محسين الشهباني
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 20:30
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
نهر يحتضر عند المصب يعتبر نهر أم الربيع ثاني أطول نهر في المغرب، يبلغ طوله حوالي 555 كيلومترا من منابعه بجبال الأطلس المتوسط نواحي خنيفرة إلى مصبه بمدينة أزمور على المحيط الأطلسي، ويمتد حوضه على مساحة تناهز 48 ألف كلم مربع. هذا الشريان الذي كان يسمى تاريخيا "نهر الأنهار" لم يعد اسمه يدل عليه، حيث لا يسع الزائر لمصبه إلا أن يصاب بالحسرة على ما وصل إليه من تدهور بيئي خطير ينذر بكارثة طبيعية. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن النهر يواجه انسدادا على مستوى مصبه بسبب تراكم الرمال التي تدفعها الأمواج البحرية، لا سيما خلال الفترات التي ينخفض فيها منسوب المياه، والتلوث الناتج عن النشاط العمراني والصناعي. أمام هذه الوضعية، خرجت لافتة مشروع "عمليات فتح مصب وادي أم الربيع" لتقدم نفسها كحل. غير أن القراءة المتأنية، المبنية على استشارة أهل الاختصاص والمعاينة الميدانية، تكشف أن ما يطرح ليس حلا، بل هو عملية ريعية مكشوفة.
أولا: تشخيص دقيق لآلية الانغلاق - ترمل متقاطع الخطأ الجوهري في المقاربة الرسمية هو اختزال المشكلة في "رمال متراكمة يجب جرفها". الواقع المورفوديناميكي أكثر تعقيدا. كما بينت الدراسات وكما تظهره الصور الجوية، يعاني فم المصب من ترمل مزدوج الاتجاه: 1
. حركة أولى من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي: مدفوعة بالتيار الساحلي السائد والأمواج القادمة من المحيط.
2. حركة ثانية معاكسة من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي: ناتجة عن الانعكاسات المحلية للتيار وتضاريس الشاطئ. ينتج عن تقاطع هاتين الحركتين توضع مستمر للرمال في قلب فم المصب، حتى يتم انسداده تماما. وبالتالي، فالإشكال ليس في كمية الرمال الموجودة داخل المصب، بل في الآلية التي تسمح بدخولها باستمرار. إن الاكتفاء بجرف الرمال التي ترسبت في المصب دون تثبيت فم المصب هو علاج للأعراض وترك للمرض
. ثانيا: نقد المقاربة الريعية - ذر الرماد في العيون هنا يظهر البعد الريعي للعملية. إن مشروع "فتح المصب" عن طريق الجرف هو
: أ. حل ترقيعي ومؤقت بطبيعته: فحتى لو تم جرف آلاف الأطنان اليوم، ستعود الرمال من جديد فور توقف آليات الشركة، لأن السبب البنيوي لم يعالج. المصب سيبقى مهددا بالانغلاق المستمر.
ب. عملية استنزاف بغطاء بيئي: يتعرض مصب النهر إلى عملية استنزاف للرمال باسم تنقية المصب. الرمال المجروفة ليست نفايات، بل هي مادة أولية عالية القيمة في سوق البناء. وهكذا تتحول "التنقية" إلى مقلع رمال مؤقت يدر أرباحا، دون أي نية حقيقية لمعالجة أصل المشكل. إنها عملية ريعية لأن المقصود منها هو الرمال وعدم تثبيت فم المصب.
ج. لها آثار سلبية على التوازن البيئي: الجرف الميكانيكي العشوائي يدمر الحياة المائية والأيكولوجية للمصب، الذي يعتبر منطقة انتقالية حساسة بين المياه العذبة والمالحة، ومكانا لتكاثر العديد من الأنواع. كما أنه يحرم الشواطئ المجاورة، كشاطئ الحوزية وعائشة البحرية، من تغذيتها الطبيعية بالرمال، مما يسرع من تآكلها
. إن العملية المزمع إنجازها، دون تثبيت، هي ذر للرماد على العيون والاستفادة المالية دون بلوغ المقصود.
ثالثا: الحل الدائم - من منطق الجرف إلى منطق التثبيت الحل الفعلي والدائم الذي نطالب به، والمعمول به في كل مصبات الأنهار الكبرى عبر العالم، يتطلب إنجازا تقنيا حقيقيا يتمثل في: 1
. تثبيت فم المصب بحاجزين بحريين (Jetées): وضع حاجزين إسمنتيين باتجاه علمي مدروس يمنعان دخول الرمال ويحميان المصب بشكل نهائي. •
الحاجز الشمالي: ممتد من الضفة الشمالية في اتجاه شاطئ عائشة البحرية.
• الحاجز الجنوبي: ممتد من الضفة الجنوبية في اتجاه شاطئ الحوزية. هذا التوجيه ليس اعتباطيا، بل هو مصمم لقطع مسار حركتي الرمال المتقاطعتين المذكورتين
. 2. إنشاء مرسى صغير وكاسر للأمواج: إنشاء مرسى صغير من جهة شاطئ عائشة البحرية في اتجاه عمق البحر، وظيفته ليست ترفيهية فقط، بل تقنية: التقليل من سرعة التيار البحري الجارف للرمال نحو المصب وتكسير قوة الأمواج قبل وصولها إلى الفم
. 3. التنقية الحقيقية كمرحلة أخيرة: بعد ذلك، وبعد تثبيت الفم وحمايته، يتم تنقية مصب نهر أم الربيع والاعتماد على آليات جرف الرمال من ملتقى النهر مع البحر في اتجاه الخلوة (أي نحو الداخل)، لضمان انسيابية تدفق مياه النهر نحو المحيط بقوة دفع كافية لمنع أي ترسب جديد. دون هذا التثبيت وهذا الإنجاز، سيبقى المصب رهينة لصفقات الجرف
من "التنقية" إلى "التجارة": كيف تتحول الأزمة البيئية إلى سوق
إن أخطر ما في مقاربة "عمليات فتح مصب وادي أم الربيع" هو أنها لا تحل الأزمة، بل تحولها إلى نموذج أعمال مستدام. فالمنطق الاقتصادي للمشروع المطروح يقوم على معادلة بسيطة: مصب مغلق يعني صفقة جرف. مصب سيُغلق مجددا ضمنيا صفقة جرف أخرى. وهنا يكمن جوهر الريع
. أولا: الرمال ليست نفاية، بل ذهب أصفر الرمال التي يتم جرفها من مصب أم الربيع ليست رمالا عادية. إنها رمال نهرية-بحرية مختلطة، مغسولة طبيعيا، ذات جودة عالية جدا في سوق البناء والأشغال العمومية، خاصة في محور الجديدة - أزمور - الدار البيضاء الذي يعرف ضغطا عمرانيا هائلا. في السوق المغربية، يتراوح ثمن الطن الواحد من الرمال المغربلة بين 150 و 300 درهم، وطن واحد من مصب أم الربيع الذي يحتوي على ملايين الأطنان المتراكمة يمثل ثروة. عندما تكون "التنقية" مجانية للدولة وتقوم بها شركة خاصة مقابل استغلال الرمال، فنحن أمام ريع صريح: الدولة تتنازل عن مورد طبيعي ثمين تحت غطاء بيئي، والشركة تحقق هامش ربح يقترب من 100%، لأن المادة الأولية مجانية والمبرر "بيئي". والسؤال الأكاديمي المركزي هنا: أين تذهب عائدات هذه الرمال؟ هل تدخل ميزانية جماعة سيدي علي ومدينة أزمور لتمويل حماية الساحل؟ هل يتم تتبع مسارها من المصب إلى المقلع إلى ورش البناء عبر نظام تتبع الشاحنات؟ أم أنها تذوب في السوق السوداء للرمال التي تقدر منظمة دولية حجمها في المغرب بأكثر من 50% من السوق الرسمي؟
ثانيا: حاجزان بحريان بكلفة أولية كبيرة لكن لمرة واحدة هو عدو طبيعي لمنطق الريع. فبمجرد بناء الحاجزين في اتجاه شاطئ عائشة البحرية شمالا وشاطئ الحوزية جنوبا، ينتهي الانغلاق، وبالتالي تنتهي الحاجة إلى صفقات الجرف السنوية. أما الحل الترقيعي، فهو يخلق ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الانغلاق المُدار
": 1. تترك الفم لينغلق طبيعيا بسبب حركتي الرمال المتقاطعتين من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي والعكس
. 2. تطلق صفقة استعجالية لـ "فتح المصب" بميزانية عمومية
. 3. تجرف الشركة الرمال وتبيعها في السوق وتحقق ربحا مزدوجا: من الصفقة ومن بيع الرمال
. 4. بعد 6 إلى 8 أشهر، يعود الترمل ويغلق الفم من جديد، ونعود إلى النقطة الأولى. هذا ليس تدبيرا بيئيا، بل هو إدارة مقصودة يتم الحفاظ على المشكل حيا لأنه هو نفسه مصدر الربح. ولو تم تثبيت فم المصب، لانتهى هذا السوق
. ثالثا: التكلفة الحقيقية التي لا تظهر في اللافتة اللافتة تقول "مشروع تنقية". لكن التكلفة الحقيقية غير المحتسبة هي
: • تكلفة بيئية: تدمير حضانة الأسماك في المصب، وتعرية شاطئي الحوزية وعائشة البحرية من تغذيتها الرملية، مما سيكلف الدولة لاحقا الملايير لتثبيت السواحل المتآكلة.
• تكلفة اقتصادية على الصيادين التقليديين: انغلاق المصب يمنع دخول وخروج قوارب الصيد الصغيرة، ويغير ملوحة المياه الجوفية في حوض أم الربيع الذي يمتد على 16 إقليما.
• تكلفة رمزية: نهر أم الربيع الذي يبلغ طوله أكثر من 555 كلم هو هوية مدينة أزمور. تحويل مصبه إلى مقلع رمال موسمي هو تجريد للمدينة من ذاكرتها المائية.
إننا لسنا أمام فشل تقني، بل أمام نجاح ريعي. المشروع ينجح تماما في تحقيق هدفه غير المعلن: تحويل أزمة بيئية مزمنة إلى مورد ريعي متجدد. ولهذا السبب بالذات يتم تجنب الحل الجذري المتمثل في الحاجزين والمرسى الصغير الكاسر للأمواج، لأن الحل الجذري يقتل الريع. الحل الذي نقترحه - التثبيت ثم الجرف من ملتقى البحر نحو الخلوة - هو حل غير مربح على المدى القصير للشركات، لكنه مربح على المدى الطويل للدولة والمجتمع والبيئة.
فمصب أم الربيع ليس مجرد حفرة تملأها الرمال، بل هو مجال محمي بقوة الدستور والقانون
. أولا: المرجعية القانونية التي تدين المقاربة الترقيعية التدبير الحالي القائم على "الجرف دون تثبيت" يتعارض مع ثلاث مرجعيات قانونية ملزمة: 1
. دستور 2011 - الفصل 31: ينص على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين من الحق في بيئة سليمة ومن تنمية مستدامة. مصب مختنق، ملوث، يدمر الحياة المائية ويهدد السواحل المجاورة (الحوزية وعائشة البحرية) ليس بيئة سليمة. إن الاكتفاء بحل مؤقت يعلم الجميع أنه سيعيد الانغلاق بعد أشهر هو إخلال بواجب تعبئة "كل الوسائل المتاحة"، لأن الوسيلة المتاحة والمعروفة علميا هي التثبيت. 2
. القانون 12-03 المتعلق بدراسة الأثر على البيئة والقانون 81-12 المتعلق بالساحل: يعتبر القانون 81-12 المصبات (embouchures) مناطق هشة ذات حماية خاصة، ويمنع أي استغلال يغير من توازنها الهيدروديناميكي. إن عملية جرف ملايين الأطنان من الرمال من فم المصب دون دراسة أثر بيئي استراتيجية تعلن للعموم، ودون تقييم لأثرها على تآكل شاطئي الحوزية وعائشة، ودون تقييم لأثرها على التنوع البيولوجي، هو خرق واضح لمبدأ الوقاية ومبدأ عدم إلحاق الضرر الذي يقوم عليه القانون. 3
القانون رقم 27.13 المتعلق بالمقالع : المادة 2 والمادة 3 (تنظيم استخراج الرمال): تخضع عمليات تجريف واقتلاع الرمال الشاطئية والنهرية والمصبات لنظام التصريح وتصاميم الاستغلال، وتعتبر أي عملية جرف يتم من خلالها تسويق أو بيع الرمال دون خضوع لنصوص قانون المقالع استغلالاً مقلعياً غير ترخيصي (مقالع سرية أو مقنعة) تُعاقب عليها مقتضيات هذا القانون بعقوبات مالية وجنائية.
بنود القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلوماتالمادتين 6 و10 (إلزامية نشر المعطيات البيئية): تُلزم جميع المؤسسات والقطاعات الإدارية بنشر وإتاحة المعلومات المتعلقة بـ البيئة، والصفقات العمومية، وتدبير الملك العمومي. تتيح هذه المواد قانوناً المطالبة الرسمية بدفاتر التحملات، والكميات المجروفة، والجهات المستفيدة، والجهة الحقيقية لأموال الرمال التي يتم تسويقها باسم "التنقية"
. مبدأ عدم تفويت الملك العمومي المائي: قاع النهر والمصب هو ملك عمومي مائي غير قابل للتفويت. عندما يتم منح رماله لشركة خاصة تحت غطاء التنقية دون دفتر تحملات يحدد مسار الرمال وقيمتها وكيفية تتبعها، فنحن أمام تفويت مقنع لملك عمومي. وهنا يصبح الريع ليس فقط اقتصاديا، بل قانونيا. ثانيا: مسؤولية الدولة بين الإهمال والتواطؤ الضمني في القانون الإداري، هناك مفهوم يسمى "المسؤولية عن الإخلال بواجب الصيانة". الدولة مسؤولة عن صيانة المنشآت المائية وحماية السواحل. ومصب أم الربيع الذي يبلغ طوله 555 كلم ويصب في أزمور هو منشأة طبيعية استراتيجية. عندما تختار الإدارة الحل الأسهل والأرخص على المدى القصير (الجرف) وتتجنب الحل الأنجع والأكثر كلفة ابتداء لكن الأرخص على المدى الطويل (الحاجزان + المرسى الكاسر للأمواج + الجرف من البحر نحو الخلوة)، فهي لا تمارس فقط سوء تدبير، بل تخلق وضعية إهمال مهيكل. هذا الإهمال المهيكل هو الذي يسمح للريع بالاستمرار: كلما انغلق المصب، ظهرت الحاجة إلى صفقة جديدة، وكل صفقة جديدة تدر ربحا، وكل ربح يعز مصلحة في إبقاء المصب مغلقا.
المطالب القانونية المشروعة هي: 1.
وقف فوري لاي عمليات الجرف الريعية: إلى حين إجراء دراسة أثر بيئي استراتيجية حقيقية، علنية، تشمل حركة الرمال المتقاطعة وتأثير الجرف على شاطئي الحوزية وعائشة البحرية
. 2. إلزامية الحل الجذري: المطالبة بإدراج مشروع تثبيت فم المصب عبر الحاجزين البحريين (شمالا نحو عائشة وجنوبا نحو الحوزية) والمرسى الصغير الكاسر للتيار ضمن المخطط المديري لتهيئة حوض أم الربيع، كحل وحيد يحمي المصب نهائي
أ. 3الشفافية في تدبير الرمال: نشر دفتر التحملات الخاص بأي عملية جرف، وتحديد كمية الرمال المجروفة، وجهتها، وثمن بيعها، ومداخيلها، وإيداعها في صندوق خاص لحماية ساحل أزمور، عملا بمبدأ الشفافية في تدبير الملك العمومي.
إن قضية مصب أم الربيع تكشف كيف يمكن لمشروع تقني صغير أن يختزل كل أمراض التدبير العمومي في المغرب: تشخيص خاطئ متعمد، حل ترقيعي يخدم مصالح خاصة، وتجاهل للحل العلمي لأنه يقتل الريع. إن الإشكال، كما قلت بدقة منذ البداية، ليس فقط في جرف الرمال التي ترسبت في المصب بل في إثبات وتثبيت فم المصب وحمايته من الترمل من الجهتين. ويكون ذلك بوضع حاجزين باتجاه معين يمنعان الرمال من دخول المصب. دون هذا التثبيت وهذا الإنجاز سيبقى المصب مهددا بالانغلاق، وتكون العملية المزمع إنجازها ذر الرماد على العيون والاستفادة المالية دون بلوغ المقصود. إنقاذ مصب أم الربيع ليس عملا بيئيا فقط، بل هو استعادة لحق دستوري، وحماية لذاكرة مدينة، وقطع مع اقتصاد ريعي يحول أنهارنا إلى مقالع.
بقلم : محسين الشهباني
#محسين_الشهباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟