أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر















المزيد.....

من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 00:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ثمة أسئلة لا تنتهي بانتهاء الزمن الذي ولدت فيه، لأنها تتصل بجوهر الإنسان أكثر مما تتصل بالأدوات التي يستخدمها. ومن بين هذه الأسئلة يبرز سؤال الوعي: ما الذي يجعل الوعي وعيًا؟ وهل يكفي أن يمتلك الكائن قدرة على المعرفة والتفكير وحل المشكلات لكي نعدّه واعيًا؟

يكتسب هذا السؤال اليوم أهمية استثنائية مع الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة للحساب أو معالجة المعلومات، بل أصبح قادرًا على إنتاج النصوص والصور والموسيقى، ومحاورة الإنسان، والتعلم من كميات هائلة من البيانات، والمشاركة في بعض صور البحث والتحليل والإبداع.

وفي خضم هذا التحول التكنولوجي، تعود إلى الواجهة شخصية المفكر وعالم النفس العراقي الراحل نوري جعفر، الذي أثار، في وقت مبكر، أسئلة حول الذكاء الاصطناعي والعقل والإبداع والتربية والتكنولوجيا.

ولعل ما يجعل العودة إليه اليوم ذات معنى ليس القول إنه تنبأ بكل ما وصل إليه الذكاء الاصطناعي، فهذا سيكون تحميلًا لتجربته ما لا تحتمل، وإنما أن الأسئلة التي كان يفكر فيها تسمح لنا بإعادة النظر في أسئلة عصرنا.

ومن هنا يمكن أن نضع سؤال نوري جعفر في حوار فكري أوسع مع سؤال هيغل عن الوعي والوعي بالذات.

أولًا: الوعي عند هيغل

يمكن أن يكون المدخل إلى هذه المسألة هو مفهوم الوعي عند هيغل.

فالوعي في مستواه الأول هو علاقة الإنسان بالعالم من حوله. هناك ذات واعية، وهناك موضوعات خارجها: أشياء وأحداث ووقائع يدركها الإنسان ويتأملها ويفكر فيها.

بمعنى آخر: أكون واعيًا عندما أعرف شيئًا.

لكن هيغل لا يتوقف عند هذا المستوى.

فالتحول الحاسم يحدث عندما لا يعود الإنسان منشغلًا بالموضوع الخارجي وحده، بل يلتفت إلى نفسه بوصفه الذات التي تعرف.

وهنا ينتقل الوعي من مجرد معرفة العالم إلى الوعي بالذات.

وهذا الانتقال بالغ الأهمية؛ لأن المسألة لم تعد:

أنا أعرف.

بل تصبح:

أنا أعرف أنني أعرف.

ومن هنا يمكن التمييز بين مستويين:

معرفة الشيء، ومعرفة الذات التي تعرف الشيء.

وهذا التمييز يفتح الباب مباشرة أمام السؤال الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي علينا اليوم.

ثانيًا: الوعي بالذات والآخر

لكن الوعي بالذات عند هيغل لا يتشكل في عزلة كاملة.

فالذات لا تتعرف إلى نفسها فقط من خلال تأملها الداخلي، وإنما من خلال علاقتها بذات أخرى. ومن هنا تأتي فكرة الاعتراف.

فالإنسان لا يكتشف ذاته بوصفها ذاتًا حرة ومستقلة إلا في علاقة مع الآخر، حيث تتعرف الذوات بعضها إلى بعض، ويصبح الاعتراف المتبادل جزءًا من تشكل الوعي بالذات.

ومن هنا يمكن النظر إلى مسار الوعي بوصفه انتقالًا من:

وعي بالعالم → وعي بالذات → علاقة بالآخر → اعتراف → عقل.

وهذه ليست مجرد مراحل زمنية بسيطة، بل تعمق تدريجي في معنى الوعي وعلاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبالآخر.

وهنا تبدأ المسافة الفلسفية بين الذكاء والوعي.

ثالثًا: من الوعي إلى الذكاء

ينبغي هنا أن نفرق بين مفهومين يجري الخلط بينهما كثيرًا: الذكاء والوعي.

فالذكاء يمكن أن يعني القدرة على التعلم، وحل المشكلات، واكتشاف الأنماط، ومعالجة المعلومات، وإنتاج استجابات مناسبة.

أما الوعي فيطرح سؤالًا آخر:

من الذي يعرف؟

قد يكون لدينا نظام يستطيع معالجة معلومات هائلة، واستخلاص نتائج دقيقة، وتقديم إجابات معقدة، ومحاكاة اللغة البشرية بدرجة مذهلة.

لكن هذه القدرات، في حد ذاتها، لا تجيب عن السؤال المتعلق بوجود ذات واعية تقف خلف هذه العمليات.

وهنا يظهر الفرق:

الذكاء يتعلق بما يستطيع النظام أن يفعله، أما الوعي فيتعلق بما إذا كانت هناك ذات تختبر وتعرف وتدرك نفسها بوصفها ذاتًا.

ومن هنا تصبح مسألة الذكاء الاصطناعي ليست مسألة تقنية فحسب، وإنما مسألة فلسفية تتعلق بتعريفنا نحن للإنسان.

رابعًا: نوري جعفر.. حين سبق السؤالُ زمنَه.

في هذا السياق تكتسب العودة إلى نوري جعفر أهمية خاصة.

فقد كان جعفر يتناول العقل والدماغ والإبداع والتربية والعلم والتكنولوجيا داخل رؤية واسعة لا تفصل الإنسان عن بيئته الاجتماعية والثقافية.

وهذا ما يلفت النظر في الحوار القديم الذي أجراه الكاتب حسب الله يحيى معه عام 1984، والذي أعاد تحسين الشيخلي قراءته بعين تنتمي إلى زمن الذكاء الاصطناعي.

فالشيخلي يلفت إلى مفارقة جديرة بالتأمل: كان نوري جعفر يتحدث عن الدماغ والإبداع والتربية والتكنولوجيا والمجتمع، بينما نحن اليوم نقرأ تلك الأفكار من داخل عالم الخوارزميات والنماذج اللغوية والروبوتات وعلوم الأعصاب الحديثة.

ولا يرى الشيخلي أن الإنصاف يقتضي أن ننسب إلى نوري جعفر تنبؤًا بالذكاء الاصطناعي بصورته الراهنة، بل يجد أن الأهم هو المنهج الذي كان يفكر من خلاله.

وهنا تكمن قيمة نوري جعفر.

فهو لم يكن ينظر إلى العقل باعتباره جزيرة منفصلة، بل كان يربط الدماغ بالبيئة، والفرد بالمجتمع، والعلم بالثقافة، والإبداع بالتربية.

وهذه الرؤية تصبح شديدة الأهمية في عصر أصبحت فيه الآلة تشارك الإنسان في اللغة والكتابة والصورة والموسيقى وحل المشكلات.

خامسًا: نوري جعفر والإبداع.. هل يكفي أن تنتج الآلة شيئًا جديدًا؟

من أكثر النقاط إثارة في قراءة تحسين الشيخلي لنوري جعفر حديثه عن الإبداع.

فجعفر، كما يقرأه الشيخلي، لا يختزل الإبداع في حالة مرضية أو انحراف نفسي، بل يربطه بأساس جسمي يتصل بالدماغ، مع التأكيد على أن القدرة لا تتحول إلى إبداع إلا في تفاعلها مع البيئة الاجتماعية والثقافية.

وهنا تظهر فكرة شديدة الأهمية:

وجود البنية القادرة على إنتاج الإبداع لا يكفي وحده؛ فالإبداع يتشكل داخل علاقة بين القدرة والبيئة والخبرة والثقافة.

وعندما ننقل هذه الفكرة إلى عصر الذكاء الاصطناعي، يظهر سؤال جديد:

إذا كانت الآلة قادرة على إنتاج قصيدة أو لوحة أو موسيقى أو فكرة علمية، فما طبيعة هذا الإبداع؟

لدينا اليوم شبكات عصبية اصطناعية، ووراءها بيئة هائلة من النصوص والصور والأصوات والبيانات التي أنتجتها الحضارة البشرية.

فهل نستطيع أن نسمي هذا إبداعًا بالمعنى نفسه الذي نصف به إبداع الإنسان؟

أم أن ما يحدث هو إعادة تركيب هائلة ومعقدة لما تعلمته الآلة؟

السؤال لا يتعلق بجودة الناتج فقط.

إنه يتعلق بطبيعة الفعل الذي أنتج الناتج.

سادسًا: «النظر إلى الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة»

من أجمل ما يستوقف في قراءة تحسين الشيخلي لنوري جعفر عبارته عن المبدعين، حين رأى أنهم:

«ينظرون إلى الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة».

هذه العبارة، على بساطتها، تبدو اليوم كأنها وضعت أمامنا سؤالًا مركزيًا في الذكاء الاصطناعي التوليدي.

فالآلة تستطيع بالفعل أن تقدم علاقات غير متوقعة بين الأشياء، وأن تنتج صورًا ونصوصًا وموسيقى جديدة.

لكن السؤال:

هل ترى الآلة الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة؟

أم أنها تعيد تركيب ما تعلمته وفق فضاء احتمالي بالغ التعقيد؟

الفرق بين الاحتمالين هو الفرق بين إنتاج شيء جديد وبين اختبار تجربة الإبداع.

وهنا نعود إلى سؤال الوعي.

فالإنسان لا ينتج الإبداع في فراغ؛ إنه يعيش العالم، ويتأثر به، ويتذكر، ويحلم، ويتألم، ويحب، ويخاف، ويصطدم بالآخر، ثم تتحول هذه الخبرة إلى صورة أو فكرة أو عمل فني.

أما الآلة، فمهما بلغت قدرتها على إنتاج العمل، فإن السؤال يبقى مفتوحًا:

هل تعيش شيئًا من ذلك؟

سابعًا: نوري جعفر والذكاء الاصطناعي.. حقيقة أم وهم؟

في هذا الموضع تحديدًا تأتي أهمية مقال نبيل عبد الأمير الربيعي عن نوري جعفر.

فالربيعي أعاد التذكير بسؤال جعفر المنشور عام 1985 بعنوان:

«الذكاء الاصطناعي حقيقة أم وهم؟»

وهو سؤال شديد الدلالة إذا قرأناه اليوم.

ففي ذلك الوقت لم تكن البشرية قد وصلت إلى النماذج اللغوية أو الذكاء الاصطناعي التوليدي بصورته الحالية، ولم تكن الآلة قد اقتربت من الإنسان في اللغة والصورة والإبداع كما هي اليوم.

ومع ذلك، كان السؤال قد وُضع.

وهنا لا أرى ضرورة لفهم عبارة الربيعي، حين وصف نوري جعفر بأنه «سبق العالم في الذكاء الاصطناعي»، بمعنى التنبؤ التفصيلي بالمستقبل التقني.

الأجدر، في رأيي، أن نفهمها بوصفها سبقًا في طرح السؤال.

فبعض المفكرين يسبقون عصرهم لا لأنهم يعرفون شكل المستقبل، وإنما لأنهم يطرحون الأسئلة التي سيضطر المستقبل إلى مواجهتها.

ثامنًا: ماذا لو امتد بنوري جعفر العمر إلى عصر الذكاء الاصطناعي؟

هنا يأتي السؤال الذي يطرحه تحسين الشيخلي في قراءته:

ماذا لو امتد بنوري جعفر العمر إلى عصر الذكاء الاصطناعي؟

هل كان سينشغل بالسؤال عن مدى ذكاء الآلة؟

أم كان سيعيد السؤال إلى الإنسان نفسه؟

ماذا سيحدث للتعليم عندما تصبح المعرفة متاحة من آلة تجيب عن كل شيء؟

ماذا سيحدث للإبداع عندما تستطيع الخوارزمية إنتاج الصورة والنص والموسيقى؟

وماذا سيحدث للمجتمع عندما لا تعود التكنولوجيا أداة بين أيدينا فقط، بل تصبح شريكًا في التفكير والمعرفة والقرار؟

ربما كان سيعود إلى النقطة التي انطلق منها دائمًا:

الإنسان.

تاسعًا: التعليم.. الإنسان أم الآلة؟

كان جون ديوي حاضرًا بقوة في حياة نوري جعفر العلمية والفكرية، وكان جعفر قد درس أفكاره وكتب عنه.

ومن الأفكار التي يستعيدها تحسين الشيخلي في قراءته أن الطالب ينبغي أن يكون الهدف لا الأداة في العملية التربوية، وأن وظيفة المعلم لا ينبغي أن تكون مجرد ملء رأس الطالب بالمعلومات، بل اكتشاف قدراته الخاصة وتوجيهها، مع مراعاة الفروق بين المتعلمين.

وهنا يبدو الذكاء الاصطناعي وكأنه يحقق جانبًا من هذا الوعد.

فالنظام الذكي يستطيع أن يتعرف على مستوى المتعلم، ويتابع تقدمه، ويغير طريقة الشرح، ويقترح مسارات تعليمية تناسب قدراته.

لكن نوري جعفر، من خلال ديوي، يذكرنا بشيء ينبغي ألا ننساه:

التعليم ليس نقلًا للمعلومات فقط.

هناك المعلم والقدوة والأسرة والبيئة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، وكلها تشترك في تكوين الإنسان.

ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل تستطيع الآلة أن تعلم الطالب؟

بل:

أي جزء من العملية التعليمية يمكن أن نعهد به إلى الآلة، وأي جزء ينبغي أن يبقى داخل العلاقة الإنسانية؟

عاشرًا: التكنولوجيا لا تنمو في فراغ

من الأفكار التي يراها تحسين الشيخلي متصلة بقوة بعصرنا حديث نوري جعفر عن العلاقة بين التقدم العلمي والتكنولوجي والتطور الاجتماعي.

فالتكنولوجيا لا تنمو في فراغ.

إنها تحتاج إلى بيئة ثقافية وتعليمية واجتماعية قادرة على استيعابها.

ومن هنا يصبح السؤال عربيًا أكثر إلحاحًا:

هل يكفي أن نشتري التكنولوجيا لكي ندخل عصر المعرفة؟

يمكن شراء الحواسيب.

ويمكن استيراد الروبوتات.

ويمكن الاشتراك في أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي.

ويمكن بناء مراكز البيانات.

لكن امتلاك الأدوات لا يعني بالضرورة امتلاك شروط الحضارة التي أنتجت هذه الأدوات.

وقد تكون هذه إحدى أهم النقاط التي يمكن استعادتها من نوري جعفر في عصرنا.

فالمجتمع الذي يستورد الذكاء الاصطناعي من دون أن يبني تعليمًا نقديًا، وبحثًا علميًا، وثقافة معرفية، ومؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة، قد يصبح مستهلكًا لذكاء صنعه الآخرون، بدل أن يكون شريكًا في تشكيل مستقبله.

الحادي عشر: حين تتحول التكنولوجيا من أداة إلى شريك

كان نوري جعفر يتحدث عن قدرة التكنولوجيا على زعزعة البنية الاجتماعية والعلاقات المألوفة بين الناس.

وقد قيل ذلك قبل الويب، وقبل وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل الهاتف الذكي، وقبل أن تصبح الخوارزميات وسيطًا بين الإنسان والعالم.

أما اليوم، فلم تعد التكنولوجيا تغير أدواتنا فقط.

إنها تغير الانتباه والذاكرة والقراءة والعمل والوصول إلى المعرفة، وربما تغير مستقبلًا معنى التفكير نفسه.

والذكاء الاصطناعي يذهب بالمسألة خطوة أبعد.

فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة نستخدمها، وإنما بدأت تصبح شريكًا في التفكير والكتابة والبحث والتحليل واتخاذ القرار.

وهنا يتجدد سؤال نوري جعفر:

كيف يتغير الإنسان عندما تتغير الأدوات التي يفكر من خلالها؟

الثاني عشر: من محاكاة الذكاء إلى محاكاة الوعي

هنا نعود مرة أخرى إلى هيغل.

إذا كان الذكاء هو القدرة على حل المشكلات وإنتاج المعرفة ومعالجة المعلومات، فإن الوعي بالذات يضيف سؤالًا مختلفًا:

من الذي يعرف؟

يمكن للآلة أن تنتج نصًا عن الحزن، لكن:

هل تحزن؟

يمكنها أن تتحدث عن الحب، لكن:

هل تختبر الحب؟

يمكنها أن تشرح مفهوم الوعي، لكن:

هل تملك وعيًا بذاتها؟

يمكنها أن تجيب عن سؤال فلسفي، لكن:

هل تدرك ذاتها بوصفها الجهة التي أجابت؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من قدرات الذكاء الاصطناعي، وإنما تضعها في إطارها الفلسفي.

فقد يكون النظام قادرًا على إنتاج سلوك ذكي دون أن يكون لدينا، حتى الآن، دليل حاسم على وجود تجربة ذاتية وراء ذلك السلوك.

وهنا يظهر الفرق بين:

محاكاة الوعي، وامتلاك الوعي.

الثالث عشر: الجسر الحقيقي بين هيغل ونوري جعفر

هنا، في تقديري، تلتقي الخيوط كلها.

هيغل يسأل:

ما الذي يجعل الوعي وعيًا بذاته؟

ونوري جعفر يسأل عن العقل والإبداع والآلة والتعليم والتكنولوجيا، ويضع هذه العناصر داخل شبكة الإنسان والمجتمع والثقافة.

وتحسين الشيخلي يعيد قراءة نوري جعفر من داخل عصر الذكاء الاصطناعي، فيلتقط الأسئلة التي أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا.

ونبيل عبد الأمير الربيعي يعيد لفت النظر إلى السؤال المبكر الذي طرحه جعفر عن الذكاء الاصطناعي.

ومن جمع هذه المسارات يظهر سؤال واحد:

إذا كانت الآلة قادرة على محاكاة مظاهر الذكاء، فهل تستطيع أن تنتقل من محاكاة الذكاء إلى الوعي بالذات؟

وهنا يصبح السؤال الهيغلي:

هل تستطيع الآلة أن تعرف أنها تعرف؟

أكثر عمقًا من سؤال:

هل تستطيع الآلة أن تعرف؟

فالآلة قد تعرف شيئًا بالمعنى الوظيفي.

لكن السؤال الفلسفي هو:

هل هناك ذات تعرف أنها تعرف؟

الرابع عشر: لماذا نحتاج إلى نوري جعفر اليوم؟

ربما تكمن المفارقة في أن الذكاء الاصطناعي، كلما اقترب من محاكاة قدرات الإنسان، دفعنا إلى البحث بصورة أعمق عن معنى الإنسان.

في البداية كان الإنسان يميز نفسه عن الآلة بقدرته على الحساب.

ثم تفوقت الآلة عليه في الحساب.

وقيل إن الذاكرة هي الفارق.

فأصبحت الآلة قادرة على التخزين والاسترجاع بما يفوق الإنسان.

ثم أصبحت اللغة نفسها مجالًا تتقدم فيه الآلة بسرعة مذهلة.

والآن دخلت الآلة إلى مناطق كانت تعد حتى وقت قريب من أكثر المناطق إنسانية: الكتابة، والرسم، والموسيقى، والتحليل، والبحث، وبعض صور الإبداع.

وهكذا أصبح السؤال أكثر عمقًا:

إذا كانت الآلة تستطيع أن تحاكي كثيرًا من وظائف العقل، فما الذي يبقى بوصفه جوهرًا للإنسان؟

وهنا تأتي أهمية نوري جعفر.

فهو يعيدنا إلى الإنسان نفسه، لا إلى الآلة وحدها.

ويذكرنا بأن القضية ليست مقدار ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما ما معنى أن نعرف، ونعي، ونختبر، ونمنح الأشياء معنى؟

صفوة القول: من سبق التقنية إلى سبق السؤال.

ربما يكون من الأفضل أن نفهم عبارة نبيل عبد الأمير الربيعي عن أن نوري جعفر «سبق العالم في الذكاء الاصطناعي» بوصفها إشارة إلى سبق السؤال لا مجرد سبق التقنية.

فالقيمة التاريخية لنوري جعفر لا تحتاج إلى أن تقوم على القول إنه توقع كل تفاصيل الذكاء الاصطناعي المعاصر.

يكفي أنه أدرك، في وقت مبكر، أن وراء الآلة سؤالًا عن العقل، ووراء الذكاء سؤالًا عن الإنسان.

وهنا، بعد عقود، يلتقي سؤال نوري جعفر مع سؤال هيغل.

ليس لأنهما قالا الشيء نفسه، ولا لأن أحدهما امتداد مباشر للآخر، وإنما لأن كليهما يفتح لنا طريقًا للعودة إلى الإنسان بوصفه مركز السؤال.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي حقيقة.

وأصبحت الآلة قادرة على محاكاة كثير من مظاهر الذكاء.

لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو:

هل تستطيع الآلة أن تنتقل من محاكاة الذكاء إلى الوعي بذاتها؟

وإذا كانت الإجابة لا تزال مفتوحة، فإن المسافة بين الإنسان والآلة لا تعود تقاس فقط بسرعة الحساب، أو سعة الذاكرة، أو القدرة على إنتاج المعلومات.

ربما تقاس في مكان أكثر غموضًا وعمقًا:

في ذلك الموضع الذي لا تكتفي فيه الذات بأن تقول:

أنا أعرف.

بل تلتفت إلى نفسها لتقول:

وأنا أعرف أنني أعرف.

وهنا، ربما، يبدأ السؤال الحقيقي عن الوعي.

وربما هنا أيضًا نفهم بصورة أعمق لماذا نعود اليوم إلى نوري جعفر.

لم يكن المهم أنه عرف شكل المستقبل.

بل الأهم أنه كان يطرح الأسئلة التي ينبغي للإنسان أن يطرحها قبل أن يصنع المستقبل.

فإذا كان الذكاء الاصطناعي اليوم يقترب من محاكاة الذكاء، فإن السؤال الذي يتركه لنا نوري جعفر، ويعمقه هيغل، هو:

حين تتقدم التكنولوجيا بهذه السرعة، هل يتقدم الإنسان معها بالسرعة نفسها؟

وربما يكون السؤال الأبعد:

إذا استطعنا أن نصنع آلة تحاكي ذكاء الإنسان، فهل نكون قد اقتربنا من فهم الإنسان، أم أننا ما زلنا في بداية الطريق.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا ...
- تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- ذلك الكرسي
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي


المزيد.....




- -التحالف- يعلن تفاصيل -عملية عسكرية في الحديدة- تهدف إلى -حم ...
- -فجر اليمن- تتواصل.. القوات الحكومية اليمنية تعلن السيطرة عل ...
- لربط ميناء العقبة بمناطق التعدين.. إطلاق أضخم مشروع سكة حديد ...
- حلف مكة -يفعل الردع الجماعي- في مواجهة الحوثيين ويعلن نشر -ق ...
- ميلوني تطلب تحويل صوتها إلى علامة تجارية لحمايته من التزييف ...
- ترامب يعلق على التصعيد العسكري السعودي ضد الحوثيين
- الرئاسة الجزائرية تعلن وفاة مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام ...
- من المندب لصنعاء.. معارك للحسم بين الحوثي والقوات الحكومية
- الحوثيون يعلنون تنفيذ ثلاث عمليات نوعية داخل العمق السعودي ...
- روبيو يجري عدة اتصالات هاتفية من الطائرة من بينها مع نتنياهو ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر