وفاء سلطان
الحوار المتمدن-العدد: 1884 - 2007 / 4 / 13 - 11:54
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
يتعامل الغرب مع الإسلام على أساس أنّه دين كغيره من الأديان، ويتعامل مع المسلمين على أساس أنهم بشر كغيرهم من البشر.
فتح لهم أبوابه على مصراعيها وأحسن استقباله واحتواءهم. كان المسلمون ولم يزالوا أكثر المهاجرين استفادة من أنظمته وقوانينه التي تحترم الانسان، بل وتبجّله.
قد يتساءل أحد: ولماذا كانوا أكثر المهاجرين استفادة؟!!
والجواب: لأنّ عداءهم السافر لكل ماهو غير مسلم برر لهم طرقا كثيرة غير مشروعة وغير أخلاقية لاستغلال تلك النظم والقوانين!
يأتي المسلم مع عائلته إلى أمريكا، يعيش مع زوجته على سنة "الله ورسوله" ومطلقا إياها على سنة القوانين الأمريكية، فتسرق وتنهب من النظام الاجتماعي الذي يكفل للأم وأولادها مستوى معيشة لائق عندما لا يكون لها عمل أو معيل!
ويبحث هو عن طرق سهلة يلفّ بها على القانون فيحتال على بطاقات الإئتمان وشركات التأمين والبنوك وينهب، وعندما يطاله القانون يلجأ الى المحاكم بحجة إنّ التمييز العنصري ضده كمسلم كان وراء وقوعه!
*****************
منذ حوالي عدّة سنوات حدثت واقعة في إحدى الولايات الأمريكية أقامت عليها كيير (مجلس العلاقات الأمريكيّة الإسلاميّة) الدنيا ولم تقعدها.
امراة مسلمة محجّبة كانت تجلب أولادها إلى إحدى الحدائق العامة القريبة من بيتها، يتناولون طعامهم ويلعبون ويقضون بعض الوقت، ثم تغادر مع أولادها بعد أن تترك وراءها أكواما من الزبالة.
أحد سكان الحي المواجه بيته للحديقة تقّدم منها أحد المرات وسألها بلطف أن تقوم برمي الأوساخ في سلّة القمامة.
وعندما رفضت بحجة أنّه لا علاقة له بها، منعها من أن تغادر المكان حتى يصل البوليس.
وصل البوليس وألزم السيدة بجمع أوساخها وإلاّ ستدفع غرامة وتحال إلى المحكمة.
احتجت "كيير" على الحادثة بحجة التمييز العنصري ضدّ الإسلام، فالرجل الامريكي اعترض سبيل السيّدة فقط لأنها محجّبة ولأنه عرف بأنها مسلمة!
طبعا أحداث كثيرة على غرار تلك الحادثة وقعت قبل حوداث أيلول الارهابية، وكان المسلمون يخرجون دائما من المولد بصحن الحمص كله، فالقوانين لصالحهم حتى يثبت العكس!
بعد أحداث أيلول الإرهابيّة ازداد اهتمام الغربيين بمعرفة الإسلام والمسلمين وأرادوا أن يعرفوا أين أخطأوا عندما سمحوا لهؤلاء البشر استباحة أراضيهم وقوانينهم وأخلاقيتهم، فبدأوا السؤال والبحث: أين يكمن الخلل؟!!
ازدادت مبيعات القرآن وازداد اهتمام الأمريكيين خاصة والغربيين عامة بقراءته!
والمسلمون منتشون فرحا لأن ذلك يعني ازدياد حالات التأسلم في الغرب!
يفضلون أن يعلوا ولو على رأس خازوق!
كنت مرّة أصغي الى مقابلة مع مسؤول أمريكي عسكري، قال في سياق إجابته على بعض الأسئلة: قرأت القرآن مرتين في أعقاب حوادث أيلول الإرهابيّة، فسأله أحد الصحفيين: وبماذا خرجت من قرائته؟!!
أطرق رأسه قليلا ثم قال: علينا أن نحمي أنفسنا!
في حقيقة الأمر كانت غاية الأمريكان ازدياد معرفتهم بالإسلام والمسلمين على مبدأ: اعرف عدوّك!
وفي غمرة البحث عن تلك المعرفة توصل ذلك الرسام الدنماركي إلى الكثير من المعطيات التي قادته الى رسومه!
اذا تلك الرسوم لم تأتِ من فراغ!
ولقد سهّلت الحريّة المتاحة للفرد هنا سبل الوصول إلى تلك المعرفة!
في الغرب حقّ الفرد في التعبير عن رأيه حق مصان. دفع الغرب ثمن إمتلاك ذلك الحق ثم الحفاظ عليه سنوات من الحروب الأهلية وإراقة الدماء، ولا أعتقد أنّه سيتخلى عن ذلك الحق بسهولة!
يصعب على المسلم أن يعي أهميّة هذا الحق بالنسبة للانسان الغربي لأنه لم يمارس هذا الحق في حياته، فالحرية لا يعرف قيمتها من لم يعِشها!
ويصعب عليه أن يفهم بأن رأي رسّام الكاريكاتور الدانمركي لم يأتِ من فراغ، بل استند على معطيات قدّمها المسلمون للعالم على طبق من ذهب!
الإرهاب الذي مارسه بعض المسلمين على مرآى من المسلمين كلهم، دون أيّ احتجاج، أجبر العالم على أن لا يميز بين مرتكب الإرهاب والساكت عنه!
فالمسلمون إمّا ارهابيون وإما مشجعون للإرهاب، والغرب لم يعد يميّز بين الفئتين، فالساكت عن الإرهاب في نظرهم كفاعله!!
عندما يقطع مسلم رأس رهينته أمام العالم كلّه وهو يزعق: الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، عندما يفعل ذلك بمباركة المسلمين أجمعهم، تلك المباركة التي يعنيها صمتهم وتبرير بعضهم، عندما يفعل ذلك يثبت للعالم كلّه بأن كوفيّة الرسول قنبلة وليست حمامة!
**************
الفئة "المثقفة" من المسلمين وخصوصا تلك التي تعيش في الغرب تنافست فيما بينها أثناء تداعيات الحدث وراحت تتبجّح:
"نحن نؤمن بحرية التعبير، ولكن يترتب على ممارسة الحرية بعض المسؤولية. أليست هناك خطوط حمراء يجب على الإنسان أن لا يتجاوزها؟ أليس احترام العقيدة حق من حقوق الإنسان؟"
والجواب: نعم، وبلا أدنى شك!
فإحترام العقيدة، في حقيقة الأمر، قيمة غربيّة لا علاقة للإسلام والمسلمين بها.
والسؤال الذي يطرح نفسه:
لماذا لا يقيّم هؤلاء "المثقّفون" سلوك المسلمين بنفس المقياس الذي قيّموا به سلوك ذاك الرسّام؟!!
ماذا يقول هؤلاء "المثقفون" عندما يرفع مسلم، بأمر من سلطته السياسية والدينية، مكبرا للصوت على باب كنيسة ولد فيها مؤسس المسيحية ويزعق:"كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم"؟!!
أيّ احترام تبديه للآخرين عندما تكفّرهم وتطعنهم في صميم عقيدتهم؟!!
لماذا لا يشعر المسلمون بمشاعر اليهود والنصارى عندما يشتمونهم في صلواتهم الخمس كلّ يوم واصفين إياهم "بالمغضوب عليهم والضالين"؟!!
متى يفهم المسلمون بأن حريّة العقيدة واحترامها طريق ذو اتجاهين، عندما تأخذ اتجاها معينا عليك أن تراعي من يأخذ الإتجاه المعاكس كي لا تصطدم به.
عندما تتطالب باحترام الغير لعقيدتك يجب أن تحترم بدورك عقيدة هذا الغير!
وعندما تقارن بين سلوكك وسلوك الآخرين عليك أن تستخدم نفس المقياس.
***************
كما رفضت "كيير ( مجلس العلاقات الإسلاميّة الأمريكيّة) رسوم الكاريكاتور ونددت بها عليها أن ترفض التشريع الإسلامي الذي يلزم أهل الكتاب بأن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
إذا كان لدى "كيير" مايبرّر إلزام أهل الكتاب بدفع الجزية، لا أعتقد أنّ لديهم مايبرر أن يدفعوها لهم وهم مهانون ومذلّون!
أعضاء كيير يعيشون في أمريكا ويعرفون تماما بأنّ دفع الضرائب واجب على كلّ فئات الشعب لا فرق بين المسيحي وغير المسيحي، وبأنّ المواطن الأمريكي يدفع ضرائبه المستحقة من موقع إحساسه بالمسؤولية تجاه وطنه، وليس من باب الذل والإهانة!
متى يعي المسلم الغربي طبيعة الصراع بين إسلامه وغربه، فيسعى لتخفيف حدة ذلك الصراع؟!!
****************
إذا ما بين المسلمين والغرب ليس صراع حضارات، بل صراع البداوة مع الحضارة!
صراع بين طريقتين لإحترام الدين والعقيدة، طريقة تصنف العالم بين مؤمن وكافر وطريقة تصنّف كل البشر تحت لواء الوطن الواحد لا فرق بين أحد وآخر.
صراع بين طريقتين لدفع الضرائب، طريقة تفرض الضرائب على غير المسلم وتلزمه أن يدفعها وهو مذلول ومهان، وطريقة تفرضها على كل أهل البلاد وتطالبهم أن يدفعوها بأدب وأخلاق!
صراع بين نبيّين، نبيّ مسالم لم يحمل في حياته سيفا ولم يقم بغزوة ونبيّ آخر ليس في سيرته سوى الغزو والغنائم والنساء.
علم المملكة السعودية يرفع سيفا تحت عبارة" أشهد أن لا اله إلاّ الله وأشهد أن محمدا رسول الله"، بينما علم أمريكا يحمل خمسين نجمة ترمز لخمسين ولاية، لا فرق بين إنسان يعيش في ولاية واخرى قيد أنملة!
تنتقل من ولاية الى اخرى وكأنك تخرج من غرفة نومك لتدخل حمّامك!
الصراع بين السعودية، كدين ومفاهيم وعادات وتقاليد، وبين أمريكا هو تماما كالصراع بين مفهوم العلم السعودي ومفهوم العلم الامريكي.
أحدهما يرمز للسيف والقتال والآخر للوحدة والوئام.
لا يمكن أن يكون العلم الذي يحمل سيفا وشعارا دينيّا رمزا حضاريا، ولكن العلم الذي يحمل شعارا لجمع شمل أهل البلاد، رغم اختلاف أديانهم وأعراقهم ومشاربهم، يمثّل الحضارة بعينها!
الصراع بين الغرب والإسلام صراع بين الحضارة من طرف والبداوة من طرف آخر.
إنّه صراع مفاهيم وقيم وعادات وتقاليد، وليس صراع حضارات!
**************
#وفاء_سلطان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟