أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - جيفري ساكس: عالم بلا ضوابط… من أزمة السلطة في أمريكا إلى خطر الحرب على إيران















المزيد.....


جيفري ساكس: عالم بلا ضوابط… من أزمة السلطة في أمريكا إلى خطر الحرب على إيران


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 00:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتعليق: د. زياد الزبيدي


13 تشرين الأول أكتوبر 2026


▪️مقدمة: أخطر لحظة منذ الحرب العالمية الثانية

يرى العالم الإقتصادي والأستاذ بجامعة كولومبيا جيفري ساكس أن العالم يمر بواحدة من أخطر مراحله منذ الحرب العالمية الثانية، وربما بأخطر من أزمة الصواريخ الكوبية. ويعزو ذلك إلى إجتماع عدة عوامل: تصاعد الحروب، وتراجع الضوابط المؤسسية على السلطة التنفيذية الأميركية، وتناقض الخطاب السياسي، وغياب نقاش دولي صريح بشأن أسباب الصراعات ومخاطرها.

وفي جلسة حوارية على قناة وكالة أسوشيتد برس، ركز ساكس على شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ودور الكونغرس والإعلام والمؤسسة العسكرية والأمنية، ثم إنتقل إلى الحرب مع إيران، وموقع إسرائيل، وعلاقة الولايات المتحدة بأوروبا، ومستقبل النظام الدولي. وفي حواره المنفصل مع تاكر كارلسون، توسع في مناقشة تاريخ الصهيونية والصهيونية المسيحية، ودور الدين في السياسة، والعلاقات الأميركية الإسرائيلية.

وتجمع هذه الموضوعات، في رؤية ساكس، مشكلة مركزية تتمثل في إتساع نطاق القوة العسكرية الأميركية، مقابل تراجع قدرة المؤسسات السياسية على ضبط إستخدامها.

▪️ترامب: المشكلة الشخصية والمشكلة المؤسسية

يبدأ ساكس من الرئيس الأميركي، الذي يصف تصريحاته بأنها متناقضة إلى حد يصعب معه، في رأيه، فهم الموقف الأميركي من خلال الخطاب الرسمي وحده. ويقول إن تصريحات ترامب بشأن الحرب والمفاوضات تتغير بسرعة، وإن ما يعلنه عن قرب التوصل إلى إتفاق لا يصاحبه دائماً، بحسب قراءته، دليل واضح على وجود مفاوضات فعلية.
ويذهب ساكس إلى أبعد من النقد السياسي التقليدي، فيطرح تقييماً شخصياً شديد القسوة لشخصية ترامب، مستخدماً مصطلحات مثل «النرجسية الخبيثة» و«الثالوث المظلم»، ويربطها بالتلاعب وإنعدام التعاطف والإندفاع. كما ينقل أنه إستمع إلى مختصين نفسيين رأوا، بحسب روايته، مؤشرات تستحق النقاش بشأن التدهور المعرفي والخرف الجبهي الصدغي.
ويؤكد أن هذه أوصاف وتقديرات شخصية وليست تشخيصاً طبياً رسمياً. لكنه يرى أن المسألة الأساسية لا تتوقف على شخصية الرئيس، بل على إمتلاكه سلطة هائلة لإتخاذ قرارات قد تقود إلى حرب واسعة.
ويقول إن ترامب أصبح، في تقديره، أقل قدرة على ضبط النفس خلال الأشهر الأخيرة، وإن إندفاعه يمثل خطراً متزايداً في ظل قدرته على إتخاذ قرارات عسكرية بالغة التأثير.
ومع ذلك، لا يعتبر ساكس ترامب أصل الأزمة الأميركية الوحيد، بل يراه أيضاً نتيجة لخلل أعمق في النظام السياسي الذي أتاح له الوصول إلى السلطة وممارسة هذا القدر من النفوذ.

▪️الإعلام وتطبيع الخطاب الحربي

ينتقد ساكس الطريقة التي تتعامل بها وسائل الإعلام الأميركية مع تصريحات ترامب. ويقول إن الرئيس قد يطلق تهديدات بالتدمير والقتل، ثم يتحدث بعد أيام عن قرب التوصل إلى إتفاق، بينما تنشغل التغطية الإعلامية بالسؤال عما إذا كان سينجح في التفاوض، بدلاً من التحقق من وجود مفاوضات أصلاً.
ويعتبر أن هذا الأسلوب يؤدي إلى تطبيع ما يراه سلوكاً سياسياً غير طبيعي، إذ يتحول التهديد بالحرب إلى مادة للتعليق والتحليل اليومي، بدلاً من أن يكون مناسبة لمساءلة الرئيس عن خطورة كلامه ونتائجه المحتملة.
كما ينتقد صحيفة «نيويورك تايمز»، التي يقول إنها كانت لعقود مصدره المفضل للأخبار، لكنه لم يعد يثق بقدرتها على تقديم رواية مستقلة. ويذكر أنه يراسل صحفيين يعرفهم منذ سنوات طويلة، وأن بعضهم يجيبه بأنه يتفق معه، لكن رؤساء التحرير يتدخلون في المواد المنشورة.
ويرى ساكس أن المشكلة لا تتعلق بخلاف حزبي بين مؤيدي ترامب ومعارضيه، بل بتراجع قدرة الإعلام على طرح الأسئلة الأساسية، وبالتعامل مع إحتمال الحرب الواسعة كما لو كان مجرد تطور آخر في مسلسل سياسي.

▪️الكونغرس والدولة الأمنية

ينتقل ساكس من سلوك الرئيس إلى دور المؤسسات الدستورية، ويعتبر أن الكونغرس الأميركي تخلى عملياً عن مسؤوليته في مراقبة السلطة التنفيذية عندما يتعلق الأمر بالحرب والسياسة الخارجية.
ويستشهد بتصويتات في مجلس الشيوخ يرى أنها تعكس رغبة في ترك إدارة الحرب للرئيس، بدلاً من ممارسة الرقابة التي يفترض أن يفرضها النظام الدستوري.
ويقول إن السياسة الخارجية الأميركية أصبحت تُدار بدرجة كبيرة عبر ما يسميه «الدولة الأمنية»، بما يشمل وكالة الإستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي ومجلس الأمن القومي، بدلاً من أن تكون خاضعة لنقاش ديمقراطي ورقابة برلمانية فعالة.
ومن وجهة نظره، لم تبدأ هذه المشكلة مع ترامب، بل تطورت على مدى عقود. ويرى أن الرئيس الحالي زادها خطورة لأنه لا يمارس، بحسب تقديره، الدور المطلوب في تقييد نفوذ المؤسسة العسكرية والأمنية.

▪️سجل الحروب الأميركية

يضع ساكس الحرب الحالية ضمن تاريخ أطول من التدخلات الأميركية، ويستحضر قصف يوغوسلافيا عام 1999، وغزو أفغانستان عام 2001، وحرب العراق عام 2003، والتدخل في ليبيا عام 2011، والعمليات الرامية إلى إسقاط الحكومة السورية، ثم أحداث أوكرانيا عام 2014.
وفي تفسيره للحرب الأفغانية، يعيد ساكس جذورها إلى سياسة أميركية تعود إلى أواخر السبعينيات، حين دعمت واشنطن قوى إسلامية مسلحة بهدف إستدراج الإتحاد السوفياتي إلى حرب في أفغانستان. ويربط هذه السياسة بالظروف التي أسهمت لاحقاً في ظهور تنظيم القاعدة.
أما حرب العراق، فيصف مبرراتها بأنها زائفة. وبشأن ليبيا وسوريا وأوكرانيا، يقدم رواية تركز على دور الولايات المتحدة في تغيير الأنظمة أو دعم القوى التي سعت إلى تغييرها.
ويرى ساكس أن هذه الأحداث ليست عمليات منفصلة، بل حلقات في مسار متواصل من الحروب والتدخلات، مع غياب المساءلة السياسية الكافية عن نتائجها.

▪️نتنياهو وإسرائيل

يرى ساكس أن جانباً كبيراً من إنتقاداته لترامب ينطبق أيضاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإن كان لا ينسب إليه التدهور المعرفي الذي تحدث عنه في سياق ترامب.
ويصف نتنياهو، في رأيه الشخصي، بأنه نرجسي خبيث وشخصية شديدة الخطورة، كما يستخدم وصف «الفاشية» في تقييمه السياسي له.
ويربط ساكس بين القيادة السياسية وأشكال الولاء الشعبي التي يمكن أن تستقطبها الشخصيات ذات الأسلوب السلطوي. ويقدّر أن ترامب يمتلك قاعدة من المؤيدين المتحمسين تتراوح بين 20 و25% من الأميركيين، ويقول إن قوة هذا الولاء لا يمكن فهمها من خلال الحسابات الإنتخابية وحدها.
وفي الشرق الأوسط، يربط ساكس بين القيادة الأميركية والإسرائيلية وبين التصعيد العسكري في غزة وإيران. ويصف ما حدث في غزة بأنه إبادة جماعية، كما يشير إلى الخسائر البشرية الناجمة عن القصف الأميركي والإسرائيلي لإيران. ويرى أن هذه الأحداث لم تحظَ، في تقديره، بالمناقشة الصريحة التي تستحقها.

▪️الناتو وأوروبا: حدود الإستقلال السياسي

يقدم ساكس قراءة نقدية للعلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، معتبراً أن حلف الناتو ليس، في الممارسة الفعلية، تحالفاً متكافئاً بين دول مستقلة تماماً، بل إطاراً تعمل من خلاله القوة العسكرية الأميركية داخل أوروبا.
ويصف الوجود العسكري الأميركي بأنه شكل من أشكال السيطرة المستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن لم يكن إحتلالاً إقليمياً مباشراً. ويسميه «السيطرة على الأنظمة»، أي النفوذ الذي يحدد إتجاهات السياسة الخارجية والأمنية من دون الحاجة إلى ضم الأراضي.
ويرى أن أوروبا لم تطور سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن بالقدر الذي يسمح لها بإتخاذ قرارات إستراتيجية مخالفة للموقف الأميركي.
ويستشهد بتجربته مع ينس ستولتنبرغ، الأمين العام السابق للناتو، الذي عرفه عندما كان وزيراً للمالية ورئيساً لوزراء النرويج. ويقول إن ستولتنبرغ أصبح، بعد مغادرته منصبه في الحلف، أكثر قدرة على التعبير عن آراء لم يكن يعلنها أثناء توليه المسؤولية.
ويستخلص ساكس من ذلك أن شاغلي المناصب داخل منظومة الأمن الأطلسية يتحركون ضمن قيود تجعل إستقلال مواقفهم محدوداً.

▪️مجلس الأمن والحرب على إيران

يستعيد ساكس مشاركته في إجتماع لمجلس الأمن الدولي عقد بعد بدء الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران، بحسب روايته. ويقول إنه تلقى دعوة للإدلاء بشهادته، ثم أُبلغ بأن رئاسة المجلس البريطانية قررت عدم السماح له بالتحدث.
ويصف النقاش الذي دار في المجلس بأنه تجاهل، في رأيه، السياق المباشر للحرب. فقد تحدث ممثلو دول عن الهجمات الإيرانية على دول الخليج، من دون الإشارة إلى أن إيران كانت قد تعرضت لهجوم أميركي وإسرائيلي.
ويرى ساكس أن هذا التجاهل يعكس خللاً في التعامل الدولي مع إستخدام القوة، ويستند في موقفه إلى المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التهديد بإستخدام القوة أو إستخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو إستقلالها السياسي.
كما يرى أن إستضافة قواعد عسكرية أميركية تؤثر في قدرة بعض الدول على إتخاذ مواقف مستقلة عندما تتصادم المصالح الأميركية مع مصالح أطراف أخرى.

▪️إيران: القدرات العسكرية ومخاطر التصعيد

يقر ساكس بأنه إقتصادي وليس خبيراً عسكرياً، لكنه يطرح تقديراً يستند، بحسب قوله، إلى ما يستمع إليه من خبراء وإلى قراءته للحرب السابقة.
وتقوم فرضيته على أن إيران ما زالت تمتلك مخزوناً مهماً من الصواريخ، في حين تعرضت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والخليجية للإستنزاف. ويؤكد أن تقديره يتوقف على صحة هذه الفرضية.
إذا كانت صحيحة، يرى ساكس أن إيران تستطيع إلحاق أضرار طويلة الأمد بمنشآت النفط والغاز والبنية التحتية في الخليج، بما قد يؤدي إلى إضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية تستمر سنوات.
كما يعتقد أن إيران قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بإسرائيل، وأن إمتلاكها هذه القدرات يجعل إفتراض إمكانية إنهاء الحرب سريعاً بالقوة العسكرية أمراً غير مضمون.
وبالنسبة إليه، فإن الخطر لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يشمل إحتمال تحول الحرب إلى أزمة إقليمية وإقتصادية عالمية.

▪️إيران والولايات المتحدة: من إنقلاب 1953 إلى الإتفاق النووي

يرجع ساكس جذور الصراع الأميركي الإيراني إلى إنقلاب عام 1953، الذي أطاح حكومة محمد مصدق، وأعاد إيران إلى دائرة النفوذ الأميركي. ويقول إن الولايات المتحدة دعمت نظام الشاه، الذي إستمر حتى الثورة الإيرانية عام 1979.
ويرى أن واشنطن لم تتقبل خروج إيران من مجال نفوذها بعد الثورة، وأن موقع البلاد الجغرافي وإحتياطياتها من النفط والغاز وقربها من الإتحاد السوفياتي سابقاً جعلها ذات أهمية إستراتيجية إستثنائية.
ومن هذا المنطلق، يفسر ساكس العقوبات والضغوط اللاحقة بإعتبارها جزءاً من صراع على موقع إيران في النظام الإقليمي والدولي، وليس مجرد خلاف تقني بشأن البرنامج النووي.
ويستشهد بالإتفاق النووي لعام 2015، المعروف بإسم خطة العمل الشاملة المشتركة، بإعتباره دليلاً على إمكان التوصل إلى تسوية تفاوضية. ويقول إن الإتفاق تضمن قيوداً على البرنامج النووي وآليات للتفتيش الدولي مقابل تخفيف العقوبات.
لكن إنسحاب إدارة ترامب من الإتفاق عام 2018 أعاد، بحسب قراءته، الصراع إلى مسار أكثر تصعيداً.
ويضيف أنه تلقى إتصالات من مسؤولين إيرانيين بعد عودة ترامب إلى الرئاسة، كانوا يسألون عن إمكان الوصول إلى الإدارة الأميركية وفتح قناة للتفاوض. ويستخدم هذه التجربة لدعم إعتقاده بأن طهران حاولت البحث عن مخرج تفاوضي، حتى في ظل تصاعد التوتر.

▪️الصهيونية: هرتزل والتحول الديني

في حواره المنفصل مع تاكر كارلسون، يتناول ساكس تاريخ الصهيونية، ويميز بين نشأتها السياسية العلمانية وبين التيارات الدينية التي إكتسبت نفوذاً متزايداً في مراحل لاحقة.
ويشير إلى تيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية السياسية الحديثة، بوصفه شخصية علمانية جعلت إقامة دولة لليهود محور مشروعها السياسي. ويرى أن الصهيونية الأولى إرتبطت أيضاً بصعود القومية الأوروبية في القرن التاسع عشر، حين أصبحت فكرة الدولة القومية إطاراً رئيسياً لتنظيم المجتمعات السياسية.
وفي المقابل، يناقش ساكس التوتر بين المشروع الصهيوني السياسي وبعض التقاليد الحاخامية التي ربطت العودة النهائية إلى الأرض المقدسة بظهور المسيح المنتظر.
ويرى أن هذا التباين مهم لفهم التحولات اللاحقة، ولا سيما بعد حرب عام 1967، عندما إكتسبت التيارات الدينية والإستيطانية موقعاً أكثر تأثيراً في السياسة الإسرائيلية.
ويشير إلى مئير كاهانا، الذي دعا إلى مواقف متشددة تجاه الفلسطينيين، بإعتباره أحد الأسماء المرتبطة بهذا التيار. وفي قراءة ساكس، أدى تزايد نفوذ التيارات الدينية القومية إلى نقل جزء من النقاش من قضايا الأمن والحدود إلى تصور ديني يعتبر السيطرة على الأرض جزءاً من وعد إلهي.

▪️الصهيونية المسيحية والنصوص الدينية

يتناول ساكس أيضاً الصهيونية المسيحية، ويرى أن جذورها تعود إلى تيارات دينية بروتستانتية سبقت تأسيس الحركة الصهيونية السياسية الحديثة.
ويربط هذا التيار بتفسيرات للنبوءات الواردة في الكتاب المقدس، ولا سيما تلك التي تربط عودة اليهود إلى الأرض المقدسة بأحداث دينية تسبق المجيء الثاني للمسيح.
ويشير إلى مفارقة تاريخية تتمثل في أن بعض الشخصيات المسيحية التي دعمت عودة اليهود كانت تحمل، في الوقت نفسه، أفكاراً معادية لليهود. ومع ذلك، إلتقت مواقفها السياسية مع المشروع الصهيوني بسبب تصوراتها الدينية عن مستقبل التاريخ.
ويرى ساكس أن هذه الخلفية أسهمت في بناء قاعدة من التأييد لإسرائيل داخل بعض الأوساط المسيحية الأميركية، وأصبحت عاملاً مؤثراً في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
كما يقارن بين قراءات دينية تبرر السيطرة على الأرض وبين نصوص أخلاقية في الأناجيل، مثل الموعظة على الجبل وقصة السامري الصالح، ويرى أن إستخدام الدين لتبرير العنف يتعارض مع ما يعتبره جوهر الرسالة الأخلاقية المسيحية.

▪️الطاقة والخليج والإمارات

يحذر ساكس من أن الحرب مع إيران قد تتجاوز نطاق المواجهة العسكرية المباشرة لتصبح أزمة في الإقتصاد العالمي.
فمنشآت النفط والغاز وخطوط الإمداد والموانئ تمثل، في رأيه، نقاط ضعف إستراتيجية يمكن أن يؤدي إستهدافها إلى تعطيل طويل الأمد لإمدادات الطاقة.
ويضع دول الخليج ضمن هذه المعادلة، بما فيها الإمارات، بسبب أهمية بنيتها التحتية وموقعها في الإقتصاد العالمي وإرتباط أمن المنطقة بالوجود العسكري الأميركي.
ويرى أن أي أضرار كبيرة تصيب المنشآت الحيوية قد تستغرق سنوات لإصلاحها، ما يعني أن آثار الحرب يمكن أن تستمر حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

▪️الرأي العام الأميركي والإنتخابات النصفية

يقول ساكس إن الحرب لا تحظى، بحسب تقديره، بتأييد شعبي واسع داخل الولايات المتحدة، ويشير إلى تراجع شعبية ترامب وإلى معارضة متزايدة بين الشباب.
ويربط ذلك بالمشكلات اليومية التي تواجه الأميركيين، ومنها تكاليف الرعاية الصحية والأدوية وصعوبة الحصول على الخدمات الطبية، فضلاً عن القلق بشأن فرص العمل ومستقبل الإقتصاد.
ويرى أن ترامب وصل إلى السلطة بعد أن وعد بتجنب الحروب، بينما تتعارض سياسته الحالية مع ذلك الوعد.
وفي ما يتعلق بالإنتخابات النصفية المقررة في نوفمبر 2026، يتوقع ساكس أن يخسر الجمهوريون إحدى غرفتي الكونغرس على الأقل إذا جرت الإنتخابات بصورة طبيعية، ويرجح خسارة مجلس النواب. ويقدر إحتمال خسارة ترامب بنحو 80%، بحسب التعبير الذي إستخدمه في الحوار.
ويقول إن خسارة مجلس النواب قد تفتح الطريق أمام إجراءات عزل الرئيس، وتؤدي إلى إنشغال واشنطن بصراع سياسي داخلي يحد من قدرة الإدارة على مواصلة بعض عملياتها العسكرية.
لكنه يحذر أيضاً من إحتمال حدوث إضطرابات إنتخابية وإحتجاجات وعنف سياسي، معتبراً أن إستقرار العملية الإنتخابية ليس أمراً يمكن التسليم به مسبقاً.

▪️كينيدي والمجمع الصناعي العسكري

يطرح ساكس تفسيراً مثيراً للجدل لإغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي عام 1963. فهو يرى أن كينيدي كان آخر رئيس حاول الحد من نفوذ المجمع الصناعي العسكري، ويربط إغتياله بمحاولة تقييد هذا النفوذ.
ويصف ما جرى بأنه إنقلاب إستحوذت بعده، في تقديره، أجهزة الإستخبارات والمؤسسة العسكرية والأمنية على جانب متزايد من القرار السياسي الأميركي.
ومن وجهة نظره، أصبح الرؤساء اللاحقون يعملون ضمن منظومة يصعب عليهم الخروج عن توجهاتها، ما ساهم في إستمرار الحروب وتراجع الرقابة الديمقراطية على السياسة الخارجية.
ويطرح ساكس سؤالاً تاريخياً: هل تستطيع الولايات المتحدة العودة من نموذج الإمبراطورية إلى نموذج الجمهورية؟ ويجيب بأن ذلك ممكن، لكنه غير مضمون، وأن إجراء الإنتخابات وحده لن يكون كافياً لإستعادة السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية.

▪️الصين والهند وروسيا وبريكس: ملامح النظام المقبل

في ختام رؤيته، يقول ساكس إن الحلول الرئيسية لمشكلات العالم قد تأتي من الصين والهند وروسيا ودول بريكس، وليس بالضرورة من الولايات المتحدة.
ويرى أن واشنطن ستضطر إلى التعايش مع عالم متعدد الأقطاب، إذا لم تؤد سياساتها إلى تدمير النظام الدولي، وأن المرحلة المقبلة ستتطلب الإعتراف بمصالح الدول الكبرى الأخرى بدلاً من محاولة فرض إرادة دولة واحدة على الجميع.
ويولي الصين أهمية خاصة، إذ يشيد بقدرتها على التخطيط الصناعي طويل الأمد وبقوة قطاع التصنيع فيها، ويرى أن صناعة السيارات الكهربائية الصينية أصبحت منافساً أساسياً للصناعات الأميركية والأوروبية.
كما يعتقد أن الصين تمتلك قدرة كبيرة على تحقيق الإستقرار ومواصلة التنمية الإقتصادية، وأن صعودها الصناعي سيؤثر في ميزان القوى العالمي خلال العقود المقبلة.

▪️خاتمة

تتمحور رؤية جيفري ساكس حول أن الخطر العالمي لا ينشأ من حرب إيران وحدها، ولا من شخصية دونالد ترامب وحدها، بل من تداخل الحروب مع نظام سياسي وأمني أميركي يرى أنه فقد كثيراً من الضوابط المؤسسية.
ففي الولايات المتحدة، يعتبر ساكس أن الكونغرس تراجع عن دوره الرقابي، وأن المؤسسة الأمنية والعسكرية أصبحت صاحبة نفوذ واسع في السياسة الخارجية، وأن الإعلام بات يتعامل مع التصعيد السياسي والعسكري بإعتباره أمراً عادياً.
وفي الشرق الأوسط، يربط الحرب على إيران بتاريخ طويل من الصراع بدأ، في تفسيره، بإنقلاب عام 1953 والثورة الإيرانية عام 1979، مروراً بالإتفاق النووي وإنسحاب واشنطن منه، وصولاً إلى المواجهة العسكرية الراهنة.
كما يربط السياسة الإسرائيلية بالتحولات التي شهدتها الصهيونية، وبصعود التيارات الدينية والإستيطانية، وبالدور الذي أدته الصهيونية المسيحية في تشكيل مواقف قطاعات من المجتمع والسياسة الأميركية.
أما على المستوى الدولي، فيتوقع أن يؤدي صعود الصين والهند وروسيا وبريكس إلى تعزيز تعددية الأقطاب، وأن تواجه الولايات المتحدة ضرورة إعادة النظر في موقعها ودورها العالمي.

**والتحذير الأساسي في طرح ساكس هو أن إمتلاك قوة عسكرية هائلة، من دون رقابة سياسية فعالة ونقاش عام صريح، يرفع إحتمال التصعيد إلى مستويات قد تتجاوز قدرة المؤسسات القائمة على إحتوائها.**


*****

المصدر:

* قناة وكالة أسوشيتد برس (APT): جلسة حوارية مع الاقتصادي والمحلل السياسي الأميركي جيفري ساكس، منشورة في 20 أغسطس/آب 2026.
* تاكر كارلسون: حوار منفصل مع جيفري ساكس، وهو مصدر المحاور المتعلقة بالصهيونية وتيودور هرتزل والصهيونية المسيحية.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين - عندما يصبح الحاكم تجسيداً لإستمرارية الدولة
- روسيا بعد إنتخابات 2026: دوما الحرب وإعادة تشكيل النخبة
- مطبخ هيئة الأركان الروسية: عن «المراجل الصغيرة» وتغيير فلسفة ...
- وجهة نظر روسية – كيف نحقق أمن الخليج بعد تراجع المظلة الأمير ...
- جون ميرشايمر: لماذا يصعب على واشنطن وبكين الإتفاق؟
- بيرني ساندرز: الأوليغارشية تصعد... والديمقراطية تتراجع
- الصهيونية حركة عنصرية... سؤال يعود من جديد
- «نازا» مرة أخرى.. من عاصفة إسرائيلية إلى شاشة العالم
- الصهيونية تحتاج إلى معاداة السامية؟ بلومنتال أمام كارلسون
- فلاي دبي 1073: الطائرة التي كادت تسقط... والسباك الذي أصبح ب ...
- أميركا والشرق الأوسط: نهاية الهيمنة أم نهاية الدور القديم؟
- ألكسندر دوغين: «نحن في بداية حرب رهيبة»..
- إنتخابات الدوما 2026: ماذا يجري خلف أسوار الكرملين؟
- «فيفالدي» في ليمان: ماذا يجري فعلاً على الجبهة الأوكرانية؟
- جون ميرشايمر - هل أوكرانيا ذاهبة إلى الإنتحاراً؟
- ويستمر الهذيان
- خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟
- لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قل ...
- من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
- أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس ...


المزيد.....




- شاهد رد ترامب عند سؤاله عن مداهمة منزل إلهان عمر من قبل الحك ...
- شاهد.. إعصار يقلب سيارات بساحة انتظار في ولاية كارولينا الشم ...
- -كرم الأخلاق-.. أمير سعودي يعلّق على ردود الفعل على بيانات س ...
- مبعوث روسيا يتهم بريطانيا والأوروبيين بتبني حملات إعلامية لت ...
- آثار حمض نووي تكشف خيوط سرقة لوحتي رينوار في فرنسا
- إعصار -سايمون- وعاصفة -راشيل- يخلفان قتلى ودمارا في المكسيك ...
- ترامب يستبعد تقديم روسيا والصين دعما فعليا لإيران
- ترمب يتوقع نهاية حرب إيران ويقرّ باحتمال المبالغة في استهداف ...
- وردة والأسير المحرر أبو حميد.. قصة حب كسرت مؤبد الاحتلال وتح ...
- ما الذي سيفعله زيلينسكي بعد أن منعه ترامب من ضرب مصافي النفط ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - جيفري ساكس: عالم بلا ضوابط… من أزمة السلطة في أمريكا إلى خطر الحرب على إيران