أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - الشاعر والكاتب التونسي الكبير د-طاهر مشي في -أبي..وما زلتُ ذلك الصبيّ-: حين يكبر العمر..ويظل الأب هاجعا خلف الشغاف














المزيد.....

الشاعر والكاتب التونسي الكبير د-طاهر مشي في -أبي..وما زلتُ ذلك الصبيّ-: حين يكبر العمر..ويظل الأب هاجعا خلف الشغاف


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 23:49
المحور: الادب والفن
    


أبي..وما زلتُ ذلك الصبيّ

أحبُّ أبي،وأشتاقُ إلى أيّامٍ كنتُ فيها صبيًّا،أركضُ نحوَه،فأجدُ في عينيه وطنًا،وفي حضنه أمانًا، وفي صوته طمأنينةً لا تشبه شيئًا.
لم أكن أدري أنَّ الحضنَ الذي اعتدتُ دفأه سيصبحُ يومًا أمنية،وأنَّ اليدَ التي كانت تمسحُ خوفي سأظلُّ أبحثُ عنها في زحام العمر.
كبرتُ يا أبي،لكنَّ شيئًا منّي ظلَّ طفلًا عند بابك، ينتظرُ عودتَك،ويُخبِّئُ لك في قلبه ألفَ حكاية، كلّما ضاق به العالم أراد أن يرويها لك.
ما أقسى الفراق يا أبي! إنّه لا يأخذُ منّا أحبابَنا فحسب،بل يأخذُ معهم أشياءَ لا نعرفُ قيمتَها إلّا حين نفتقدها؛دفءَ البيوت،وبراءةَ الأيام،وذلك الشعور الجميل بأنَّ لنا أبًا،وأنَّ الدنيا مهما قست فثمّة قلبٌ لن يتخلّى عنّا.
أشتاقُ إليك يا أبي،شوقًا لا تُطفئه الأيام،ولا تُسكته الكلمات،ولا يُخفّفه اعتيادُ الغياب.
فمنذ رحلتَ،صارت الأشياءُ كما هي،لكنّها لم تعد كما كانت..وصار في القلب مكانٌ لا يملؤه أحد، وفي الروح حنينٌ لا يعرفُ طريقَ العودة.
رحمك الله يا أبي..فما زلتُ ذلك الصبيَّ الذي يحتاجُ حضنَك،ويبحثُ عن نورك في عتمة الحياة، ويتمنّى لو يعودُ به الزمنُ لحظةً واحدة،ليُقبّل يدَك، ويُسندَ رأسَه إلى صدرك،ويقول لك ما لم يقله يومًا بما يكفي:
أحبُّك يا أبي…وما زلتُ أحتاجُك،وكأنّ قلبي لم يتعلّم كيف يعيشُ من دونك.
(طاهر مشي)

في هذه اللوحة القصصية الشجية،لا يكتب الشاعر والكاتب التونسي د-طاهر مشي عن الأب بوصفه ذكرى غادرت الحياة فحسب،بل يستحضره باعتباره وطنا وجدانيا ومرفأً للأمان،وركنا من أركان الروح لا يستطيع الزمن،مهما امتدّ وأوغل في القدم،أن يعوّض غيابه.
إنّها كتابة تنبض بصدق التجربة الإنسانية،وتفتح جرح الحنين على اتساعه،حيث يكبر الإنسان جسدا وتجربة،لكنّ طفلا صغيرا يظلّ مختبئا في أعماقه،ينتظر حضن أبيه ويبحث عن صوته في ضجيج الحياة.
تتجلّى جمالية النصّ في الصورة المكثّفة التي تجعل الأب وطنا في العينين،وأمانا في الحضن، وطمأنينة في الصوت.فالأب هنا يتجاوز رابطة الدم ليصبح رمزا للحماية والاستقرار،وحين يرحل لا يأخذ معه حضوره الجسدي وحده،بل ينتزع من الابن شيئا من براءة الأيام ودفء العالم.ولعلّ أعمق صور اللوحة قول الكاتب: "كبرتُ يا أبي،لكنَّ شيئا منّي ظلّ طفلا عند بابك"،وهي عبارة تختزل المفارقة بين نضج العمر وعجز القلب عن التصالح مع الفقد،وتجسّد انتظارا أبديا لعودة يدرك العقل استحالتها،لكنّ الوجدان يرفض التخلّي عنها.
ويبلغ البوح ذروته في قوله: "صارت الأشياءُ كما هي،لكنّها لم تعد كما كانت"،حيث ينجح الكاتب في اختزال التحوّل الذي يحدثه الموت في علاقتنا بالعالم،فالأشياء باقية في أماكنها،غير أنّ معناها يتبدّل حين يغيب من كان يمنحها الدفء. وهنا تتجاوز التجربة حدودها الذاتية لتصبح مرآة لكلّ من فقد أبا،أو احتفظ في قلبه بكلمات لم يقلها،وبقبلات تأخّرت،وبامتنان لم يجد فرصته الكافية للتعبير.
فنيا،تستمدّ اللوحة قوّتها من صدق العاطفة، وبساطة اللغة،والتكرار الوجداني الذي يعمّق الإحساس بالحنين.وقد كان من الممكن أن يمنح الاقتصاد في بعض العبارات المتقاربة الصورَ الأكثر إشراقا مساحة أوسع للتأثير،غير أنّ انسياب البوح يظلّ منسجما مع طبيعة التجربة التي تستعصي على البرودة والتكلّف.
إنّ ما يكتبه د-طاهر مشي ليس رثاء للأب وحده، بل رثاء لجزء من ذواتنا يرحل برحيل الذين منحونا الأمان الأول.فمهما اشتدّ عود الإنسان،تظلّ في داخله حاجة لا تشيخ إلى أبيه،لأنّ بعض الغياب لا يترك فراغا في البيت فحسب،بل يترك طفلا في أعماق الروح،يظلّ حتى آخر العمر واقفا عند الباب،ينتظر عودة لن تحدث.
رحم الله والدكم وأسكنه فسيح جناته،وألهمكم جميل الصبر وقوّة الاحتمال.فكلّنا راحلون،ولا يبقى في نهاية المطاف إلا وجه الله العليّ القدير، وتبقى الذكريات الطيّبة جسورا من النور بين الراحلين وقلوب من أحبّوهم.
طابت روحكم أستاذ طاهر مشي،ولكم من القلب تحيّة تقدير وإكبار،ولحرفكم الصادق كلّ المحبّة والوفاء.



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تقرأنا الكلمات بعيون الآخرين..شهادة الكاتب السامق أ-فتحي ...
- حين يرمي العاشق..للأشواق منديلا..! قراءة في قصيدة الشاعر الت ...
- قراءة في الخاطرة الإبداعية -طعم الرحمة- للشاعر والكاتب التون ...
- حين يتحوّل الحزن إلى قصيدةٍ من نور..قصيدة الشاعر التونسي الك ...
- حين يتحوّل الحبر إلى مرآة..لوطن موجوع..! قصيدة الشاعر التونس ...
- قراءة فنية وجمالية في القصة القصيرة للكاتب التونسي القدير فت ...
- قراءة جمالية في قصيدة -أبي- للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي ...
- حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة قراءة في قصيدة الشا ...
- مرثية الأنثى الكادحة التي لم تمت: قراءة في جسد الوطن والخراب ...
- (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين ) الكاتب التونسي فتحي فرهود.. ...
- مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة ...
- بمداد الروح: الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُر ...
- طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي ال ...
- -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجول ...
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...


المزيد.....




- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...
- بعد 4 عقود.. الأردن يستعيد من أستراليا قطعة من -أقدم منحوتة ...
- لوحة لفان غوخ تُعرض للمرة الأولى منذ 60 عاما وقد تُباع بـ180 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يفتح باب المشار ...
- الناقد بين الحياد والتواطؤ في جلسة أتحاد الأدباء
- السجن المؤبد لمدبر قتل مغني الراب توباك شاكور بعد 30 عاما عل ...
- الذكاء الاصطناعي يهدد باستنساخ أكثر المواهب الأدبية تميزا


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - الشاعر والكاتب التونسي الكبير د-طاهر مشي في -أبي..وما زلتُ ذلك الصبيّ-: حين يكبر العمر..ويظل الأب هاجعا خلف الشغاف