عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 04:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في 20 سبتمبر 2026، أغلق مواطنون في العبيدية بولاية نهر النيل الطريق القومي، مطالبين بخروج "المليشيات المشتركة" من المنطقة ومناطق التعدين. ثم امتد الاحتجاج إلى إغلاق بوابة سوق الطواحين، ومنع شركة الموارد المعدنية السودانية من تحصيل الرسوم، إلى حين الاستجابة لمطالبهم. تحدث المحتجون عن انتهاكات وفوضى، وعن وجود قوات لا تؤدي وظيفة الحماية، بينما تفرض بعض التشكيلات إتاوات وتتدخل في التعدين والتجارة.
تكشف هذه الواقعة بصورة حادة عن التناقض بين الادعاء الرسمي باحتكار الدولة المشروع للعنف، وبين قدرتها الفعلية على ضبط السلاح وتحديد الجهة المخولة باستخدامه. فالمشهد لا يضم مؤسسة عسكرية واحدة تعمل عبر سلسلة قيادة واضحة، وإنما تتداخل فيه القوات النظامية، والتشكيلات شبه النظامية، والقوى المتحالفة معها، والمجموعات المحلية المسلحة، وأحياناً مجموعات لا يمكن تحديد موقعها المؤسسي بدقة. وقد تتعاون هذه القوى في لحظة، وتتنافس في لحظة أخرى، بينما تبقى الحدود بينها غير واضحة بالنسبة إلى السكان.
في التحليل الماركسي للدولة، ارتبط احتكار العنف بقدرة السلطة السياسية على فرض قواعدها على المجال الاجتماعي. لكن الدولة في الاقتصادات التابعة والمجتمعات التي أعادت الحرب تشكيلها لا تعمل دائماً كجسم متجانس ذي إرادة واحدة. تتقاطع داخلها أجهزة الدولة، والقيادات العسكرية والأمنية، والإدارات المحلية، والشبكات الاقتصادية، والقوى المسلحة الحليفة، ومراكز المصالح المختلفة. لذلك يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد وجود السلاح أو غيابه: من يملك القدرة الفعلية على استخدام القوة؟ ومن يحدد أين تستخدم؟ ومن يمنح الغطاء أو الاعتراف؟ ومن يستطيع تحويل هذه القوة إلى منفعة مادية؟
يمكن قراءة هذا التعدد على ثلاثة مستويات مترابطة. المستوى الأول هو العنف المنظم للدولة، ممثلاً في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وفي عمليات الإزالة والحملات التي تجري تحت حماية مسلحة أو بتكليف رسمي. هنا توجد، من حيث الشكل، سلسلة قيادة وميزانيات وأطر قانونية وخطاب مؤسسي يحدد الجهة صاحبة السلطة. لكن وجود الإطار الرسمي لا يعني بالضرورة أن القدرة على التنفيذ موزعة بصورة متطابقة مع هذا الإطار.
المستوى الثاني هو العنف شبه المنظم الذي تمارسه تشكيلات حليفة أو متحالفة مع الدولة أو الجيش، وقوى جرى تعبئتها أو الاعتراف بها أو التنسيق معها. هذه القوى ترتبط بالدولة سياسياً أو عسكرياً، لكنها لا تتحرك دائماً عبر السلسلة المؤسسية نفسها. وقد تتلقى توجيهات، أو تؤدي مهام حماية، أو تتمركز في مواقع اقتصادية، أو تتجاوز المهمة المعلنة إلى ممارسة نفوذ محلي أو تحصيل رسوم وإتاوات. وهنا تحديداً تظهر المنطقة الرمادية التي يصعب فيها الفصل بين ما هو رسمي وما هو شبه رسمي.
أما المستوى الثالث فهو العنف الخارج عن سلسلة القيادة الواضحة: مجموعات محلية مسلحة، وعصابات صغيرة، وأفراد مسلحون، وحواجز طرق، أو قوى تسيطر على مواقع أو موارد من دون أن يكون ارتباطها المؤسسي واضحاً. وقد تدخل هذه القوى في النزاعات المحلية، أو حماية المصالح، أو تخزين المنهوبات، أو صراعات التعدين، أو فرض الرسوم. ولا يعني ذلك أن كل قوة مسلحة خارج المؤسسة الرسمية تعمل بصورة مستقلة تماماً؛ فبعضها قد يستفيد من غطاء سياسي أو أمني أو اجتماعي، حتى من دون علاقة قيادة مباشرة.
وتصبح مشكلة التصنيف نفسها جزءاً من ميزان القوة. ففي العبيدية، مثلاً، من هم "المليشيات المشتركة" التي يتحدث عنها السكان؟ يُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى تشكيلات مسلحة تعمل في المنطقة، دون تحديد دقيق لتبعيتها المؤسسية. هل هي قوات رسمية؟ أم تشكيلات حليفة؟ أم مجموعات محلية تستفيد من الاعتراف أو الحماية؟ لا تسمح المعلومات المتاحة دائماً بوضع كل طرف في موقع مؤسسي محدد. لكن هذا الغموض نفسه يمكن أن يتحول إلى مورد للقوة، لأن الفاعل المسلح يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره منفذاً لمهمة رسمية، أو قوة حماية محلية، أو حارساً لموقع اقتصادي، بحسب الجهة التي يخاطبها.
في 2 أغسطس 2026، أعلن مجلسا الأمن والدفاع بصورة مشتركة قراراً بالإخلاء الفوري لمناطق التعدين من القوات النظامية والتشكيلات المسلحة المتحالفة. لكن استمرار مظاهر الوجود المسلح بعد صدور القرار يكشف الفجوة بين السلطة القانونية والقدرة الفعلية على التنفيذ. فالقرار الإداري أو السياسي لا يتحول تلقائياً إلى احتكار فعلي للقوة. والعبيدية هنا ليست نموذجاً يختزل كل السودان، وإنما حالة تكشف آلية يمكن اختبارها في مناطق أخرى.
ولا يكفي تفسير هذه الفجوة باعتبارها مجرد عجز إداري. فقد تكون نتيجة ضعف القدرة على التنفيذ، أو اختلاف الإرادات داخل مؤسسات الدولة، أو وجود مصالح تستفيد من الوضع القائم، أو تداخل هذه العوامل معاً. واستمرار القوة المسلحة في موقع اقتصادي لا يثبت وحده سبب بقائها، لكنه يفرض سؤالاً مادياً: من يستفيد من استمرارها؟ ومن يدفع كلفة إخراجها؟ ومن يملك القدرة على تحويل القرار الرسمي إلى واقع؟
تزداد أهمية هذا السؤال في مناطق التعدين، حيث تتداخل السيطرة الأمنية مع دورة اقتصادية كاملة. فالعبيدية منطقة غنية بالذهب، والسيطرة على نقاط العبور تمنح نفوذاً على حركة الخام والبضائع، والسيطرة على الطواحين تمنح نفوذاً على مرحلة المعالجة، وفرض الرسوم والإتاوات يخلق دخلاً يومياً، بينما تمنح الحماية المسلحة قدرة على التدخل في شروط النشاط الاقتصادي. وبذلك تمتد الشبكة من المنجم إلى الطاحونة، ومن الطاحونة إلى طريق النقل، ومن الطريق إلى السوق والتصدير.
في هذه الحالة لا يكون خروج القوات المسلحة مجرد مسألة أمنية. إنه يعني تفكيك شبكة من العلاقات الاقتصادية التي قد تستفيد من الحماية، والرسوم، والتحكم في المرور، والوصول إلى الموارد. لذلك يمكن أن يكون العنف أداة للتراكم حين يستخدم لتأمين الوصول إلى مورد أو فرض شروط على الأرض أو حماية مشروع أو استبعاد منافس. ويمكن أن يصبح عائقاً أمام التراكم حين يرفع المخاطر، ويعطل التجارة، ويخيف المستثمرين، ويقوض العقود. ويمكن أن يتحول إلى بديل عن الإنتاج طويل الأجل حين يصبح الاقتصاد القائم على الإتاوة أو التهريب أو الغنيمة أكثر ربحية من الاستثمار في إنتاج مستقر.
وقد يكون العنف متفلتاً من حيث القيادة، لكنه ليس بالضرورة متفلتاً من حيث الاقتصاد. ففي بعض الشبكات، تعمل العلاقة في الاتجاهين: السلاح يفتح الطريق إلى الريع، والريع يعيد تمويل القدرة على حمل السلاح. وهنا تصبح العلاقة أكثر تعقيداً من مجرد اقتصاد غير قانوني يعمل إلى جانب الاقتصاد الرسمي. نحن أمام اقتصاد غنيمة متداخل مع الاقتصاد الرسمي، يستفيد من البنية التحتية نفسها، ومن الأسواق نفسها، ومن طرق النقل نفسها، ثم يعيد توزيع جزء من القيمة عبر الإكراه أو الإتاوة أو التهريب.
لهذا يمكن النظر إلى المسار على النحو الآتي: السلاح يخلق القدرة على السيطرة، والسيطرة تمنح الوصول، والوصول يتيح فرض الإتاوة أو تحصيل الريع، والريع يوفر السيولة، والسيولة يمكن أن تعيد إنتاج القدرة المسلحة. وفي بعض شبكات اقتصاد الحرب يصبح المسار دائرياً: السلاح ينتج الريع، والريع يمول السلاح. ولا تبقى الغنيمة غنيمة إلى الأبد؛ فالريع المستخرج بالقوة يمكن أن يتحول لاحقاً إلى ذهب، أو عقار، أو تجارة، أو تمويل لمشروع آخر.
ولا يقتصر تعدد مراكز العنف على مناطق سيطرة القوات المسلحة. ففي مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، تتشكل أيضاً مراكز قوة محلية وتشكيلات مرتبطة بها أو متحالفة معها، تفرض الرسوم وتدير الموارد وتتدخل في النشاط الاقتصادي. أشارت تقارير حقوقية إلى أن بعض هذه التشكيلات مارست، إلى جانب عمليات القتل والتهجير، أشكالاً من الجباية والاستيلاء على الممتلكات في مناطق محددة. وهذا يعني أن تفكك احتكار العنف ليس سمة طرف واحد، بل حالة عامة أنتجتها الحرب، وإن اختلفت أشكالها وأهدافها بحسب كل منطقة.
هنا تصبح الحدود بين الرسمي وغير الرسمي نفسها مجالاً للتراكم. فقد تتحرك القيمة من اقتصاد الحرب إلى تجارة الذهب، ومن الذهب إلى العقار، ومن العقار إلى تمويل المشاريع، ومن المشاريع إلى أصول تبدو لاحقاً جزءاً من الاقتصاد الرسمي.
وهذا يفسر أيضاً لماذا لا ينبغي النظر إلى إعادة فرض احتكار الدولة للعنف باعتبارها نهاية الصراع. ففي الخرطوم ظهرت خلال الفترة الأخيرة إجراءات تستهدف إعادة تنظيم المجال الأمني، من حملات نزع السلاح ومنع حمله في الأماكن العامة، إلى تقييد حركة الدراجات النارية، وإنشاء غرف أمنية مركزية. وفي مطلع أكتوبر 2026 أعلنت لجنة إخلاء القوات والتشكيلات المسلحة في الخرطوم اكتمال التنسيق مع قادة القوات لتنفيذ عملية الإخلاء.
هذه الإجراءات يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لإعادة بناء قدرة الدولة على احتكار القوة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن صعوبة هذه العملية. فبعض القوى التي يفترض إخراجها كانت جزءاً من ترتيبات الحرب، وبعضها قاتل إلى جانب الجيش، وبعضها يتمتع بغطاء سياسي أو اجتماعي. وإخراجها قد يعيد توزيع القوة ويخلق فراغات محلية، بينما الإبقاء عليها يحافظ على تعدد مراكز القوة.
لذلك لا يمكن التعامل مع "الدولة" باعتبارها فاعلاً واحداً. هناك مؤسسات، وقيادات، وأجهزة أمنية، وإدارات محلية، ولجان، ومراكز قرار، وشبكات اقتصادية، وأجنحة عسكرية مختلفة. وقد تتفق هذه الأطراف على استعادة احتكار القوة، لكنها تختلف حول من يدير هذا الاحتكار، وأين يمارس، ومن يتحمل تكلفته، ومن يحصل على منافعه.
وتكشف غرفة الأمن المركزية في الخرطوم جانباً آخر من العملية. فقد أعلنت، بحسب البيانات الرسمية، تسجيل نحو 5,940 بلاغاً واحتجاز أو توقيف 2,780 من المتهمين بين 20 سبتمبر و3 أكتوبر 2026. لا تقتصر أهمية هذه الأرقام على الجانب الأمني؛ فمثل هذه الأجهزة تنتج أيضاً معرفة إدارية وأمنية عن السكان والعناوين والأنشطة والتحركات. وهذه المعرفة يمكن أن تصبح مورداً في إدارة المدينة وتنظيم الوصول إلى المكان والترخيص والخدمات، بحسب كيفية استخدامها ومن يملك القرار بشأنها.
وهنا يعود السؤال الماركسي من جديد: من يملك السلاح؟ ومن يحدد أولويات استخدامه؟ ومن يحصل على حماية القوة؟ ومن يستطيع فرض الإتاوة؟ ومن تُسحب منه الحماية أو الحركة أو القدرة على الوصول؟ ومن يستخدم احتكار القوة، ولأي مصالح، ومن يتحمل كلفة هذا الاستخدام، وأي طبقات تُحمّل هذه الكلفة وأي طبقات تستطيع تحويل القوة إلى ريع؟
فالعامل أو الناقل الذي يدفع رسماً عند نقطة مسلحة ليس في الموقع الطبقي نفسه الذي يحول السيطرة على النقطة إلى دخل. وصاحب الطاحونة الذي يدفع مقابل المرور ليس في الموقع نفسه الذي يستطيع فرض الرسم. والسكان الذين يعيشون تحت الخوف من السلاح ليسوا في الموقع نفسه الذي يستخدم السلاح لحماية أصل أو مورد أو شبكة تجارية. لذلك فإن الحديث عن "الفوضى" وحده يخفي الفروق الطبقية التي تنتجها هذه الفوضى.
في العبيدية، لم يكن إغلاق الطريق والسوق مجرد احتجاج على وجود السلاح. كان أيضاً إعادة طرح لسؤال من يملك سلطة الحماية، ومن يملك حق تحصيل الريع داخل المنطقة. وعندما يعترض السكان على الإتاوات أو التدخل في التعدين والتجارة، فإنهم يدخلون عملياً في صراع حول الشروط المادية التي تُدار بها منطقتهم.
وهذه نقطة أساسية في فهم العنف الموزع. فالسلاح لا يكون مهماً فقط لحظة إطلاق النار؛ يمكن أن يكون مهماً بوصفه قدرة كامنة على فرض رسم، أو تقييد حركة، أو حماية مورد، أو استبعاد منافس، أو منع مجموعة من الوصول إلى موقع. لذلك فإن السيطرة على القوة تصبح، في ظروف معينة، سيطرة على شروط النشاط الاقتصادي نفسه.
لكن إعادة بناء احتكار الدولة للقوة لا تعني تلقائياً إعادة توزيع السلطة لمصلحة الطبقات الشعبية. فقد تنتقل السيطرة من تعدد مراكز مسلحة إلى احتكار مركزي للقوة، بينما تبقى الأرض والموارد والعقود موزعة وفق علاقات طبقية سابقة أو جديدة. السؤال الماركسي هنا ليس فقط: هل عادت الدولة إلى احتكار السلاح؟ بل: من يستخدم هذا الاحتكار؟ ولأي مصالح؟ ومن يدفع ثمنه؟ وهل يؤدي إلى توسيع الحقوق الاجتماعية، أم إلى إعادة تنظيم شروط التراكم من أعلى؟
بهذا المعنى، تكشف مرحلة ما بعد الحرب عن صراع مزدوج: صراع حول من يملك القوة، وصراع حول ما الذي تفعله هذه القوة عندما تملكها جهة معينة. قد تكون إعادة احتكار العنف شرطاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة، لكنها قد تكون في الوقت نفسه جزءاً من إعادة ترتيب المصالح الاقتصادية التي ستحدد شكل المدينة والأرض والعمل والاستثمار بعد الحرب.
وعندما تعجز الأجهزة الرسمية عن إنتاج أمن عام قائم على التحقيق في الأفعال الفردية، يصبح الجسد نفسه قاعدة للفرز: السحنة، واللهجة، والاسم، والحي، والأصل تتحول إلى مؤشرات أمنية تختصر التحقيق وتوسع دائرة الاشتباه. هناك يبدأ الانتقال من تعدد مراكز العنف إلى تصنيف من يُسمح له بأن يكون آمناً داخل المدينة.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟