أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أحمد زكرد - إشكالية التعليم بالمغرب: نزيف الإصلاحات المتكررة وأزمة الهشاشة البنيوية















المزيد.....


إشكالية التعليم بالمغرب: نزيف الإصلاحات المتكررة وأزمة الهشاشة البنيوية


أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية

(Ahmed Zakrad)


الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 04:49
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


ليس من الصعب أن نعلن عن إصلاح جديد للتعليم، ولا أن نصوغ رؤية استراتيجية بلغة إدارية أنيقة، أو أن نملأ التقارير بمؤشرات توحي بأن المدرسة المغربية تسير نحو التحول المنشود. الصعوبة الحقيقية تكمن في تحويل هذه الوعود إلى واقع ملموس داخل الفصل الدراسي، حيث يواجه المدرس يومياً تحديات الاكتظاظ، وضعف المكتسبات، وغياب الوسائل الضرورية، وتراجع الدافعية إلى التعلم. هنا تحديداً، بعيداً عن المؤتمرات والبلاغات الرسمية، يُختبر الإصلاح في معناه الحقيقي، وتنكشف المسافة الفاصلة بين ما تقوله السياسات التعليمية وما تعيشه المدرسة فعلياً.

على مدى عقود، دخل التعليم المغربي في سلسلة متعاقبة من مشاريع الإصلاح، بدءاً من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مروراً بالبرنامج الاستعجالي، ثم القانون الإطار رقم 51.17، وصولاً إلى خارطة الطريق 2022-2026، التي جعلت من مدارس الريادة إحدى أبرز آليات التدخل لتحسين التعلمات. ورغم اختلاف المرجعيات والشعارات والمقاربات، ظل السؤال نفسه يتكرر بإلحاح: لماذا لا تتحول الإصلاحات المتعاقبة إلى تحسن مستدام يلمسه المتعلم والمدرس والأسرة؟

لا يتعلق الأمر هنا بإنكار كل ما تحقق، أو باختزال التجربة التعليمية المغربية في الفشل المطلق، وإنما بفهم الأسباب البنيوية التي تجعل أثر الإصلاح محدوداً، أو تجعل بعض مكتسباته عرضة للتراجع. فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب الأفكار والمخططات، بل في طبيعة العلاقة بين القرار التربوي وشروط تنفيذه، وبين الأهداف المعلنة والإمكانات المتاحة، وبين المدرسة التي تتخيلها الوثائق الرسمية والمدرسة التي يشتغل داخلها المدرسون كل يوم.

إن الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة إصلاحات قليلة، بل أزمة قدرة على تحويل الإصلاح إلى ممارسة مستقرة، وعلى جعل المدرسة العمومية فضاءً فعلياً لاكتساب المعرفة وبناء الاستقلال الفكري وتكافؤ الفرص.

الإصلاح من أعلى: حين تصطدم الخريطة بواقع الفصل

من أبرز الاختلالات التي رافقت عدداً من مشاريع الإصلاح في المغرب اتساع المسافة بين التصور المركزي للسياسة التعليمية والواقع المتنوع للمؤسسات. فالقرارات الكبرى تُصاغ غالباً في مستويات إدارية مركزية، بينما تُترك مسؤولية تنفيذها للمدرسين والمديرين والأطر التربوية، الذين يجدون أنفسهم مطالبين بتحقيق أهداف طموحة في ظروف لا تتناسب دائماً مع حجم الانتظارات.

تُحدَّد الكفايات المستهدفة، وتُعتمد المقاربات البيداغوجية، وتُعلن برامج الدعم، وتُفرض آليات للتقويم والتتبع، لكن السؤال الأساسي يظل أحياناً غائباً: هل تتوفر الشروط الواقعية التي تسمح بتحويل هذه الاختيارات إلى تعلم فعلي؟

كيف يمكن، مثلاً، مطالبة المدرس بتفريد التعلمات ومراعاة الفروق الفردية داخل قسم مكتظ؟ وكيف يمكن بناء تعلم قائم على الحوار والمناقشة والتفكير النقدي حين يصبح تدبير القسم وحده مهمة تستنزف معظم الوقت والجهد؟ وكيف يمكن الحديث عن الرقمنة في مؤسسات تفتقر إلى التجهيزات أو الاتصال المستقر بالإنترنت؟ ثم كيف يمكن مطالبة المتعلم بالمواظبة والتحصيل في بعض المناطق القروية، حيث تتداخل صعوبات النقل وبعد المؤسسة والهشاشة الاجتماعية وضعف البنيات الأساسية؟

إن هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية يمكن تجاوزها ببعض التوجيهات الإدارية، بل تمس الشروط المادية والاجتماعية التي تجعل التعليم ممكناً أصلاً.

والخطأ المنهجي الذي ينبغي تجنبه هو التعامل مع المدرسة المغربية كما لو كانت فضاءً متجانساً؛ فالمؤسسة الموجودة في مركز حضري مجهز لا تواجه بالضرورة الصعوبات نفسها التي تواجهها مؤسسة قروية تعاني نقص الأطر والوسائل وبعد المسافات. لذلك، فإن الإصلاح الذي لا ينطلق من تشخيص دقيق للفوارق المجالية والاجتماعية قد يتحول، من حيث لا يقصد، إلى آلية تعيد إنتاج تلك الفوارق.

ولا يعني ذلك أن الخبرة الدولية أو الدراسات المقارنة عديمة الفائدة، وإنما يعني أن نقل النماذج التربوية لا يكفي ما لم تُكيَّف مع السياق الذي ستُطبق فيه. فنجاح نموذج معين في بيئة تعليمية محددة لا يضمن نجاحه في بيئة أخرى تختلف عنها في الموارد، والبنيات، وتكوين المدرسين، وشروط التعلم.

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من السؤال: ما النموذج الذي نريد استيراده أو تطبيقه؟ بل من سؤال أكثر واقعية: ما الشروط التي تحتاج إليها مدرستنا حتى يصبح هذا النموذج قابلاً للحياة؟

المدرس بين مسؤولية النتائج وهشاشة شروط العمل

لا يمكن فهم أزمة التعليم المغربي من دون وضع المدرس في قلب التحليل. فهو الحلقة التي تمر عبرها السياسات التربوية من مستوى التصور إلى مستوى الممارسة، لكنه ليس مجرد منفذ تقني للتعليمات، ولا يمكن اختزال دوره في تطبيق المناهج وإنجاز الحصص وإعداد التقارير. إنه فاعل تربوي يحتاج إلى الاستقرار المهني، والتكوين المستمر، والاعتراف الاجتماعي، والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة داخل الفصل.

غير أن المفارقة تظهر حين تتسع دائرة المسؤوليات الملقاة على عاتقه، بينما لا تتطور شروط العمل بالقدر نفسه. يُطلب منه معالجة التعثرات المتراكمة، ومراعاة الفروق الفردية، وتفعيل المقاربات الحديثة، وضمان الانضباط، والتواصل مع الأسر، والمساهمة في مختلف المشاريع الإصلاحية؛ وفي المقابل، قد يجد نفسه أمام اكتظاظ كبير، وزمن مدرسي محدود، وتفاوت واضح في المكتسبات القبلية، وأعباء إدارية تستهلك جزءاً من طاقته.

هكذا يصبح المدرس، في بعض الحالات، مسؤولاً عن نتائج لا يملك وحده شروط إنتاجها.

ومن هنا ينبغي التمييز بين مساءلة المدرس عن أدائه المهني، وهي ضرورة لا يستقيم من دونها أي نظام تربوي، وبين تحميله مسؤولية الاختلالات البنيوية التي تتجاوز إمكاناته. فالمحاسبة العادلة تفترض تحديد المسؤوليات بدقة، وتوفير الوسائل الضرورية، وربط التقييم بشروط العمل الفعلية، لا الاكتفاء بقياس النتائج النهائية وإغفال السياق الذي أنتجها.

وتتصل بهذه المسألة قضية السلطة التربوية داخل الفصل. فالحق في التعليم لا ينفصل عن الحق في التعلم، ولا يمكن حماية كرامة المتعلم عبر إهدار كرامة المدرس، كما لا يمكن الدفاع عن سلطة المدرس عبر إهانة المتعلم أو المساس بحقوقه. إن العلاقة التربوية ليست صراعاً بين طرفين ينبغي أن ينتصر أحدهما فيه، وإنما هي علاقة يفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل، والوضوح في القواعد، والإنصاف في تطبيقها، وتحمل كل طرف لمسؤوليته.

لكن احترام المتعلم لا يعني التساهل مع العنف أو التخريب أو التشويش المتعمد، كما أن حماية المدرس لا تعني منحه سلطة اعتباطية. المطلوب هو نظام واضح وعادل للتدبير التأديبي، يضمن حق المتعلم في التعلم، ويحمي المدرس من الاعتداء والإهانة، ويجعل الإجراءات التربوية والتأديبية متناسبة مع طبيعة السلوك، مع إتاحة فرص الإصلاح والمواكبة النفسية والاجتماعية عند الحاجة.

إن القسم الذي يغيب فيه الحد الأدنى من النظام لا يستطيع أن يحقق التعلم المنشود، مثلما أن القسم الذي يقوم على الخوف والإذلال لا يستطيع أن ينتج شخصية مستقلة. وبين هذين الطرفين توجد السلطة التربوية الحقيقية: سلطة القاعدة العادلة، والمعرفة، والقدوة، والمسؤولية.

أزمة التعلمات: حين تصبح المؤشرات أهم من المعرفة

من أخطر مظاهر الهشاشة البنيوية للتعليم أن تتسع المسافة بين الانتقال داخل الأسلاك الدراسية وبين امتلاك التعلمات الأساسية. فقد ينتقل المتعلم من مستوى إلى آخر، ويحصل على شهادة أو ينجح في امتحان، من دون أن يمتلك بالضرورة ما يكفي من مهارات القراءة والفهم والكتابة والحساب والتفكير.

هنا تظهر مشكلة الخلط بين التمدرس والتعلم. فالتمدرس يعني الوجود داخل المؤسسة التعليمية والاستمرار في المسار الدراسي، أما التعلم فيعني اكتساب معارف ومهارات وقدرات يمكن توظيفها في مواقف جديدة. وقد يتحقق الأول بدرجة معقولة بينما يظل الثاني متعثراً.

إن ارتفاع نسب الالتحاق بالمدرسة، والحد من الانقطاع، وتوسيع فرص الحصول على الشهادات، كلها أهداف مهمة لا ينبغي التقليل من قيمتها. لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للحكم على جودة التعليم. فالسؤال الحاسم ليس فقط: كم طفلاً التحق بالمدرسة؟ أو كم متعلماً انتقل إلى المستوى الموالي؟ بل أيضاً: ماذا تعلم هؤلاء فعلاً؟ وهل يستطيعون توظيف ما تعلموه في القراءة والفهم والتحليل وحل المشكلات؟

تتجلى خطورة هذا الخلل حين يصل بعض المتعلمين إلى مستويات متقدمة وهم يعانون صعوبات في فهم نصوص تناسب أعمارهم، أو صياغة أفكارهم كتابة، أو إجراء عمليات حسابية أساسية. فالمشكلة لا تعود عندئذ محصورة في مادة بعينها، وإنما تتحول إلى عائق يعترض التعلم في مختلف المواد.

وفي هذا السياق، قد يؤدي الانتقال الآلي بين المستويات أو تخفيض عتبات النجاح، حين يُعتمد بديلاً عن المعالجة الحقيقية للتعثرات، إلى تأجيل المشكلة بدلاً من حلها. فالمتعلم الذي لم يكتسب المهارات الضرورية في مرحلة مبكرة يجد نفسه أمام مضامين أكثر تعقيداً في المرحلة اللاحقة، فتتراكم الصعوبات، ويتحول التأخر الدراسي إلى شعور بالعجز، وقد ينتهي الأمر بالانسحاب من التعلم أو التعبير عن الإحباط في صورة سلوك مشوش.

غير أن من الضروري ألا نخلط بين كل انتقال دراسي وبين النجاح الآلي، أو نفترض أن كل تعثر معرفي ينتج عنه شغب مدرسي. فالسلوك داخل الفصل يتأثر بعوامل متعددة، منها المناخ الأسري، والوضع الاجتماعي، والعلاقة بالمؤسسة، والدافعية، والصعوبات النفسية والتعلمية. لذلك، فإن أي تفسير جاد يحتاج إلى تشخيص متعدد الأبعاد، لا إلى البحث عن سبب واحد يفسر جميع الظواهر.

وإذا كانت المدرسة مطالبة بإنتاج مؤشرات إيجابية، فإن هذه المؤشرات ينبغي أن تعكس التعلم الحقيقي، لا أن تحل محله. فالنجاح الذي لا يستند إلى مكتسبات راسخة قد يمنح النظام صورة مريحة في المدى القصير، لكنه ينقل كلفة التعثر إلى المراحل اللاحقة، حيث يصبح العلاج أصعب وأكثر تكلفة.

إن المدرسة التي تنشغل بإنتاج الناجحين أكثر من انشغالها بإنتاج المعرفة قد تنتهي إلى منح الشهادات من دون أن تمنح أصحابها الأدوات الفكرية التي تجعل هذه الشهادات ذات قيمة فعلية.

إصلاحات متعاقبة واستمرارية غائبة

عرف التعليم المغربي، على امتداد العقود الماضية، محطات متعددة من الإصلاح، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى البرنامج الاستعجالي، ثم القانون الإطار رقم 51.17، وصولاً إلى خارطة الطريق 2022-2026 ومشروع مدارس الريادة. ولكل محطة سياقها وأهدافها وأدواتها، كما أن بعض هذه المبادرات قد يحقق نتائج إيجابية في جوانب محددة. لذلك، لا يستقيم التعامل معها كما لو كانت نسخاً متطابقة من الفشل نفسه.

لكن تكرار الإصلاحات يثير سؤالاً مشروعاً حول الاستمرارية المؤسسية: لماذا لا تتحول الخبرة المتراكمة من تجربة إلى أخرى إلى قاعدة مستقرة لتطوير المدرسة؟ ولماذا يظل الانتقال من مشروع إلى آخر مصحوباً أحياناً بتغيير المصطلحات والأولويات وأدوات التدبير، قبل أن تتضح النتائج النهائية للتجربة السابقة؟

تحتاج السياسات التعليمية إلى التجديد، لكنها تحتاج، بالقدر نفسه، إلى الاستقرار. فالتعليم ليس قطاعاً يمكن أن تظهر فيه النتائج الكاملة خلال موسم دراسي واحد، لأن بناء التعلمات وتطوير الممارسات المهنية وتحسين تكوين المدرسين عمليات تتطلب وقتاً وتراكماً وتقويماً مستمراً.

وحين يرتبط الإصلاح بإيقاع المسؤوليات السياسية والإدارية القصيرة، يصبح معرضاً لخطر التحول إلى سلسلة من المشاريع التي تتنافس على إعلان البداية أكثر مما تتنافس على توثيق النتائج. عندها يُعاد بناء الخطاب الإصلاحي من جديد، بينما تظل بعض المشكلات الأساسية حاضرة في الفصل الدراسي.

ولا تكمن المشكلة في أن كل وزير أو مسؤول يقدم تصوراً جديداً، بل في غياب آليات مؤسسية قوية تضمن استمرارية السياسات الناجعة، وتتيح تعديل السياسات المتعثرة استناداً إلى الأدلة، لا إلى الرغبة في إحداث القطيعة مع المرحلة السابقة.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى مدارس الريادة باعتبارها ناجحة أو فاشلة بمجرد إعلانها أو انطلاقها، وإنما باعتبارها تجربة تستحق التقويم وفق معايير واضحة: مقدار التحسن الفعلي في التعلمات، واستدامة النتائج، وتكافؤ الفرص بين المؤسسات، والأثر على ظروف عمل المدرسين، ومدى قابلية النموذج للتوسع من دون فقدان فعاليته.

إن الإصلاح الذي لا يخضع لتقويم مستقل وشفاف قد يتحول إلى خطاب يثبت نفسه بنفسه؛ أما الإصلاح الجاد فيقبل أن تُختبر وعوده، وأن تُراجع أدواته، وأن تُعلن نتائجه وحدوده معاً.

التوظيف والاستقرار المهني: كلفة الاضطراب على المدرسة

لا يمكن فصل جودة التعليم عن الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين فيه. فقد ساهمت الصراعات التي عرفها قطاع التعليم حول أنماط التوظيف والوضعيات المهنية في توترات واحتجاجات أثرت، في مراحل مختلفة، على انتظام الدراسة وعلى العلاقة بين الوزارة والشغيلة التعليمية.

وقد شكل ملف الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد، وما ارتبط به من مطالب تتعلق بالإدماج والاستقرار والحقوق المهنية، إحدى أبرز بؤر التوتر خلال السنوات الماضية. ولا يتعلق الأمر هنا بتفسير الأزمة كلها من خلال هذا الملف وحده، بل بفهم الكلفة التي يمكن أن تنتج عن اختيارات تدبيرية لا تحظى بتوافق مهني واجتماعي كافٍ.

فالمدرس الذي يعيش حالة مستمرة من عدم اليقين بشأن وضعه المهني أو مساره الوظيفي يجد صعوبة في بناء علاقة مستقرة مع المؤسسة، كما أن الاحتجاجات الممتدة تؤثر على الزمن المدرسي، وتربك الأسر، وتفاقم الفوارق بين المتعلمين، خصوصاً أولئك الذين لا تتوفر لهم بدائل تعليمية أو إمكانات للدعم خارج المدرسة.

وفي المقابل، لا ينبغي اختزال جودة أداء المدرس في وضعه الإداري وحده؛ فالاستقرار المهني شرط مساعد، لكنه لا يغني عن التكوين الجيد، والمواكبة التربوية، والتقييم المنصف، وتحسين ظروف العمل. كما أن معالجة النزاعات لا ينبغي أن تقوم على منطق الغلبة، بل على الحوار الاجتماعي الجاد، والوضوح في الالتزامات، واحترام الحقوق والواجبات.

إن المدرسة العمومية لا تستفيد من إضعاف المدرس، كما لا تستفيد من تعطيل الدراسة. وهي تحتاج إلى علاقة مؤسسية تجعل المدرس شريكاً في الإصلاح، لا مجرد موضوع لقرارات تتغير من دون مشاركة كافية في صياغتها. فكل إصلاح يُبنى على تجاهل الفاعلين الذين سيتولون تنفيذه يغامر بإنتاج مقاومة أو فتور أو تطبيق شكلي، حتى لو كانت أهدافه المعلنة وجيهة.

اللغة والمناهج: بين الارتباك السياسي والاختيار التربوي

من القضايا التي عكست تعقيد السياسة التعليمية بالمغرب مسألة لغة التدريس. فقد ظل النقاش حول العربية والفرنسية والأمازيغية واللغات الأجنبية الأخرى يتجاوز أحياناً الاعتبارات التربوية إلى رهانات الهوية والتمثلات الاجتماعية وموازين القوة داخل المجتمع.

ولا تكمن المشكلة في التعدد اللغوي ذاته، فهو يمكن أن يشكل رصيداً معرفياً وثقافياً مهماً، بل في غياب وضوح كافٍ بشأن الأهداف اللغوية، وكيفية الانتقال بين اللغات، والشروط التي تضمن للمتعلمين اكتساباً فعلياً لكل لغة دون التضحية بالفهم العميق للمضامين الدراسية.

إن تدريس العلوم بلغة لا يمتلك المتعلم أدواتها اللغوية بالقدر الكافي قد يضعه أمام عائق مزدوج: صعوبة فهم المفاهيم العلمية من جهة، وصعوبة فهم اللغة التي تُقدَّم بها من جهة أخرى. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالشعارات الدفاعية عن لغة بعينها، من دون توفير تكوين جيد ومراجع علمية وأدوات تدريس مناسبة، لا يحل المشكلة.

لذلك، ينبغي أن ينطلق النقاش من حق المتعلم في اكتساب المعرفة، ومن ضرورة امتلاك الكفايات اللغوية التي تسمح له بالولوج إلى الإنتاج العلمي والثقافي العالمي، مع ضمان تنمية قدرته على التفكير والتعبير بلغته الوطنية. والمطلوب ليس حسم المسألة بلغة الانتصار الإيديولوجي، وإنما بناء سياسة لغوية واضحة، متدرجة، ومستقرة، تستند إلى البحث التربوي وإلى تقويم نتائج التعلم.

أما على مستوى المناهج، فإن تغيير المضامين والمقاربات لا يكون إصلاحاً في حد ذاته. فقد تتغير المصطلحات البيداغوجية، وتُعاد صياغة الأهداف، وتُدرج وسائل رقمية جديدة، بينما تظل الممارسة الفعلية محكومة بالتلقين وضيق الزمن المدرسي وثقل المقررات. وهكذا يصبح التجديد في الوثائق أوسع من التجديد في التعلم.

إن قيمة المنهج لا تقاس بحداثة لغته، بل بقدرته على مساعدة المتعلم على الفهم والتحليل والاستدلال والتواصل وحل المشكلات. وكل تحديث لا ينعكس على هذه القدرات يظل، مهما كانت أناقته النظرية، محدود الأثر.

المدرسة وإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية

لعل الجانب الأكثر عمقاً في أزمة التعليم هو أن المدرسة، التي يُفترض أن تكون أداة لتقليص الفوارق الاجتماعية، قد تعجز أحياناً عن أداء هذه الوظيفة، بل قد تساهم في إعادة إنتاجها.

فالأطفال لا يدخلون المدرسة بالشروط نفسها. هناك من يستفيد من بيئة أسرية مستقرة، ومكتبات، ودعم مدرسي، وفضاء ملائم للمراجعة، وإمكانات رقمية ولغوية تساعده على تنمية مكتسباته. وهناك من يواجه الفقر، وبعد المؤسسة، وضعف التجهيزات، وغياب الدعم، وصعوبات أسرية تجعل الاستمرار في التعلم تحدياً يومياً.

وعندما تُعامل هذه الأوضاع المختلفة كما لو كانت متساوية، ثم يُقاس النجاح بمقاييس واحدة دون مراعاة السياقات، فإن المدرسة قد تتحول من وسيلة لتحقيق تكافؤ الفرص إلى فضاء يعكس الفوارق القائمة خارجها.

لا يعني ذلك التخلي عن المعايير المشتركة أو خفض سقف التعلمات بالنسبة إلى الفئات الهشة، وإنما يعني توفير شروط أكثر إنصافاً حتى يتمكن الجميع من بلوغ المعايير نفسها. فالإنصاف لا يتحقق بمنح الجميع الموارد ذاتها بصورة آلية، بل بتوجيه الدعم وفق الحاجات الفعلية، ومعالجة الاختلالات التي تمنع بعض المتعلمين من الاستفادة الكاملة من المدرسة.

ومن هنا تبرز أهمية التعليم الأولي الجيد، والدعم المبكر، والنقل المدرسي، والإطعام، والداخليات، والمكتبات، والتجهيزات الأساسية، والمواكبة النفسية والاجتماعية، إلى جانب تحسين جودة التدريس. فالتعلم ليس حدثاً معزولاً يقع داخل الفصل فقط، بل عملية تتأثر بالشروط التي يعيش فيها المتعلم قبل دخوله المدرسة وبعد مغادرته لها.

إن الدفاع عن المدرسة العمومية ليس دفاعاً عن مؤسسة قائمة كيفما كانت أحوالها، وإنما هو دفاع عن إمكان تحويلها إلى فضاء يحد من أثر الامتيازات الموروثة، ويمنح أبناء الفئات الاجتماعية المختلفة فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم.

ما الذي ينبغي أن يتغير؟ من إصلاح الوثائق إلى إصلاح الشروط

إذا كانت أزمة التعليم متعددة الأبعاد، فإن اختزالها في حل واحد لن يكون سوى إعادة إنتاج للمنطق الذي ساهم في تعثر الإصلاحات السابقة. فلا الاكتظاظ وحده يفسر الأزمة، ولا ضعف التكوين وحده، ولا سلوك المتعلمين، ولا أنماط التوظيف، ولا المناهج واللغات. إن هذه العوامل تتفاعل فيما بينها، وقد يؤدي اختلال أحدها إلى تضخيم أثر الاختلالات الأخرى.

ومع ذلك، يمكن تحديد مجموعة من الأولويات التي ينبغي أن تنتقل من مستوى الشعارات إلى مستوى الالتزامات القابلة للقياس.

أولاً، إعادة الاعتبار للمدرس باعتباره فاعلاً مركزياً في الإصلاح، عبر تحسين شروط عمله، وتوفير تكوين مستمر ذي صلة بحاجاته الفعلية، وتخفيف الأعباء الإدارية غير الضرورية، وضمان الاستقرار المهني، وإشراكه في تقويم السياسات التي يُطلب منه تنفيذها.

ثانياً، جعل التعلمات الأساسية أولوية فعلية، من خلال التشخيص المبكر لصعوبات القراءة والكتابة والحساب، وتخصيص زمن وموارد للدعم، وتتبع تقدم المتعلمين بصورة منتظمة. وينبغي ألا يتحول الدعم إلى نشاط شكلي إضافي، بل إلى تدخل يستند إلى حاجات محددة ونتائج قابلة للتحقق.

ثالثاً، معالجة الاكتظاظ والتفاوتات المجالية وفق خريطة دقيقة للحاجات، مع إعطاء الأولوية للمؤسسات التي تعاني أشد أشكال الهشاشة. فليس من المعقول مطالبة جميع المؤسسات بالنتائج نفسها إذا كانت شروط العمل والتعلم بينها متفاوتة بصورة كبيرة.

رابعاً، إرساء نظام واضح وعادل للحياة المدرسية، يحمي حق المتعلم في التعلم وكرامة المدرس في أداء مهمته، ويجمع بين الوقاية والتأطير والمساءلة والتدخل التربوي المناسب. فالانضباط ليس نقيضاً للحرية، بل هو أحد شروط تنظيمها داخل فضاء مشترك.

خامساً، بناء استمرارية مؤسسية للإصلاح، بحيث لا تبدأ كل مرحلة من الصفر، ولا تُلغى المبادرات السابقة لمجرد تغير المسؤولين. وينبغي أن تخضع المشاريع لتقويم مستقل وشفاف، وأن تُنشر نتائجها وحدودها، وأن يُربط توسيعها بما تثبته الأدلة من فعالية، لا بما تحظى به من حضور في الخطاب الرسمي.

سادساً، تعزيز العدالة المجالية والاجتماعية، لأن تحسين جودة التعلمات يظل محدوداً إذا استمرت العوامل الاقتصادية والجغرافية في إقصاء بعض المتعلمين أو إضعاف قدرتهم على الاستفادة من المدرسة.

وأخيراً، ينبغي إعادة النظر في طريقة قياس النجاح التعليمي. فعدد المدارس المنخرطة في مشروع إصلاحي، وحجم الميزانية المرصودة، وعدد الدورات التكوينية، كلها مؤشرات على النشاط الإداري، لكنها ليست بديلاً عن قياس أثر هذه الأنشطة في التعلم. المعيار الحاسم هو ما أصبح المتعلم قادراً على فهمه وإنجازه وتفسيره بعد التدخل، ومدى استمرار هذا التحسن، وتوزيعه بصورة منصفة بين الفئات والمناطق.

خاتمة: المدرسة لا تُصلح بالوعود، بل بتغيير شروط التعلم

إن أزمة التعليم بالمغرب ليست قدراً محتوماً، كما أنها ليست نتيجة خطأ منفرد أو مسؤولية طرف واحد. إنها حصيلة تفاعل معقد بين اختيارات سياسية وتدبيرية، وشروط اجتماعية واقتصادية، وبنيات مدرسية متفاوتة، ومشكلات مهنية وتربوية تراكمت عبر الزمن. ولذلك، فإن تجاوزها يقتضي شجاعة في التشخيص، ووضوحاً في تحديد المسؤوليات، واستعداداً لمراجعة السياسات على ضوء نتائجها الفعلية.

لقد أظهرت التجربة أن كثرة المخططات لا تضمن بالضرورة عمق التحول، وأن تغيير الشعارات والمناهج لا يكفي إذا ظلت شروط العمل والتعلم على حالها. فالإصلاح الذي يبدأ من الوثيقة وينتهي عندها لا يغير المدرسة، مهما بلغت دقة عباراته أو اتسعت ميزانياته. أما الإصلاح الحقيقي، فهو الذي يستطيع أن يفسر كيف تحولت الموارد إلى تعلم، وكيف تحولت التكوينات إلى ممارسة، وكيف تحولت القرارات إلى تحسن ملموس في حياة المتعلم اليومية.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: ما المشروع الإصلاحي الجديد الذي ينبغي إطلاقه؟ بل: لماذا لم تتحول خبرة الإصلاحات السابقة، بما راكمته من نجاحات وإخفاقات، إلى قدرة مؤسسية على تجنب تكرار الأخطاء نفسها؟

إن المدرسة المغربية لا تحتاج إلى التخلي عن الإصلاح، بل إلى تحريره من منطق الاستعجال والاستعراض الإداري، وربطه بمنطق الاستمرارية والإنصاف والتقويم. وهي لا تحتاج إلى التضحية بحقوق المتعلمين من أجل استعادة سلطة المدرس، ولا إلى إضعاف المدرس باسم حماية المتعلم؛ إنها تحتاج إلى بناء علاقة تربوية عادلة تحفظ كرامة الطرفين، وتضع المعرفة في مركز العملية التعليمية.

فالمدرسة ليست بناية تُفتح أبوابها، ولا مقررات تُنجز صفحاتها، ولا أرقاماً تُعرض في التقارير. المدرسة هي ما يحدث حين يدخل متعلم إلى الفصل فيجد من يساعده على الفهم، ويكتشف أنه قادر على السؤال والتفكير، ويتعلم أن جهده يمكن أن يغير مستقبله.

وحين يصبح هذا الحق واقعاً يومياً، لا امتيازاً اجتماعياً ولا وعداً مؤجلاً، يمكن القول إن الإصلاح قد غادر لغة المخططات وبدأ يلامس جوهر المدرسة.

أما ما عدا ذلك، فليس سوى تغيير مستمر في أسماء المشاريع، بينما يظل السؤال التربوي الأكبر معلقاً داخل القسم: ماذا يتعلم أبناؤنا فعلاً؟



#أحمد_زكرد (هاشتاغ)       Ahmed_Zakrad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سؤال العمل: بين إنسانية الإنسان واغترابه الآلي
- هندسة الإنسان: الفلسفة ضد التنميط
- إشكالية الله واللغة
- إشكالية الحقيقة في عصر ما بعد الحقيقة (Post-vérité)
- إشكالية الوحي والتاريخ
- إشكالية المدينة والفلسفة
- تأثيل المقدس 7 : من نقد التراث إلى تفكيك سلطة التأويل
- المرأة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية (الجزء الثاني
- المرأة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية (الجزء الثالث)
- ثقافة الاستدانة والاستهلاك: لماذا يعيش الإنسان اليوم على الم ...
- الرقمنة ودرس الفلسفة: نحو تجديد الفعل التعليمي وبناء الإشكال ...
- الحتمية التاريخية وإشكال الضرورة والحرية في فلسفة التاريخ
- الكفاية الحجاجية في درس الفلسفة
- أثر عناصر الإجابة الرسمية على حرية التفكير والإنتاج الفلسفي: ...
- كأس العالم بين شغف الرياضة وصناعة الإلهاء
- في تحولات المسألة الطبقية: من اغتراب العامل إلى اغتراب الإنس ...
- صعاليك العرب والاشتراكية الفطرية
- من الملعب إلى القبيلة: كرة القدم والانفعال الجماعي في منظور ...
- الأمازيغية والدارجة : من التعايش اللساني إلى الذاكرة الثقافي ...
- تحوّلات العقل والعقلانية في الفلسفة المعاصرة


المزيد.....




- البيت الأبيض: إدارة ترامب كشفت عمليات احتيال بأكثر من 260 مل ...
- الجيش البريطاني يجري تدريبات على السيطرة على جزر فوكلاند
- سوريا.. وزارة الطاقة تكشف -خطأ تشغيليا- في قطاع البنزين ألحق ...
- وكالة: سماع دوي أصوات قوية قرب مقر -أرامكو- في مدينة الظهران ...
- لغز مقتل سائقين مصريين في الخرطوم.. رواية مثيرة وراء الجريمة ...
- السفارة الروسية في لندن: -التهديد الروسي- ذريعة لعسكرة بريطا ...
- باتروشيف ووانغ يي يبحثان في بكين ربط الممر القطبي بطريق الحر ...
- ترامب يتساءل عن تراجع إلهان عمر عن إفصاح بثروة 30 مليون دولا ...
- ملك إسبانيا يؤكد أن سبتة ومليلية -جزء لا يتجزأ- من بلاده.. - ...
- اطلاق الدليل الارشادي لمناهضة “تطبيب ختان الإناث” بالتعاون م ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أحمد زكرد - إشكالية التعليم بالمغرب: نزيف الإصلاحات المتكررة وأزمة الهشاشة البنيوية