|
|
جون ميرشايمر: لماذا يصعب على واشنطن وبكين الإتفاق؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 00:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
9 تشرين الأول أكتوبر 2026
الحلقة العاشرة من مشروع جون ميرشايمر "الواقعية الهجومية"
قمة واشنطن بين ترامب وشي تكشف حدود التعاون بين قوتين تدخلان منذ 2017 في منافسة إستراتيجية
في 23 سبتمبر/أيلول 2026، إلتقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ في واشنطن، في ثالث قمة تجمعهما خلال الولاية الثانية لترامب، بعد لقاءين في كوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 وبكين في مايو/أيار 2026. كانت على جدول أعمال القمة خمسة ملفات رئيسية: تايوان، وإيران، وأوكرانيا، والذكاء الإصطناعي، والتجارة. وقد إعتبرت مجلة «ذي إيكونوميست» أن الزعيمين أضاعا فرصة لمعالجة ما وصفته بأخطر التحديات التي تواجه العالم، بل ذهبت إلى إعتبار ذلك نوعًا من «التقصير في أداء الواجب».
لكن أستاذ العلاقات الدولية الأميركي جون ميرشايمر يرى الأمر بصورة مختلفة تمامًا. في الحلقة العاشرة من سلسلته التحليلية، يقول ميرشايمر إن فشل القمة في تحقيق إتفاقات جوهرية في معظم هذه الملفات لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقعًا بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين البلدين. فالمشكلة، في رأيه، ليست أن ترامب وشي لم يحاولا التفاوض بما يكفي، وإنما أن المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة والصين تتعارض في عدد من القضايا الأساسية إلى درجة تجعل التسويات الجدية شديدة الصعوبة. والإستثناء الوحيد تقريبًا كان التجارة.
▪️خمسة ملفات.. وإتفاق واحد محدود
يقسم ميرشايمر القضايا المطروحة في القمة إلى ثلاثة ملفات إستراتيجية: تايوان، وإيران، وأوكرانيا؛ وملفين إقتصاديين وتقنيين: الذكاء الإصطناعي والتجارة.
في تايوان، كانت المطالب الأساسية صينية. تريد بكين من واشنطن وقف شحنات الأسلحة إلى الجزيرة، وعدم تشجيع أي إتجاه نحو إستقلالها.
أما في إيران وأوكرانيا، فكانت المطالب أميركية. أرادت واشنطن من بكين إستخدام نفوذها على طهران وموسكو للمساعدة في إنهاء الحربين.
وفي الذكاء الإصطناعي، كان السؤال المطروح هو ما إذا كان بإمكان القوتين الإتفاق على وضع حدود للسباق التكنولوجي، خصوصًا في ضوء المخاوف من المخاطر الكارثية التي قد تنجم عن تطور هذه التكنولوجيا.
أما التجارة، فكانت المجال الوحيد الذي شهد بعض التقدم.
وهنا تكمن، بالنسبة إلى ميرشايمر، دلالة القمة كلها: حين يتعلق الأمر بالمصالح التجارية التي يمكن أن يستفيد منها الطرفان، يصبح التعاون ممكنًا؛ أما حين يتعلق الأمر بموازين القوة والأمن القومي، فإن مساحة الإتفاق تضيق بشدة.
▪️حرب الرسوم.. من 145% إلى تسوية مؤقتة
لفهم الإتفاق التجاري الحالي، يعود ميرشايمر إلى بداية ولاية ترامب الثانية في يناير/كانون الثاني 2025. كان ترامب قد تعهد بفرض رسوم جمركية كبيرة على معظم دول العالم، ولم يستثن الصين. وبعد زيادات متتالية، جاء الثاني من أبريل/نيسان، الذي سماه ترامب «يوم التحرير»، لتصل الرسوم الأميركية على الصين في أعقابه إلى 145 في المئة. وردت بكين بفرض رسوم بلغت 125% على السلع الأميركية. وبهذه المستويات، يقول ميرشايمر، أصبح من الصعب تصور إستمرار تجارة ذات معنى بين البلدين. لكن واشنطن إكتشفت سريعًا أن الصين تمتلك أوراق ضغط مهمة. فبكين تسيطر على القسم الأكبر من إنتاج المعادن الأرضية النادرة، إلى جانب عدد من المعادن الحيوية الأخرى التي يحتاج إليها الإقتصاد الأميركي. وكان بإمكان الصين، وفق ميرشايمر، إستخدام هذه السيطرة للضغط على الولايات المتحدة من خلال تقييد صادراتها. وهكذا بدأت واشنطن بالتراجع.
في 12 مايو/أيار 2025، إتفق الطرفان على خفض الرسوم الأميركية على الصين من 145 إلى 30%، والرسوم الصينية على الولايات المتحدة من 125 إلى 10% .
ثم جرى تمديد التفاهم في أغسطس/آب، قبل أن يلتقي ترامب وشي في كوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث توصلا إلى ترتيب تجاري إستمر لمدة عام تقريبًا. وفي قمة بكين في مايو/أيار 2026، أحرز الطرفان تقدمًا إضافيًا محدودًا.
أما في قمة واشنطن الأخيرة، فقد إتفقا على تمديد الترتيب السابق شهرين إضافيين، إضافة إلى خفض الرسوم على ما يقارب 60 مليار دولار من السلع المتبادلة، بواقع 30 مليار دولار من كل طرف. لكن ميرشايمر يشدد على طبيعة هذا الإتفاق. فهو لا يتعلق بالمعادن الأرضية النادرة، ولا بالذكاء الإصطناعي، ولا بأشباه الموصلات أو غيرها من التقنيات الإستراتيجية. إنه يتعلق أساسًا بسلع تجارية وزراعية، من الأجهزة الطبية والمنتجات الزراعية إلى صنارات الصيد ومقاعد السيارات وسلع عيد الميلاد. لذلك، لا ينبغي، في رأيه، المبالغة في حجم الإتفاق. هناك إتفاق تجاري، نعم، لكنه إتفاق محدود ولا يمس جوهر المنافسة الإستراتيجية.
▪️لماذا تغير كل شيء في 2017؟
لفهم هذه المنافسة، يرى ميرشايمر ضرورة العودة إلى عام 2017. فحتى ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تعيش ما يسميه «اللحظة الأحادية القطبية». كانت القوة العظمى الوحيدة في النظام الدولي، وكانت سياستها تجاه الصين تقوم على ما يعرف بـ«الهيمنة الليبرالية» والإنخراط. بمعنى آخر، كانت واشنطن تشجع التجارة والإستثمار والتعاون الإقتصادي، وتساعد الصين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على النمو لتصبح قوة إقتصادية كبرى. لكن بحلول 2017، كانت الصين قد أصبحت قوة إقتصادية وعسكرية ضخمة، وبدأت تقترب من مرتبة القوة العظمى. وفي الوقت نفسه، كان فلاديمير بوتين قد أعاد روسيا، بحسب ميرشايمر، إلى موقع القوة الكبرى. وهكذا إنتقل النظام الدولي، في تصوره، من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية. وفي العام نفسه وصل ترامب إلى البيت الأبيض. كان ترامب قد إنتقد خلال حملته الإنتخابية سياسة الإنخراط مع الصين، معتبرًا أن واشنطن ساعدت على بناء منافس قوي لها. ولذلك إنتقل، منذ بداية ولايته الأولى، من سياسة الإنخراط إلى سياسة الإحتواء، وبدأ يتعامل مع الصين بوصفها المنافس الرئيسي للولايات المتحدة. ويرى ميرشايمر أن هذا الإتجاه لم يتغير مع مغادرة ترامب الأولى للبيت الأبيض. فإدارة جو بايدن، في رأيه، لم تعد إلى سياسة الإنخراط، بل واصلت وشددت كثيرًا من السياسات التي بدأها ترامب تجاه الصين. وهكذا أصبحت المنافسة الأميركية–الصينية، بحسب ميرشايمر، منافسة إستراتيجية مستمرة عبر الإدارات الأميركية المختلفة.
▪️تايوان: قضية لا تستطيع واشنطن تقديم تنازلات فيها
يبدأ ميرشايمر من تايوان لأنها تمثل، في رأيه، أوضح مثال على حدود التفاوض. بالنسبة إلى الصين، ليست تايوان مجرد موقع إستراتيجي. إنها، كما يقول، «أرض مقدسة»، وترتبط بقضية قومية عميقة. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن تايوان ذات أهمية إستراتيجية كبيرة. فالجزيرة تقع ضمن ما يعرف بسلسلة الجزر الأولى في غرب المحيط الهادئ، والسيطرة عليها أو إرتباطها الوثيق بالولايات المتحدة يمكن أن يساعد واشنطن على الحد من قدرة الصين البحرية والجوية على الوصول إلى المحيط الهادئ. كما تخشى الولايات المتحدة، بحسب ميرشايمر، أن يؤدي التخلي عن تايوان إلى فقدان حلفائها الآسيويين الثقة بإلتزامها تجاههم، الأمر الذي قد يضعف قدرتها على إحتواء الصين. ويؤكد ميرشايمر أنه ليس من الضروري أن يقبل القارئ منطقه بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة «بحاجة» إلى الحفاظ على تايوان مستقلة. المهم، في رأيه، هو أن صانعي القرار الأميركيين ينظرون إلى المسألة بهذه الطريقة. ويشير إلى أن الرئيس جو بايدن أعلن في مناسبات عدة أن الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان. لذلك لا يرى ميرشايمر أي إحتمال كبير لأن يقدم أي رئيس أميركي في الظروف الراهنة تنازلات جوهرية للصين بشأن الجزيرة. ومن هذه الزاوية، لم يكن غياب التنازل الأميركي في قمة واشنطن مفاجئًا.
▪️إيران: لماذا تساعد الصين خصمها الأميركي على إنهاء الحرب؟
في الملف الإيراني، تنقلب الصورة. هذه المرة كانت واشنطن هي التي تطلب المساعدة من بكين. كان ترامب يريد من الصين الضغط على إيران للقبول بتسوية تنهي الحرب، كما أراد من بكين وقف تقديم الأسلحة أو المعلومات الإستخبارية أو أي دعم عسكري لطهران. لكن ميرشايمر يسأل سؤالًا بسيطًا: لماذا تساعد الصين الولايات المتحدة على الخروج من أزمة تصب، من وجهة نظر إستراتيجية، في مصلحتها؟ إذا كانت الولايات المتحدة والصين في منافسة أمنية حادة، فإن إنشغال واشنطن بحرب طويلة في الشرق الأوسط يمكن أن يخدم الصين بصورة غير مباشرة. ويشير ميرشايمر إلى أن الولايات المتحدة إضطرت إلى نقل موارد عسكرية من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط. فحاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن»، التي كانت متمركزة في اليابان، نقلت إلى الشرق الأوسط. كما نُقلت منظومات دفاع جوي، بينها بطاريات باتريوت ومنظومات ثاد، من آسيا إلى المنطقة. وهذا يعني، في تحليله، أن الولايات المتحدة التي كانت قد تبنت منذ سنوات سياسة «التحول نحو آسيا» أصبحت، بسبب الحرب مع إيران، تسحب جزءًا من مواردها بعيدًا عن آسيا. ومن وجهة نظر الصين، لا يمثل هذا بالضرورة تطورًا سلبيًا. بل يرى ميرشايمر أن بكين لديها مصلحة إستراتيجية في ألا تخسر إيران الحرب، وربما في أن يستمر الصراع فترة طويلة بما يكفي لإبقاء الولايات المتحدة منشغلة ومستنزفة بعيدًا عن شرق آسيا. ولهذا لا يرى غرابة في أن ترفض الصين طلب ترامب.
▪️أوكرانيا: روسيا هي الحلقة الثالثة
ويطبق ميرشايمر المنطق نفسه على أوكرانيا. فالنظام الدولي، في تصوره، يضم ثلاث قوى عظمى: الولايات المتحدة والصين وروسيا. وبما أن الصين وروسيا أقامتا شراكة إستراتيجية وثيقة، فإن لبكين مصلحة في الحفاظ على روسيا إلى جانبها. ومن هنا يفسر دعم الصين لروسيا في الحرب الأوكرانية. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية تقف إلى جانب أوكرانيا، بينما ترى الصين في روسيا شريكًا إستراتيجيًا مهمًا. وبالتالي، فإن طلب ترامب من شي إستخدام نفوذه على موسكو لإنهاء الحرب يتعارض، بحسب ميرشايمر، مع المصالح الإستراتيجية الصينية. وكما في إيران، لم يكن من المتوقع، وفق هذا المنطق، أن تساعد بكين واشنطن على تحقيق هدف يخدم موقعها الإستراتيجي. وهكذا تصبح الصورة التي رسمتها القمة واضحة: الصين لا تريد مساعدة الولايات المتحدة في إيران وأوكرانيا، والولايات المتحدة لا تريد تقديم تنازلات للصين في تايوان.
▪️الذكاء الإصطناعي.. سباق تسلح من نوع جديد
ثم يأتي الذكاء الإصطناعي. يرى ميرشايمر أن المنافسة الأميركية–الصينية لم تعد عسكرية بالمعنى التقليدي وحده، بل أصبحت أيضًا منافسة على التكنولوجيا المتقدمة. والذكاء الإصطناعي في قلب هذه المنافسة. فالولايات المتحدة تريد التفوق على الصين في تطويره، والصين تريد التفوق على الولايات المتحدة. والسبب واضح: الطرف الذي يحقق تفوقًا كبيرًا في الذكاء الإصطناعي قد يحصل على مزايا إقتصادية وعسكرية هائلة. لذلك يصف ميرشايمر ما يجري بأنه سباق تسلح في مجال الذكاء الإصطناعي. وفي ظل هذا السباق، ليس من السهل توقع أن توافق أي من القوتين على قيود تحد من تطوير قدراتها. لكن ميرشايمر يترك هنا نافذة صغيرة للتعاون في المستقبل. فإذا أصبح الذكاء الإصطناعي في مرحلة ما خطرًا على الطرفين معًا، بحيث يمكن أن يؤدي إلى كارثة لا يستطيع أي منهما السيطرة عليها بمفرده، فقد يصبح التعاون مصلحة مشتركة. أي أن الخطر نفسه يمكن أن يخلق حافزًا للتعاون. لكنه يؤكد أن هذا إحتمال مستقبلي، وليس واقعًا قائمًا.
▪️التجارة لا تعني إنتهاء الصراع
هنا يصل ميرشايمر إلى نقطة قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى. كيف يمكن لبلدين أن يكونا في منافسة أمنية شديدة، وفي الوقت نفسه يتاجران بمئات المليارات من الدولارات؟ جوابه: لا يوجد تناقض. ويستشهد بأوروبا قبل الحرب العالمية الأولى. فقد كانت بريطانيا وفرنسا وروسيا في منافسة أمنية حادة مع ألمانيا وحلفائها، لكن هذا لم يمنع وجود علاقات تجارية واسعة بين مختلف الأطراف. بل يذهب أبعد من ذلك، فيشير إلى أن التاريخ يقدم أمثلة على إستمرار التجارة حتى بين دول كانت تخوض حربًا فعلية ضد بعضها. ويستشهد بما يسميه «التجارة مع العدو». فالبلدان تتاجر عندما تكون التجارة في مصلحتها، حتى لو كانت في الوقت نفسه في صراع سياسي أو أمني. لكن هناك حدودًا واضحة. يمكن أن تستمر التجارة في المنتجات الزراعية والسلع الإستهلاكية والتجارية، بينما يصبح من الصعب جدًا تصور تجارة مفتوحة في أشباه الموصلات، والمعادن الأرضية النادرة، والذكاء الإصطناعي والتكنولوجيات الإستراتيجية. لأن هذه القطاعات أصبحت جزءًا من ميزان القوة نفسه.
▪️التعاون ممكن.. ولكن تحت ظل المنافسة
لا يريد ميرشايمر أن يفهم كلامه بإعتباره نفيًا لإمكان التعاون الأميركي–الصيني. على العكس، يقول بوضوح إن التعاون ممكن بين دولتين تخوضان منافسة أمنية. ويستشهد بالحرب الباردة، حين أبرمت الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي عددًا من إتفاقات الحد من التسلح. لم يكن ذلك لأن البلدين أصبحا صديقين، وإنما لأن كل طرف رأى أن الإتفاق يخدم مصلحته، وأنه لا يمنح خصمه ميزة إستراتيجية حاسمة. وهذه، في رأيه، هي القاعدة التي تحكم التعاون. تتعاون الدول عندما تكون لديها مصلحة مشتركة، وعندما لا ترى أن التعاون سيمنح الطرف الآخر أفضلية خطيرة. وهذا بالضبط ما يحدث في التجارة الأميركية–الصينية. لكن هذا التعاون، كما يشدد ميرشايمر، يحدث دائمًا في ظل المنافسة الأمنية. والمنافسة لها بعد عسكري، يتعلق بالإحتواء والقوة العسكرية، وبعد إقتصادي وتكنولوجي يتعلق بالذكاء الإصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية.
▪️ثلاث قمم.. والنتيجة نفسها
لا يرى ميرشايمر أن قمة واشنطن كانت حادثة إستثنائية. فقد سبقها لقاء أكتوبر/تشرين الأول 2025 في كوريا الجنوبية، ثم لقاء مايو/أيار 2026 في بكين. وفي القمم الثلاث، لم يتحقق إتفاق إستراتيجي كبير في القضايا الجوهرية، بينما بقي التقدم محصورًا إلى حد كبير في المجال التجاري. ومن وجهة نظره، فهذا يعني أن ما حدث في واشنطن ليس نتيجة ضعف المفاوضين أو سوء إدارة القمة. إنه إنعكاس لطبيعة العلاقة نفسها.
▪️لماذا بدا ترامب أكثر ودًا تجاه الصين؟
إذا كان ترامب قد بدأ ولايته الثانية بسياسة شديدة الصرامة تجاه الصين، فلماذا أصبح خطابه أكثر ودية خلال الأشهر الأخيرة؟ يقدم ميرشايمر تفسيرين رئيسيين. الأول هو أن الصين أظهرت قدرتها على الرد. فترامب بدأ حرب الرسوم وهو يعتقد أنه قادر على الضغط على الصين، لكن بكين أثبتت إمتلاكها أوراق ضغط، خصوصًا في المعادن الأرضية النادرة. وهكذا بدأ الطرفان البحث عن صيغة للتعايش التجاري بدل إستمرار الحرب التجارية المفتوحة. أما السبب الثاني فهو الحروب الأخرى التي يخوضها ترامب. فبحسب ميرشايمر، دخلت الولايات المتحدة الحرب مع إيران في 28 فبراير/شباط 2026 على أساس توقع تحقيق نصر سريع، لكن ذلك لم يحدث، وأصبحت واشنطن عالقة في صراع تريد الخروج منه. وفي الوقت نفسه لم يتمكن ترامب من إنهاء حرب أوكرانيا. ومن ثم، فإن فتح أزمة جديدة في شرق آسيا هو آخر ما يحتاج إليه في هذه المرحلة. وفوق ذلك كله، يحتاج ترامب إلى نجاح دبلوماسي يستطيع تقديمه للرأي العام بوصفه إنجازًا. لذلك كان لديه، في رأي ميرشايمر، عدد من الأسباب التي دفعته إلى تخفيف لهجته تجاه بكين والسعي إلى تسوية ما يمكن تسويته. لكن عندما ننظر إلى جوهر القمة، يقول ميرشايمر، نجد أن هذه التسوية ظلت محدودة أساسًا في المجال التجاري.
▪️الهدوء الحالي.. إستثناء مؤقت؟
يصل ميرشايمر في النهاية إلى إستنتاجه الأكثر تشاؤمًا. فهو لا يرى أن الهدوء الحالي بين واشنطن وبكين يمثل إتجاهًا جديدًا ومستقرًا في العلاقات بين القوتين. بل يرجح أن تتدهور العلاقة مع مرور الوقت، وأن تصبح المرحلة الحالية التي يتحدث فيها ترامب بنبرة ودية تجاه الصين مجرد إستثناء مؤقت. أما الإتجاه الذي ساد منذ 2017، والقائم على المنافسة والإحتواء والضغط المتبادل، فيراه أكثر قابلية للإستمرار. وبعبارة أخرى، فإن قمة واشنطن لم تفتح، في نظره، عصرًا جديدًا من التفاهم الأميركي–الصيني. لقد كشفت حدود ما يمكن أن يتفق عليه الطرفان. يمكنهما خفض الرسوم، وتوسيع التجارة، وتسوية بعض الملفات التجارية عندما تكون المصالح مشتركة. لكن عندما يصل الأمر إلى تايوان، أو إلى موقع الصين وروسيا وإيران في مواجهة النفوذ الأميركي، أو إلى التكنولوجيات التي تحدد شكل القوة في المستقبل، يصبح الأمر مختلفًا تمامًا. هناك، بحسب ميرشايمر، لا تكفي لغة المصالح التجارية ولا صور المصافحة في القمم. فالقضية تصبح قضية من يملك القوة، ومن يستطيع منع الآخر من إمتلاكها. وهذه هي المعضلة التي يرى ميرشايمر أنها ستظل تحكم العلاقة بين واشنطن وبكين في السنوات المقبلة. وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن السؤال الحقيقي بعد قمة واشنطن ليس: لماذا لم يتوصل ترامب وشي إلى إتفاق أكبر؟
بل: ما الذي يمكن أن يتفق عليه خصمان إستراتيجيان عندما تكون بعض القضايا التي يتفاوضان عليها هي نفسها ساحات الصراع على مستقبل النظام الدولي؟
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بيرني ساندرز: الأوليغارشية تصعد... والديمقراطية تتراجع
-
الصهيونية حركة عنصرية... سؤال يعود من جديد
-
«نازا» مرة أخرى.. من عاصفة إسرائيلية إلى شاشة العالم
-
الصهيونية تحتاج إلى معاداة السامية؟ بلومنتال أمام كارلسون
-
فلاي دبي 1073: الطائرة التي كادت تسقط... والسباك الذي أصبح ب
...
-
أميركا والشرق الأوسط: نهاية الهيمنة أم نهاية الدور القديم؟
-
ألكسندر دوغين: «نحن في بداية حرب رهيبة»..
-
إنتخابات الدوما 2026: ماذا يجري خلف أسوار الكرملين؟
-
«فيفالدي» في ليمان: ماذا يجري فعلاً على الجبهة الأوكرانية؟
-
جون ميرشايمر - هل أوكرانيا ذاهبة إلى الإنتحاراً؟
-
ويستمر الهذيان
-
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟
-
لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قل
...
-
من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
-
أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس
...
-
ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر
...
-
جون ميرشايمر كان في موسكو
-
ما الذي يؤخر «النصر»؟
-
من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
-
ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف
...
المزيد.....
-
إسرائيل تشارك للمرة الأولى في معرض مغربي للصناعات الدفاعية
-
غارات بمسيّرات إثيوبية تستهدف قوات إريترية في تيغراي وسط تصا
...
-
إسرائيل تستهدف قنصلية بريطانيا والغاية دفن الدولة الفلسطينية
...
-
من تهريب الكوكايين إلى التعذيب.. واشنطن توسع لائحة الاتهام ا
...
-
حريق يلتهم مركز بيانات ياندكس بعد هجوم بطائرة مسيّرة أوكراني
...
-
مجلس الأمن الدولي يمدد حظر الأسلحة على دارفور لمدة شهرين
-
جدل في سوريا بعد تقييد قبول الإناث في عدد من الاختصاصات الجا
...
-
فيضانات مميتة تجتاح ألبانيا والجبل الأسود بعد فيضان الأنهار
...
-
نضال مالك حسن.. جندي أمريكي قاده التطرف بعيدا عن قضية أجداده
...
-
تيغراي على حافة انهيار جديد.. تصعيد عسكري يقود إلى توترات إق
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|