تينغز تشاك
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 00:09
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
تينغز تشاك (翟庭君) هي المنسقة المشاركة لشؤون آسيا في معهد تريكونتيننتال للبحوث الاجتماعية، ومحررة في النسخة الدولية من مجلة «ونخوا زونغهينغ: مجلة الفكر الصيني المعاصر».
المصدر: غلوبتروتر
أُنتج هذا المقال بواسطة غلوبتروتر.
في 25 أكتوبر، يعود البرازيليون إلى صناديق الاقتراع للاختيار بين الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي حُكم عليه بالسجن 27 عاما لدوره في محاولة انقلاب. وفي الجولة الأولى، حصل فلافيو على 47.03% من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16% للولا، في نتيجة تكشف استمرار قوة اليمين المتطرف بعد أربع سنوات من هزيمته الانتخابية. وتجري جولة الإعادة في وقت يسعى فيه دونالد ترامب إلى استعادة الهيمنة الأميركية على أميركا اللاتينية، فيما أصبحت البرازيل ساحة رئيسية في حملة واشنطن الرامية إلى احتواء تنامي العلاقات بين الصين ودول المنطقة.
على مدى العقدين الماضيين، بنت البرازيل والصين شراكة سياسية وسعت هامش الاستقلالية المتاح أمام بلدان الجنوب العالمي. وفي ظل قيادة لولا وشي جين بينغ، تعمقت هذه العلاقة من خلال التعاون في التنمية الصناعية والبنية التحتية والعلوم والتكنولوجيا. وستحدد الانتخابات ما إذا كان هذا المشروع سيتقدم أم أن توجه البرازيل الدولي سيخضع مجددا لواشنطن، في إطار إحياء مبدأ مونرو، بالتزامن مع التحول نحو اليمين الذي تشهده القارة.
منذ عودة لولا إلى الرئاسة عام 2023، ربطت الحكومتان التعاون الصيني ببرامج التنمية البرازيلية، بما فيها برنامج «الصناعة البرازيلية الجديدة»، وبرنامج تسريع النمو، وخطة التحول البيئي. وأسفرت زيارة لولا إلى بكين في مايو 2025 عن 36 اتفاقا شملت البنية التحتية والتمويل والذكاء الاصطناعي والصحة العامة والتعاون الصناعي. وتقف وراء هذه الاتفاقات مسألة قديمة تتمثل في تجاوز الموقع التابع للبرازيل ضمن التقسيم الدولي للعمل، حيث لا تزال صادرات المواد الأولية تتفوق على التطور الصناعي والتكنولوجي المتقدم.
وامتد هذا التعاون أيضا إلى الحركات الشعبية البرازيلية. فمن خلال الرابطة الدولية للتعاون الشعبي «باوباب»، عملت حركة العمال الريفيين بلا أرض في البرازيل (MST) ومنظمات أخرى مع مؤسسات صينية في مجالات الميكنة الزراعية والمدخلات الحيوية والتقنيات الرقمية لخدمة الزراعة الأسرية. وتشمل هذه المبادرات مختبر الزراعة الأسرية الرقمية والإيكولوجيا الزراعية ومشروع IARAA، وهو مشروع للذكاء الاصطناعي يخدم الإيكولوجيا الزراعية والإصلاح الزراعي، طورته حركات شعبية برازيلية بالاستفادة من نماذج صينية مفتوحة المصدر. وفي ريف يتسم بتركز شديد للأراضي والآلات ورأس المال، يوفر هذا التعاون أدوات جديدة للمنظمات الفلاحية التي تناضل من أجل الإصلاح الزراعي وإنتاج غذاء صحي.
تكشف علاقة البرازيل بالصين أيضا عن المصالح الطبقية المتباينة داخل البلاد، وتظهر تناقضاتها بوضوح خاص في الريف. فقد استمرت الصادرات الضخمة من فول الصويا واللحوم والمعادن في عهدي بولسونارو ولولا، لكن الحكومتين انتهجتا سياسات مختلفة تماما تجاه بكين. ففي حين هاجم جايير بولسونارو الصين واصطف مع واشنطن، سعى لولا إلى تعميق التعاون الاستراتيجي، بما يشمل التنمية الصناعية والتكنولوجيا والإصلاح الزراعي.
أما فلافيو بولسونارو، فيعد اليوم بإقامة علاقة مع الصين تتسم بـ«البراغماتية الاقتصادية»، مع العمل في الوقت نفسه على توثيق علاقاته بترامب. وبالنسبة إلى قطاعات من الطبقات الحاكمة البرازيلية التي تجني الأرباح من تصدير المواد الأولية، لا يوجد تناقض كبير بين مواصلة بيع منتجاتها للصين وتبني الأجندة السياسية لواشنطن. أما بالنسبة إلى جهود البرازيل لإعادة بناء صناعتها وتطوير سيادتها التكنولوجية، فإن العواقب ستكون أكبر بكثير.
عودة مبدأ مونرو
أعلنت واشنطن طموحاتها بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في ديسمبر 2025، التي طرحت ما سمته «ملحق ترامب» لمبدأ مونرو، بهدف استعادة التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي ومنع القوى الخارجية من السيطرة على الموارد والبنية التحتية الاستراتيجية.
وبعد خمسة أيام، أصدرت الصين وثيقتها الثالثة بشأن سياسة الصين تجاه أميركا اللاتينية، مؤكدة مجددا مبادئ السيادة وعدم التدخل والتكامل الإقليمي والتعاون التكنولوجي، ودعم تحويل المنطقة إلى منطقة سلام. وتكشف الوثيقتان عن نهجين مختلفين جذريا تجاه المستقبل السياسي للقارة.
يكتسب موقف البرازيل أهمية حاسمة. فهي أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، وعضو مؤسس في مجموعة بريكس، وفاعل رئيسي في السوق الجنوبية المشتركة «ميركوسور». وتمتلك قدرات صناعية وعلمية وسياسية يمكن أن تعزز التنمية المستقلة في أميركا اللاتينية وخارجها.
ويجعل ظهور عصر تكنولوجي جديد هذا الصراع أكثر أهمية. فالبرازيل واحدة من البلدان القليلة في الجنوب العالمي القادرة على السعي إلى تحقيق السيادة الرقمية والتكنولوجية، بما قد يعود بالنفع على جيرانها وأجزاء من أفريقيا. وتمثل حصتها التي تبلغ نحو 23% من الاحتياطيات العالمية للعناصر الأرضية النادرة نقطة انطلاق مهمة، لكن السيطرة على المعادن وحدها لا تكفي. فالتحدي الأكبر يتمثل في تطوير القدرة على معالجتها وتصنيع المكونات المتقدمة، وبناء البنية التحتية الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي والتقنيات التي ستحدد ملامح الإنتاج في المستقبل.
وقد أوضح فلافيو توجهه بجلاء. ففي مارس 2026، وخلال مشاركته في مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) في الولايات المتحدة، قدم البرازيل بوصفها «الحل» لاعتماد واشنطن على الصين في المعادن الحيوية، رابطا صراحة بين العناصر الأرضية النادرة والذكاء الاصطناعي والتفوق العسكري الأميركي. كما تناولت تقارير اقتصادية صينية مقترحات قدمها فريقه لاستبعاد الصين من سلاسل إمداد العناصر الأرضية النادرة.
وبدلا من توظيف موارد البرازيل لتطوير قدراتها الصناعية والتكنولوجية الخاصة، من شأن هذه الأجندة أن تضع تلك الموارد في خدمة القوة التكنولوجية والعسكرية الأميركية.
ويمتد التوجه السياسي نفسه إلى مسألة السيادة الرقمية. ففي يوليو 2026، قدم فريق حملة فلافيو مقترحات إلى السلطات التجارية الأميركية، تضمنت منع نظام المدفوعات البرازيلي «بيكس» من الاتصال بشبكات المدفوعات الدولية غير الغربية، وتخفيف الالتزامات ضمن ميركوسور. وتلتقي هذه المقترحات مع حملة أميركية أوسع تشمل الرسوم الجمركية والتنظيم الرقمي والمعادن الاستراتيجية ومحاولات التأثير في العملية الانتخابية البرازيلية.
وفي الوقت نفسه، أظهر القصف الأميركي لفنزويلا في يناير 2026 واختطاف نيكولاس مادورو وسيليا فلوريس مدى استعداد واشنطن للذهاب بعيدا لفرض إرادتها على القارة.
بريكس والنضال من أجل سياسة خارجية مستقلة
أسهمت البرازيل، ولا سيما في عهد لولا، في بناء مؤسسات تتيح لبلدان الجنوب العالمي تقليص اعتمادها على الهياكل التي يهيمن عليها الغرب. ففي قمة بريكس المنعقدة في ريو دي جانيرو في يوليو 2025، دفعت المجموعة باتجاه تعزيز التعاون في تمويل التنمية والمعاملات بالعملات المحلية وإصلاح المؤسسات الدولية. ويعد بنك التنمية الجديد، الذي ترأسه الرئيسة البرازيلية السابقة ديلما روسيف، تعبيرا مهما عن هذه الجهود.
لا تستطيع بريكس، بصورة تلقائية، تجاوز التبعية الاقتصادية أو ضمان السيادة للشغيلة. لكن توسع المجموعة يتيح مجالا أوسع للتنمية المستقلة، شريطة امتلاك الحكومات المشاركة الإرادة السياسية اللازمة لاستثمار هذه الإمكانات.
ويكشف تاريخ البرازيل مدى صعوبة الدفاع عن هذا الاستقلال. ففي عام 1961، أصبح نائب الرئيس جواو غولارت أول ممثل رفيع المستوى لحكومة في أميركا اللاتينية يزور جمهورية الصين الشعبية، حيث التقى ماو تسي تونغ، في وقت كانت فيه الصين الثورية معزولة دبلوماسيا وتخضع لعقوبات أميركية. وبعد ثلاث سنوات، أطيح بغولارت في انقلاب عسكري مدني مدعوم من الولايات المتحدة، دشّن ديكتاتورية استمرت 21 عاما.
ولم يكن التاريخ المبكر للصداقة الصينية البرازيلية منفصلا عن الصراعات على السيادة الوطنية والإصلاح الزراعي والقوى المصممة على قمعهما.
إن الظروف المادية الدولية المتاحة اليوم للتعاون بين بلدان الجنوب أكثر ملاءمة بكثير مما كانت عليه في الماضي، لكن الاتجاه السياسي يظل عاملا حاسما. فقد استضاف جايير بولسونارو قمة بريكس عام 2019 في برازيليا، بينما كان يعمل على توثيق اصطفافه مع واشنطن. ويمكن لحكومة ما أن تفرغ المؤسسات من مضمونها من الداخل، عندما تتخلى عن الالتزامات السياسية التي تمنحها معناها الفعلي.
ويعكس صعود اليمين المتطرف مجددا أيضا استمرار قوة الطبقات الحاكمة البرازيلية نفسها. إذ يتمتع التيار البولسوناري بقاعدة داخلية لدى قطاعات من الأعمال الزراعية الكبرى والقطاع المالي والأجهزة الأمنية والميليشيات والشبكات الدينية المحافظة ووسائل الإعلام الكبرى.
وقد تعززت هذه القوى، التي واصلت تحقيق مكاسب انتخابية ومؤسسية، بفعل الانقلاب البرلماني على ديلما روسيف عام 2016 والملاحقة القضائية للولا. وتمتلك هذه القوى تنظيماتها ومصالحها المادية ومصادر نفوذها الخاصة، وهي لا تختفي بمجرد خسارة الانتخابات. كما أن اعتمادها الاقتصادي على الأسواق الصينية لم يمنعها من دعم الأجندة السياسية لواشنطن.
ما بعد الانتخابات
تتابع بكين الانتخابات البرازيلية عن كثب، وهو ما يعكس أهمية العلاقة السياسية التي بناها لولا وشي على مدى سنوات من التعاون. ففي يوليو، أكد شي خلال محادثة مع لولا دعم الصين للبرازيل في مواجهة التدخل الخارجي. وتناول الطرفان أيضا التعاون في الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية ومعالجة المعادن والعلاقات بين الصين وميركوسور.
وفي سبتمبر، استقبل وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين مستشار لولا ووزير الخارجية البرازيلي السابق سيلسو أموريم، مؤكدا الشراكة الاستراتيجية الثنائية.
إن مبدأ عدم التدخل الذي تتبناه الصين يعني أن اختيار الحكومة البرازيلية يعود إلى الشعب البرازيلي. لكن ضبط النفس الدبلوماسي الذي تمارسه بكين لا ينبغي الخلط بينه وبين غياب المصالح السياسية، أو افتراض أن جميع الحكومات ستنتهج العلاقة نفسها مع الصين.
وقد وصف محللون صينيون السيناريو المحتمل في ظل رئاسة فلافيو بعبارة «سياسة باردة واقتصاد ساخن». فمن المرجح أن تستمر تجارة المواد الأولية، لكن العلاقات السياسية والتعاون في القطاعات الاستراتيجية قد يتراجعان. وقد أظهرت تجربة رئاسة جايير بولسونارو بالفعل حدود قدرة المصالح التجارية على الحفاظ على شراكة سياسية أوسع.
وبالنسبة إلى الشعب البرازيلي، تتجاوز العواقب حدود السياسة الخارجية بكثير. فالانتخابات ستؤثر أيضا في الصراعات المتعلقة بحقوق العمل والخدمات العامة والإصلاح الزراعي والدفاع عن المجال الديمقراطي. وقد أتاح الدور المتجدد للبرازيل في التعاون بين بلدان الجنوب، في عهد لولا، إمكانات لبناء مشروع تنموي يستجيب لاحتياجات الشغيلة البرازيليين. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتوقف على القوى السياسية والاجتماعية القادرة على دفع هذا المشروع إلى الأمام.
لقد خاض الشعب البرازيلي نضالات في مواجهة الديكتاتورية وإعادة الهيكلة النيوليبرالية والانقلابات البرلمانية وصعود اليمين المتطرف، دفاعا عن مكاسبه السياسية والاجتماعية. وتمثل هذه الانتخابات محطة جديدة في هذا النضال الطويل، الذي يجري اليوم في ظل تجدد التدخل الإمبريالي الأميركي وتحول الأسس التكنولوجية للعالم.
وسيتوقف مستقبل التعاون الصيني البرازيلي على قدرة القوى الشعبية المنظمة على بناء مشروع وطني ذي سيادة، وتحويل التعاون الدولي إلى تغييرات دائمة في حياة الناس.
https://portal.globetrotter.media/2026/10/10/how-brazils-election-could-reshape-relations-with-china/
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟