أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - بيرني ساندرز لم يعُد وحيداً















المزيد.....

بيرني ساندرز لم يعُد وحيداً


حازم كويي

الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 20:13
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


برانكو مارسيتيتش(*)
ترجمة: حازم كويي

عندما خاض بيرني ساندرز السباق إلى البيت الأبيض عام 2016، كان يُنظر إلى أجندة اشتراكية في التيار السائد بالولايات المتحدة على أنها لا تملك أي فرصة للنجاح. لكن بعد مرور عقد على ترشحه الأول، تواصل حركة اشتراكية آخذة في النمو مواصلة مهمته.

بالنسبة إلى أولئك في الولايات المتحدة الذين يميلون سياسياً، ولو بدرجة بسيطة، إلى اليسار، هناك حقبتان: حقبة ما قبل ترشح بيرني ساندرز للرئاسة وحقبة ما بعده. تبدو الولايات المتحدة قبل حملته الانتخابية الأولى اليوم وكأنها عالم مختلف تماماً. فلم يكن هناك عملياً أي اشتراكيين أو اشتراكيات يشغلون مناصب سياسية، أو على الأقل لم يكن هناك من يعلنون انتماءهم الاشتراكي صراحة. وكانت منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA) منظمة مجهولة إلى حد كبير، لا يزيد عدد أعضائها قليلاً على 6000 عضو موزعين على 26 فرعاً محلياً. وربما كانت الشخصية اليسارية الأبرز لغوياً متجهماً نادراً ما يظهر في وسائل الإعلام الرئيسية، وهو نعوم تشومسكي. ولم يُبدِ سوى 59 في المئة من الديمقراطيين وأقل من نصف الناخبين المتأرجحين استعدادهم للتصويت لمرشح اشتراكي. وكان الأمل الأكبر للتقدميين معقوداً على سياسية كانت تعارض باستمرار إقامة نظام صحي موحد، وخاضت الانتخابات ببرنامج لم تتجاوز أكثر مطالبه جذرية تشديد الرقابة التنظيمية وزيادة الاستثمارات العامة في القطاعات الصناعية الرئيسية.

وبعد خمس سنوات فقط من ترشح ساندرز، كان عشرات الاشتراكيين الذين يعلنون انتماءهم السياسي يشغلون بالفعل مناصب منتخبة على جميع مستويات الحكم، بما في ذلك الكونغرس الأمريكي. وقفز عدد أعضاء منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا إلى أكثر من 55 ألف عضو، وأصبح لديها أكثر من 150 فرعاً محلياً في مختلف أنحاء البلاد. وأصبح اشتراكيون مثل ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز من بين أكثر الشخصيات السياسية شعبية في البلاد. وارتفعت نسبة الديمقراطيين المستعدين للتصويت لمرشح اشتراكي إلى 74 في المئة. أما السياسية التقدمية المذكورة، إليزابيث وارن، فقد أطلقت حملتها الانتخابية الرئاسية التالية ببرنامج يدعو إلى إقامة نظام صحي موحد، وتوفير رعاية شاملة للأطفال، وإتاحة التعليم الجامعي الحكومي مجاناً، وإلغاء جزء من الديون.

لم يكن ساندرز ولا فريق حملته الانتخابية وحدهما المسؤولين عن هذه التغييرات. لكن من المؤكد أنه ليس من قبيل المصادفة أن المشهد السياسي قد تغير بهذه الصورة الجذرية خلال أقل من عقد على ترشحه الأول. وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن 97 في المئة من أعضاء منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، الذين يبلغ عددهم الآن 120 ألف عضو، قد انضموا إليها بعد عام 2016. بل إن الأغلبية انضمت منذ عام 2019، عندما أطلق ساندرز حملته الانتخابية الثانية، وبعد عام واحد من انتخاب أوكاسيو كورتيز للمرة الأولى. فقبل أن يعلن ساندرز رسمياً ترشحه الأول للرئاسة، خلال مؤتمر صحفي أمام مجموعة صغيرة من المراسلين في مبنى الكابيتول هيل، حيث تمتم من بين أمور أخرى بأنه لا يملك «وقتاً غير محدود»، لأنه يتعين عليه في نهاية المطاف العودة إلى العمل، كان معظم الناس، حتى في أوساط اليسار، سيقولون إن العالم الذي نعيشه اليوم، بكل ما فيه من أهوال، ولكن أيضاً من فرص ظهرت فجأة، لا يزال بعيداً عنا، في أفضل الأحوال، بعقود من الزمن.
كان هناك بالفعل عدد من الاشتراكيين والاشتراكيات يشغلون مناصب سياسية قبل ترشح ساندرز. فعلى سبيل المثال، فازت شاما سوانت بمقعد في مجلس مدينة سياتل عام 2013، وأدى كارلوس راميريز روزا اليمين الدستورية عضواً في مجلس مدينة شيكاغو قبل 29 يوماً من إعلان ساندرز ترشحه، رغم أنه لم يخض الانتخابات رسمياً بصفته اشتراكياً. وقد انضم راميريز روزا إلى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا بعد بضعة أشهر من فوز دونالد ترامب في انتخابات عام 2016. لكن الجاذبية الأوسع لبرنامج ساندرز على مستوى البلاد كانت مختلفة. فقد تعلم ملايين الأمريكيين على مدى سنوات طويلة أن يحدّوا من طموحاتهم السياسية بصورة تلقائية. ثم جاء ساندرز ليذكّرهم بأن بإمكانهم، بل ينبغي لهم، النضال من أجل أمور كانوا يعتقدون أنها مستحيلة، لا لأنها غير قابلة للتحقيق فعلاً، بل لأن الإرادة السياسية اللازمة لتحقيقها كانت غائبة بوضوح. وهذا تحديداً ما كان كثيرون يريدونه.

أظهرت حملة ساندرز الانتخابية أن الاشتراكي يستطيع كسب تأييد أشخاص لم يسبق لهم أن اهتموا ولو من بعيد بالليبرالية التي سادت في عهد الصفقة الجديدة، فضلاً عن الماركسية. ومهما كانت الأسباب العميقة وراء ذلك، سواء أصالة ساندرز، أو تمرده على المؤسسة السياسية التقليدية، أو حقيقة أن الأسر المحافظة نفسها لم تكن ترغب في الإفلاس بسبب الفواتير الطبية، فقد كان ساندرز يتمتع بجاذبية تتجاوز حدود الأحزاب. ولم يكن من غير المألوف في تلك السنوات أن يعلن أنصار ترامب أن بيرني هو خيارهم الثاني بعد الملياردير المحرّض على الكراهية.

ليشاهدوا ما تستطيع فعله يا بيرني
كانت الأفكار والاستراتيجيات السياسية أمراً، لكن ساندرز زوّد الاشتراكيين الأمريكيين اليوم أيضاً بمفردات جاهزة وأسلوب عملي لتسويق تلك الأفكار. فقد اتسمت العقود التي عانى فيها اليسار من الجفاف السياسي ببحث طويل، لم يثمر في كثير من الأحيان، عن شخصية سياسية قادرة على قيادته والتعبير عنه. وقبل ظهور ساندرز، كان عدد من الشخصيات اليسارية الحادة، التي دافعت عن القضايا نفسها التي سيشتهر ساندرز لاحقاً بالدفاع عنها، يبدون في كثير من الأحيان أشخاصاً غريبي الأطوار، وإن كان ذلك ظلماً لهم. ومن بينهم دينيس كوسينيتش، الذي طغى ميله إلى فن التحدث من البطن وادعاؤه أنه شاهد جسماً طائراً مجهولاً على دعوته إلى إقامة نظام صحي موحد. وكذلك مايك غرافل، الذي طغى أسلوبه في الظهور، حيث كان يتصرف كثيراً كأنه شخص يصرخ بصورة هستيرية، على رسالته المناهضة للحرب، وهي رسالة جديرة بالتقدير. ففي ذلك الوقت، كان السياسيون اليساريون إما أصحاب رؤية، لكنهم يفتقرون إلى المصداقية، أو، كما في حالة إليزابيث وارن، يتمتعون بالجدية والمصداقية، لكن رؤيتهم لم تكن طموحة بما يكفي.
أما ساندرز، فبدا شخصاً عادياً، لكنه حازم. فلم يظهر بمظهر المتعصب الأيديولوجي أو اليساري المتشدد الذي يطلق الشعارات الصاخبة أو يستخدم المصطلحات المتخصصة غير المفهومة. بل ظهر فجأة شخص يصوغ الأفكار الاشتراكية بلغة الحياة اليومية، ويقنع كثيرين بأن هذه الأفكار ليست في جوهرها سوى تعبير عن المنطق السليم. وحتى بعض سماته الغريبة التي اكتسبها على مدار حياته كانت مفيدة له جزئياً: فشعره غير الممشط، وبدلاته المجعدة، ونفوره من الأحاديث العابرة، عززت صورته بوصفه مناضلاً مباشراً لا يحب التكلف. وفي المقابل، تمكن من دحض اتهامات خطيرة بسرعة ونجاح.
وعندما شاهد الأمريكيون ساندرز بأعينهم وسمعوه بأذانهم، لم يروا الصورة الكاريكاتورية للاشتراكي التي غرستها الثقافة الشعبية في أذهانهم، بل رأوا مناضلاً غاضباً يدافع عن الطبقة العاملة الأمريكية ويواجه القوى التي تستغلها مراراً وتكراراً، مثل المصارف الكبرى وشركات التأمين الصحي والسياسيين الفاسدين والمليارديرات الذين يمولونهم. وكانت هذه بالفعل وصفة النجاح التي مهدت لنجاح ساندرز الانتخابي الأول في الوصول إلى الكونغرس الأمريكي عام 1990. فقد استغل بذكاء عملية إنقاذ المؤسسات المالية التي جرت في العام السابق، واتخذ منها نقطة للمقارنة السياسية التي شن حملته على أساسها. وكثيراً ما كانت تمر به سيارات تطلق أبواقها، فيما يناديه سائقوها من نوافذها قائلين: أرِهم ما تستطيع فعله يا بيرني!

لقد رأوا فيه أيضاً شخصاً يربط هذه الأفكار بتقليد وطني معروف لدى الأمريكيين. صحيح أن ساندرز كان يشير كثيراً إلى دول مثل الدنمارك والسويد، ليُظهر أن السياسات التي يدعو إليها قابلة للتطبيق عملياً. لكن الأهم أنه كان يستشهد دائماً ببرنامج الصفقة الجديدة، باعتباره أشهر مثال تاريخي قريب من البرنامج الذي تصوره لمستقبل البلاد. وبهذا، عارض أيضاً نزعة بعض الراديكاليين إلى التقليل من شأن برنامج الرئيس فرانكلين د. روزفلت، واعتباره مجرد سلسلة من الإصلاحات الليبرالية التي لم تخدم في نهاية المطاف سوى الرأسمالية وأسهمت في تعزيزها.
خلال ترشحه الأول، وكذلك في ترشحه الثاني لاحقاً، ألقى ساندرز خطاباً عرض فيه برنامجه، وشرح للأمة معنى الاشتراكية الديمقراطية، مستحضراً تجربة الصفقة الجديدة. وكانت هناك أسباب وجيهة لذلك، تتجاوز مجرد سهولة فهم هذا المثال التاريخي لدى الناخب الأمريكي. فمع أن برنامج روزفلت تضمن العديد من التسويات، فإن أبرز إنجازاته وأكثرها استدامة كانت في كثير من الأحيان ثمرة مطالب طرحها راديكاليون من اليسار، وأسهموا في صياغتها ووضعها موضع التنفيذ.

استغرق الجيل الجديد من الاشتراكيين والاشتراكيات، الذين استلهموا أفكارهم من ساندرز، بعض الوقت لاستيعاب كل هذه الدروس. فقد تمسك كثيرون منهم بنزعة أخلاقية قائمة على إصدار الأحكام، وبمفردات مثقلة بالمصطلحات المتخصصة، وهي أمور طالما اعتُبرت طبيعية في أوساط اليسار. وفي الوقت نفسه، لا يزال إصرار الاشتراكيين المدمر على «إلغاء» الشرطة والسجون قائماً حتى اليوم، رغم ما ينطوي عليه هذا التوجه من عيوب سياسية وعملية عديدة.
لكن النقطة الحاسمة هي أن دروس ساندرز قد ترسخت بالفعل. ويمكننا أن نرى ذلك اليوم في أسلوب التواصل الأكثر وضوحاً والنهج الأكثر تركيزاً على الصراع الطبقي لدى ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، التي باتت تركز على سلطة المليارديرات أكثر من تركيزها على العنصرية وحدها عند تفسير صعود اليمين. وبالمثل، أصبحت أوكاسيو كورتيز تقول اليوم إن «الثورة الأمريكية كانت موجهة ضد مليارديرات عصرها»، بدلاً من القول إن الأمر يتطلب «التقاطعية والترابط المتبادل» بين النضالات المختلفة.
ونرى ذلك أيضاً لدى عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي يُعد من أكثر السياسيين شعبية في البلاد. فقد اتبع نهجاً مختلفاً في قضايا الأمن العام وعمل الشرطة، يشبه النهج الذي اتبعه ساندرز. كما استند فوز ممداني في الانتخابات إلى نجاحه في كسب تأييد نقابة الشرطة المحلية.

البناء المتواصل
كانت جميع العناصر التي ميزت مسيرة ساندرز السياسية ودعمتها في حقبة كانت أكثر عداءاً للاشتراكية بكثير حاضرة بالفعل في حملته الانتخابية الأولى. وهكذا، أصبحت حملته نموذجاً يُحتذى به للاشتراكيين الأمريكيين في القرن الحادي والعشرين، سواء فيما يتعلق بأساليب الحملات الانتخابية أو بكيفية التعامل مع الرأي العام الأمريكي المتشكك. ومن منظور عام 2026، يمكن القول إن هذا النموذج مكّنهم من إحداث تغيير جذري في السياسة الأمريكية.
وقد يؤدي فوز دونالد ترامب مرتين في الانتخابات وتراجع قوة المؤسسات الليبرالية إلى تجاهل هذا التطور بسهولة. كما تسهم الصحافة السائدة بدورها في ذلك بصورة منتظمة، إذ تظل مستعدة دائماً لإعلان وفاة اليسار، وتؤكد لنا مراراً وبكل ثقة أن الحركة الاشتراكية بدأت تفقد زخمها، بعدما أعاد ترشح ساندرز الحياة إليها.
لكن الواقع مختلف. فبعد عقد واحد فقط من الزمن، كانت المناصب المنتخبة في البلاد لا يشغلها سوى حفنة من الاشتراكيين في أفضل الأحوال، أما اليوم، فقد أصبحوا يشغلون مناصب مهمة في مواقع السلطة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. وفي العام المقبل، سيكون هناك ما لا يقل عن سبعة اشتراكيين واشتراكيات في مجلس النواب الأمريكي. وهذا العدد يقارب أربعة أضعاف ما كان عليه عندما أعلن ترامب، وسط تصفيق حار من أعضاء الكونغرس وقوفاً، أن «أمريكا لن تكون أبداً بلداً اشتراكياً».

وفي نوفمبر 2026، من شبه المؤكد أن يُنتخب اشتراكي عمدةً للعاصمة واشنطن. ويشغل اشتراكيون رئاسة مجلسي المدينة في كل من سانت لويس بولاية ميزوري وبروفيدنس بولاية رود آيلاند. وفي بروفيدنس، تمكنت القائمة التقدمية من الفوز بمعظم مقاعد مجلس المدينة، بصورة شبه كاملة. كذلك يسيطر الاشتراكيون على ثلث مقاعد مجلس مدينة بورتلاند، ويشغلون ما يقارب ثلث مقاعد مجلس مدينة مينيابوليس، حيث يتولى أعضاء يحظون بدعم منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا مناصب قيادية لدى الأغلبية والأقلية على حد سواء. كما يشغل الاشتراكيون أربعة مقاعد في مجلس مدينة لوس أنجلوس، الذي يتألف من 15 عضواً .
وفي ولاية ويسكونسن، عادت كتلة اشتراكية إلى المجلس التشريعي للولاية بعد غياب دام نحو مئة عام. وكاد أحد أعضائها أن يفوز هذا العام في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لاختيار مرشحه لمنصب حاكم الولاية. أما في مدينة سومرفيل بولاية ماساتشوستس، فيقترب الاشتراكيون في مجلس المدينة منذ سنوات من تحقيق الأغلبية المطلقة.
إذا كان عدد الاشتراكيين الذين يشغلون مناصب منتخبة في نهاية العقد الماضي لا يتجاوز بضع عشرات، فإن عددهم اليوم يزيد على 250 شخصاً في مختلف أنحاء البلاد. ويمكن العثور عليهم في كل مكان، من الولايات الجبلية، مثل سانتا فيه وميسولا وأورورا، مروراً بالغرب الأوسط، في مدن مثل توليدو ولويفيل، وكذلك في ولاية آيوا وشيكاغو، وصولاً إلى نيو إنغلاند، في مدن مثل بورتلاند وكامبريدج، وفي المجالس التشريعية لولايتي فيرمونت وكونيتيكت، فضلاً عن ولايات الجنوب، في مدن مثل نيو أورلينز وأتلانتا ونوكسفيل وسان أنطونيو وغيرها.
وبالطبع، يحكم اليوم اشتراكي مدينة نيويورك، أكبر مدن البلاد من حيث عدد السكان، وموطن القطاع المالي، وصاحبة أكبر اقتصاد حضري في العالم. ويحظى ممداني بدعم أربعة من زملائه الاشتراكيين في مجلس مدينة نيويورك، فضلاً عن 16 اشتراكياً سيشغلون مقاعد في المجلس التشريعي لولاية نيويورك اعتباراً من نوفمبر. وحتى قبل أن يبلغ الاشتراكيون هذا العدد، عندما كانت أعدادهم أقل بكثير، لعب أشخاص مثل ممداني دوراً قيادياً في تحقيق إنجازات تشريعية تقدمية مهمة في ولاية نيويورك. فقد ساعدوا، من بين أمور أخرى، في إقرار تدابير حماية شاملة للمستأجرين من الإخلاء القسري، كما أسهموا في تيسير انتقال أكبر شركة مرافق عامة في الولاية إلى استخدام الطاقة المتجددة.
وقد استلهم كثير من هؤلاء السياسيين أفكارهم مباشرة من ساندرز. فألكساندريا أوكاسيو كورتيز، والنائبة سمر لي، وكوري بوش، العضوة السابقة في مجموعة «السكواد»، وإريكا أوتيرهوفن، النائبة في المجلس التشريعي لولاية ماساتشوستس، عملن جميعاً متطوعات في حملته أو شاركن في حملته الانتخابية عام 2016. وأشار ممداني صراحة إلى أن تلك الحملة هي التي دفعته إلى اعتناق الاشتراكية. كما يعزو سياسيون آخرون يطمحون إلى تولي منصب عمدة مدينة، مثل ديفيد موراليس من بروفيدنس وجانيس لويس جورج من واشنطن، صحوتهم السياسية إلى التأثير نفسه. وينطبق الأمر ذاته على الاشتراكية كلير فالديس وعضو مجلس مدينة سانت بطرسبرغ ريتشي فلويد، الذي أصبح أول اشتراكي يُنتخب لتولي منصب في ولاية فلوريدا منذ مئة عام. ويمكن للمرء أن يحضر أي تجمع اشتراكي كبير نسبياً في الولايات المتحدة، ومن المرجح أن يجد في كل مكان تذكارات تحمل شعار «بيرني 2016».

لم تعد الاشتراكية في الولايات المتحدة اليوم ذلك الشبح المخيف الذي كانت عليه في الماضي، بعدما ارتبطت مجدداً ببرامج سياسية ملموسة وشخصيات سياسية قريبة من حياة الناس. وأصبح معظم ناخبي الحزب الديمقراطي، الذين يعرّف ثلثهم أنفسهم الآن بأنهم اشتراكيون ديمقراطيون، مستعدين لقبول ترشيح اشتراكي، بل إن بعضهم يفضّل بالفعل شخصيات تنتمي إلى هذا التيار. وتُظهر عدة استطلاعات للرأي أن أشخاصاً من مختلف التوجهات السياسية باتوا ينفرون من ممثلي حركة »«لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً (MAGA) » والمرشحين المدعومين من ترامب أكثر مما ينفرون من الاشتراكيين الديمقراطيين الذين يعلنون انتماءهم إلى هذا التيار.
ومع أن الجيل الحالي من المسؤولين الاشتراكيين المنتخبين لا يزال بعيداً، من حيث الأعداد والنفوذ السياسي، عن بلوغ المستوى الذي بلغته الحركة في ذروة قوتها مطلع القرن العشرين، فلا شئ يشير إلى أن الحركة قد استنفدت إمكاناتها الحالية حتى من قريب.

لم يعد وحيداً
يبقى السؤال هو ما إذا كانت الحركة قادرة على الحفاظ على مسارها التصاعدي. ومن بعض النواحي، كان الطريق الذي سلكه ساندرز للوصول إلى أول سباق رئاسي، والذي امتد على مدى 35 عاماً، أسهل من الطريق الذي يتعين على ورثته السياسيين سلوكه اليوم. فليس الأمر مقتصراً على أن القمع الحكومي لليسار بات يبلغ مستويات تتجاوز حتى ما كان مألوفاً في عهد رونالد ريغان، بل إن الاشتراكيين البارزين يواجهون اليوم هجمات ومعلومات مضللة من بعض الأوساط اليسارية بقدر ما يواجهونها من المحافظين.
تعرض ساندرز طوال مسيرته المهنية أيضاً لوابل من الاتهامات نفسها التي يوجهها اليسار اليوم إلى خلفائه، إذ اتُّهم بالخيانة للقضية، والإمبريالية، والليبرالية، والخداع، وبالتساهل المفرط مع الحزب الديمقراطي، وغير ذلك. لكن هذه الاتهامات وُجّهت في وقت كان فيه اليسار مهمشاً إلى حد كبير، ولذلك لم يكن لها تأثير يُذكر عليه حتى ترشحه عام 2015. بل إن ساندرز كان يُنظر إليه آنذاك، في عيون مؤيديه وخصومه على حد سواء، باعتباره شخصاً استثنائياً، ساذجاً إلى حد ما، لكنه مثالي مخلص لمبادئه ونقيّ في توجهاته، بدلاً من اعتباره الاستراتيجي المحنك والعملي إلى أبعد الحدود الذي هو عليه في الواقع.
وقد أثبت النجاح صحة نهجه. فقد ظلت الراديكالية التي لا تتراجع عن مبادئها، مع التحلي بالواقعية والعملية، في صميم أسلوب ساندرز. وبينما واصل السير في هذا الطريق بثبات، انضم إليه الملايين وساروا خلفه. وفي مرحلة ما، عندما بلغت الحركة ذروة قوتها حتى الآن، استدار ساندرز ونظر خلفه، فرأى شيئاً مذهلاً حقاً: أنه لم يعد وحيداً.



برانكو مارسيتيتش(*): صحفي، ومؤلف كتاب «رجل الأمس: القضية ضد جو بايدن».



#حازم_كويي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دور القومية العرقية المتطرفة
- مواجهة صعود اليمين تبدأ من اليسار: نحو استقطاب سياسي جديد
- ترامب والإمبريالية الأمريكية المتراجعة: خطر متزايد على العال ...
- الثورة الاجتماعية في إسبانيا ضد الفاشية
- مالذي يمكن لليسار أن يتعلمه من أسلوب زهران ممداني في التواصل
- السياسة الواقعية الثورية في البلديات
- الشعبويون لا يصنعون أغلبية
- الاشتراكية الديمقراطية أم إدارة النقص
- كيف يستمر الحكم الاستعماري حتى يومنا هذا
- طفرة الذكاء الاصطناعي لم يطلبها أحد: من يدفع ثمن عواقبها؟
- مؤشر مبكر على العواصف السياسية
- لماذا تُعد أطروحة الإقطاع التكنولوجي ماركسية؟
- أكثر من مجرد مقرّ حزبي – لماذا ينبغي لنا أن نفكر إلى ما هو أ ...
- ترامب يستخدم البيروقراطية لمصلحة الأثرياء، وممداني يسعى لتخف ...
- خمسة أوهام تُبقينا أسرى الرأسمالية
- استعمار التكنوقراط
- من هم -حزب الصراصير- الشعبي في الهند، ولماذا يُنظم الاحتجاجا ...
- كيف نظهر الرقي في طريقة تواصلنا؟
- من يتقدم؟الولايات المتحدة أم الصين
- سردية العِرق والطبقة في حوارات طرق الأبواب


المزيد.....




- بيان تنديدي: القمع المخزني المسعور بطنجة لن يثنينا عن دعم ال ...
- بلاغ السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة ...
- -يسار أم وجه آخر للاستعمار-.. كيف أسس -صناع السلام- بنية الا ...
- فرنسا: من هو غلوكسمان ؟ وكيف أصبح مرشح الحزب الاشتراكي للرئا ...
- الفكر الاقتصادي الماركسي يفقد عملاقه للقرن العشرين: أنوار ش ...
- فرنسا: رافائيل غلوكسمان يفوز بترشيح المعسكر الاشتراكي-الديمق ...
- ل? ??گ?ي خ?باتي ج?ماو?ريي ي?کگرتوو?و?، د?توانر?ت سياس?تي حکو ...
- The Imperial Pen: Geopolitical Vandalism in West Asia
- Waffling at the UN: OpenAI, Anthropic and Selling Artificial ...
- “Super Intelligence” vs “Artificial Intelligence” is the Lat ...


المزيد.....

- من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير / رزكار عقراوي
- التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود ... / رزكار عقراوي
- الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم ... / شادي الشماوي
- الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ ... / شادي الشماوي
- القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري / رزكار عقراوي
- بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال ... / الأممية الرابعة
- التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم ... / شادي الشماوي
- الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي ... / شادي الشماوي
- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال / المناضل-ة
- كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - بيرني ساندرز لم يعُد وحيداً