُضاءة، أُمضغُها ببطء. كانت برقيته (التي وصلت في اليوم التالي) تقول: "أرجوكِ، لا تبكي" - هذا كلُّ شيء. خمسُ كلماتٍ مقابلَ دولارٍ واحد.
3.12. دعني أشاركك بعض الحكمة اقترب، ودعني أشاركك بعض الحكمة. هل فكرت ملياً في حقيقة فنائنا؟ ربما لا. ولِمَ قد تفعل؟ حسناً، استمع إليّ. كل البشر مدينون للموت بدينٍ حتمي. لا أحد بين الأحياء يستطيع الجزم بأنه سيكون موجوداً غداً. يسير قدرنا في خفاء! إنه لغزٌ غامض. لا أحد يستطيع تعليمه، ولا أحد يستطيع إدراكه. تقبّل هذا! ابتهج! وتناول كأساً من الشراب! لكن لا تنسَ أفروديت؛ فهي إلهةٌ عذبة. ويمكنك ترك الباقي وشأنه. هل يبدو كلامي منطقياً؟ أظن ذلك. ما رأيك في كأسٍ من الشراب؟ ضع إكليلاً من الزهور؛ فأنا واثقٌ أن بهجة النبيذ ستُحسّن مزاجك. نحن جميعاً فانون، كما تعلم. فكّر كبشرٍ فانٍ. لأن نظريتي تقول: لا وجود لشيءٍ اسمه "الحياة"، إنها مجرد كارثة.
3.13. أتسمع ذلك؟
أتسمع ذلك؟ جماجم حية! ما الذي نفعله هنا؟ أي حرب في طروادة؟ هل يكترث أحد؟ آلهة الحب والكراهية! أليسوا إلهاً واحداً؟ نحن جميعاً، طوال حياتنا، نبحث عن العدو المثالي الوحيد - أنت، أنا، هيلين، باريس، مينلاوس، كل أولئك اليونانيين المجانين! كل أولئك الطرواديين المنكوبين! جاك، حبيبي الغالي! كنا نتشاجر أنا وجاك طوال الوقت. لا أتذكر شيئاً تقريباً سوى الشجارات - كل شجار كان حرباً تنهي كل الحروب، أنت تعرف كيف تسير الأمور، حرب عادلة، حرب أخيرة، أسوأ شجار خضته في حياتك، لا يمكنك تكرار هذا الأمر، هذه المرة ستُسوّي الأمور بطريقة أو بأخرى وإلا فالأمر انتهى، سيدرك ما تعنيه، سيرى أنك على حق، فالشجارات لا تدور حول أي شيء سوى إثبات أنك على حق، أليس كذلك؟ مرة واحدة وإلى الأبد. تشعر بالشيخوخة. وبالخطأ. وبالثقل والارتباك. تجلس على كرسيين في الشرفة. أو في المطبخ. أو في الردهة الأمامية. تحلّ الجحيم. وكأن الحرب كانت موجودة بالفعل، تنتظر، وقد انصببتما فيها مثل الخرسانة الرطبة. الكرسيان اللذان تجلس عليهما ليسا الكرسيين المناسبين، إنهما الكرسيان اللذان لا تجلس عليهما أبداً لأنهما غير مريحين للغاية، تظل تفكر في أن عليك الانتقال لكنك لا تفعل، رقبتك تؤلمك، تكره رقبتك، والمساء يزحف مقترباً. تتحرك الطيور في الفناء. يتثاءب الجحيم. تتدفق الحرب منكما معاً، تتصاعد منها الأبخرة وتفوح منها الروائح الكريهة. تتراجعان مبتعدين عنها بسرعة وتعودان طفلين. كل جملة ساكنة تعيدك قسراً إلى ذلك الطفل الذي لا تزالين عليه، كل جملة لا تعبر عما أردتِ قوله إطلاقاً، لكن المعنى يظل يتوهج وينكمش، مثل شرارات تتساقط على البنزين، تباً لهذا! تباً لذاك! لا سبب للعيش. ينتابك دوار. يتصرف هو بوضاعة. كانت أمك هكذا. كُفّي عن الأنين. لا جدوى من السؤال: ما الأمر؟ لا تغادري الغرفة. عليّ مغادرة الغرفة. أنفاس متلاحقة، واتهامات... أنا لا ألومك! وكيف لا يُعد هذا لوماً؟ تمضي الساعات... أم أنها لا تمضي؟ تقولين الأشياء ذاتها... أم أنها أشياء مختلفة؟ للجحيم رائحة الركود. الشجارات لا تدور حول شيء محدد، الشجارات تدور حول ذاتها. جسدك متصلب. تكرهين هذه الكراسي. لا شيء يُحل. الظلام دامس. تذهبان إلى الفراش وتغفوان قليلاً، تتلامسان بخفة. وفي الليل، كابوس. طائر عملاق، أو حشرة، شيء يرفرف بجناحيه، يحاول الاستقرار عند مؤخرة عنقك، لا تدركين ماهيته ولا تستطيعين إبعاده. خوف محض. صرخة غير بشرية. يهزكِ لتستيقظي. "يا عزيزتي"، يقول. يستخدم صوته الداخلي، أعمق نبرات صوته الداخلي. المسافة بين ذلك الصوت وصوت الشجار تختزل عالمك بأسره. كيف يمكن للصوت أن يتغير هكذا؟ لقد نَجَوْتِ. لقد أنقذكِ. وهو يراكِ ناجية. يحلّ نوع من الانفراج، كندى الليل على الأوراق. ومع ذلك (تفكرين فجأة) أنتِ نفسك لا تملكين ذلك النوع من الصوت الداخلي - لا عجب أنه يشعر بالوحدة. لا يمكنكِ توفير هذا الملاذ، لا يمكنكِ إنقاذه، أبداً، و... رغم أن الأمر ذو أصل فسيولوجي، أو جيني، أو من يدري، فأنتِ تدركين أنه يشعر بهذا النقص وكأنه صدٌّ وإعراض. لا أحد يستطيع مداواة هذا. تقرران معاً، ودون كلمات، أن تتجاوزا الأمر وحسب. تتشبثان ببعضكما. وفي غمرة الليل والصمت، تتراخى القبضة ببطء، ويجرفكما الصمتُ لترسوا على شاطئ النوم.
3.14. فقدان الحبيب
ربما كان أصعب ما في فقدان الحبيب هو مراقبةُ العامِ وهو يُعيدُ تكرارَ أيامِه. وكأنني أستطيعُ غمسَ يدي
في ثنايا الزمن، لأغرفَ منها قِطعاً زرقاءَ وخضراءَ من دفءِ شهرِ أبريل الذي مرَّ قبلَ عامٍ في بلدٍ آخر.
أستطيعُ أن أشعرَ بذلك اليومِ الآخرِ وهو يسري تحتَ يومي هذا كشريطِ فيديو قديم.
3.15. قاعدة جديدة صباح عام جديد أبيض من الجليد القاسي الجديد. في أعلى الأغصان المتجمدة رأيت سنجابًا يقفز وينزلق. هل هذا مخيف؟ بدا وكأنه يقول ويلقي نظرة خاطفة أسفل في وجهي، يمسك فرعه كما تمايل في حالة ارتداد شديد - أم أن كل شيء يبدو خاطئًا اليوم؟ الفروع خشخشة. مسح شفتيه الباردة الصغيرة بيد واحدة. هل تخاف من نفس الأشياء أخشى؟ لقد رددت ونظرت للأعلى. انزلقت إمبراطوريته من الفروع في الهواء. ليلة السنانير؟ شفرة الرجل تركت مفتوحة على الدرج؟ قال حبي الحقيقي: لا يوجد ما يكفي من الدوران حول هذا الأمر عندما غادر في عامنا الخامس. ارتد السنجاب أسفل فرع واشتعلت ربط الدموع. طريقة التمسك هي الكلمات الختامية هكذا واضح.
3.16. طيور الليل أردتُ أن أهرب معكِ الليلة لكنّكِ امرأةٌ عصيّة وقواعدُكِ -
الماضي والمستقبل يطوّقاننا نعرفُ الآن أكثرَ، ونعرفُ أقلّ في معهد الظلال.
في شارعٍ أسودَ كالأرامل بلا شيءٍ لنبوحَ به أدركتنا مسافاتُنا
وقواعدُكِ - يا لَكِ من امرأةٍ عصيّة أردتُ أن أهرب معكِ الليلة.
3.17. ثلاثة موسيقيين عجائز ثلاثة موسيقيين عجائز كانوا منحنين هناك: عازف بيانو، وعازف غيتار، وعازف أكورديون. لم يكن أي منهم يقل عن السبعين عاماً، وكان عازف الأكورديون واهناً لدرجة أن "جيريون" كان يخشى - في كل مرة يميل فيها العازف بكتفيه عند منعطفٍ ما من اللحن- أن يسحقه الأكورديون تماماً. لكن اتضح تدريجياً أنه لا شيء يمكنه سحق هذا الرجل... ودون أن يتبادلوا سوى لمحات خاطفة، عزف الثلاثة وكأنهم شخص واحد، في حالة من الاكتشاف الخالص. كانوا ينطلقون بحرية، وتتداخل نغماتهم وتتلاحم وتنفصل، ويرفعون حواجبهم ويخفضونها. كانوا يميلون نحو بعضهم ثم يبتعدون في تداخلٍ وانسجام، ينهضون ويندفعون، يترصدون بعضهم البعض، ثم يحلقون عالياً في سحابة، ويهبطون ثانيةً على أمواج النغم.
3.18. البندقية/ فينيسيا في تلك الليلة، انطلقنا الرفاهية "بالطريقة الحقيقية" التي لم نكن قد جربناها من قبل، رغم مرور ستة أشهر على زواجنا. كان الأمر لغزاً كبيراً؛ لم يعرف أي منا أين يضع ساقه، وحتى يومنا هذا لست واثقة من أننا أدينا الأمر على النحو الصحيح.. بدا سعيداً. قال لي بعبارة جميلة: "أنتِ تشبهين البندقية". وفي صباح اليوم التالي كتبتُ مقالاً قصيراً (بعنوان "عن فض الأقتراع")، فقام هو بسرقته ونشره في مجلة فصلية صغيرة.. وبشكل عام، كان هذا الموقف يعكس طبيعة التفاعل بيننا. أو ربما يجدر بي القول إنه كان مثالياً. فلم يكن أي منا قد زار البندقية من قبل.
3.19. VII. التغيير بطريقةٍ ما، بلغ "جيريون" مرحلة المراهقة.
ثم التقى بـ "هرقل"، فتراجعت مراتبُ عوالمه الحياتية بضع درجاتٍ إلى الأسفل. كانا كأنقليسَينِ متفوّقينِ في قاع الحوض، وتعرّفا على بعضهما كما تتعرّف الحروف المائلة على مثيلاتها. كان "جيريون" يدخل محطة الحافلات في ليلة جمعة، قرابة الثالثة فجراً، ليحصل على "فكة" (نقود صغيرة) للاتصال بمنزله. نزل "هرقل" من الحافلة القادمة من "نيو مكسيكو"، بينما كان "جيريون" يندفع مسرعاً عند زاوية الرصيف، وهناك حدثت تلك اللحظة التي هي النقيض التام للعمى. تدفّق العالم ذهاباً وإياباً بين عينيهما مرّةً أو مرّتين. وكان آخرون يرغبون في النزول من الحافلة القادمة من "نيو مكسيكو" يتكدّسون خلف "هيراكليس" الذي توقّف عند الدرجة السفلى حاملاً حقيبته في يدٍ واحدة ومحاولاً إدخال قميصه في بنطاله باليد الأخرى. "هل لديك فكّة لدولار؟" سمع "جيريون" صوت "جيريون" يقول ذلك. "لا." حدّق "هرقل" مباشرةً في "جيريون". "لكنني سأعطيك عملة ربع دولار مجاناً.." "لماذا تفعل ذلك؟" "أؤمن بفضيلة الكرم." بعد بضع ساعات، كانا هناك عند خطوط السكك الحديدية يقفان متقاربين بجوار أضواء التحويلات. كان الليل الضخم يتحرّك فوقهما ناثراً قطراتٍ من ذاته. "أنت تشعر بالبرد،" قال "هرقل" فجأة، "يداك باردتان. هاك.." وأدخل يدي "جيريون" داخل قميصه.
3.20. ما الاقتباس؟ ما هو الاقتباس؟ الاقتباس (وهو لفظٌ ذو أصلٍ مشترك مع كلمة "حِصّة" أو "نصيب”) هو قَطعة، أو جزء، أو شريحة من برتقالة شخصٍ آخر. تمتصُّ الشريحة، وتُلقي بالقشرة، ثم تمضي في طريقك. إنَّ جزءاً مما تستمتع به في أسلوب العمل الوثائقي هو ذلك الشعور بالسطو؛ فسلبُ حياة شخصٍ آخر أو كلماته، والخروجُ منها بوجهة نظرٍ ما - وهي وجهة نظرٍ تُوصف بـ "الموضوعية" لأنَّ بوسعك تحويل أي شيءٍ إلى "موضوع" بمجرد التعامل معه بهذه الطريقة- هو أمرٌ مثيرٌ ومحفوفٌ بالمخاطر.
3.21. ما الصفة؟ ما هي الصفة؟ الأسماء تمنح العالم أسماءه... والأفعال تضفي الحيوية على تلك الأسماء... أما الصفات فتأتي من مكان آخر... إن كلمة "صفة" (التي تعني "مُضاف" أو "مُنسوب" في اليونانية) هي بحد ذاتها صفة تعني "موضوعاً فوق”، أو "مُضافاً"، أو "مُلحقاً"، أو "دخِيلاً". قد تبدو الصفات إضافات بريئة نوعاً ما، لكن أمعِن النظر مجدداً. فهذه الآليات الصغيرة المستجلَبة تتولى مهمة ربط كل شيء في العالم بمكانه الخاص والمحدّد. إنها بمثابة مَشابك الوجود.
3.22. يا زوجة "برين" لا تقولي إنكِ لم تكوني تتوقعين بركاناً؛ فتلك الأجنحة الحمراء التي لا يروّضها حتى الحبُّ السيئ لا بد أنها تنبئ بأن شيئاً ما في مكانٍ ما على وشك أن يشتعل لهيباً أو (كما يقول بروست) أن يُخلَّد في المتعة مثل أولئك الرجال في بيتٍ بمدينة بومبي - بيتٍ سيئ المصير، وإن لم تكن الشهرة سيئةً بالنسبة للجميع
3.23. حديث مقتضب عن "مذهب الضوء واللون"
يُبطئ ضوء الشمس حركة الأوروبيين. انظر إلى أولئك الناس المأخوذين في لوحة "سورا". انظر إلى ذلك السيد، الذي يجلس مستغرقاً في تأمله. إلى أين يذهب الأوروبي حين يكون "غارقاً في التفكير"؟ لقد رسم "سورا" ذلك المكان - يا له من فنانٍ مُبهر! إنه يقع في الجانب الآخر من نطاق الانتباه، على مسافة رحلة قاربٍ وادعةٍ وبطيئة من هنا. إنه وقت "ظهيرة يوم أحد" هناك، لا "ظهيرة يوم سبت". وقد أوضح "سورا" ذلك بأسلوبٍ خاص؛ "طريقتي"، هكذا أسماه بنبرةٍ يشوبها الضيق حين سألناه. لقد باغتَنا ونحن نسرع الخطى عبر الظلال الخضراء الباردة، كعشّاقٍ يمارسون الخيانة. كان النهر يفتح ويغلق شفتيه الحجريتين، وكان النهر يضم "سورا" إلى شفتيه.
3.24. حديث مقتضب عن الغيشا
حديث موجز عن الغيشا لطالما كانت مسألة الغيشا والجنس أمراً معقداً؛ فبعضهن يمارسن ذلك، والبعض الآخر لا يفعلن. في الواقع، وكما تعلمون، كان أوائل الغيشا من الرجال (مهرجين وقارعي طبول)؛ إذ كانت أحاديثهم الجريئة تثير ضحك الضيوف. لكن بحلول عام 1780، أصبح مصطلح "غيشا" يشير إلى النساء، وأصبح نشاط بيوت الشاي الساحر خاضعاً لرقابة الحكومة. كانت بعض الغيشا فنانات يطلقن على أنفسهن لقب "البيضاء"، بينما كانت أخريات -يحملن ألقاباً مثل "القطة" و"البهلوانة"- ينصبن أكواخاً كل ليلة في مجرى النهر العريض، ثم يختفين مع بزوغ الفجر. كان الأمر المهم هو وجود شخصٍ يُشتاق إليه؛ سواء كان اللحاف طويلاً، أو كان الليل ممتداً بلا نهاية، أو أُتيح لك هذا المكان للنوم أو ذاك، فالمهم هو وجود شخصٍ تنتظره حتى تقبل نحوك وتتحرك الأعشاب بقدومها، وفي كفّها ثمرة طماطم.
3.25. حديث مقتضب عن الإنسان العاقل
حديث موجز عن الإنسان العاقل بشقوقٍ صغيرة، دوّن إنسان "كرومانيون" أطوار القمر على مقابض أدواته، مفكراً فيه بينما كان يعمل. حيوانات. أفق. وجهٌ في وعاءٍ من الماء. في كل حكايةٍ أرويها، تأتي لحظةٌ لا أستطيع الرؤية بعدها. أكره تلك اللحظة؛ ولهذا السبب يصفون الحكواتيين بالعميان - في سياق السخرية.
3.26. حديثٌ مقتضب عن الأمور الجليلة والصغيرة
من الأمور الجليلة: الريح، والشر، وجوادُ القتالِ الأصيل، وحروفُ الجر، والحبُّ الذي لا ينضب، وطريقةُ اختيارِ الناسِ لمَلِكهم. أما الأمور الصغيرة فتشملُ التراب، وأسماءَ المدارسِ الفلسفية، والمزاجَ وحالةَ انعدامِ المزاج، والوقتَ الصحيح. ثمة أمورٌ جليلةٌ تفوقُ في عددها الأمورَ الصغيرة إجمالاً، ومع ذلك فهناك أمورٌ صغيرةٌ أكثرُ مما دوّنتُه هنا، غيرَ أنَّ سردَها أمرٌ يبعثُ على الإحباط. وحين أتخيلُك تقرأُ هذا، لا أريدُ أن تقعَ في الأسر، أو أن تفصلَكَ عن حياتِك ذاتِها شبكةٌ سلكيةٌ مُبطَّنةٌ بالزجاج، على غرارِ "إلكترا" ما.
3.27. حديث مقتضب عن قواعد المنظور
خدعة سيئة. خطأ فادح. بل هي خداع صريح. تلك هي وجهة نظر "براك". لماذا؟ لقد رفض "براك" مبدأ المنظور. لماذا؟ كان "براك" يرى أن من يقضي حياته في رسم الوجوه الجانبية (البروفايل) سينتهي به المطاف معتقداً أن للإنسان عيناً واحدة. لقد أراد "براك" الاستحواذ الكامل على الأشياء؛ وهو ما صرّح به في مقابلات منشورة. كان شعوراً بالفقدان يغمر "براك" حين يرى الأسطح الصغيرة اللامعة في المشهد الطبيعي تتراجع مبتعدةً عن متناول يده، فما كان منه إلا أن حطّمها. "طبيعة صامتة"، قال "براك".
3.28. حديث مقتضب عن سمك السلمون المرقط
تتعدد أشكال التعبير في شعر "الهايكو" لوصف سمك السلمون المرقط؛ فمن المصطلحات التي سمعتُ بها: "سلمون الخريف"، و"السلمون الهابط"، و"السلمون الصدئ". ويُقصد بـ "السلمون الهابط" و"السلمون الصدئ" تلك الأسماك التي أتمّت عملية وضع البيض؛ إذ تكون قد أُنهكت تماماً واستُنزفت قواها، وهي في طريق عودتها إلى البحر. وبالطبع، كانت توجد أحياناً أسماك تقضي فصل الشتاء في الغدران العميقة، وكان يُطلق عليها اسم "السلمون المُقيم".
3.29. حديث موجز عن حيوانات الفيكونا
حيوانٌ أسطوريٌّ، يزدهرُ الفيكونا في المناطق البركانية شمالي بيرو. ينصبُّ عليه الضوءُ بقوةٍ وهدير، كأنّه "ميلتون" وهو يصبُّ غضبَهُ على بناتِه. أتسمعُ ذلك؟... إنّهنَّ يعدُدنَ الأرقامَ بصوتٍ خافت. فكِّرْ في نمطِ الحياةِ للحظةٍ؛ حين ترفعُ فأسَكَ، أصغِ جيداً: وقعُ الحوافرِ... وهبوبُ الريح. فهي التي تجعلنا نشعرُ بأننا في ديارنا هنا، لا العكس.
3.30. تراكم العاصفة الرعدية
مرّ طائرٌ خاطفاً وكأنه أخطأ وجهته، ثم... تبدأ العاصفة. لا نفكر في سرعة الحياة، ولا نتساءل: لِمَ نكره "إيزابل"؟ بل نفكر: مَن ذا الذي يقذف الأشجار نحو المنزل؟ لقد كانت "إيزابل" فينيقية. والعواصف الرعدية الفينيقية جافةٌ ومخيفة؛ إذ تتوالى الواحدةُ داخل الأخرى على هيئة أشكالٍ بيضاويةٍ ملتوية.
3.31. كان في الرابعة عشرة حدث ذلك قبل سنوات، ولم يكن اسم "ساد" قد صار "ساد" بعدُ. المذنب الأول. كان "جي" قد ترجّل للتو من حافلة؛ تبادلا النظرات واستمر ذلك الحال حتى قارب "جي" العشرين من عمره، لكنه... حسناً. بحكم كونه شخصاً وفياً بطبعه، كانت لدى "ساد" حاجةٌ لتكوين صداقات في كل مكان. أصدقاء للجنس، وأصدقاء النادي وأصدقاء النادي الرياضي، وأصدقاء المخدرات وأصدقاء التسوق وأصدقاء لحظات الانهيار؛ وهي مشكلة شائعة بما يكفي. لكن "ساد" لم يرَ في الأمر مشكلة. وفي أحد الأيام، التفتَ من حوله فلم يجد "جي".
3.32. سفر إشعياء 1.
استيقظ إشعياء غاضباً.. كانت أصوات طيور سوداء تتردد عند أذنيه؛ لا، بل كان غضباً. لقد ملأ الله أذني إشعياء بإبرٍ لاذعة. ذات مرة، كان الله وإشعياء صديقين.. اعتاد الله وإشعياء التحاور ليلاً، وكان إشعياء يهرع إلى الحديقة.. كانا يتحاوران تحت "الغصن"، بينما كان الليل ينسكب من حولهما. من أخمص القدم وحتى الرأس، كان الله يجعل كيان إشعياء يتردد صداه ويرنّ. أحبَّ إشعياءُ الله، لكن حبه تحول الآن إلى ألم. أراد إشعياء اسماً لهذا الألم، فأطلق عليه اسم "الخطيئة".. صار إشعياء الآن رجلاً يعتقد أنه أمةٌ بأسرها. أطلق إشعياء على الأمة اسم "يهوذا"، وعلى الخطيئة اسم "حالة يهوذا". في داخل إشعياء، رأى الله "نسيج العالم" وهو يحترق. كان إشعياء والله يريان الأمور بمنظورين مختلفين، ولا يسعني إلا أن أقصَّ عليكم أفعالهما. خاطب إشعياء الأمة قائلاً: "يا لهشاشة الإنسان!".. تململت الأمة داخل قشرتها ثم عادت لتنام. كانت هناك كتلتان من اللحم المدمّى مطويتين فوق عينيها كالجناحين. نامت الأمة وكأنها لوحة صلبة لامعة. من يستطيع اختراع خوفٍ جديد؟ فكّر إشعياء: "ومع ذلك، فقد اختَرعتُ أنا الخطيئة"، وهو يمرر يده فوق النتوءات.. ثم، وبسبب جاذبية هائلة بينهما- وهي جاذبية قاومها إشعياء (مؤيداً ومعارضاً) طوال حياته- حطّم الله لا مبالاة إشعياء. غسل الله شعر إشعياء بالنار. أزال الله الركيزة التي كانت تسنده. أنصتت الأمة من تحت جناحيها اللحميين. قال إشعياء: "أنتَ". لم يأتِ ردّ. تحدث إشعياء مجدداً تحت الغصن: "لا أستطيع سماعك". أضاء الضوءُ الساطعُ مشهدَ الليلِ وكأنه كشفٌ لفيلمٍ في كاميرا. حضر الله. هشّم الله إشعياء -كتحطيم الزجاج- عبر كل مَفصلٍ وموضعٍ في كيان أمته. قال الله: "أيها الكاذب!". وضع إشعياء يديه على معطفه، ثم وضعهما على وجهه. قال إشعياء: "إشعياء رجلٌ صغير، لكنه ليس كاذباً". توقف الله للحظة. وهكذا كان عهدهما: هشاشةٌ من الجانبين، وصدقٌ بلا كذب. وقفت زوجة إشعياء عند المدخل، وكانت قوائم الباب قد تحرّكت. قالت زوجة إشعياء: "ما هذا الصوت؟" قال إشعياء: "إنه مخافة الرب". ابتسم في الظلام، وعادت هي إلى الداخل.
3.33 بيننا وبين...
بيننا وبين الحيوانات... ثمة غيابٌ للاسم. نتخبط في محاولات التسمية بصيغٍ عامةٍ ومُعمَّمة؛ حين ابتكر الرومان اسم "الجمل-النمر" (أو "زرافة")؛ إذ بدت لهم كأنها هجينٌ بين الجمل والنمر، أو نخطئ في تصنيفها (فثور المسك ليس ثوراً على الإطلاق، بل هو أقربُ صلةً بالماعز). وحين نختار إطلاق أسماءٍ على حيواناتٍ بعينها، فإننا نتظاهر بأنها مجرد أشياء ذات "موضعٍ" ما، أو تجسيدٌ لفضائل كـ "الجمال"، أو مجرد ذواتٍ أخرى مثل "بوب".
3.34. تانغـو. 7
ولكن، إجلالاً للحقيقة - تلك التي تتسم بالسلاسة والقداسة وتسكن بين الآلهة - يتحتم علينا أن نثق (مع أفلاطون) في رقصة الكذب التي تقطن في الأسفل، وسط جموع البشر؛ حيث يمتزج الطابع المأساوي بالخشونة.
كل أسطورة هي نمطٌ مُثْرَى، وطرحٌ ذو وجهين، يُتيح لمن يرويها أن يقول شيئاً ويقصد شيئاً آخر، وأن يعيش حياةً مزدوجة. ومن هنا نشأت فكرةٌ قديمةٌ في الفكر الغابر: أنَّ كل الشعراء كاذبون. ومن رحم "أكاذيب الشعر الصادقة" تلك، انبثق سؤال:
ما الذي يربط الكلمات بالأشياء حقاً؟
لا شيء يُذكر، هكذا قرر زوجي، ومضى يستخدم اللغة على النحو الذي يفعله الآلهة - كما يصف هوميروس. فالآلهة تعرف كل الكلمات البشرية، لكنها تمنحها معانيَ مختلفة تماماً تتعايش جنباً إلى جنب مع معانينا. ويمكن للآلهة أن تبدّل المعنى وتُغيّره بمحض إرادتها.
لقد كذب زوجي بشأن كل شيء.
المال، والاجتماعات، والعشيقات، ومسقط رأس والديه، والمتجر الذي اشترى منه قمصانه، وحتى طريقة تهجئة اسمه. كان يكذب حين لا تستدعي الضرورة الكذب. وكان يكذب حين لا يكون الكذب ملائماً حتى. وكان يكذب وهو يعلم أنهم يعلمون أنه يكذب.
كان يكذب حين كان كذبه يكسر القلوب.
قلبي أنا. وقلبها هي. وكثيراً ما أتساءل عما حلَّ بها.
تلك الأولى.
3.35. تانغو. 12
هذا هو عملنا النظيف، والآن دعنا نذهب عبر الممر إلى الغرفة السوداء حيث أجني مالي الحقيقي.
تريد أن ترى كيف كانت الأمور تبدو من وجهة نظر الزوج - دعنا نذهب إلى الخلف، هناك تقف الزوجة تضم ذراعيها بقوة عند المرفقين وتواجه زوجها. "لا دموع"، يقول لها، "أرجوكِ، لا دموع مجدداً”. لكنها تواصل الانهمار. إنها تراقبه. "أنا آسف"، يقول. "هل تصدقينني؟" تراقبه. "لم أرغب يوماً في إيذائكِ". تراقبه. "هذا كلام مبتذل. إنه أشبه بأسلوب أوسكار وايلد. قولي شيئاً!" "أصدق..."
"سيارة الأجرة الخاصة بك هنا"، قالت. نظر إلى الشارع. كانت محقة. آلمه ذلك، آلمته تلك الشجون التي تكمن في حدة سمعها. كانت تقف هناك، إنسانة ذات سمات خاصة، وقلبٍ فريد، وحياةٍ تنبض في عروقها. أشار للسائق: "خمس دقائق". توقفت دموعها الآن. "ماذا ستفعل بعد رحيلي؟" يتساءل. "أمسيتها”. ضاق صدره عند التفكير في الأمر. أمسيتها الغريبة. "حسناً"، قال. "هل تعلم..." بدأت تقول. "ماذا؟"
"لو استطعت قتلك، لاضطررتُ حينها لصنع نسخة أخرى تشبهك تماماً". "لماذا؟" "لأبوح لها بما في قلبي". حلّت عليهما لحظة من الكمال، كهدوءٍ يغمر بحيرة. حلّ الألم. أما الجمال فلا يهدأ. لمس الزوج صدغ زوجته ثم استدار وركض نازلاً عبر الدرج.
3.36. تانغو. 14
حين تمرر يدك عليه لتقدير أبعاده، تظنه للوهلة الأولى حجراً، ثم حبراً أو ماءً أسود تغوص فيه اليد، ثم وعاءً لـ "مكانٍ آخر" لا تسترد منه يدك.
لم أفز اليوم. لكن من يدري؟ ربما أفوز غداً. هكذا كان يحدث نفسه وهو يهبط الدرج. ثم فاز.
كان ذلك أمراً جيداً؛ ففي غمرة الدخان التي ملأت الغرفة، وجد نفسه يراهن بمزرعة جده (التي لم يكن يملكها) وبأربعين ألف دولار نقداً (كان يملكها بالفعل).
يا للهفة إخبارها بالأمر! انطلق يهرول بخطواته المدوية على الرصيف نحو أقرب كشك للهاتف، بينما كان مطر الفجر يلسع عنقه. ألو.
بدا صوتها وكأنه متهدج، منكسر النبرات: أين كنت الليلة الماضية؟ شعر برعبٍ يقطع أنفاسه. يا إلهي...
كان بوسعه سماعها وهي تنتقي سهماً آخر من جعبتها الصغيرة، وتصاعد الغضبُ في نبرتها مستقيماً كالأشجار، مُبقياً قلبه مشدوداً، منتصباً في مهب الخوف.
يقول فجأة: "لا أشعر بالنقاء إلا حين أستيقظ بجواركِ". إن إغواء القوة ينبع من الأسفل. وبإصبعٍ واحدة،
كان ملك الجحيم يخطُّ الأحرف الأولى من اسمها على الزجاج، وكأنها آثارُ حروقٍ لاذعة. وهكذا، وسط المخاض والمعاناة، تتألق أسطورة الزوج... وتصدح.
3.37. تانغو. 19
وإذ أجثو عند حافة البحر الشفاف، سأصوغ لنفسي قلباً جديداً من الملح والطين.
تقبع الزوجة في قبضة الواقع. من السهل القول: "لماذا لا تتخلين عن هذا الأمر؟" لكن، لنفترض أن زوجكِ وامرأةً غامضةً (ذات ملامح باردة) يعتادان اللقاء في حانةٍ وقت الظهيرة. الحب لا يخضع لشروط. أما الحياة، فهي مشروطةٌ للغاية. تتخذ الزوجة موقعاً لها في شرفةٍ مغلقةٍ على الجانب الآخر من الشارع. تراقب تلك المرأة وهي تمد يدها لتلمس صدغه، وكأنها تنقل إليه شيئاً ما. وتراقبه هو وهو يميل قليلاً نحو المرأة ثم يعود؛ كلاهما يبدو جاداً. تلك الجدية تمزقها إرباً. فالناس الذين يستطيعون مشاركة الجدية معاً. إن الأمر يغوص عميقاً. ثمة زجاجة مياه معدنية على الطاولة بينهما وكأسان. لا حاجة لمسكرات! متى اكتسب هذا الذوق الجديد المتقشف؟ سفينةٌ باردة
تغادر ميناءً ما في أعماق الزوجة وتنزلق نحو الأفق الرمادي المسطح،
حيث لا طيرَ يلوح ولا نَفَسَ يُرى.
3.38. سترة أبي الزرقاء القديمة
الآن، يتدلى المعطف على ظهر كرسي المطبخ حيث أجلسُ أنا دائماً، تماماً كما كان يفعل هو حين كان يجلس على ظهر كرسي المطبخ ذاته.
أرتديه كلما دخلتُ البيت، كما كان يفعل هو، نافضاً بقدميه ما علق بحذائه من ثلج.
أرتديه وأجلس في الظلام. لم يكن هو ليفعل هذا. يتسلل البردُ نازلاً من "عظمة القمر" في السماء.
كانت قوانينه سراً دفيناً. لكنني أذكر اللحظة التي أدركتُ فيها أنه كان يفقد صوابه داخل تلك القوانين..
كان واقفاً عند منعطف الممر حين وصلتُ. كان يرتدي سترة صوفية زرقاء، أزرارها مغلقة حتى العنق. ولم يكن ذلك بسبب حرارة ظهيرة شهر يوليو،
بل بسبب تعبيرات وجهه - التي تشبه تعبيرات طفل صغير ألبسته إحدى عماته في الصباح الباكر استعداداً لرحلة طويلة
عبر قطارات باردة وأرصفة تعصف بها الرياح، فيجلس منتصب القامة عند حافة مقعده بينما تباغته الظلال -التي تبدو كأصابع طويلة-
وهي تمتد فوق أكوام القش المارة مسرعةً بجانبه، فتثير في نفسه شعوراً مباغتاً بالصدمة لأنه يجلس في وضع معاكس لاتجاه سير القطار.
3.39. بلدة الرسول
بعد رحيلك. كانت الرياح تعصف كل يوم. كل يوم. تقف في وجهنا كالجدار. كنا نمضي.. نصرخُ بعضُنا لبعضٍ والريحُ تدفعُ أصواتَنا جانباً. على امتداد الطريق. كان الأمرُ عبثياً. المسافاتُ التي تفصلُ بيننا. تصلّبت. إنها مساحاتٌ فارغة. ومع ذلك، فهي صلبة. سوداءُ وموحشة. كالفراغاتِ بين أسنانِ. امرأةٍ عجوز. كنتَ تعلمُ ذلك منذ سنوات. حين كانت. جميلةً، والأعصابُ تتدفقُ في كيانها كحريقٍ يلتهمُ قصراً.
3.40. ثباتٌ جامح السماءُ قُبيل الفجر خضراءُ ضاربةٌ للسواد. ربما هي علامةٌ ما. عليّ أن أتعلم المزيد عن العلامات.
عند منعطف الميناء، هبت عليّ الريح، كصفعةٍ على وجهي.
أعتاد المشي صباحاً، لم أعد أعرف السبب. الحياة قصيرة.
يسبقني ظلي. وبغطاء رأسه المرفوع، يبدو كبوقٍ للضباب.
جليدٌ يغطي الطريق. جليدٌ يغطي الرصيف. لا مكان أضع فيه قدمي.
من الأفضل أن أخطو حيث توجد الحصوات السوداء الصغيرة. فهي أقل انزلاقاً.
أظن أن تلك الحصوات السوداء قد تكون حمماً بركانية. أم أنني أضفي عليها طابعاً غرائبياً؟
يمرّ رجلٌ مسرعًا برفقة كلب صغير. لا أحد يلقي التحية.
تمر تلميذة بملابس وردية. تنظر في وجهي. لا أحد يلقي التحية.
من كان ليتوقع أن يرى بوق ضباب ماشيًا "يحذر السفن" في هذا الوقت المبكر؟
تشتد الريح وتدفعني. أقاومها وأدفعها. أوشكتُ على الوصول للمنزل.
لماذا جئتُ إلى هنا؟ ريحٌ جديدة كل يوم. الحياة تعني المقاومة.
الآن بزغ الفجر. جفنٌ ذهبي ينفتح فوق الميناء.
سكان هذا المكان يتعلمون ألا يشتكوا من الريح.
أدخل إلى المنزل وأُعدّ الشاي. أتناول رقائق النخالة. أقرأ ثلاث صفحات من بروست.
بروست يشتكي (نحن في عام 1914) من استخدام الصحفيين للفعل الفرنسي "savoir"(يعرف/يعلم).
يقول إنهم يستخدمونه لا كدلالة على المستقبل بل كدلالة على رغباتهم -
دلالة على ما يريدون للمستقبل أن يكون عليه. ما العيب في ذلك؟ أتساءل. عليّ أن أتعلم المزيد عن الدلالات.
أول شيء رأيته في صباحي الأول للمشي في "ستيكيشولمور" كان غراباً
بحجم كرسي. تساءلت: ما الذي يفعله ذلك الكرسي فوق ذلك المنزل؟ ثم خفق بجناحيه وطار مبتعداً.
يُطلق على غراب بهذا الحجم اسم غراب أسود. أو الغراب المألوف في نظام التسمية الثنائية عند لينيوس. يُصدر كلٌّ منها صوتاً
يشبه صوت بلدةٍ بأكملها تعجّ بالغربان في البلد الذي جئتُ منه. ثلاث صفات تتكرر
في الأدب الذي يتناول الغربان هي: آكلة لكل شيء. مؤذية.
أحادية الزواج. (الألتزم بشريك واحد). ما استهوتني صفة "أحادية الزواج" هذه. تزوجتُ في شهر مايو الماضي
وقضيتُ شهر العسل في "ستيكيشولمور". وفي هذا العام، عدتُ إلى "ستيكيشولمور" لأعيش مع زوجي
لمدة ثلاثة أشهر في غرفة واحدة صغيرة. لقد كان هذه الشراكة الشديدة (أحادية الزواج قطعًا) كان شاقًا علينا تقريبًا.
وبدلاً من أن يسيء أحدنا الآخر استأجرنا مكاناً ثانياً (منزل غريتا)
بالقرب من المسبح. والآن، نحن نعيش بسعادة في حالة "ثنائية الزواج" (نوزع حياتنا بين مكانين).
توجد غربان على سطح كلا المنزلين. ربما تكون هي الغربان ذاتها.
لا أستطيع الجزم بذلك. لو كانت "روني هورن" هنا لقالت إن الغربان
تشبه الماء؛ فهي ثابتةٌ بجموح. وهي رمزٌ لآيسلندا.
عليّ أن أتعلم المزيد عن الرموز. لقد جئتُ إلى "ستيكيشولمور" لأعيش في مكتبة.
لا تحتوي المكتبة على كتب بل على كتل جليدية. كتل جليدية تقف منتصبةً
صامتة. ومرتبةً بدقة تُضاهي ترتيب الكتب. لكنها ذائبة.
كيف سيكون الحال لو عشتُ في مكتبة من كتبِ ذائبة؟
حيث تنساب الجمل فوق الأرضية وتستقر علامات الترقيم في القاع كراسبٍ متبقٍ.
سيكون الأمر مربكاً. ولا يُغتفر. ومغامرةً عظيمة.
أخبرتني "روني هورن" ذات مرة أن أحد مستكشفي القارة القطبية الجنوبية قال: إن خوض مغامرةٍ ما
هو علامةٌ على عدم الكفاءة. وحين أشعر بأقصى درجات العجز
- كما يحدث لي في "ستيكيشولمور" في كثير من الصباحات المظلمة وأنا أمشي مواجهةً الريح -
أحاول استحضار شيءٍ هو نقيضُ العجز في ذهني. البيضة، على سبيل المثال.
هذا الشكل المثالي. المضمون السعيد تمامًا. والغذاء الكامل.
في أحلامكِ قالت مستكشفةٌ جاءت لاحقاً (آنا فرويد) يمكنكِ طهي البيضِ بالبراعةِ التي تشتهيها
لكن لا يمكنكِ أكله. أحياناً في الليل حين يعجزني الأرق
بسبب الريح أذهبُ وأقفُ في مكتبةِ كتل الأنهار الجليدية.
أقفُ في عالمٍ آخر. ليس الماضي ولا المستقبل. ليس الفردوس ولا الواقع ولا
حلماً. إنه كيانٌ ذو طبيعةٍ أخرى، جامحٌ وثابت.
من يدري لِمَ وُجد هذا المكان؟ أنا أقفُ وسط الأنهار الجليدية. أصغي إلى الريح في الخارج
وهي تهوي نحوي من أطراف الليل والفضاء القصية. ليس لديّ نظريةٌ تفسر سبب وجودنا هنا
أو ما الذي يرمز إليه أيٌّ منا. لكن غرفةً تملؤها أنهارٌ جليديةٌ ذائبة تتأرجحُ مع رياح الليل في "ستيكيشولمور"
هي مكانٌ ملائمٌ للتأمل في ذلك. كل نهرٍ جليديٍّ مُضاءٌ من الأسفل
تماماً كالذاكرة. يقول بروست إن الذاكرة نوعان. هناك ذلك الكفاح اليومي لاستعادةِ
مكان نظارات القراءة وهناك هبةٌ أعمق من الحنين تتصاعدُ من أعماق القلب
عفويّاً. في لحظاتٍ مباغتة. ولأسبابٍ غير متوقعة.
إليكِ مقتطفاً من رسالةٍ كتبها بروست عام 1913: نعتقد أننا لم نعد نحب موتانا
لكن ذلك لأننا لا نتذكرهم: فجأةً تلمحُ أعيننا قفازاً قديماً
فننفجرُ باكين. قبل مغادرة المكتبة أطفئُ الأنوار.
فتغرق الأنهار الجليدية في الظلام. ثم أعودُ إلى منزل "غريتا". وأوقظُ زوجي.
وأطلبُ منه أن يُعِدَّ لنا بعض البيض.
3.41. من مسرحية الدبابيس
الجوقة: فاصل غنائي تليه أحداث الفصل الرابع. كم دبوساً يمكنه الرقص على رأس إله؟ كم ملكاً يمكنكِ تثبيته في رقصةٍ تدور داخل رأسي؟ كم رقصةً تركتْ آثاراً على تلك "المرأة" التي كانها هو؟ كم أثراً ألزمَه الصمتَ، يا صُبَّار؟
الصُبَّار: آه!
الجوقة: تحدثي يا أغافي.
الصُبَّار: لقد جئتُ ومعي الدبابيس.
الجوقة: نرحب بالدبابيس.
الصُبَّار: لطختُها لتكون جوائز.
الجوقة: نُعلي شأنها كملوك.
الصُبَّار: كم ملكاً
الجوقة: انتزعتِ وجنتيه؟
الصُبَّار: كم وجنةً
الجوقة: ثبّتِّها على فم الأم الرقيق؟
الصُبَّار: كم فماً احتاجت
الجوقة: لتلتهم اللحم كله؟
الصُبَّار: ليس عدداً كبيراً.
الجوقة: عددٌ سعيد؟
الصُبَّار: عددٌ ماكر.
الجوقة: عددٌ واقعي؟
الصُبَّار: عددٌ يفيض مرحاً وجنوناً.
ولكن، في الواقع، ليس عدداً يُذكر.
الجوقة: إذا فكرتِ في الأمر؟
الصُبَّار: عددٌ ضئيلٌ وكئيب.
الجوقة: إذا تأملتِه عن كثب؟
الصُبَّار: مجرد عددٍ يشبه النحيب.
الجوقة: يا أغافي!
الصُبَّار: ماذا؟
الجوقة: لنحيبكِ اسم.
الصُبَّار: كم اسماً يمكنني انتزاعه من رأس تلاعبٍ لفظي؟
الجوقة: اسمٌ واحدٌ فقط.
الصُبَّار: يا بني!
3.42. صالون التجميل
أتساءل، أي شكل يجب أن أختار لبرد أظافري؟ عادةً ما يكون اتباع شكل الهلال هو الخيار الأفضل مرةً قمتُ ببردها لتصبح مربعة الشكل انحني للأمام من فضلكِ خطأ فادح ضعي يديكِ في الحوض من فضلكِ أسمع أصوات ممارسات عنيفة تحدث في الغرفة المجاورة، لكن... أتعلمين؟ الآن وقد فكرت في الأمر، لقد التقيتُ... جففي كلتا اليدين بالمنشفة لقد التقيتُ بهم… ألوّح لهؤلاء الأشخاص؛ فصديقهم يوقف سيارته في ممر منزلي اليد اليسرى في رغوة الصابون… برفق، برفق والضوء... ضوء الردهة المائل للزرقة، هل كان موجوداً من قبل؟ مستحضر ناعم للبشرة المحيطة بالظفر، ورائحته زكية أيضاً لا أحب التلاعب بالألفاظ، هل تحبينه أنتِ؟ لا أحب اللغة الملتوية... آه، التدليك، هذا هو الجزء المفضل لدي تدليك سريع، نبدأ بالإبهامين أولاً لكنني أعترف بأنني كنت فضولية لأرى كيف تبدو الأمور هناك ارفعي يدكِ الآن، ارفعيها اعتاد الناس قديماً مشاهدة عمليات الإعدام العلنية؛ هل يختلف الأمر كثيراً؟ حسناً، الرائحة... أظن أن الرائحة تشكل فرقاً واحداً أولاً، الطبقة الطلاء الأساسية... أربعون ثانية، لا تتحركي الناس يعذبون القطط... مجرد ملاحظة… أربعون ثانية... هل هي أربعون؟ أربعون ثانية وقت طويل باعدي بين أصابعكِ الصغيرة، شكراً لكِ لستُ خائفة من الشر بحد ذاته الطبقة الأساسية الثانية لستُ ساذجة الطبقة العلوية الآن… هل لديكِ تفضيل معين؟ عندما تنقلب الأمور رأساً على عقب... عذراً، ماذا قلتِ؟ طلاء أظافر "لوموس" أو "ريفلون إكسترا لايف"... هل تفضلين أياً منها؟ أثق في ذوقكِ في أمور كهذه إذن، "لوموس" أو... تعرفين ذلك النوع من الروايات حيث تبدأ الأحداث بالتعقيد والالتواء بعد ثلاثة أو أربعة فصول؛ تبدأ الأمور طبيعية ثم تنزلق فجأة في منحدر، فلا تعودين تدركين من هو من أو ما هو ما، وتصبح المدينة مهجورة في ساعة... حسناً، أشعر بالتوتر أحياناً عند القراءة ليلاً، ألا تشعرين بذلك؟ يتملكني شعور بالشك أوشكنا على الانتهاء أحياناً أرغب فقط في الاستسلام والتوقف عن المقاومة هل تفضلين تصفح المجلات أثناء جفاف الطلاء؟ ذلك النوع من الروايات يعتمد دائماً على جمل قصيرة جداً ليعطي انطباعاً… لكنه انطباع زائف... يوحي بالبساطة والمباشرة برفق، برفق هل حلّ الغسق بالفعل؟ أوه، انظري، العثّ الكبير يحوم حول الباب احذري عند الخروج لا أحب ذلك العثّ، هل تحبينه أنتِ؟ العثّ غير مؤذٍ لكنه يسبب الفوضى تُصدر صوتاً مقرمشاً تحت قدمي على الأرضية أقوم بالكنس يُذكّرني الأمر بأن موعد العناية بقدمي. قد حان الأسبوع المقبل رجاءً اتصل لتحديد موعد… موظفة الاستقبال غادرت الآن يا إلهي، هل تأخر الوقت إلى هذا الحد؟ الوقت متأخر الآن عليّ الصعود إلى السهل - هل قلتُ ذلك؟ - الصعود إلى السهل قبل حلول الظلام احذر أكره... عذراً، الأمر فقط أنني يجب أن أتجاوز السياج السلكي وأصعد إلى السهل قبل… نعم، أنتم تغلقون... قبل حلول الظلام، ولكن إن لم أفعل... حسناً، المسألة هي أن عليّ عبور الوادي وتجاوز السياج والصعود إلى السهل قبل حلول الظلام سنغلق الآن تمنَّ لي الحظ... يا إلهي، هل تظن أنني... أجل، بالطبع، فقط اعبري ملعب اللعب، وعبر الوادي، وتجاوزي السياج، واصعدي إلى السهل قبل... نعم، إذا عبرتُ الملعب عند الحافة تماماً - حيث أظن أنك رأيت ذلك المسار، ذلك المسار الصغير عند حافة الشاطئ حيث يبدأ العشب الصناعي هل توجد مباراة الليلة؟ الليلة... شباك وجرذان حظاً موفقاً يا سيدتي آه، الحظ أراك قريباً... قريباً نعم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ Copyright © 2026 المكان والتاريخ: طوكيو ـ 10/14/26 ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).
#أكد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تَرْويقَة: أتسمع ذلك؟/بقلم آن كارسون* - ت: من الإنجليزية أكد
...
-
إضاءة: هايدغر بين مأزق الوجود و آنقذاف اللغة/ إشبيليا الجبور
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان +2/بقلم آن كارسون الشعرية* - ت: من الإنجل
...
-
فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام/الغزالي الجبوري - ت: من ال
...
-
تَرْويقَة: -ثباتٌ جامح- - بقلم آن كارسون* - ت: من الإنجليزية
...
-
إضاءة: فوز -آن كارسون- بجائزة نوبل للآداب/- ت: من اليابانية
...
-
امضى الطريقُ - ابوذر الجبوري - هايكو التانكا - ت: من اليابان
...
-
إضاءة موسيقية؛ رحلة مع آلة الساكسفون/إشبيليا الجبوري - ت. من
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان+ 2/ بقلم فينتشينزو كارداريلي* - ت: من الإ
...
-
نيتشة والعدمية العملية: قيمة الفن ومأزق الوجود (13-15)/ إشبي
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان+ 2/ بقلم والاس ستيفنز* - ت: من الإنجليزية
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان/ بقلم فرنسيس جامَه* - ت: من الفرنسية أكد
...
-
عرض ونقد (الحلقة 2-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميش
...
-
مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (9-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من
...
-
الأوبرا - إضاءة: فينتشينزو بيليني (2-3)/إشبيليا الجبوري - ت:
...
-
أولويات الفكر الاستراتيجي الصيني للبحار/الغزالي الجبوري - ت:
...
-
المغامر يغني ترقبًا - تانكا / أبوذر الجبوري - ت: من الياباني
...
-
مغادرة الوفود قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة/الغزالي الجب
...
-
عرض ونقد (الحلقة 1-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميش
...
-
من الأدب الياباني: حكاية -أوراشيما الصياد- - ت: من اليابانية
...
المزيد.....
-
من همنغواي إلى نيتشه.. كيف يوظف دافيدي أنشيلوتي الأدب والفلس
...
-
ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني
...
-
نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب
...
-
شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا
...
-
فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان
...
-
ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو
...
-
أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق
...
-
ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
-
مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ
...
-
كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|