أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصصية أحلام الرجل العجوز للدكتور رمضان علي عبود














المزيد.....

حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصصية أحلام الرجل العجوز للدكتور رمضان علي عبود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 02:01
المحور: الادب والفن
    


ليس من اليسير أن نقف أمام مجموعة قصصية فنختصر عوالمها في كلمات محدودة؛ لأن بعض النصوص لا تنتهي عند حدود الحكاية، بل تترك في النفس أسئلة تتجاوز أحداثها وشخصياتها، وتدفع القارئ إلى إعادة النظر في كثير من المواقف التي اعتاد المرور بها دون تأمل. ومن هذا المنطلق، تأتي مجموعة أحلام الرجل العجوز للدكتور رمضان علي عبود، بما تحمله من مواقف إنسانية ورؤى اجتماعية ونفسية، لتضع الإنسان في مواجهة ذاته، وتكشف ما يختبئ خلف تفاصيل الحياة اليومية من آلام وأحلام وخيبات ومواقف تستدعي مراجعة الضمير.
إن ما يلفت النظر في هذه المجموعة هو انشغالها بالإنسان البسيط، ذلك الذي قد لا يحظى باهتمام الآخرين، رغم ما يحمله من تعب وأحلام وكرامة. ففي قصة "موت كادح" لا تتوقف المأساة عند رحيل عامل أنهكه السعي وراء لقمة العيش، بل تمتد إلى ما تكشفه جنازته من تفاوت اجتماعي، حتى يبدو الموت نفسه عاجزاً عن تحقيق المساواة التي عجزت عنها الحياة. وهنا يضعنا الكاتب أمام سؤال موجع: أحقّاً تتحدد قيمة الإنسان بما يمتلكه، أم بما يختزنه من نبل وصدق واستقامة؟
وفي قصة "أحلام" ننتقل إلى وجه آخر من وجوه الضعف الإنساني؛ إذ تتداخل الرغبة في استعادة الشباب مع سوء قراءة المشاعر، فيبني الرجل العجوز عالماً من التوقعات على تحية صباحية عابرة. ومن خلال هذه المفارقة، لا تبدو الشيخوخة مجرد تقدم في العمر، بل خوفاً من الأفول، وحاجة إلى الشعور بأن الحياة ما زالت تلتفت إلى صاحبها. وهكذا يكشف النص المسافة بين ما يتمناه الإنسان وما تسمح به الحقيقة.
أما "تقاعد معلم"، فتفتح نافذة على معاناة إنسان أفنى سنوات عمره في التعليم، ثم وجد نفسه أمام واقع إداري لا يليق بما قدمه من عطاء. إنها ليست حكاية انتهاء خدمة فحسب، بل تأمل في معنى التقدير، وفي التحول الذي قد يجعل صاحب الرسالة غريباً عن المكان الذي منحه أجمل سنواته. وفي "وفاء" يتجلى الصراع بين مقتضيات القانون ونداء الضمير، لتصبح الذاكرة الإنسانية امتحاناً للأخلاق، ويغدو الوفاء قيمة لا تستطيع الإجراءات وحدها الإحاطة بها.
وتتسع هذه الرؤية في قصص أخرى، مثل "حنين" و"يوميات مسن" و"بلا ذرية" و"النهاية" و"ندم" و"بقرة حلوب"، حيث تتجاور أسئلة الذاكرة والغياب والانتظار والعطاء، وتتكشف العلاقات الإنسانية بما فيها من إخلاص وتناقضات وخيبات. وعلى هذا التنوع، تنتظم الحكايات في خيط إنساني يجمعها: الإنسان في ضعفه وقوته، في حاجته إلى الآخرين، وفي بحثه الدائم عن معنى يمنح حياته قيمة، وعن أثر يبقى بعد أن تمضي السنوات.
ولعل أهمية هذه المجموعة لا تكمن في موضوعاتها وحدها، بل في قدرتها على نقل القارئ من متابعة الحدث إلى مساءلة ما وراءه؛ من الحكاية إلى دلالتها، ومن الشخصية إلى واقعها، ومن الموقف الفردي إلى السؤال الاجتماعي والأخلاقي الذي يتسع ليشمل الجميع. فالأدب، حين يقترب من الإنسان بصدق، لا يقدم إجابات جاهزة بقدر ما يوقظ فينا القدرة على رؤية ما اعتدنا ألا نراه.
وفي الاحتفاء بهذا المنجز، فإننا لا نحتفي بمجموعة قصصية فحسب، بل نحتفي بتجربة أدبية جعلت من تفاصيل الحياة اليومية مادة للتأمل، ومن معاناة البسطاء مدخلاً لفهم اختلالات الواقع، ومن الأحلام المؤجلة نافذة على ما يعتمل في النفس البشرية. كما نحتفي بالدكتور رمضان علي عبود، القاص الذي منح هذه الشخصيات فرصة لأن تقول ما تعجز الحياة أحياناً عن الإصغاء إليه.
وإذا كان عنوان المجموعة يستحضر أحلام الرجل العجوز، فإن أحلامها لا تخص رجلاً واحداً؛ إنها أحلام الإنسان حين يقاوم النسيان، ويبحث عن الاعتراف، ويتشبث بما تبقى له من أمل، حتى وهو يدرك أن الزمن لا يعيد ما أخذه. وربما هنا تكمن قوة هذه الحكايات: أنها تجعلنا نغادر صفحاتها ونحن نتساءل، لا عن مصائر شخصياتها وحدها، بل عن أولئك الذين يمرون في حياتنا بصمت، ويحملون أحلامهم بعيداً عن أعيننا.
مبارك للشرقاط وآشور وللدكتور رمضان علي عبود هذا المنجز القصصي، مع التمنيات له بمزيد من العطاء والإبداع، وبأن تظل قصصه قادرة على ملامسة وجدان القارئ، وإبقاء الأسئلة الإنسانية مفتوحة على التأمل والحياة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العدالة الإلهية في قصة سوني ومأساة العشق للكاتب داود سلمان ع ...
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الثاني)
- ظلال الانتماء: الذات بين جذر يسكنها ووطن يغيب (الجزء الأول)
- مملكة الأقفاص المفتوحة
- نص نثري: الحصن الأخير
- بين حرائق الحرب واحتراق الحب: حين تُصادر الظروف حق الإنسان ف ...
- غياهبُ الكتمان
- قصة قصيرة: الحرّاس
- حين يغيب الصمت
- لن أنهض
- بين إمكانية التطور وإشكالية التطبيق: قراءة تأملية في كتاب ال ...
- نص نثري: هيهات أن أعود
- التطور بين قوانين الطبيعة وأسئلة الوجود: قراءة تأملية في كتا ...
- قصة قصيرة: انتصار الذات
- الموت يخطئ الطريق
- مراجيح الموتى: تأملات في سرد الفقد وتشظّي الذاكرة، قراءة تأم ...
- نص نثري: لحظةُ الستار
- الكتابة على جمر الذاكرة: قراءة تأملية في سردية العبث عند عزا ...
- ملاذُ الخوف
- قصة قصيرة: السلب


المزيد.....




- من همنغواي إلى نيتشه.. كيف يوظف دافيدي أنشيلوتي الأدب والفلس ...
- ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني ...
- نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب ...
- شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا ...
- فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان ...
- ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو ...
- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين تتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان: تأملات في المجموعة القصصية أحلام الرجل العجوز للدكتور رمضان علي عبود