أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل















المزيد.....

غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 12:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يقف الباحث السوسيولوجي أحيانًا عاجزًا عن الكتابة، مستغرقًا في تأمل الظواهر والأحداث المتسارعة التي ترتطم بواقعنا كشُهب خاطفة تُحدث تحولات عميقة في بنية المجتمع، وتكتسب هذه الجزئية غاية في الأهمية، كونها تلامس مباشرةً إشكالاتنا اليومية المعاشة؛ والتي قد نصنفها خطًأ كأحداث أو ظواهر عابرة أو أزمات عادية، في حين يكمن خطرها الحقيقي في عدم وعينا الحقيقي بالتحولات البنيوية العميقة التي توشك أن تحْدثها في حياتنا. فالأزمات لا تتجزأ؛ المشكلة الصغيرة قابلة للتضخم، والكبيرة مرشحة للاتساع، بينما نركن سيكولوجيًا إلى وهم الزمن باعتباره كفيلًا بإنهاء هذه العوارض المزعجة التي نعتقد واهمين أنها ستلاشى مع الأيام أو الشهور أو السنوات.
وتتعدد المقاربات الاجتماعية في التعامل مع هذه الأزمات؛ فبينما يلوذ البعض بالإنكار والهروب عبر غض الطرف عن الواقع ومحاولة إغماض عين وفتح أخرى أملًا في انقشاع الأزمة تلقائيًا، يتكئ البعض الآخر على إسقاط المسؤولية على الآخرين وتوهم أن تقاسم العبء معهم يرفع عن كاهله المسؤولية، في حين يندفع فريق ثالث للاشتباك المباشر مع الأزمة والاصطدام معها دون امتلاك أدوات المنهجية أو آليات التفكير الناجعة.
وهنا نسارع إلى القول بأن الله كرّم الإنسان بالعقل وجعل التدبر فريضة معرفية واجتماعية وأمرًا إلهيًا يتوجب القيام به، إلا أن العقل الجمعي غالبًا ما يغفل هذه الأدوات أو هذه الفريضة الغائبة. بالرغم من وجود نخب متميزة تمتلك أدوات التفكير المنهجي والتأمل التفكيكي، فإن الخشية من المواجهة تظل هي السائدة؛ إما خوفًا من كسر طوق المسكوت عنه اجتماعيًا، أو لغياب شجاعة الاشتباك الفكري والعملي مع جذور المشكلات.
من هنا، تبرز حاجتنا الملحة للبحث عن أدوات التفكير ومنهجيته؛ ولا أدّعي هنا امتلاك الحلول الجاهزة، لكنني أعتقد جازمًا بأن مسار التدبر يبدأ بمقدمات راسخة في عقيدة صاحب المشكلة، وفي مقدّمتها: الإيمان التام بالسببية، وأن اتباع الأسباب هو البوابة المفصلية للولوج إلى الحلول. فامتثالًا للأمر الإلهي وطلب التدبر، يصبح لزامًا علينا تفكيك المشكلة والبحث في بواعثها الأولى، سواء كانت صغيرة أو كبيرة.
إن المشكلة الصغيرة تُمثل في جوهرها البدايات الأولى لخروج الإشكالية إلى السطح، ما يعني أن بذورها قد سقطت في واجهتنا الاجتماعية؛ إما كمصادفة عابرة، أو لأننا كنا سببًا في إيجادها بشكل مقصود أو غير مقصود. بالتالي هبطت تلك البذرة في واقعنا بوعي منا أو بدونه، وفي حال من الغفلة أو العلم، لم ندرك حينها أنها قد تنمو وتكبر وتتأصل، لاسيما إن وجدت أجواءً محفزة أو مشجعة لها.
وفي جميع الأحوال، فإن مجرد سقوط تلك البذرة دون التقاطها، أو إهمال القضاء عليها وهي لا تزال في المهد، يعني أننا نقف في طابور الانتظار لبروز مشكلة إلى السطح؛ ومسألة خروجها هي مسألة وقت ليس إلا. وهكذا قد يستغرق وجود هذه البذرة المستتر والخفي أيامًا، شهورًا، أو سنوات إذا كانت البيئة المحيطة غير مناسبة، لكنها تظل حية كامنة في انتظار تغير المناخ السوسيولوجي حولها. بناءً على ذلك، وحين يتبدل هذا المناخ، ستكون تلك البذرة جاهزة للتمظهر والبروز السريع، لدرجة تدفع البعض للاستغراب والذهول والحيرة والتعجب من مشكلات ومواقف قديمة حدثت منذ سنوات لكنها تفجرت في لحظة مباغتة وكأنها وليدة الأمس؛ غافلين عن حقيقة أن البذرة لم تمت يومًا، بل كانت فقط تترقب البيئة المواتية للخروج. وهذا يعني ببساطة شديدة إن خروج المشكلات لم يكن مصادفة عابرة، بل كان نتيجة مترتبة على ازدياد أغفال وجود البذرة.
إن هذا التوصيف السوسيولوجي لا ينطبق على الحياة الاجتماعية للأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل بنيان الدول أيضًا. فعندما تهمل الدولة التقاط بذور الأزمات فور سقوطها، فإنها تستيقظ بعد مرور السنوات لتجد نفسها أمام غابة متشابكة ومعقدة من المشكلات البنيوية المستعصية الناتجة عن الإهمال المقصود أو غير المقصود.
وهي مشكلاتٌ كنا عاجزين عن التقاط بذورها في البداية، أو اجتثاث النبتة في مهدها وقبل تجذره، أو ربما لم نكن نمتلك الشجاعة الكافية لمواجهتها عندما تضخمت، فتولد لدينا خوف جمعي من الاقتراب منها، ورحنا نبحث عن تبريرات واهية لعدم المواجهة. وهنا أسارع إلى القول بأن تلك البذور الساقطة، والومضات التي أحدثتها، قد تكبر وتتأصل، وتُحدث انشقاقات غائرة يصعب ردمها بسهولة؛ نظرًا لعمق استقرارها وتغلغل جذورها في البنية الاجتماعية.
ولعل هذا الأمر ينطبق تمامًا على دول التحول السياسي مثل ليبيا، وسوريا، واليمن. فمع سقوط نظم الاستبداد، طفت على السطح مشكلات كامنة سكت عنها المجتمع مكرهًا لأكثر من أربعين سنة، كانت النظم السياسية السابقة تعتقد واهمة أنها انتهت وطواها النسيان. ففي ليبيا -على سبيل المثال لا الحصر- برزت فجأة معضلات المساكن المعوّضة التي نُزعت ملكيتها من الأفراد منذ أربعة عقود، وانفجرت ملفات الحروب الخارجية مثل حربي تشاد وأوغندا، وحالات اغتيال المعارضين الليبيين في أوروبا، وفظائع السجون والتصفية الجسدية للسجناء، واختطاف المواطنين بالخارج، وصولًا إلى مأساة إقحام طلبة الثانويات قسرًا في جبهات القتال في تشاد. كل تلك البذور المسمومة كان النظام السابق يظن أنه قد طمس معالمها إلى الأبد، ولكن مع التحول الحاصل وتغيّر المناخ السياسي، برزت كل هذه الأزمات مجددًا بكامل طاقتها وكأنها حدثت بالأمس.
إذن، كيف نواجه غابة المشكلات هذه؟ إن البداية الحقيقية تكمن في امتلاك الشجاعة لفتح صناديق الذاكرة المغلقة، والتقاط البذور العالقة، وتفكيكها قبل أن تبلغ مرحلة النمو والتمظهر. وهنا، يُعد التسامح مع الذات والجرأة على الاعتراف بالخطأ أولى عتبات الحل؛ فالإقرار بوجود المشكلة مهما صغرت أو كبرت هو نصف علاجها. والمزيد من الإيضاح والتبسيط يمكن القول بانها مرحلة النقد الذاتي الصارم، ومراجعة الواقع المعاش بكل ما يحمله من إكراهات وسلبيات، وإيجابيات.
وفي هذا الصدد، تبرز أمامنا تجارب المجتمعات الغربية التي طورت آليات مؤسسية تتسم بالجرأة في مواجهة المشكلات؛ إذ تعتمد على التقييم الذاتي المستمر ومراجعة البيئة السوسيولوجية لرصد البذور الساقطة واستئصالها في مهدها. بيد أن هذا السلوك لا ينمو في الفراغ، بل يتطلب بيئة حاضنة ومحفزة للنقد، ترتكز على صحافة حرة، وبحث علمي مستقل، والأهم من ذلك كله وجود ثقافة قبول النقد وهو التحدي الحقيقي والكبير الذي يواجه المنظومة العربية ، وهذا ما يُفسر، في نهاية المطاف، أن بنية الأداء في تلك المنظومة لم تشهد أي تحول حقيقي، سواءً في مرتكزاتها الداخلية أو في مظاهرها الخارجية.
وتستحضرني هنا واقعة تاريخية لافتة؛ ففي أعقاب حرب أكتوبر 1973، سارع الكيان الصهيوني إلى تشكيل لجنة أجرانات لمراجعة أسباب الإخفاق العسكري الاستخباراتي، حيث بحثت تلك اللجنة في أدق التفاصيل والصغائر قبل الكبائر، وأجرت تشريحًا بنيويًا شاملًا حدد المسؤوليات وطرح النتائج علنًا دون محاباة وبشفافية عالية وبدون تردد؛ وهنا تحديدًا تكمن القوة المؤسسية في إدارة الأزمات. وفي المقابل، يدفعنا هذا المشهد لطرح سؤال مرير يقفز إلى الذهن وهو : هل حظيت الحروب والصراعات التي خاضها العرب بلجان تقييم ومراجعة حقيقية تُنشر نتائجها للعامة؟ وهل تقبل الأنظمة السياسية العربية النقد أصلًا؟ بل إن السؤال الأكثر عمقًا: هل قبول النقد جزء من بنيتنا الثقافية والاجتماعية؟ سؤال مقتضب، لكنه يلامس الفضاء المسكوت عنه في واقعنا المعاش.
إن الموروث الثقافي الإسلامي يحمل بذور هذا السلوك المعرفي؛ إذ يُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: (رحم الله امرًأ أهدى إليّ عيوبي). ومع ذلك، عطلنا هذا المبدأ في ممارساتنا اليومية والسياسية. لذا، نحن بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة صياغة التنشئة الاجتماعية، وتربية الجيل الجديد على قيم النقد الذاتي، لمنع تراكم البذور الساقطة، والاعتراف بوجودها قبل أن تتضخم.
إن واقعنا الليبي والعربي اليوم يعج ببذور ملغومة، لا تزال محبوسة تحت صخور القمع الاجتماعي والسياسي، تنتظر تحولات كبرى أو عواصف طارئة لتزيح تلك الصخور فتخرج معلنة عن نفسها بكامل عنفوانها. ولتجنب تلك الانفجارات المباغتة، لا مناص لنا من العودة إلى تفعيل أداة التفكير المنهجي الأسمى: البحث في بواعث الأزمات ومسبباتها الأولى، مصداقًا للبيان الإلهي {فَأَتْبَعَ سَبَبًا } .



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...
- تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا ...
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا


المزيد.....




- -التحالف- يعلن تفاصيل -عملية عسكرية في الحديدة- تهدف إلى -حم ...
- -فجر اليمن- تتواصل.. القوات الحكومية اليمنية تعلن السيطرة عل ...
- لربط ميناء العقبة بمناطق التعدين.. إطلاق أضخم مشروع سكة حديد ...
- حلف مكة -يفعل الردع الجماعي- في مواجهة الحوثيين ويعلن نشر -ق ...
- ميلوني تطلب تحويل صوتها إلى علامة تجارية لحمايته من التزييف ...
- ترامب يعلق على التصعيد العسكري السعودي ضد الحوثيين
- الرئاسة الجزائرية تعلن وفاة مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام ...
- من المندب لصنعاء.. معارك للحسم بين الحوثي والقوات الحكومية
- الحوثيون يعلنون تنفيذ ثلاث عمليات نوعية داخل العمق السعودي ...
- روبيو يجري عدة اتصالات هاتفية من الطائرة من بينها مع نتنياهو ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - غابات المشكلات وبذور التحول المؤجل