|
|
حزب الكنبة
عماد أبو حطب
الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 23:48
المحور:
الادب والفن
شذرات من زاوية حزب الكنبة
1/تشريح الرماد الآدمي الذين تبيدهم الطائرات في الصباح هم الناس العاديون جدا، بائع الكعك الذي لم يقرأ سطرا لـكنفاني، والأم التي لا تعرف من درويش سوى أغنية الراديو، يموتون وأيديهم متسخة بعجين الخبز، تاركين الحبر للأشباح التي تولد من ركام المطابخ.
2/ النزيف الثاني لأبطال الورق حين قفز أبطال الروايات الفلسطينية من الصفحات لينقذوا أحفادهم، وجدوا المقاهي حفرة دم، والشوارع ممسوحة تماما، عاد الأبطال المتخيلون إلى كتبهم بركب مرتعشة، بعد أن اكتشفوا أن الموت في الواقع لا يحتاج إلى حبكة أدبية، بل إلى قذيفة واحدة تزن طنا.
3/ بيروقراطية الموت الجائع
الأشباح في غزة لا تزور القتلة في منامهم لتخيفهم، فهذا ترف لا تملكه، إنها تقف بأطرافها الشفافة في طوابير معونة الدقيق، وتتزاحم فوق برك المياه الملوثة بـصرف صحي منقوع بالدم، كأن الموت لم يمنحها سوى تذكرة عبور لطابور إنساني آخر.
4/تسونامي الكفن والألسنة
لو استيقظ عشرة آلاف شهيد دفعة واحدة ونفضوا تراب مقابر الطوارئ الجماعية، لبصقوا في وجه هذا الكوكب الصغير، سيمسكون بتلابيب الأحياء ويهمسون بأصوات مخنوقة بالتراب: "كيف تركتمونا نموت لنبني بكم جدارا للمشهد، بينما كنتم تعدون الإعجابات على شاشاتكم؟"
5/سقوط عمالقة الهامش
الأرض لا تسندها الجبال، بل تسندها عظام العاديين؛ الخياط الذي يصلح السحابات، والعجوز التي تفوح من ثوبها رائحة قطع البلايستيك المحترقة، والطفل الذي يجمع الخردة، عندما يتبخر هؤلاء في غارة، تترهل السماء وتسقط ككتل إسمنتية ساحقة فوق ما تبقى من الوطن. 6/الاختناق الخارجي رجال غسان كنفاني لم يعودوا يموتون بصمت داخل خزان الشاحنة، اليوم يصرخون بأعلى قواهم، يدقون جدران الخيام البلاستيكية تحت المطر الحامضي، ويموتون محروقين في غارات المشافي، بينما العالم يجلس في غرفة مكيفة يناقش شروط الصمت.
7 /دليلك السياحي إلى المسلخ حين يختفي الإنسان الفلسطيني العادي بضحكته الخشنة وشجاره اليومي، تتحول المدن إلى "مسلخ سياحي". يأتي المحللون والسياسيون ليفحصوا زوايا الشظايا في جثث الأطفال، وتجلس الأشباح على الأرصفة تبيعهم تذكارات من بقايا ملابسها الممزقة.
8/ الكحل الفسفوري
الموتى لا يصعدون إلى السماء، إنهم يعيدون تدوير أنفسهم على هيئة غبار فسفوري ناعم، يستقر في عيون الرضع ورئات الأجنة، يتسللون إلى الأرحام ليتأكدوا أن الجيل القادم سيمتلك عيونا ترى في الظلام، ممسوسة بملامح البيوت التي سويت بالأرض.
9/ القصة التي تأكل فمها
في هذه الإبادة، تبدو القصص كالمسوخ التي تلتهم أصحابها، يموت القارئ تحت الأنقاض وهو يحمل الرواية، ويموت الكاتب بـشظية في رأسه، وتبقى الحكاية معلقة في الهواء كجثة بلا قبر، تبحث عن فم لم يملأه التراب بعد لتروي فظاعتها.
10/مجزرة التفاصيل المجهرية
أحقر أنواع الموت ليس توقف القلب، بل إبادة الروتين؛ أن تمسح المسامير التي علقت عليها الأم ثوب الصلاة، أن يتبخر المفتاح الصدئ، ويموت صراخ الأب بسبب فاتورة الكهرباء. يختفي هذا كله، ليحل محله عواء الكلاب الشاردة فوق ركام غرف النوم المهجورة.
11/ الرقم السري جثة جاري تحت الأنقاض، هاتفه في جيبه يزن، الشاشة تضيء بـ "أمي تتصل". ينطفئ الهاتف بعد ساعات لأن البطارية نفدت، وليس لأن أحدا رد. الأشباح الرقمية هي هذه الحسابات التي تظل ترسل طلبات صداقة وتنبيهات بأعياد ميلاد لأشخاص تحللوا.
12/ أبطال غسان في المشرحة
أبو الخيزران وأبو قيس خرجوا من الرواية ووقفوا أمام ثلاجة الموتى في مستشفى الشفاء. لم يجدوا خزانا ليدقوه، وجدوا أكياسا بيضاء من البلاستيك السميك مغلقة بسحاب. فتحوا كيسا فوجدوا كاتبهم نفسه مصابا بشظية في أسفل الفك. عادوا إلى الرف وبقوا صامتين.
13/مسح الذاكرة من الغسالة
في البيت المقصف، بقيت غسالة الملابس ممتلئة بالماء والقمصان الملونة. دارت الغسالة نصف دورة قبل أن يقطع الصاروخ الكهرباء. القمصان التي تخص العائلة المبادة ما زالت منقوعة في مسحوق الغسيل منذ عام، تفقد ألوانها ببطء في العتمة.
14/ فرز الأحذية
عند مدخل مدرسة الأونروا، تراكمت مئات الفرد المعزولة من الأحذية: أحذية أطفال بلاستيكية برسمة "سبايدرمان"، وصنادل نسائية ممزقة الأحزمة. عندما يختفي الناس العاديون، تبقى الأحذية صالحة للاستخدام، لكن لا توجد قدمان متطابقتان لارتدائها.
15/كراسة النحو شظية اخترقت حقيبة مدرسية ملقاة في الشارع، عبرت الشظية من خلال دفعة الواجب البيتي، ثقبت كلمة "الفاعل" واستقرت في "المفعول به". الحبر الأزرق سال بفعل المطر واختلط بالتراب، تاركا الجملة ناقصة إلى الأبد.
16 /مفاتيح بلا أبواب
في جيوب النازحين العائدين من الموت، تتحرك مفاتيح حديدية ثقيلة، المفاتيح موجودة وملموسة ولها أسنان دقيقة، لكن البيوت التي تفتحها صارت تلالا من الحصى المخلوط بالجير. الأشباح هي أصوات هذه المفاتيح وهي تطحن بعضها في الجيوب الفارغة.
17 برودة الأسمنت
الذين يموتون في الغارات لا يتحولون إلى طيور، يلتصق لحمهم بالخرسانة المسلحة بفعل الضغط الحراري، بعد أشهر، يأتي عمال إزالة الركام، فيجدون طبعات كفوف بشرية وخصلات شعر أسود منغرسة في أعماق جدران الأسمنت الباردة.
18/ نظارة الطبيب
طبيب الطوارئ الذي قضى في القصف، تركت نظارته الطبية على الطاولة، العدسة اليسرى مشروخة وبها بقعة دم جافة بحجم حبة الحمص ، من يرتدي النظارة الآن يرى العالم مشطورا إلى نصفين؛ نصف رمادي ونصف أحمر.
19/ التقرير الجنائي للقصة
الرواية لا تبكي ( الناشر يطبع الطبعة العاشرة من كتاب الكاتب الميت، يضع صورته بخلفية سوداء على الغلاف ليبيع أكثر، أرباح الكتاب تذهب إلى حساب بنكي مجمد، لأن الورثة جميعاًد تم دفنهم في حفرة واحدة خلف سور ملعب البلدية.
20 /الحليب الجاف
صناعي تماما، علبة حليب أطفال "نيدو" نصف مفتوحة تحت سرير حديدي ملتو. النمل يسير في خط مستمر نحو البودرة المسكوبة، الرضيع الذي كان يبكي لأجلها تبخر مع السرير، والنمل هو الكائن الوحيد الذي يستفيد من بقايا العائلة العادية.
#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شذرات عن اوهام عودة
-
شذرات العزلة
-
شذرات رائحة الغياب
-
شظايا شرقية
-
نصوص نوبلية
-
شذرات ضائعة
-
ضياع وجهي
-
تفاعل رقمي حي
-
قبل ان أفقد لغتي
-
اخاف
-
العنكبوتة
-
تفاصيل صغيرة
-
عندما يعود الحنين
-
طبيب الأسنان
-
خصام
-
يوم الأحد
-
الرجل الذي يشبهني
-
البرنامج
-
التحالف العائلي
-
صوتك
المزيد.....
-
أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق
...
-
ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
-
مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ
...
-
كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية
...
-
بعد 4 عقود.. الأردن يستعيد من أستراليا قطعة من -أقدم منحوتة
...
-
لوحة لفان غوخ تُعرض للمرة الأولى منذ 60 عاما وقد تُباع بـ180
...
-
مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يفتح باب المشار
...
-
الناقد بين الحياد والتواطؤ في جلسة أتحاد الأدباء
-
السجن المؤبد لمدبر قتل مغني الراب توباك شاكور بعد 30 عاما عل
...
-
الذكاء الاصطناعي يهدد باستنساخ أكثر المواهب الأدبية تميزا
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|