عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 08:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تمهيد: من "حرب اليمن" إلى "أزمة البحر الأحمر"
تجاوزت الحرب على الحوثيين حدود الصراع الداخلي اليمني، فصارت أزمة إقليمية وعالمية تمسّ أمن الخليج، والملاحة الدولية، وأسعار الطاقة، والتجارة العالمية. وبعد توقيع "حلف مكة" في 7 أوت 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، وتصعيد الهجمات الحوثية على المنشآت السعودية، يبرز السؤال الحاسم: لماذا يصعب هزيمة الحوثيين رغم التفوق العسكري الهائل للتحالف؟ تقوم الإجابة على عدّة عوامل بنيوية واستراتيجية وجيوسياسية متشابكة، تتكامل فيما بينها لتشكّل صعوبة الحسم.
أولِا: اختلال معادلة القوة — التفوق المادي لا يُترجم نصرًا
يمتلك التحالف قوات جوية وبرية وبحرية حديثة، وميزانيات دفاع ضخمة، ومقاتلات متطورة، ومنظومات دفاع جوي وصاروخي متقدمة، في حين لا يملك الحوثيون قوة جوية تقليدية ولا ترسانة تضاهي ما لدى التحالف. ورغم هذا الفارق الكبير، لا يتحول التفوق المادي إلى نصر ميداني، لأن طبيعة الميدان تغير قواعد الاشتباك تمامًا. فالتحالف يخوض الحرب خارج أراضيه، وعلى أرض ذات تضاريس جبلية بالغة التعقيد، بينما يقاتل الحوثيون داخل بيئتهم المحلية، مستفيدين من شبكات اجتماعية وقبلية ومعرفة دقيقة بالمسالك والمناطق. ويعتمدون أسلوب حرب الاستنزاف والكمائن والتحصينات، ويستخدمون الصواريخ والطائرات المسيّرة في عمليات ذات كلفة منخفضة جدًا، بحيث يملك التحالف رصيدًا ماديًا ضخمًا، بينما يمتلك الحوثيون قدرة أعلى على تحويل موارد محدودة إلى فاعلية قتالية مستمرة ومرهقة للخصم.
ثانيًا: مكامن الضعف في بنية التحالف
إلى جانب تحديات الميدان، تتباين الأهداف الاستراتيجية لدول التحالف نفسها، مما يضعف انسجام خططها. تسعى السعودية لهزيمة الحوثيين واستعادة مسار الشرعية في اليمن، وتعمل تركيا على توسيع نطاق نفوذها الإقليمي وحماية مصالحها في البحر الأحمر، وتحرص باكستان على تجنب المواجهة المباشرة مع إيران وستكتفي بتقديم الدعم اللوجستي، وبالتالي فإن الجيش السعودي هو المعني بالعمليات الحربية عمليًّا. وهذا التباين يضعف التنسيق العملياتي ويفتح ثغرات يستغلها الحوثيون. وتتعمق هذه الهشاشة بوجود فجوة واسعة بين حجم المعدات لدي المملكة العربية السعودية والقدرة على توظيفها بكفاءة؛ فالسعودية أكبر مستورد للأسلحة في العالم، لكن الإنفاق الكبير لا يترجم دائمًا فعالية ميدانية، ويكمن الخلل، حسب الدراسات، في ضعف التأهيل المهني، وتغليب الاعتبارات الشخصية على المعايير المؤسسية، وضعف البرامج التدريبية التي تعكس السيناريوهات الفعلية للميدان. ويزداد الوضع تعقيدًا بفعل الاعتماد الكلي على الخارج في التدريب والصيانة والدعم اللوجستي والاستخباراتي، مما يحد من حرية القرار العملياتي ويرتبط استمرار الكفاءة باستمرار هذا الدعم. ثم إن القوة الجوية وحدها لا تملك القدرة على حسم الحرب؛ فالغارات تُلحق أضرارًا واسعة، لكنها لا تفرض سيطرة على الأرض ولا تبني سلطة سياسية مستقرة، وقد أثبتت التجارب السابقة محدودية الجمع بين التفوق الجوي والوجود البري الفعال.
ثالثًا: ركائز القوة الحوثية
في المقابل، تتمتع الحركة برصيد قوة ذاتي متين تبلور عبر سنوات طويلة. اكتسبت منذ عام 2004 خبرة قتالية متراكمة، خاضت خلالها جولات متتالية، وانتقلت تدريجيًا من نمط حرب العصابات المحلية إلى قوة قادرة على السيطرة على مدن ومؤسسات كبرى، وصقلت قدراتها على الصمود والمناورة، وفرضت على خصم أقدر ماديًا حربًا طويلة ومكلفة. وتقوم عقيدتها القتالية على الاستنزاف بدلاً من خوض معارك المواجهة المفتوحة؛ فهي لا تحتاج إلى تدمير قوة الخصم، بل تكفيها منعه من تحقيق أهدافه ورفع كلفة استمرار الحرب، وتمنحها الطبيعة الجبلية والتماسك الاجتماعي والقدرة على الانتشار في تشكيلات صغيرة متماسكة ميزات يصعب على الجيوش التقليدية معادلتها. وإلى جانب الخبرة، طوّرت الحركة قدراتها التقنية والعملية بشكل مستمر، فاستخدمت الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، ووسّعت نطاق عملياتها ليشمل الملاحة في البحر الأحمر، وأظهرت مرونة في تكييف خططها مع تطورات الميدان رغم ما يظل من نقاط ضعف في الدقة والمدى والاستدامة.
رابعًا: الدعم الخارجي وتشابك المصالح الدولية
ولا تقتصر قوة الحركة على رصيدها الذاتي، بل تتلقى دعمًا خارجيًا استراتيجيًا يعزّز موقفها. تُعدّ إيران من أبرز الداعمين، بالتقنيات والخبرات والوسائل العسكرية، وتوظّف وجودها كأداة ضغط جيوسياسي في مواجهة النفوذين الأمريكي والإسرائيلي. ولذلك ظلّت تقترح بين الحين والآخر مبادرات سياسية تضع التّحالف في موقف المدافع. وفي الخلفية، تلعب الصين دورًا متزايد التأثير؛ فقد رعت الاتفاق السعودي–الإيراني عام 2023 ونالت بذلك نفوذًا دبلوماسيًا متناميًا، وتوفّر تقنيات ومواد ذات استخدام مزدوج، وتعمل على إبقاء الملفات مفتوحة بما يخدم رؤيتها الهادفة لتقليل الهيمنة الغربية في المنطقة. ولا تتدخل الصين عسكريًا مباشرة، لكن خياراتها الدبلوماسية والاقتصادية وبصماتها الخفيّة تؤثر بعمق في مجرى الأحداث وموازين القوى.
خامسًا: الحوثيون في قلب التحولات الجيوسياسية العالمية
ثم إن تأثير الحركة تجاوز حدود اليمن تمامًا، فصار جزءًا من معادلات دولية كبرى. فسيطرتها على ممر "باب المندب" ترفع كلفة الشحن والتأمين، وتؤثر مباشرة في حركة التجارة وأسعار الطاقة والغذاء والدواء في قارات عدة، ويمنحها هذا الموقع النفوذ الذي لا يتناسب مع حجم قوتها العسكرية. ويتقاطع هذا الدور مع تراجع الوجود العسكري الأمريكي المباشر، ويؤثر تغير المزاج الداخلي في الولايات المتحدة في قرارات الدعم والانخراط، مما يدفع حلفاء واشنطن للبحث عن ترتيبات بديلة لا تمتلك ذات القدرة والاستعداد. وتضاف إلى ذلك تحديات جديدة تطرحها أزمة البحر الأحمر أمام إسرائيل، التي ترى في تمدد النفوذ الحوثي تهديدًا مباشرًا وتسعى لتقديم خبراتها الأمنية لدول الخليج، وفي الوقت ذاته يزيد اقترابها من هذه الدول من حدة الانقسامات الداخلية والشعبية، ويشقّ على التحالف إيجاد موقف موحّد إزاءه.
سادسًا: معوقات الحسم ومآلاته
وتتضافر كل هذه العوامل لتجعل الحسم العسكري أمرًا بالغ الصعوبة. فمن جهة، تملك الدول الكبرى الأسلحة الأكثر تطورًا، لكن التكنولوجيا الحديثة جعلت الجماعات الأصغر قادرة على تهديد المصالح الاستراتيجية بتكلفة زهيدة، ويقاتل الحوثيون على أرضهم وبين مجتمعاتهم، في حين تُبذل الجهود العسكرية من الخارج وعلى مسافات بعيدة. ويكمن الخلل الجوهري في غياب رؤية سياسية شاملة لما بعد الحرب؛ حيث تتركز الخطط على إضعاف الحركة عسكريًا دون تصوّر واضح لبناء دولة مستقرة تجمع اليمنيين، ويبقى الفراغ السياسي مفتوحًا أمام عودة الاضطراب مهما بلغت الخسائر الميدانية. وتتداخل الملفات الإقليمية والدولية بعمق، فلكل طرف مصالحه التي تدفعه للانخراط أو الابتعاد وفق توازناته الخاصة، ولا تقتصر التأثيرات على إيران والصين بل تتعداها إلى أطراف أخرى ترى في استمرار التوتر فرصة لتحقيق مكاسب أو منع خصومها من التقدم. ومع استمرار الحرب، تتزايد كلفتها السياسية على دول التحالف، وتتعمق الخلافات بين أعضائها حول الأولويات والمسارات، وتظل الشرعية اليمنية منقسمة بين أطراف متباينة، مما يضعف ثقلها الشعبي ويصعّب توحيد الجهود تحت مظلتها.
سابعًا: المسار الأرجح — استمرار اللاّحسم والتدرّج نحو التسوية.
بدأت المعطيات تتغير مساء هذا اليوم، أثناء كتابة هذه الورقة، حيث شنت قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا هجوما مباشرا على مواقع الحوثيين، فدخلت مرحلة جديدة من المواجهات الميدانية. ورغم هذا التصعيد، تظل صعوبة الحسم قائمة؛ فالتحالف وقوات "الشرعية" قادرة على توجيه ضربات قاسية وتحقيق تقدم ميداني، لكنها لا تملك القدرة على اجتثاث الحركة من جذورها أو إدارة المناطق الشاسعة التي تسيطر عليها على المدى الطويل. وفي المقابل، يمتلك الحوثيون قدرة عالية على المناورة والاستمرار في المقاومة والاستنزاف، رغم ما يواجهونه من ضغوط.
في ظل غياب مشروع مصالحة يجمع اليمنيين، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى مسار تسوية تدريجية يقوم على خطوات ملموسة: وقف إطلاق النار الشامل، فتح الموانئ والطرق والمطارات، تبادل الأسرى، انتظام دفع الرواتب، توحيد المؤسسات المالية والعسكرية تحت إدارة وطنية جامعة، وحوار مباشر بين الدول المعنية لضمان أمن المنطقة ومنع استخدام الأراضي اليمنية في استهداف الجيران أو الملاحة.
الخلاصة
لماذا يصعب هزيمة الحوثيين؟ لأنهم ليسوا مجرد جماعة مسلحة، بل هم قوة ذات جذور عميقة تتداخل فيها طبقات متعددة وتتكامل معًا:
- قوة استنزافية اكتسبت خبرة تمتد لعقدين من الزمن، وتعتمد نمط قتال يرهق الخصوم ولا يمنحهم هدفًا سهلًا.
- أداة جيوسياسية تُوظّفها قوى دولية وإقليمية كبرى في مواجهة النفوذ الغربي.
- فاعل دولي مؤثر يتحكّم في ممر حيوي للتجارة العالمية، ويفرض نفوذًا لا يقتصر على حدود اليمن.
- حركة اجتماعية محلية تتجذّر في بيئتها وتستند إلى روابط قبلية وثقافية راسخة.
- خصم غير متكافئ يحول الفارق في الموارد لصالحه، ويحقق تأثيرًا استراتيجيًا بتكلفة زهيدة.
إن ما يُعطّل الحسم ليس نقصًا في العتاد أو العدد، بل طبيعة الصراع نفسه؛ فهو حرب تُخاض على أرض يمنية بآليات ومصالح دولية وإقليمية متداخلة. والتاريخ يعلّم أن التفوّق العسكري وحده لا يكفي حين يقاتل الناس من أجل بقائهم ومستقبلهم، وخصوصا اليمنيين تحديدا. ولهذا لا يكمن المخرج في المزيد من التصعيد، بل في تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتضمن لليمن أمنه واستقراره، وللدول المجاورة طمأنينة على حدودها ومصالحها.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟