أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .














المزيد.....

مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 22:44
المحور: الادب والفن
    


يقول مظفر النواب : (( ما أظن أرضاً رويت بالشمس كأرض بلادي , ولا أرضا رويت بالحزن كأرض بلادي , ولا أرضا رويت بالدم كأرض بلادي .. وما أظن حزناً كحزن الناس فيها .. ولكنها بلادي .. لا أبكي من القلب .. ولا أضحك من القلب .. ولا أموت من القلب .. إلا فيها )) .
حين نقترب من الروح العراقية , يتكشف لنا بوضوح أن الحزن هناك ليس مجرد انفعال عابر , ولا ثمرةً طارئةً لظروف سياسية مستجدة , بل هو ظاهرة بنيوية ضاربة جذورها في أعماق التاريخ والجغرافيا والوجدان , إنه (( قلق حضاري )) متوارث , تشكّل عبر آلاف السنين , وتداخلت في صياغته قسوة الطبيعة , وعتمة الذاكرة , وطبيعة التنشئة النفسية.

تبدأ الحكاية من حيث بدأت الحضارة الأولى , من جغرافيا الطوفان , وقسوة دجلة والفرات , ففي الوقت الذي مُنح فيه نهر النيل صفة الأبوة الحانية والاستقرار في الوعي المصري القديم , كان نهرا دجلة والفرات في وادي الرافدين رمزين للجموح والمفاجأة , طوفانات عارمة تأتي بلا موعد مسبق , تكتسح الحقول وتقلب الاستقرار إلى دمار في لمح البصر , وقد انعكست هذه القسوة البيئية على مزاج ابن الرافدين , فزرعت في وجدانه إحساسًا دائمًا بتربص المجهول , وهو ما صورته ببراعة شاعرة العراق نازك الملائكة في وصفها لطيش الفرات : (( أين نمضي؟ إنه يعدو إلينا.. راكضًا عبْرَ حقول القمْح لا يَلْوي خطاهُ.. باسطًا في لمعة الفجر... ذراعَيْهِ إلينا.. إنه يمنحُنا الطينَ.. وموتًا لا نراهُ )) , هذا الخوف الوجودي المتأصل من غدر الطبيعة جعل الحزن جزءًا من المناعة النفسية للإنسان العراقي , استجابةً مبكرة لعالم لا يضمن ثباتاً ولا أماناً.

في قراءة أدبية عميقة يقدمها الروائي الكبير عبد الرحمن منيف في (( مدن الملح )) يظهر الإنسان العراقي بعين الخارجي المندهش , يربط الشخصيات بين قسوة الصحراء الملعونة وطباع هؤلاء البشر , قساة وعنيدون , لكنهم يخزنون وجعهم في الأعماق , الدموع عند العراقيين لا تسقط سهلة للخارج , بل تنزف إلى الداخل , لتتأجج وتطفو مرة أخرى على شكل غناء شجي , بل ويحضر هذا الحزن حتى في مواطن الفرح والبهجة - كالأعراس - هذا الغموض وتراكم الطبقات النفسية يجعل الناظر إليهم يقف حائراً عاجزاً عن التمييز بين حزنهم وفرحهم , تماماً كتشابه الوجوه مع صحراء واسعة وغامضة تخفي تحت رمالها أسراراً لا تنتهي .

ولا تتوقف جذور الحزن عند حدود التاريخ والجغرافيا , بل تمتد لتلامس تفاصيل التربية اليومية , يضيء الكاتب عبد الوهاب مطاوع على جانب نفسي مهم تمثله البيئات الأسرية التي تتوارث الحزن كغريزة , بيئات تستجيب لدواعي الشجن أكثر من ترحيبها بدواعي السرور , في تلك البيئات , يُنظر إلى السعادة بريبة وتوجس , وكأنها ضيف خفيف سيغادر سريعاً مخلفاً وراءه كارثة محققة , هذا الخوف المسبق من تداعيات الفرح يغذي حلقة مفرغة من ترقب الأحزان واستدعائها.

ولعل هذا الحزن لم يكن ليتكرس بصفته طقساً وجودياً شاملاً لولا تحوله عبر القرون إلى (( ذاكرة عقائدية ووجدانية )) تتوارثها الأجيال , حيث امتزجت المأساة التاريخية بالطقس الشعبي , وتجلت في السير والتصوف والأطوار الغنائية الفريدة كالداخل والشطراوي , إن الحزن العراقي لا يُعاش بوصفه سلباً , بل بوصفه لغة تطهيرية , يُعاد من خلالها إنتاج المعنى , فالمرأة التي تنوح في أقصى الجنوب , والشاعرة التي ترثي في المحفل , والمغني الذي يستنهض الموال من قاع الوجع , جميعهم يمارسون (( طقس بقاء )) يرمم الروح ضد التلاشي , ويحيل الفجيعة الشخصية إلى ملحمة جماعية حية .

ولا يكتمل فهم هذا (( القلق الوجودي )) إلا بالالتفات إلى الطريقة التي هضم بها العقل الجمعي العراقي محنه المتعاقبة , فحولها من جراح غائرة إلى طقوس من السلوى والمواساة , لقد غدى الحزن في الوجدان العراقي بمثابة (( معيار للصدق )) , فلا يُطربهم غناءٌ خلوٌ من الشجن , ولا يهزهم شعرٌ لا يلامس كبرياء الوجع , إنها حالة نادرة يتحول فيها الألم من مصدر للهزيمة إلى طاقة للتحمل , حيث يغدو البكاء نوعاً من التطهير الروحي , ومقاومةً صامتة ترفض النسيان , وتصر على إبقاء الذاكرة حية في وجه المحو.

خلاصة القول إن الحزن العراقي , بكل تجلياته , ليس استسلاماً للعدمية , بل هو سبيكة فريدة صاغها نهر غاضب , وحالة تلاحم فريدة مع صحراء صامتة , وتاريخ مثقل بالمآسي و الصدمات , وذاكرة أسرية حذرة , إنه حزن نبيل ومقاوم , يتحول دائما إلى شعر عظيم وغناء صادق وقدرة أسطورية على انبعاث الحياة من جديد من تحت الركام , وفي نهاية المطاف إلى إبداع , وقدرة مذهلة على الاحتمال والبقاء رغم قسوة الظروف.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .


المزيد.....




- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...
- بعد 4 عقود.. الأردن يستعيد من أستراليا قطعة من -أقدم منحوتة ...
- لوحة لفان غوخ تُعرض للمرة الأولى منذ 60 عاما وقد تُباع بـ180 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يفتح باب المشار ...
- الناقد بين الحياد والتواطؤ في جلسة أتحاد الأدباء
- السجن المؤبد لمدبر قتل مغني الراب توباك شاكور بعد 30 عاما عل ...
- الذكاء الاصطناعي يهدد باستنساخ أكثر المواهب الأدبية تميزا


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة جذور الحزن العراقي : قلق التاريخ وطقوس الوجع الباقي .