أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .














المزيد.....

مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 10:06
المحور: الادب والفن
    


في المأثور الشعبي لأهل الجنوب العراقي , تظل حكاية (( أحبالة طليعة )) شاهدة على دهاء المماطلة وتسويف الحقائق , و(( طليعة )) هي ابنة فيصل أبو طواب , وزوجة ابن عمها الشيخ وادي بن منشد رئيس عشائر البو محمد في زمانه , أقام معها الشيخ سنوات طويلة دون أن تُرزق بطفل , إلا أنها كانت تدّعي الحمل بين فترة وأخرى ثم تزعم حدوث الإسقاط , مستعينة بالوصائف لصنع (( بطن من القطن )) تُشدّ على جسدها لإيهام زوجها بالحمل المرتقب , طال الانتظار بلا طائل , حتى مرّ الشيخ وادي بقرية للبهادل ولقي شيخها (( أخفي )) , فسأله عن الذرية وشكى له حاله مع (( طليعة )) , فزوجّه ابنته (( زنوبة )) بالسر تحسباً لزعل طليعة , أثمر الزواج السري عن ولدين هما (( خليفة وعريبي )) , واستمر الأمر خفية خمس سنوات حتى صارحها بالواقع فرضخت له , ومنذ ذلك الحين , صار المثل يُقال عن كل ادعاء كاذب وتسويفٍ بلا أثر (( سويتها مثل احبالة طليعة )) .

في الذاكرة الشعبية لأهل الجنوب العراقي , تظل حكاية (( أحبالة طليعة )) شواهد حية على دهاء المماطلة وتأجيل الحقائق , كانت (( طليعة )) زوجة الشيخ وادي بن منشد , تزعم الحمل حيناً وتتحجج بالإسقاط حيناً آخر , وهي تلوذ بأحشاءٍ حُشيت بالقطن لتصنع وهماً مستمراً ومُكلفاً لمن انتظر البشرى سنوات طويلة , طال هذا الانتظار بلا طائل , حتى أدرك الشيخ أن الوهم لن ينجب والسراب لن يروي عطش العشيرة لمستقبلها , لاتخاذ قرار حاسم وخارج طوق الخديعة بالزواج السري والإنجاب الملموس , ليفرض واقعاً جديداً انتهت معه تمثيلية السنوات الخمس , وظل المثلُ يُقال عن كل ادعاء كاذب وتسويفٍ بلا أثر.

يُضرب هذا المثل اليوم لكل من يدّعي السعي أو يفتعل تمثيلية وهمية لإيهام الآخرين بإنجاز وهمي أو أمل موعود لا أساس له على أرض الواقع , ومن هنا , تكتسب الحكاية عمقها الوطني المعاصر لتوصيف حال الشعب العراقي , فلقد طال انتظار المواطن العراقي للبشائر والوعود الكاذبة التي تشبه (( بطون القطن الوهمية )) , حيث تُستنزف السنوات في ترقب أمل لا يتحقق , ولتدورالدوامة الدائرية بلا طائل , والتشبث بحلول تكرر نفسها ضمن ذات العقلية الإدارية أو السياسية العتيقة التي تبيع الوهم وتماطل في تلبية الاحتياجات الحقيقية , والحاجة لعمل حاسم , تماماً كما أقدم الشيخ وادي على خطوة شجاعة وخارج الصندوق بتجاوز (( أحبالة طليعة )) والتوجه نحو الحل الحقيقي المنتج (( الزواج والإنجاب الواقعي )) , يحتاج المشهد العراقي اليوم إلى قرار استثنائي وحاسم يكسر طوق التسويف ويصنع واقعاً جديداً وملموساً.

اليوم , يقف الشعب العراقي في ذات الموقع الذي وقف فيه الشيخ وادي قبل عقود , لكن بدلاً من أن ينتظر بشارة فردية , هو ينتظر قيام دولة المؤسسات , وتحسين العيش , وسيادة القانون , والقضاء على الفساد , وعلى مدى عقود , يتكرر هذا المشهد بأساليب متعددة , خطط استراتيجية تُعلن , ومشاريع تُدشن , وعود بالإصلاح تُقطع مع كل دورة انتخابية أو حزمة إصلاحية , ليتبين لاحقاً أن كثيراً منها لم يكن سوى (( أحبال قطنية )) صُنعت لامتصاص غضب الناس وشرائها للوقت.

إن تجربة المواطن العراقي مع الوعود البراقة تشبه تجربة (( الزوج المنتظر )) , يُقال له إن (( الولادة وشيكة )) وإن ثمار التضحيات قد دنت , ولكن ما إن تمضي الأيام حتى تبدأ مبررات الإسقاط والإخفاق , من أزمات سياسية , إلى تقلبات اقتصادية , وأحداث إقليمية , وتظل الحصيلة واحدة , استنزافٌ لأعمار أبناء البلد وتأجيلٌ مستمر للحلول الملموسة.

لم تنتهِ حكاية طليعة إلا عندما اتخذ الشيخ وادي خياراً شجاعاً وقاطعاً كسَر به حالة الجمود ورضخت به طليعة للأمر الواقع , وفي هذا الإسقاط , تكمن العبرة الرئيسية للواقع العراقي الراهن , في الحاجة إلى (( قرار وادي بن منشد )) المعاصر, والقطع مع آليات التخدير اذ لا يمكن مواصلة الاعتماد على نفس العقلية والأدوات التي تعيد إنتاج الحلول الترقيعية والمسكنات المؤقتة , إن الحل يبدأ من الشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها والاعتراف بعدم جدوى البرامج التي أثبتت الأيام أنها مجرد (( حمل كاذب )) , ولابد من استحداث المسار الفاعل , فالعراق بحاجة إلى أفعال حاسمة وخطوات إجرائية جريئة تُحدث فارقاً حقيقياً وملموساً على أرض الواقع في الاقتصاد , والإدارة , وبناء الدولة , دون الركون لضغط الموازنات الوقتية والمماطلات التي تُضعف ثقة المواطن في مؤسساته.

إن الشعوب لا تحيا على الوعود إلى الأبد , والزمن الذي يمر بلا إنجاز حقيقي إنما يُقتطع من رصيد الأمة واستقرارها , وكما كان القرار الحاسم للشيخ وادي بن منشد بداية لواقع جديد فرض نفسه على الجميع وأنهى ملحمة الخداع , فإن المشهد العراقي اليوم بأمسّ الحاجة إلى إرادة حاسمة وقرار شجاع يعيد للعمل السياسي والتنموي مصداقيته , ويضع حداً لدوامة (( أحبالة طليعة )) التي أرهقت البلاد والعباد , ولابد من صناعة الواقع الملموس في المراهنة الحقيقية التي يجب أن تكون على النتائج الميدانية التي يمكن قياسها ولمس أثرها في حياة المواطن اليومية , وليس على البيانات الإعلامية والرؤى النظرية المقيدة بالورق.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الصعصع والنيص والأزرك : قراءة في هوسة الشاعر عباس كبس ...
- مقامة باهيزة .
- مقامة صلعة الحجاج : النفاق ليس جينات , ردٌّ على د. قاسم حسين ...
- مقامة الهسهسة .
- مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...


المزيد.....




- من همنغواي إلى نيتشه.. كيف يوظف دافيدي أنشيلوتي الأدب والفلس ...
- ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني ...
- نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب ...
- شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا ...
- فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان ...
- ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو ...
- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة احبالة طليعة : فلسفة المماطلة والحل العراقي الغائب .