أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر














المزيد.....

سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 10:06
المحور: الادب والفن
    


سان جون بيرس Saint-John Perse الشاعر الذي وسّع حدود القصيدة

وُلد سان جون بيرس في جزيرة غوادلوب الكاريبية عام 1887، باسم ألكسيس سان ليجيه ليجيه، في عائلة فرنسية استقرت هناك. كان البحر والمناخ الاستوائي والنباتات والطيور والامتداد المفتوح للعالم جزءًا من طفولته الأولى، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى فرنسا. لم تكن تلك البيئة مجرد ذكرى بعيدة فقد بقيت في شعره بوصفها مخزونًا من الصور والإيقاعات، يعود إليه حين يكتب عن الطبيعة والإنسان والتاريخ.
درس القانون، واتجه إلى السلك الدبلوماسي، فقادته مهماته إلى عواصم وتجارب بعيدة عن عالم الأدب. وفي الصين، حيث عمل سنوات طويلة، بدأ كتابة قصيدته المطوّلة «أناباز» Anabase، التي ظهرت عام 1924، وكانت منعطفًا في تجربته. لم يكتب فيها حكاية متسلسلة أو سيرة بطل محدد، بل بنى عالمًا تتحرك فيه القوافل والمدن والصحارى والجماعات البشرية، كأن القصيدة تستعيد حركة الحضارات وهي تعبر الزمن.
اختار اسم سان جون بيرس ليفصل بين الشاعر والدبلوماسي. لم يكن الاسم المستعار مجرد احتياط مهني، بل أتاح له أن يحمي الكتابة من الوظيفة الرسمية، وأن يترك القصيدة تنشئ عالمها الخاص. في حياته العامة كان رجل دولة يتعامل مع الوقائع والمصالح، أما في الشعر فكان يطلب مساحة لا تحدّها لغة التقارير ولا ترتيب الأحداث.
تقدمت مسيرته الدبلوماسية حتى صار من كبار موظفي الخارجية الفرنسية، لكن الحرب العالمية الثانية قلبت حياته. بعد سقوط فرنسا عام 1940 أُقصي من منصبه، وسُحبت منه امتيازات المواطنة الفرنسية، فانتقل إلى الولايات المتحدة. هناك عاش المنفى الذي لم يكن انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل انقطاعًا عن المكان واللغة العامة التي تشكلت فيها حياته. كتب «منفى» Exil عام 1941، ثم ظهرت أعماله اللاحقة وهي تحمل أثر عالم فقد توازنه، من دون أن تتحول إلى يوميات شخصية أو شكوى مباشرة.
في «منفى» لا يكتفي الشاعر بتسجيل خسارته إنه يحوّلها إلى تجربة إنسانية تتجاوز صاحبها. يصبح المكان المفقود سؤالًا عن الانتماء، وتغدو الذاكرة قوة تقاوم المحو. لا يتحدث بيرس عن نفسه اعترافًا، بقدر ما يبتعد عن ذاته ليمنح التجربة مجالًا أرحب، حيث تتداخل مصائر الفرد مع حركة التاريخ.
ثم جاءت «الرياح» Vents، المنشورة عام 1946، لتكشف اتساعًا آخر في مشروعه. الرياح هنا ليست ظاهرة طبيعية عابرة؛ إنها قوة تحرك العالم، وتعيد خلط عناصره، وتفتح أمام الإنسان إمكانات التغيير والمواجهة. تتوالى الصور في موجات طويلة، وتتشابك الطبيعة مع المدن والذاكرة والحركة البشرية، حتى يبدو العالم كله داخل القصيدة مادة متحولة لا تستقر على صورة واحدة.
تتطلب قراءة بيرس إنصاتًا إلى إيقاعه بقدر ما تتطلب تتبع المعنى. جمله الطويلة وتراكم صوره لا يقودان دائمًا إلى فكرة يمكن تلخيصها في عبارة واحدة فالمعنى يتكون عبر الحركة والتجاور، وعبر ما تتركه الصورة من أثر قبل أن تستقر في الذهن. وقد تبدو بعض مقاطعه عصية على القراءة الأولى، لأن الشاعر لا يقدم عالمه في خطوط تفسيرية جاهزة، بل يدعو القارئ إلى دخوله ومتابعة تحولاته.
تتيح المقارنة مع والت ويتمان ملاحظة نزعة مشتركة إلى استيعاب العالم في صوت شعري واسع، وإن اختلفت طبيعة التجربتين. أما مع ت. إس. إليوت، فتظهر المقارنة في التعامل مع أزمة العصر، لكن إليوت يميل إلى بناء عالم تتجاور فيه الشذرات الثقافية وأصوات الانكسار، بينما يتقدم بيرس عبر اندفاع لغوي يستدعي الطبيعة والتاريخ والحركة. وفي الشعر العربي الحديث يمكن استحضار السياب من جهة تحويل الطبيعة والصورة إلى حاملين لتجربة تاريخية وإنسانية غير أن هذا التقارب لا يعني تطابق المسارات أو إثبات تأثير مباشر.
لم يكن بيرس شاعرًا يسعى إلى تسهيل الطريق أمام قارئه، ولم تكن صعوبة بعض قصائده دليلًا كافيًا على عمقها. فالمعيار الأهم هو ما إذا كان الاتساع اللغوي يفتح خبرة جديدة، أم يحجبها خلف تراكم الصور. وفي أفضل أعماله لا تكون اللغة زينة تضاف إلى الفكرة إنها الوسيلة التي يتشكل بها العالم الشعري نفسه، وتتسع من خلالها التجربة الفردية لتلامس مصير الإنسان في التاريخ.
عاد إلى فرنسا عام 1957، بعد سنوات المنفى، لكنه لم يعد إلى الحياة الدبلوماسية التي عرفها قبل الحرب. كان قد استقر في موقع آخر، بعيدًا عن صخب الوظيفة العامة، مواصلًا الكتابة حتى وفاته عام 1975. وفي عام 1960 نال جائزة نوبل في الأدب، تقديرًا للشعر الذي اتسم بالتحليق الواسع والصور الإيحائية، والذي يعكس، برؤية استشرافية، أحوال عصره.
لم تكن الجائزة تتويجًا لشاعر فرنسي فحسب، بل اعترافًا بتجربة اختبرت قدرة القصيدة على احتضان مساحات شاسعة من الطبيعة والتاريخ والذاكرة، من دون أن تتخلى عن استقلالها الفني. ظل سان جون بيرس يكتب من مسافة تفصله عن الاعتراف المباشر، ويترك للصور والإيقاع أن يقولا ما لا تقوله السيرة. وربما هنا تكمن خصوصيته أنه لم يوسّع القصيدة بإضافة موضوعات كثيرة إليها، بل بتغيير الطريقة التي يتحرك بها الشعر داخل العالم.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
- شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
- ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
- برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
- العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك
- وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية


المزيد.....




- من همنغواي إلى نيتشه.. كيف يوظف دافيدي أنشيلوتي الأدب والفلس ...
- ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني ...
- نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب ...
- شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا ...
- فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان ...
- ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو ...
- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر