أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - -أنا أفكّر- لا تعني -أنا طحّان-.. في نقد الكوجيتو المستعار وازدواجية الأنوار















المزيد.....

-أنا أفكّر- لا تعني -أنا طحّان-.. في نقد الكوجيتو المستعار وازدواجية الأنوار


احمد الكافي يوسفي

الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 10:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


احمد الكافي يوسفي، باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة
حين يرفع شباب فرنسا اليوم شعارهم المحفّز "أنا أفكّر.. إذن أنا من اليسار"، فهم لا يرددون مجرد صيغة لفظية جوفاء أو هتافاً نقابياً عابراً، بل يُعلنون من شوارع باريس وساحة الباستيل عن انزياح كوجيتالي (Rupture du Cogito) ثوري (أي إعادة صياغة جذرية للمنطلقات الفلسفية الأولى التي تقلب معادلة الذات المفكرة من مركزية الأنا إلى خندق الانحياز للمستضعفين). إنهم يختزلون الموقف الفكري النقدي في الانحياز الوجودي الكامل والمطلق للمستضعفين، في تماهٍ بنيوي يربط بين الفعل العقلاني والرفض الاتيقي للاضطهاد؛ لتصبح "اليسارية" في مفهومهم الميداني مرادفاً للوعي الحر والاستقلالية التامة، فمن لا يفكر بوعي حر يستحيل أن يكون يسارياً.
هذا الطرح لا يعزل العقل عن بقية التيارات، فالجميع قادرون على التفكير، لكن أحداً من أدعياء "التنوير" والتبعية لن يلامس أبداً شجاعة التلميذ الرمز "إلوان" (Elwan) ولا نضج أطفال فرنسا القُصّر. هؤلاء المراهقون عاشوا مرحلة النضج الفكري والسياسي الكامل وهم في مرحلة الطفولة الفسيولوجية؛ تجرؤوا على استخدام عقولهم المستقلة، وفكّروا بأنفسهم لا بـ "أنفس مستعارة" ممن هم أكبر منهم سناً من كهول النخبة العاجزة التي أصابها الصمم الطوعي عن سماع صوت الشارع ونبض الميدان.
هنا يكمن الجوهر الفلسفي العريق، وهنا تحديداً تتجلى المفارقة الفاضحة والعارية لأولئك الذين يرددون هذا الشعار في تونس بببغائية مقيتة: فكيف لمن يقتات على التبعية، ويستمرئ العبودية الفكرية، ويمثل أداة طيعة من أدوات فرنسا "الماكرونية" النازية، أن يتجرأ على رفع شعار ثوري، مضاد للماكرونية وللإمبريالية في عقر دارها ومنشئها؟!
فجوة الأنوار السحيقة: بضاعة التركيع ضد نقد المنظومة
في هذه اللحظة المفصلية، تبرز فجوة معرفية وأخلاقية سحيقة بين "أنوار النخبة التونسية الزائفة" و"الأنوار الحقيقية" التي يُعاد طرقها وصياغتها اليوم تحت قنابل الغاز وهراوات البوليس في فرنسا:
• أنوار النخبة التونسية (بضاعة مستعارة للتركيع): لقد تبنت النخب المأجورة في دكاكيننا الحزبية والمنظماتية "أنواراً" فرنسية مشوهة ومفرغة من محتواها، وحوّلتها إلى مجرد طقوس وشكليات للتعالي على الشعب، وبورصة لجمع تمويلات السفارات والمنظمات الأجنبية باسم "الحرية وحقوق الإنسان". تنويرهم ليس سوى نفاق معرفي يُجيز الاستقواء بالخارج، ويبرر التبعية العمياء للرجل الأبيض، ويصمت صمت القبور أمام جرائم المستعمر. إنها "أنوار" وُظّفت تاريخياً لجلد الذات الوطنية وتبرير خيانة قضايا الأمة تحت غطاء الكونية المزيفة.
• أنوار شباب الباستيل (نقد راديكالي للمنظومة): في المقابل، يرفض مراهقو فرنسا اليوم "الأنوار" الرسمية التي تحولت في يد إيمانويل ماكرون إلى أداة لشرعنة الإبادة والنهوض بالاستعمار الجديد في الخارج، والقمع الطبقي والعنصري في الداخل. أنوارهم الحقيقية هي عودة صريحة إلى الجوهر النقدي؛ إلى الشك المنهجي في بروباغندا الدولة، وفي تزييف المبادئ الكونية من قِبل النخبة الحاكمة. إنهم يُفككون الحداثة الرأسمالية من داخلها، ويُحررون "العقل" ليصبح أداة للتحرر الشامل للضواحي والمهمشين والمضطهدين.
كوجيتو مركب واستقلالية حادة
إن كوجيتو الشباب الفرنسي الحالي هو بنية فكرية مركبة ومعقدة؛ تنطلق من الدفاع عن "التحتاني"، والضواحي، وسكان الأحياء الشعبية، والمهاجرين المهمشين، وتلتحم مباشرة وبلا مواربة بالقضية الفلسطينية عبر رمزية الكوفية التي يرتدونها في المسيرات، لتعلن انحيازاً فلسفياً شاملاً لكل مضطهدي الأرض يربط بين قمع الشرطي التلميذَ الأعزل في باريس، وبين آلة الحرب الاستعمارية التي تبيد الشعوب في الشرق.
لقد صاغها الرمز الشبابي "إلوان" بوعي استقلالي حاد صدم الساسة حين قال بجرأة: "لستُ من فرنسا الأبية ولا تابعاً لـ ميلانشون, لكن فرنسا الأبية وميلانشون استجابوا للنداء، واستمعوا وأنصتوا جيداً لصوتنا، وعبّروا عن إرادتنا".
فأين أنتم يا أبواق المنظمات والجمعيات والدكاكين الحزبية التونسية من هذا الوعي الاستقلالي الحاد؟ هل عبرتم يوماً عن إرادة الشعب الحقيقية، أم أنكم لبيتم نداء اللوبيات والعصابات والمافيا الدولية؟ هل سرتم في ركب الشعب المضاد للفساد ولارتهان القرار الوطني، أم لملمتم شملكم للدفاع عن امتيازاتكم ومصالحكم الضيقة؟
لقد تهاوت مصداقيتكم بالكامل على عتبات الاستثمار السياسي القذر والمتاجرة بالملفات:
1. تاجرتم بالعمال والأساتذة والمعطلين عن العمل، ووظفتموهم كحطب في معارككم الخاصة من أجل تقاسم كعكة السلطة والنفوذ والغنائم.
2. تاجرتم بحقوق الإنسان والحريات في بورصة التمويل الأجنبي المشبوه.
3. تاجرتم بالدين تارة، وبالدستور وتراث تونس التقدمي ورموز التحرر الوطني تارة أخرى.
4. وتاجرتم حتى بالدم الفلسطيني في خطاباتكم الجوفاء وبياناتكم الفارغة.
معيار التكلس والتبعية
إن المعيار الفلسفي والعملي الأوحد الذي يفضح زيف ادعاءاتكم الديمقراطية، هو أنكم تعيشون انقلاباً بنيوياً واستبداداً مطلقاً داخل حصونكم؛ فرؤساء أحزابكم ومنظماتكم يتربعون على عروشهم لأكثر من نصف قرن في تجسيد حي لـ "الشيخوخة والتكلس الفكري". فكيف لمن أصاب أذنيه طنين الخلود في الكرسي والشيخوخة السياسية أن يستمع لنداء الشباب والعمال والمعطلين؟!
إن شعار "أنا أفكّر" بنسخته الفرنسية الحالية هو انتفاضة فلسفية مضادة لمن تاجروا بالأنوار لتبرير الإبادة وتدمير الدول. ومن يعجز اليوم من نخبنا عن مساندة ثوار الباستيل ومراهقي فرنسا –الذين أبهروا العالم بنضجهم السياسي– هو كائن غارق في التبعية والخضوع، ولا يمكنه أن ينتمي لـ فرنسا الأبية ولا لـ تونس الأبية.
فرنسا الرافضة للاستعمار والتركيع، فرنسا "إلوان" و"بال باغايوكو" (Bally Bagayoko)، لا تنتظر صكوك غفران أو بيانات باهتة من نخب تونسية صمتت صمتاً مخزياً على التدخل الأجنبي في شؤونها، وتحولت إلى معاول لتشويه دولتها الوطنية. في باريس، انتفض الشباب لحماية مدينتهم ودولتهم من الانحراف الفاشي رغم قمع البوليس الذي نكّل بهم، فبتر أيديهم، وأفسد وجوههم، وفقأ عيونهم.. لكنهم ظلوا متمسكين بوطنهم مدافعين عنه، بينما أدعياء التنوير في تونس ليسوا سوى أدوات، ومرتزقة، وجرذان تقتات على موائد حقوق الإنسان الاستعمارية وتبيع الأوطان في سوق النخاسة الفكرية!



#احمد_الكافي_يوسفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حريات حريات لتغطية الملفات: تشريح الاحتلال الناعم
- من تاريخ التربية إلى فلسفة التربية: نقد القراءة الاختزالية ل ...
- اشارات نقدية حول الاستعمار الناعم وغربنة الاحتجاج
- في سوء فهم فلسفة التنوع والعيش المشترك اشارات حول فلسفة فتحي ...
- فلسفة مجلّة -الأحوال الشخصيّة-
- في التوتر التاريخي التاريخي بين -حرق قرطاج- و-إنقاذ قرطاج- ف ...
- معارضة الغرف المغلقة والسيناتور الأمريكي جو ويلسون: نفس الخط ...
- توتّر ذكرى الجمهورية بين الأمس واليوم (1957 و2021/2026)
- التوتر بين سيادة الدولة وسيادة اللوبيات: كيف تنتج بعض النخب ...
- جمهوريات الديليستاج والبلاكاوت: كيف تُدار السيادة من الغرف ا ...
- الجرح والمنعرج في التجربة الايرانية : رشد الجنوب الديكولونيا ...
- الاهانة الايرانية: لحظة كوبرنيكية جنوبية مضادة للمركزية
- هل من رشدية مغايرة : مائوية ابن رشد
- الخيانة المزدوجة: من -المجاهدين- الذين باعوا الإسلام إلى -ال ...
- جدائل المقاومة أو في جدليّة -الجديلة- الكرديّة المضادة للإره ...
- -أرى ترامب يمتطي حصانا-.. صورة بونابرت تعود في القرن الواحد ...
- المقاومة المُترحّلة والدّيسمبريون الدّيكولونياليّون - نحو اب ...
- -الفيلسوف- عبد العزيز العيّادي حسب عبارة الفيلسوفة انجل كريم ...
- توتّر الألوان وسياسة الشارع التونسي
- توتّر الفلسفة واليومي: انغراسا ومروقا


المزيد.....




- أطعمة تتلف الأوعية الدموية في الدماغ
- التحالف ينشر مقاطع فيديو توثق تتبع واستهداف أسلحة مهربة للحو ...
- وزير الطاقة الأمريكي يدافع عن اتفاق بوتين ترامب وتأثيره على ...
- ترامب يدعو لتغيير اسم ولاية -نيو مكسيكو-.. ما الاسم الجديد ا ...
- ليتوانيا تطلب من الناتو إذنا بإسقاط المسيرات في أجوائها دون ...
- ترامب يعتزم مناقشة -نزع السلاح النووي الإيراني- خلال اجتماعه ...
- توغل إسرائيلي جديد في الأراضي السورية يترافق مع إطلاق قنابل ...
- السعودية تؤجل مؤتمر استثماري عالمي وسط تواصل الهجمات الحوثية ...
- اتهامات لمهندس سابق في -أوبن إيه آي- بعلاقات سعودية وزرع جها ...
- الفيفا يعاقب حسام وإبراهيم حسن وزيكو بعد تصريحات ضد التحكيم ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - -أنا أفكّر- لا تعني -أنا طحّان-.. في نقد الكوجيتو المستعار وازدواجية الأنوار