|
|
7. إعادة الإعمار — من خراب الحرب إلى تراكم رأس المال
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 22:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في يوليو 2026، خرج والي الخرطوم في جولة على شارع النيل، برفقة الأمين العام لحكومة الولاية، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة، والأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية، والمدير التنفيذي لمحلية الخرطوم. امتدت الجولة من تقاطع مسجد الشهيد إلى جسر توتي وضفاف النيل الأزرق.
أصدر الوالي توجيهات بإزالة "جميع الأنشطة العشوائية والتعديات التي شوهت المظهر الحضاري للمنطقة"، وإعداد "تصور متكامل لتطوير شارع النيل والارتقاء بخدماته ومرافقه العامة حتى يصبح متنفساً جاذباً للأسر والعائلات ومقصداً سياحياً وترفيهياً". وربط الخطاب الرسمي قطاع السياحة والترفيه بتنشيط الاقتصاد المحلي، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، مع توجيه بمراجعة التعاقدات الخاصة بالمستثمرين وأصحاب المنشآت السياحية في المنطقة.
تضع هذه القرارات الواجهة النيلية داخل عملية أوسع لإعادة تشكيل العاصمة بعد الحرب. تأخذ إعادة الإعمار، بهذا المعنى، شكل صراع مادي حول ما سيُعاد بناؤه، وأين، ولمن، وبأي تمويل، ومن سيحصل على القيمة التي تنتجها عملية البناء.
في اقتصاد أنهكت الحرب إيراداته العامة، يصبح توزيع الإنفاق مسألة طبقية مباشرة. المستشفى والمدرسة والسوق الشعبي وشبكة المياه تتنافس مع الشارع السياحي والواجهة العقارية على الموارد نفسها. وكل اتجاه للإنفاق يعيد توزيع فرص السكن والعمل والدخل وقيمة الأرض.
تبدأ هذه العملية من الأرض. الأرض التي أفرغتها الحرب، والأرض التي خلت بفعل النزوح، والأرض التي تضررت مبانيها، والأرض التي أزيلت منها الأنشطة التجارية، والأرض التي نزعت ملكيتها أو أعيد تخصيصها، تدخل كلها في مرحلة جديدة من التحديد القانوني والاقتصادي. الإخلاء وحده لا ينتج قيمة جديدة. تتشكل القيمة مع تغيير الاستخدام، ومد الطرق، وتوصيل المياه والكهرباء، وإعادة التخطيط، وتغير توقعات الاستثمار.
وفي مشروع امتداد شارع النيل، ارتبط المشروع رسمياً برفع القيمة الاقتصادية للعقارات وخلق فرص استثمارية وتجارية وخدمية، مع تعهد بتعويض أصحاب الأراضي وفق القانون. تنفق الدولة على الطريق والمرافق وتهيئة المجال، ثم يمكن أن ترتفع قيمة الأرض المحيطة. وقد تتحول الزيادة التي صنعها الاستثمار العام إلى ريع خاص عند بيع الأرض أو تأجيرها أو تطويرها. تتحمل الدولة كلفة التهيئة، بينما يمكن أن تؤول الزيادة إلى مالك الأرض أو صاحب حق تطويرها. بذلك تتجسد إحدى آليات التراكم الحضري في تعميم كلفة التهيئة وخصخصة الزيادة في قيمة الأرض.
لا تكشف الملكية القانونية وحدها خريطة السيطرة على الأرض. فحق الانتفاع، وعقد التطوير، والامتياز، والإيجار طويل الأجل، والشراكة، والتخصيص الحكومي، كلها تمنح أطرافاً مختلفة مواقع داخل عملية تحويل الأرض إلى أصل اقتصادي. قد يمتلك طرف الأرض، ويمتلك آخر حق تطويرها، ويقدم ثالث التمويل، وتحصل جهة رابعة على عقد التنفيذ. لذلك تحتاج قراءة المدينة بعد الحرب إلى تتبع شبكة الحقوق والعقود: من يملكها، ومن ينتفع بها، ومن يملك حق تطويرها، ومن يمول المشروع، وكيف تتوزع العوائد والمخاطر.
الدولة تحتل موقعاً مركزياً هنا لأنها تملك القدرة على إعادة تنظيم المجال الاقتصادي. إزالة نشاط، فتح طريق، مد مرفق، تغيير استعمال الأرض، إعادة تخطيط حي، توفير الحماية، وإصدار التراخيص، كلها تدخلات تغير شروط تحقيق العائد. وعندما تزيل الدولة عائقاً أمام الاستثمار، أو ترفع قيمة موقع من خلال البنية التحتية والتخطيط، تدخل هذه القرارات في تكوين شروط الربح الخاص. وتتحدد طبيعة العلاقة من خلال المشروع الملموس: من أزيل؟ من حصل على الأرض؟ من موّل؟ من نفذ؟ ما طبيعة العقد؟ وما الذي حدث لقيمة الموقع بعد التدخل العام؟
تكتسب هذه المسألة وزناً أكبر مع ضعف القدرة المالية للدولة. الحرب ضربت الإيرادات العامة، ووسعت احتياجات إعادة البناء، ورفعت الحاجة إلى التمويل الخارجي والمنح والاستثمار الخاص والائتمان. وقد تتحرك بعض السيولة عبر التجارة غير الرسمية والتهريب وغسل منشأ السلع، وفق المسارات التي تناولتها الحلقة السادسة، من دون دليل يثبت دخول هذه الأموال في مشروعات الإعمار في كل حالة.
نوع التمويل يحدد جزءاً من العلاقة الاقتصادية داخل المشروع. القرض الخارجي يرتبط بخدمة دين. الاستثمار الخاص يرتبط بعائد متوقع. التمويل بضمان الدولة ينقل جزءاً من المخاطر إلى المالية العامة. تمويل الإسكان للأسر ينقل الكلفة إلى الأقساط والإيجارات. والمنحة ترتبط بشروط وأولويات تحدد كيفية استخدامها. ويمكن اختزال البنية المالية للمشروع في سلسلة مترابطة: من يمول؟ من يتحمل المخاطر؟ من يسدد؟ من يحصل على العائد؟ ومن يملك الأصل في النهاية؟
وتتحول هذه العلاقات إلى أرقام داخل العقود. مشروع الإعمار يتكون عادة من سلسلة تعاقدية تشمل التصميم والتمويل والتنفيذ والإشراف والإمداد ومقاولي الباطن، وقد تمتد إلى الحراسة. وفي كل طبقة تتوزع القيمة بين الأجور والأرباح والفوائد والإيجارات والعمولات وهوامش المقاولين والموردين. وكلما اتسعت قيمة المشروع، أصبحت السيطرة على السلسلة أكثر أهمية. ويحتاج تحليلها إلى معرفة المالك القانوني والمالك المستفيد للشركة، والممول، والمقاول الأصلي، ومقاولي الباطن، والجهة الحكومية المانحة للعقد، وقيمة العقد ومدته، وطريقة الإسناد، وشروط الدفع، والتعديلات اللاحقة، وفروق التكلفة.
عند هذه النقطة يصبح مفهوم التراكم التابع قابلاً للفحص داخل علاقات محددة للملكية والتمويل والتنفيذ والقيمة.
تشكل البنية التحتية أحد أهم ميادين هذه العملية. فالطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي تعيد بناء البنية المادية التي يحتاج إليها الاقتصاد الحضري. وقد تبقى ملكيتها عامة، بينما تدخل آثارها في شروط التراكم الخاص. الطريق العام يخفض زمن التنقل، ويفتح مناطق جديدة، ويرفع قابلية الأرض للاستثمار، ويؤثر في أسعار العقارات. شبكة المياه والكهرباء تزيد قابلية الموقع للسكن أو النشاط التجاري. الجسر يعيد تشكيل العلاقة بين أجزاء المدينة. والصرف الصحي يغير شروط السكن والاستثمار وقيمة الأرض.
تتحول البنية التحتية بذلك إلى قوة تعيد تنظيم المكان الاقتصادي. ومسار الطريق يحدد من يسهل وصوله إلى العمل، ومن ترتفع قيمة أرضه، ومن يفقد نشاطه بسبب المشروع. وتغيير شبكة النقل يمكن أن يخفض زمن انتقال العامل أو يرفع تكلفته. ونقل السوق قد يقطع شبكة زبائن وموردين تراكمت عبر سنوات. وإعادة تصميم المجال قد تجعل نشاطاً صغيراً عرضة للإزالة وتفتح الموقع أمام نشاط أعلى قيمة. يصبح الطريق، في هذه الحالة، جزءاً من جغرافيا التراكم.
تظهر العلاقة نفسها بصورة أكثر حدة في الإسكان، لأنه أحد الشروط المباشرة لإعادة إنتاج قوة العمل واستقرار السكان. الحرب دمرت مساكن واسعة، وأجبرت ملايين على النزوح، وتركت العودة مرتبطة بحالة المنازل والخدمات والأمان والقدرة على تحمل تكاليف الحياة. إعادة بناء الوحدة السكنية تظل محدودة الأثر إذا عجز صاحبها عن تحمل تكلفة الماء والكهرباء والنقل والتعليم والغذاء والعمل.
وتتعمق المشكلة عندما يعاد تخصيص أراضٍ منخفضة القيمة السكنية لاستخدامات ذات عائد أعلى. عندها يدخل السكان الذين فقدوا منازلهم في صراع مع ارتفاع قيمة الأرض وتكلفة إعادة البناء. ويحمل السكن البعيد عن فرص العمل كلفة إضافية: ساعات أطول في المواصلات، ونفقات نقل أعلى، ووقت أقل للرعاية المنزلية والراحة، ومسافة أكبر عن المدرسة والسوق والمرفق الصحي ومكان العمل. إعادة توزيع السكن تعيد، في الوقت نفسه، توزيع زمن الحياة بين الطبقات.
وتبدأ مسألة العودة قبل بناء الوحدة السكنية، من الأرض والحيازة والوثيقة والملكية والإرث والتعويض. فقدان الوثائق، والنزاع على الحيازة، وإعادة تصنيف الأرض، وبيعها خلال فترة النزوح، كلها يمكن أن تحول العودة إلى نزاع على الملكية. والعودة إلى المكان لا تكفي لاستعادة شروط الحياة الاجتماعية. العامل الذي يعود إلى منزله ولا يستطيع إعادة تشغيل متجره أو ورشته أو عربته يظل منفصلاً عن شروط إعادة إنتاج حياته.
من هذه النقطة تتصل إعادة الإعمار مباشرة بإعادة إنتاج قوة العمل. فالمدينة التي يعاد بناؤها تحتاج إلى العمال الذين يشيدون مبانيها وطرقها وشبكاتها. وتحتاج دراسة العقد، إلى جانب قيمته المالية، إلى معرفة الأجور وساعات العمل والسكن والنقل والأمن المهني وعلاقة العامل بالمقاول الأصلي ومقاول الباطن ووسيط العمل.
إذا قامت مشاريع الإعمار على عمل منخفض الأجر ومؤقت وغير مستقر، تصبح شروط إعادة إنتاج قوة العمل جزءاً من خفض كلفة البناء ورفع عوائد الاستثمار. وتتصل هذه العملية بما تناولته الحلقة الثالثة: نزع وسيلة العمل الصغيرة يمكن أن يخفض الاستقلال الاقتصادي ويزيد الحاجة إلى بيع قوة العمل. وعندما تتزامن إزالة وسائل العمل مع إعادة بناء المدينة، قد يفقد بعض السكان مصادر دخلهم ثم يدخلون سوق العمل الذي تولده عملية الإعمار نفسها.
إعادة الإعمار تعيد إنتاج المباني وشروط الحياة معاً. البيت يحتاج إلى ماء وكهرباء ونقل ومدرسة وسوق ومرفق صحي ومكان عمل. وكلما ارتفعت كلفة السكن والنقل والغذاء والخدمات مقارنة بالأجر، ارتفعت كلفة إعادة إنتاج العامل وأسرته، وتعرض الأجر الحقيقي لضغط حتى مع ثبات الأجر النقدي أو ارتفاعه.
ويمتد الصراع إلى البيئة والمناخ. فالمرونة والاستدامة والتكيف أصبحت عناصر حاضرة في تصميم مشروعات إعادة الإعمار وتمويلها، بينما تحدد المعايير البيئية نوع المشروعات المقبولة والجهات القادرة على إعداد الدراسات وتنفيذها وشروط الوصول إلى التمويل. يمكن للتمويل المناخي أن يوجه الموارد إلى الأحياء الفقيرة الأكثر تعرضاً للمخاطر، ويمكن أن يتركز في مشروعات ذات قيمة استثمارية أعلى. وتحدد قواعد التخصيص والجهات المنفذة وملكية الأصول المسار الذي تتخذه هذه الموارد.
وقبل إدخال الأرض مجدداً في الدورة الاقتصادية، توجد كلفة مادية تفرضها آثار الحرب. ما زالت الذخائر المتفجرة تمثل خطراً في الخرطوم. وسجل النصف الأول من 2026 إصابات ووفيات في عشرات الحوادث، كما جرى تحديد حقول ألغام في وسط الخرطوم، بينها موقع عند جسر قيد التأهيل على النيل. إزالة هذه المخاطر عمل إنساني وأمني، وهي في الوقت نفسه شرط مادي يجعل الأرض قابلة للسكن والعمل والاستثمار. وتمويل هذا العمل يسبق أحياناً الاستثمار الخاص، بينما تظهر الزيادة في قيمة الأرض لاحقاً داخل السوق.
ثم تدخل العودة إلى هذه العملية بوصفها إعادة إدخال للسكان وقوة العمل إلى المجال الحضري. سجلت المنظمة الدولية للهجرة أعداداً متزايدة من العائدين إلى مناطق الأصل خلال 2026، مع استمرار أضرار المساكن وتدهور الخدمات الأساسية ومخاطر أمنية مستمرة. العائد يحتاج إلى مسكن صالح، وماء، وكهرباء، ومدرسة، وصحة، ونقل، ومصدر دخل، وقدرة على تحمل الأسعار. لذلك يمكن أن تتحقق العودة جغرافياً بينما تبقى شروط الحياة التي تسمح بالاستقرار والإنتاج ناقصة.
وتعيد عملية الإعمار، مع توزع الاستثمارات والخدمات، تشكيل المدينة مكانياً. فإذا تركزت الاستثمارات عالية القيمة في مناطق محددة وانتقلت المساكن منخفضة الدخل إلى الأطراف، تتشكل جغرافيا جديدة للعمل والسكن والدخل. ارتفاع قيمة الأرض في المركز يدفع بعض السكان إلى الخارج، بينما تبقى فرص العمل والخدمات والأسواق في الداخل. ينشأ بذلك فصل متزايد بين مكان السكن ومكان العمل. ويحتاج رأس المال إلى قوة العمل، بينما يستفيد من تنظيم وجودها مكانياً وفق شروط تضبط كلفة السكن وتبقي العمال ضمن مجال سوق العمل.
يدخل الزمن الحضري هنا في علاقة العمل نفسها. ساعات الطريق وقت يُستهلك في إعادة إنتاج قوة العمل، وتكلفة يتحملها العامل والأسرة. وكل توسع مكاني للسكن منخفض الدخل يمكن أن يعيد توزيع هذه التكلفة على حساب الوقت والدخل والرعاية.
وتكشف هذه الجغرافيا أحد وجوه التبعية. إذا جاءت المواد والمعدات والخبرات والتمويل من الخارج، واستحوذت شركات أجنبية على أجزاء من التنفيذ، وحُولت الفوائد والأرباح إلى الخارج، خرج جزء من القيمة المتولدة في إعادة الإعمار من الدورة المحلية. وترتفع القيمة المحتجزة كلما اتسعت مشاركة العمالة المحلية والمواد المحلية والمقاولين المحليين. ويمكن فحص هذه العلاقة مشروعاً مشروعاً عبر نسبة العمالة المحلية، ونسبة المواد المحلية، وحصة المقاولين المحليين، وحجم المعدات المستوردة، والقيمة المضافة المحلية، ونسبة الأرباح والفوائد التي تبقى داخل السودان. عندها يتحول "التراكم التابع" من توصيف عام إلى علاقة اقتصادية قابلة للقياس.
ويضيف سعر الصرف طبقة أخرى إلى الصراع على القيمة. فقد يكون العقد بالدولار، والمدخلات مستوردة بالدولار، بينما يحصل العمال على الجنيه. وقد تسدد القروض بالعملة الصعبة، بينما تحصل الدولة على إيراداتها بالعملة المحلية. وعند تغير سعر الصرف تتغير قيمة الأجور والتكاليف والأرباح وخدمة الدين في الوقت نفسه، لكن آثار التغير لا تتوزع بالتساوي. وتحدد العملة التي تسعر بها المدخلات، والعملة التي تدفع بها الأجور، والعملة التي تسدد بها القروض، الطرف الذي يتحمل مخاطر انخفاض قيمة العملة. وقد تقع هذه المخاطر على الدولة أو المستثمر أو المقاول أو العامل أو المستهلك، بحسب البنية المالية للعقد.
بهذه التفاصيل يتحدد مسار القيمة داخل المشروع، وتتضح العلاقة بين رأس المال المحلي ورأس المال الخارجي والدولة وقوة العمل.
نعود بذلك إلى ما راكمته الحلقات السابقة. فقدان الأرض أعاد تشكيل الملكية والحيازة. وإدارة السكان أعادت توزيع قوة العمل. ونزع وسائل العمل دفع بعض الفئات نحو مزيد من الاعتماد على بيع قوة العمل. والتصنيف أعاد تنظيم الوصول إلى المجال والحقوق. والدولة أعادت تنظيم المكان عبر القرارات والطرق والمرافق والتخصيص. وكشفت الحلقة السادسة مسارات السيولة والذهب والتجارة غير الرسمية بوصفها مجالات تحتاج إلى تتبع مالي مستقل.
إعادة الإعمار تجمع هذه العناصر داخل عملية واحدة: الأرض تحتاج إلى تهيئة، والتهيئة تحتاج إلى تمويل، والتمويل ينتج عقوداً والتزامات، والعقود تحتاج إلى قوة عمل، وقوة العمل تحتاج إلى سكن وخدمات، والبنية التحتية تغير قيمة الأرض، وارتفاع قيمة الأرض يعيد توزيع السكان والأنشطة، ومصدر التمويل يحدد مقدار القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد السوداني. هنا يتحول خراب الحرب إلى ميدان جديد للصراع حول الأرض والمال والعمل والزمن والمكان.
ولا تحمل كل عملية إعادة إعمار المسار الطبقي نفسه. يمكن أن تتجه الموارد إلى السكن والمياه والصحة والتعليم والأسواق والنقل وإزالة مخاطر الحرب، ويمكن أن تتركز في المناطق الأعلى عائداً والسياحة والعقار والواجهات. وقد تجتمع الأولويات الاجتماعية والاستثمارية داخل الخطة نفسها، لكن ترتيبها وحجم الإنفاق عليها يحددان المستفيدين من إعادة توزيع الموارد. الحسم في هذه المسألة يحتاج إلى أرقام: حجم الإنفاق على الأحياء السكنية، وحجم الإنفاق على البنية الاستثمارية، وتوزيع العقود، وتوزيع الأراضي، ومصادر التمويل، وحجم الدين، وشروط العمل، وقيمة الزيادة في الأرض بعد المشروع، وقدرة السكان الأصليين على البقاء بعد ارتفاع قيمتها.
ويظهر الصراع أيضاً في ترتيب الزمن. من يحصل على إعادة الإعمار أولاً؟ إذا سبقت الواجهة السياحية المدرسة، أو سبق المشروع العقاري شبكة المياه، أو سبقت المنطقة الاستثمارية السوق الشعبي، فإن ترتيب التنفيذ نفسه يعيد توزيع الموارد والفرص.
تتصل المسألة بتحول فضاءات الإنتاج والتجارة الصغيرة إلى فضاءات للاستهلاك الحضري. الواجهة النيلية التي تضم المطاعم والمقاهي والمنشآت السياحية يمكن أن تخلق وظائف ودخلاً، وفي الوقت نفسه قد تؤدي إعادة تنظيمها إلى إخراج أنشطة تجارية صغيرة من المكان، أو رفع كلفة الوصول إليه، أو تحويل جزء من المجال العام إلى مساحات ذات استخدام تجاري. السياحة هنا تُقرأ من خلال علاقات الملكية والعمل والدخل والوصول إلى المكان: من يستخدم المجال، ومن يدفع مقابل استخدامه، ومن يملك المنشآت ويحصل على العائد، ومن فقد مصدر رزقه نتيجة إعادة التنظيم.
في شارع النيل أو أي من الشوارع الرئيسية، يمكن قراءة مستقبل جزء من المدينة من خلال العلاقة بين الأرض والواجهة: ملكية الأرض قبل المشروع، وملكية الأرض بعده، وحقوق الانتفاع والتطوير، ومصدر التمويل، والجهة المنفذة، والعقد، وقيمة الأرض قبل المشروع وبعده، والطرف الذي يحصل على الزيادة في قيمتها، وقدرة السكان على البقاء بعد ارتفاع هذه القيمة. حتى التعويض يحتاج إلى قراءة زمنية. تعويض مالك الأرض عند لحظة النزع يعالج قيمة الملكية في تلك اللحظة؛ أما الزيادة التي تنتجها الطريق والمياه والكهرباء والتخطيط والاستثمار العام فتظهر لاحقاً. ومن يملك الأرض أو حق تطويرها عند تلك اللحظة يملك موقعاً للحصول على هذه الزيادة. تتحول هنا البنية التحتية من إنفاق عام إلى مسألة ملكية وتوزيع.
ويحتاج تحليل كل مشروع إلى تتبع مادي متصل: سجل الأرض، وضع الحيازة، قرارات التخصيص، مصدر التمويل، شروط القرض، العقود، طريقة الإسناد، المالك المستفيد للشركات، المقاول الأصلي، مقاولو الباطن، تكلفة المشروع، التعديلات، فروق التكلفة، أجور العمال، نسبة المدخلات المستوردة، القيمة المضافة المحلية، خدمة الدين، حقوق الانتفاع والتطوير، وقيمة الأرض قبل المشروع وبعده.
عند اكتمال هذه السلسلة يمكن الانتقال من الخطاب العام حول "إعادة الإعمار" إلى تحليل علاقة اجتماعية محددة: من يملك شروط البناء، ومن يعمل، ومن يدفع، ومن يتحمل المخاطر، ومن يحصل على القيمة.
تتمثل الفرضية المركزية لهذه الحلقة في أن إعادة الإعمار يمكن أن تصبح آلية لإعادة توزيع شروط التراكم في سودان ما بعد الحرب. ويحدد مسار الأرض والمال والعقد والعمل والقيمة، مشروعاً مشروعاً، ما إذا كانت عملية إعادة البناء ستعيد إنتاج علاقات التبعية والتركز الطبقي، أم ستفتح مجالاً لتوسيع الملكية الاجتماعية للخدمات والأصول وتقوية شروط الحياة والعمل للجماهير.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
6. الذهب والتهريب والغسيل — المسار المالي لإعادة هندسة المدي
...
-
5. جهاز الدولة ورأس المال العسكري — التراكم المباشر خارج الس
...
-
4. تصنيف السكان وتسليع الأيديولوجيا — من -الحواضن- إلى -المد
...
-
3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة ا
...
-
2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم
-
مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية
...
-
السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر
...
-
السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد
...
-
السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو
...
-
السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي
...
-
السودان: الإضراب في زمن الحرب من احتجاجات متعددة إلى خريطة و
...
-
السودان: الإضراب في زمن الحرب خريطة الإضرابات والاحتجاجات في
...
-
أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
...
-
أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
...
-
أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
...
-
أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
...
-
أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
...
-
أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
...
-
أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
...
-
أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
...
المزيد.....
-
فرنسا.. موجة قمع واسعة لاحتجاجات الطلاب
-
أزمة دبلوماسية تتصاعد بين لندن وتل أبيب.. بريطانيا تهدد بطرد
...
-
أسير إسرائيلي سابق يكشف تفاصيل محاولة هروبه من غزة بعد 6 أشه
...
-
الكشف عن تحذير أمريكي سابق للرياض: تهديد الحوثيين يتنامى.. و
...
-
إسرائيل تبدأ باستخدام سلاح جديد ضد المسيّرات.. نظام محمول ير
...
-
كم يبلغ عدد الجنود الباكستانيين في السعودية؟ إسلام آباد تنفي
...
-
لقاء بين بن سلمان والشرع.. قمة سورية - سعودية في الرياض تبحث
...
-
-الانسحاب الإسرائيلي أولًا-.. حزب الله يعلن استعداده لمناقشة
...
-
مسؤول سابق يكشف كواليس 7 أكتوبر في البيت الأبيض.. من إدارة ا
...
-
رونالدو يخرج عن صمته ويكشف كواليس خلافه مع مدرب البرتغال: أخ
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|