أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - نايف سلوم - عرض كتاب -فكر غرامشي السياسي- +















المزيد.....



عرض كتاب -فكر غرامشي السياسي- +


نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري

(Nayf Saloom)


الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 09:47
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


جان مارك بيوتي Jean-Marc Piotte) ) فيلسوف، وعالم اجتماع، وعالم سياسة، وأستاذ جامعي كندي من إقليم كيبك الناطق بالفرنسية.
وُلد جان مارك عام 1940 وتوفي عام 2022، ويُعد أحد أبرز المفكرين والمثقفين النقديين المنتمين إلى التيار اليساري في كندا.
اكتسب شهرة واسعة في الأوساط الفكرية العربية بفضل كتابه "فكر غرامشي السياسي" الذي ترجمه إلى العربية المفكر والمترجم السوري جورج طرابيشي، وصدر عن دار الطليعة في بيروت عام 1975
حصل بيوتي على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون في باريس بإشراف الفيلسوف وعالم الاجتماع والمنظر الأدبي الفرنسي ذي الأصل الروماني لوسيان غولدمان (1913-1970)، وهذا الأخير تلميذ فذ للفيلسوف الماركسي جورج لوكاش
عمل بيوتي أستاذاً ورئيساً لقسم العلوم السياسية في جامعة كيبك في العاصمة مونتريال
يعتبر بيوتي عضواً مؤسساً لمجلة " التزام" (Parti pris) عام 1963، والتي واكبت حركة التجديد السياسي والاجتماعي في كيبك. عُرف بالتزامه بالدفاع عن القضايا العمالية والنقابية وتحليل الفكر الماركسي.
يُعتبر كتابه "فكر غرامشي السياسي" دراسة مفصلة ومبكرة لتقديم المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي للقراء، تقديماً أساسياً، وخاصة مفاهيم "المثقف العضوي" والهيمنة الثقافية، والمجتمع المدني، والجبهة الثقافية. وذلك في بداية فترة صعود "اليسار الجديد" التي تجدد فيها الاهتمام بـغرامشي في أوروبا بشكل بارز خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، بالاقتران مع ثورة الطلاب في فرنسا 1968.
أهم مؤلفاته
1. عن لينين (1960)
2. فكر غرامشي السياسي (النسخة الفرنسية الاصلية 1970)
3. المفكرون الكبار في العالم الغربي (1997)
4. مفاتيح الحداثة التسعة. (2001)
يعتبر الكتاب الأخير من مؤلفاته الهامة مع كتاب "فكر غرامشي السياسي"، حيث يقدم فيه تحليلاً سوسيولوجياً وفلسفياً عميقاً للتحول الذي طرأ على المجتمعات البشرية بانتقالها من العصور الوسطى إلى العصر الحديث. يعتبر الكتاب "موسى" الحداثة (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) [بني إسرائيل: 101] و (Μοῦσαι) في الميثولوجيا اليونانية هُنّ ربات الفنون التسع الملهمات للإبداع والسمو. "نيموزيني (الذاكرة) أنجبت من زيوس تسع بنات عاليات الذكاء والابداع؛ الموسى اللواتي عشن في أزمنة متفرقة على جبل هيليكون.. وفي مسرحية هنري الخامس لشكسبير تصدح الجوقة: "آه يا موسى النار!"" (ستيفن فراي: ميثوس: 59-60)
يرى بيوتي أن "الحداثة" ليست مجرد فترة زمنية، بل هي بنية فكرية واجتماعية وقيمية تتلخص في تسعة مفاتيح أساسية "موسى" متداخلة: الفرد، الحرية، المساواة، العقلانية والتقدم العقلاني، العمل، العلمانية، النزعة الاستهلاكية، القومية أو الأمة، والديمقراطية).
يعد غرامشي من المفكرين الماركسيين المهمين الذي اعتمد أسلوب التلخيصات وكتابة دفاتر أو كرّاسات (مسودات) لأعماله النظرية (كراسات السجن 1929-1935) على طريقة ماركس (الغروندريسّة أو دفاتر رأس المال ومسوداته السبع) 1857-1858 ودفاتر لينين الفلسفية 1914-1916 أو تلخيص تاريخ الفلسفة وكامل منطق هيغل بشكل خاص.
يقول بيوتي: ينبغي أن نلفت الأنظار إلى أن "الدفاتر" كانت جملة من ملاحظات ومدونات مبعثرة متنافرة، الأمر الذي اضطرنا في كثير من الأحيان إلى استنباط فكر المؤلف من التحاليل العينية التي لم يتعد فيها المراحل الأولى"
أما أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) فهو فيلسوف، ومناضل، ومنظر ماركسي وزعيم عمالي إيطالي (1891 - 1937)، يعد من أبرز القادة السياسيين والمفكرين في القرن العشرين، وهو مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي. تكمن أهميته في تجديد الفكر الماركسي ونقله من التركيز المبالغ فيه على التنظيم الاقتصادي للمجتمع، والنزعة الاقتصادوية إلى التركيز على قضايا البنية الفوقية؛ أي دور الجبهة الثقافة والمثقف العضوي والحزب السياسي ومفهوم الهيمنة وحرب المواقع والثورة السلبية والمجتمع المدني وغيرها كثير. والكثير من هذه المفاهيم جاءت على أرضية هزيمة الثورتين الاشتراكيتين الايطالية والألمانية على أثر انتهاء الحرب العالمية الأولى وانتصار الثورة الاشتراكية الروسية 1917. وقد شكلت هذه الهزيمة المزدوجة مقدمة لهزيمة الثورات الاشتراكية في أوربا وعزلة الثورة الروسية.
أهم أعماله "دفاتر السجن" (Prison Notebooks)، حيث قضى غرامشي السنوات الأخيرة من حياته في سجون النظام الفاشي بزعامة موسوليني، وخلال تلك الفترة كتب أفكاره في ظروف صحية قاسية جداً، وإمداد متقطع ومتنافر في المراجع الفكرية. جمع هذه الكتابات الناشر الإيطالي "إي نودي" في كتاب ضخم من ستة مجلدات عرفت باسم "دفاتر السجن"، وهو المؤلف الذي صنع شهرة غرامشي العالمية وتضمن أهم أفكاره السياسية والاجتماعية.
اشتهر غرامشي بمقولته: "أنا متشائم بسبب ذكائي، لكني متفائل بسبب إرادتي". كان يرى الواقع بوضوح وبكل قسوته (تشاؤم العقل)، لكنه كان يؤمن دائماً بقدرة الإنسان الفعلية على النضال والتغيير (تفاؤل الإرادة).
انقسم إنتاج غرامشي الفكري إلى مرحلتين:
1-مرحلة قبل اعتقاله وتمتد من 1914-1926 كان نشاطه الفكري متجهاً إلى الاحداث السياسية التي شارك فيها، حيث هيمن الشكل الصحفي والنضال السياسي مع التعليق على الوضع السياسي وإطلاق الشعارات.
2-مرحلة "دفاتر السجن " 1929-1935 ملأ غرامشي خلالها زهاء بين ثلاثين وثلاثة وثلاثين دفتراً. يقول بيوتي: "دفاتر السجن" تُطوّر وتغني حدوس المرحلة السابقة. وفيها يتكشف غنى فكر غرامشي وأصالته وعمقه. ومن دون أن نهمل كتابات المرحلة السابقة ركّزنا بحثنا على "الدفاتر" إن دراسة الفكر السياسي المتضمن في "الدفاتر" تعترضها صعوبات كثيرة حسب تقديرات بيوتي في طليعتها ثلاث:
1-طريقة نشر "الدفاتر"، حيث نشرها "إي نودي" في ستة مجلدات منفصلة بحسب طبيعة الموضوعات. إن إغفال التسلسل الزمني للنصوص يضع العقبات أمام تفسير يلتزم بجميع المعايير العلمية الواجبة في هذا المجال
2-الرقابة: وتحاشياً لإثارة شكوك الرقابة، يموه غرامشي في كثير من الأحيان أسماء الاعلام الماركسيين الكلاسيكيين بأسماء مستعارة، كما يموّه المصطلحات الكلاسيكية الماركسية بتعابير غير محددة وغير واضحة. وقد يتساءل القارئ: هل يعود عدم الوضوح هذا إلى مسألة الرقابة أم أنه تقلّب وتردد في فكر غرامشي بالذات؟ وهل يعني استخدام هذا المصطلح أو ذاك بديلاً عن المفهوم الكلاسيكي أن غرامشي يريد لفت الانتباه إلى واقع تاريخي جديد يتطلب الانعتاق من تبعات المفهوم الكلاسيكي؟
3-المنهج: إن الصعوبة الكبرى في الدفاتر تكمن في المنهج المستخدم في "الدفاتر"، وهو منهج البحث والتنقيب الذي لم يترك لغرامشي الوقت كي يعرض نتائج بحثه عرضاً منسقاً مبيناً. ذلك أن منهج البحث يختلف من حيث الشكل عن منهج العرض. وكان ماركس قد ميز في مقدمات كتابه رأس المال بشكل واضح بين أسلوب العرض من جهة وأسلوب البحث من جهة أخرى، بين الجدل الصاعد والجدل الهابط في تأليفه العلمي هذا. يقول ماركس في "تذييل الطبعة الألمانية الثانية": "إن أسلوب العرض لا يمكنه من حيث الشكل إلا أن يتميز عن أسلوب البحث" من هنا كما يقول بيوتي، كانت "الدفاتر" مزروعة بتأملات متقطعة ومتنافرة، وإن ارتبطت بقدر أو بآخر من المباشرة بالموضوعات الكبرى التي كانت تستأثر باهتمام غرامشي. ويضيف: هذا النهج في التنقيب نهج ضروري وأساسي لكل بحث، لكنه نهج تمهيدي لا يجد غايته إلا خارج ذاته، أي في منهج أو أسلوب العرض الذي مهمته تقديم فكر متلاحم مبين مبني على نتائج البحث والتنقيب. على هذا الأساس لا يستطيع الشارح لفكر غرامشي أن يتبنى نهجه المتلمّس لطريقه تلمساً، لأنه سيجد نفسه مكرهاً على نسخ مقطوعاته حرفياً، إنما عليه أن ينتج ما لم يستطع غرامشي إنتاجه، فكراً مبيناً، معروض عرضاً متلاحماً.
وبعد التسليم بأن الفحص التمهيدي من جهة والإنتاج من جهة أخرى لحظتان في البحث مختلفتان اختلافاً نوعياً، علينا أن نسلم بأن الشرح المنتج لبحث غرامشي مغاير لما قاله. والمغايرة هنا لا تعني ترك جوهر ما قاله غرامشي، بل عرضه وتوسيعه بحيث يمكن فهم وإبراز مجمل إمكاناته الكامنة. فالرأسمالية الصناعية مغايرة للرأسمالية الاحتكارية المالية مع أن العلة واحدة وهي نمط الإنتاج البورجوازي القائم على التملك الخاص لوسائل الإنتاج الاجتماعية. يقول بيوتي: إن كل ما يستطيع أن يفعله الشارح هو أن ينتج فكراً مبيناً بالاستناد إلى تحاليل غرامشي الجزئية، وأن يحاول انجاز البحث الذي كان المؤلف قد شرع به بصدد هذه المشكلة أو تلك".
(في العربية)، بان الشيء: إذا اتضح وانكشف. وفلان أبين من فلان، أي أوضح كلاماً منه. (م م، ج1 328)، ومنه قول القرآن: (طس ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ) [النمل: 1]
كثيرة هي الاعمال التي تعالج حياة غرامشي، لكن لا توجد شروحات اجمالية لفكر غرامشي، خاصة بـ "الدفاتر". من هنا "الصعوبات التي تواجه دراستنا هذه" كما يقول بيوتي وما شجعني (الكلام لبيوتي) لإنجاز هذه الدراسة، هو ما تنطوي عليه "الدفاتر" من أصالة وغنى لا يجوز تجاهله.
باعتبار الطابع التعسفي لكل شرح للدفاتر هو أمر راسخ، جعل بيوتي يعتمد ثلاث قواعد منهجية تسدد خطى بحثه:
القاعدة الأولى: إيجاد مفهوم مركزي تتمحور حوله جميع المفاهيم السياسية الهامة في "الدفاتر". وكان اكتشاف مثل هذا المفهوم قميناً بأن يمكننا من استخلاص الخطوط العريضة لفكر غرامشي السياسي. وقد وجدنا هذا المحور في مفهوم المثقف. يؤكد معظم الشراح ومنهم أ. بوتزي: في كتابه (نظرية غرامشي السياسية) أن جميع ملحوظات "الدفاتر" تتكدس حول مُشكل المثقفين"، خاصة المثقف العضوي، أي المثقف من خلال ارتباطه بطبقة اجتماعية متقدمة. مثله مثل المثقف الماركسي وارتباطه بالبروليتاريا (الطبقة العاملة في وجودها السياسي)، وما دامت البورجوازية في طور صاعد (حتى عام 1850) فلا مجال للقول إن مثقفيها العضويين تقليديون بالمقارنة مع مثقفي البروليتاريا"، من هنا يظهر مع صعود البروليتاريا السياسي (بعد فشل ثورات 1848 الديمقراطية في البر الاوروبي) مفهوم المثقف العضوي- التقدمي مقابل مفهوم المثقف العضوي - الرجعي الخاص بالبورجوازية الحاكمة. سأبقي صفة العضوية على الأول وأطلق صفة الاعتباطية على الثاني. والعلاقة العضوية هنا تُعرّف بالسلب: المثقف العضوي غير متصل بالطبقة وغير منفصل عنها. هنا يمكن الحديث عن الاستقلال النسبي للمثقف (تجرّد المثقف عن المنافع القريبة النقابية للطبقة والتركيز على المصالح الأساسية السياسية التاريخية) بفعل وساطة الحزب، حيث التنظيم برزخ يفصل ويصل المثقف بالطبقة في نفس الوقت. يقول بيوتي: "إن الاستقلال الذاتي ينشأ بوجه خاص عن المنظمات التي يعملون في إطارها.. فالمثقف ليس عضواً في طبقة بنفس صفة الافراد الآخرين. فهو ليس "متدبقاً" في طبقة اجتماعية، وإنما مرتبط بها". المثقفون ينفصلون عن الطبقة بواسطة الحزب لكي يقترنوا بها اقتراناً أوثق، ولكي يكونوا أداة هيمنة حقيقية سياسية. إن العضوية لا تشترط الارتباط الجسدي بين المثقف والطبقة المتقدمة تاريخياً بحكم موقعها في عملية الإنتاج (مثال ذلك مثقفين من أصول بورجوازية انتقلوا بفعل الوعي الشمولي إلى مواقع البروليتاريا؛ انجلس وماركس ولينين على سبيل المثال). وهذا ينطبق على جميع أنواع المثقفين، بمن فيهم المثقف التقليدي، أي المثقف الاعتباطي المرتبط بطبقات زائلة أو منحطة هي في طريقها إلى الزوال.
إن الناشط المدني الذي يعمل لمصلحته الخاصة والذي ازدهر بعد تفكك الاتحاد السوفياتي بداية تسعينيات القرن الماضي عبر ما يسمى المنظمات الدولية غير الحكومية NGOs يقف على النقيض من مفهوم المثقف العضوي المرتبط بالبروليتاريا.
وبعد ملاحظة أن للحزب (الأمير الحديث) عند غرامشي نفس خصائص المثقف، وأن الحزب بالماهية والجوهر هو "المثقف الجماعي" (التعبير لـ بالميرو تولياتي استعاره غرامشي)، باتت مسائل تعريف الحزب واشتغاله الداخلي؛ أي وظيفة الحزب في الهيمنة الطبقية السياسية والأيديولوجية وتنظيمها تحت النظر. يقول بيوتي: "إن المكانة التي تحتلها طبقة اجتماعية ما في داخل مجتمع ما تُعيّن، كما أوضح لوكاش (في التاريخ والوعي الطبقي)، وظيفة تاريخية ممكنة تترتب عليها إمكانية تصور محدد للعالم. ودور الحزب هو أن يجعل هذه الإمكانيات راهنة، أن يحول ما لا وجود له إلا بالقوة والامكان في رحم الطبقة الاجتماعية إلى حقيقة وواقع (فعلي)". من الواضح هنا أن الكلام يركّز على الجبهة الثقافية
ويتيح لنا مفهوم المثقف والهيمنة الثقافية وهزيمة الثورة في الغرب الأوروبي، أن نفهم الأسباب التي تجعل غرامشي يغلب الوظيفة الأيديولوجية والثقافية للحزب على وظيفته السياسية في السيطرة و(التنظيم). أي التركيز على الجبهة الثقافية وحرب المواقع، بالتقابل مع حرب الحركة الجبهية والسعي للاستيلاء على سلطة الدولة. ذلك على العكس من فهم لينين الذي يقدم التنظيم والسيطرة السياسية على الدور الأيديولوجي، بحكم راهنية العمل الثوري، مع الإشارة إلى الجهود الجبارة لعمله النظري والأيديولوجي، ومقولته الشهيرة: "لا ممارسة ثورية من دون نظرية ثورية"، و "التحليل العيني الملموس لواقع عيني ملموس". لقد حاول غرامشي في "الدفاتر" تقديم نقد أساسي لنزعة العفوية والثقافوية والعمالوية (النقابية-الحرفية أو التريديونيونية ذات الوعي الطبقي النقابي-الحرفي) التي سيطرت فترة الثورة الإيطالية (1919-1922)، حيث اعتمدت الثورة على المجالس العمالية، مع إهمال دور الحزب الشيوعي كمنظم للقيادة والهيمنة البروليتارية على الفلاحين. لكن هذا التغليب للجبهة الثقافية يمنحنا أيضاً فرصة لدراسة الأيديولوجيا ودورها في فكر غرامشي، خاصة في حرب المواقع والجبهة الثقافية في دول الغرب الرأسمالي، والإصلاح الثقافي-الأخلاقي، وظهورها (الايديولوجيا) في مغايرة لطرح ماركس في "الأيديولوجية الالمانية"، وتمنحنا أيضاً فرصة لرصد مسار تطور فكر غرامشي السياسي في "الدفاتر". يقول بيوتي: "تتخذ الهيمنة -التي يحددها غرامشي بأنها قيادة ثقافية وسياسية - أهمية حاسمة في الغرب"
تُعتبر المجالس العمالية أو مجالس المصانع الركيزة العملية الأولى التي بنى عليها غرامشي نظريته الثورية. وقد تبلورت هذه التجربة تاريخياً خلال فترة "السنتين الحمراوين" (Biennio Rosso) في إيطاليا (1919-1920)، وتحديداً في مدينة تورينو الصناعية الشمالية، حيث قاد غرامشي عبر صحيفة "النظام الجديد" (L Ordine Nuovo) حراكاً لتنظيم العمال داخل المصانع لإدارة الإنتاج بأنفسهم. وقد قامت الفاشية بعد فشل الثورة الإيطالية بالاستيلاء على السلطة، حيث وصل بينيتو موسوليني إلى الحكم في إيطاليا عام 1922 إثر «المسيرة إلى روما»، أو زحف ذوي القمصان السوداء إليها، ليؤسس أول نظام فاشي في أوروبا الحديثة.
وقد وقعت المجالس العمالية ومعها غرامشي في نفس الخطأ الذي وقعت به "الكمونات" البورجوازية الإيطالية في العصور الوسطى، وهي المدن المحكومة ذاتياً وديمقراطياً تحت سلطة البورجوازية الصاعدة. فقد كان أحد الأسباب الأساسية لفشل البورجوازية الإيطالية في فترة "العاميات" (الكمونات) كونها قد بقيت في الطور الاقتصادي-النقابي (العفوي)، ولم تنجح في بناء مثقفين عضويين على مستوى الهيمنة السياسية-الأيديولوجية، وفشلت بالتالي في الهيمنة على الفلاحين وجرهم إلى موقعها. ويعتبر هذا القول اللاحق لغرامشي في "الدفاتر" نقداً جذرياً (لينينياً) لتجربة المجالس وتجربته في قيادة الثورة الإيطالية. نشير إلى وجود مجالس السوفيات (السوفيتات) في روسيا، لكنها ليست فقط مجالس للعمال، بل مجالس للفلاحين والجنود، وهي تعمل تحت هيمنة وإشراف الحزب البلشفي بكل جلالة تاريخه السياسي- الأيديولوجي التنظيمي والنظري.
علينا أن نميز في عمل غرامشي بين التصنيف التاريخي للمثقفين من جهة، حين يجري الانتقال من نمط انتاج إلى آخر، وبين التصنيف السوسيولوجي البنيوي، حيث يجري تحليل التنضيدات الاجتماعية للمثقفين المتزامن داخل البنى الاجتماعية ذات نمط الإنتاج الواحد. وفي حالة الغموض "فعلى (الباحث) أن يفسر تنضيدات المثقفين الاجتماعية (هرم المثقفين) بالميول التاريخية لركائزهم، أي الطبقات الاجتماعية". أي تبقى الهيمنة للتصنيف التاريخي.
تلعب الدولة دور المثقف باعتبارها تعبر عن إرادة ومصالح الطبقة المهيمنة، (راجع بولنتزاس: "نظرية الدولة") التي تقوم وحدتها على عاتق أولئك الذين تتكون منهم، أي المثقفين، والتي يرجعنا التمييز فيها بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي إلى التمييز بين وظيفة الهيمنة وبين وظيفة السيطرة والاكراه في الدولة الحديثة، وهو نفس التمييز بين وظيفتي الحزب في الهيمنة والسيطرة.
القاعدة الثانية: يقول بيوتي: ومن خلال حركة ذهاب وإياب بين التحديد المنبثق عن التنظيم الداخلي للمفهوم (مفهوم المثقف) والتحديد المتأتي عن المكان المشغول (موقع المفهوم وهيمنة مفهوم المثقف العضوي) في البنية المفهومية لفكر غرامشي، توصلنا إلى توضيح معنى كل واحد من المفاهيم السياسية التي يستخدمها.
القاعدة الثالثة: شرح أكبر عدد ممكن من الشذرات (المقطوعات)، مع حرصنا في الوقت ذاته على التلاحم الداخلي للمفاهيم وعلى تساوقها. ركزنا بحثنا على "الدفاتر" مع مقاومة أي نزعة إرجاعية تفسرها بفكر غرامشي السابق عليها. إن غرامشي في "الدفاتر" يجب أن يجد تعبيره في "الدفاتر" لا في الكتابات السابقة عليها. مع أننا استخدمنا قدر المستطاع الكتابات العائدة لفترة ما قبل السجن وذلك بقدر، بقدر فقط، ما يمكن أن تنير وأن تكمل أطروحات "الدفاتر"
إن المهيمن والغالب في هذه الدراسة هو التركيز على "التحليل الداخلي لكتابات غرامشي" مع تحاشي مقارنتها مع أعمال مفكرين ماركسيين آخرين. يقول بيوتي: هذا التغليب للتحليل الداخلي على التحليل الخارجي والمقارن يجعل من عملنا في المقام الأول دراسة أحادية الموضوع محصورة بـ غرامشي.
وكنت قد خرجت في عرضي لهذا الكتاب عن هذه القاعدة الداخلية كما خرج المؤلف نفسه مرتين: المرة الأولى حين قارنت دفاتر السجن لـ غرامشي، بدفاتر لينين الفلسفية في تلخيصه لتاريخ الفلسفة وخاصة منطق هيغل، وبدفاتر ماركس السبعة أو مسودات رأس المال المنشورة تحت عنوان "الغروندريسّه: أسس نقد الاقتصاد السياسي"، والمرة الثانية حين قارنت نظرية لينين في الحزب مع نظرية غرامشي، وهيمنة السياسة والتنظيم والقيادة عند لينين بالمقارنة مع هيمنة الأيديولوجية والتربية الثقافية -الأخلاقية كمهمة للحزب عند غرامشي، وغلبة النزعة العمّالوية مقابل غلبة النزعة اليعقوبية (تحالف العمال والفلاحين تحت هيمنة البروليتاريا) عند لينين. مع لفت الانتباه إلى تمييز غرامشي بين "الحزب الأيديولوجي" من جهة والحزب السياسي من جهة أخرى، ونقده الذاتي بخصوص قضايا التنظيم بعد فشل الثورة الإيطالية، والعودة إلى استراتيجية لينين في السياسة والتنظيم.
يستلهم غرامشي في تحديد مفهوم الهيمنة كل من كروتشه ولينين. من الأول يقتبس الدلالة الثقافية للمصطلح، ومن الثاني دلالته السياسية." أي يكون لدينا فضلاً عن القيادة السياسية (تكوين إرادة جماعية. لاحظ لا قيادة جماعية)، وإلى قيادة ثقافية (موضوعة الإصلاح الأخلاقي -الثقافي). أما عند لينين فـ "ليست الهيمنة سوى وسيلة لازمة للاستيلاء على السلطة وللمحافظة عليها. أما من حيث هي اصلاح ثقافي وفكري وأخلاقي فهي غاية" تبدأ شعبياً (بعد أن كانت نبتة طرية في الحزب) على أثر الانقلاب الاشتراكي من أجل بناء الانسان الجديد، وهي بالضرورة لاحقة للانقلاب السياسي. ينطلق لينين في فهمه للهيمنة السياسية واليعقوبية من مقولة ماركس التي مفادها: "ليس المقصود أن أحد أفراد البروليتاريا أو حتى أن البروليتاريا بكاملها تمثل في فترة كهدف. بل المقصود ما هي البروليتاريا وما هو الدور، بالنسبة لكيانها، الملزمة على القيام به" (ماركس: العائلة المقدسة)
بالتعارض مع التصور الحتمي الميكانيكي النزعة للأممية الثانية، شدد لينين في علاقة الحزب بالجماهير، على الدور الفاصل للأول. وقد ألح في مجمل مؤلفاته النظرية، وفي معرض سجاله مع النزعة النقابية (العمالوية والتريديونيونية)، على الدور الطليعي للحزب ووظيفته القيادية. أما غرامشي، فقد ألح على العكس، على عنصر العفوية الشعبية (الحس السليم) بقدر ما ألح على عنصر القيادة الأثير عند لينين، وعلى إحساس الجماهير بقدر ما ألح على معرفة القادة" يقول بيوتي: فـ غرامشي يمحض هذه الطبقة وتلك (العمال والفلاحين) على حد سواء ثقة بعفويتهما تفوق تلك التي يمنحهما إياها لينين.. وهذا ما أباح لبعضهم أن يتكلم عن "شعبوية" غرامشي" ويضيف: "إن الأهمية التي يعلقها غرامشي على المجتمع المدني والإصلاح الثقافي- الاخلاقي" وعفوية الجماهير يجب أن تعزى إلى تمييزه بين الشرق والغرب، وإلى هزيمة الثورة الاشتراكية في الغرب، وإلى ما مارسته فلسفة المثالي الإيطالي كروتشه- سواء على مستوى دور الافراد (في التاريخ) أم على مستوى ضرورة "الإصلاح الثقافي-الأخلاقي"- وأهمية الأيديولوجية بالنسبة للبنى الاجتماعية الأخرى- تأثيراً أكيداً على غرامشي"
يقول بيوتي: كان بوسعنا أن نحذف التناقضات بإيجادنا أصغر قاسم مشترك ممكن بين الشَّذْرات. لكن هذا النهج كان قمينا أن يقودنا إلى إفراغ الفكر الغرامشي من أصالته. ويضيف:
لا يسعنا في خاتمة المطاف إلا أن نلح على أنه إذا كان الفكر الثرّ الغني لا يقبل شرحاً وتأويلاً نهائيين-وفكر غرامشي غني ومعقد- فإن الطابع المُقطّع (المُشذّر) والتنقيبي لتأملات "الدفاتر" يلزمنا بمزيد من القوة بتأويل محض تأويل واحد بين تأويلات كثيرة ممكنة." ونحن مع بيوتي نحث القارئ على طلب نصوص غرامشي بالذات، وعلى استكشاف ذلك الفكر القلق الدائب الحركة، وعلى استخلاص تأويله الخاص له، ودراسة شرطه التاريخي.
أقول: لا يمكن فهم طبيعة السلعة بالبحث في باطن جسدها، لأن العلاقة الاجتماعية المحمولة على هذا الجسد تأتيها من الخارج. نفس الامر ينطبق على تعريف المثقف عند غرامشي، فالمعيار الباطني الذي يقسم الشغيلة حسب الطبيعة إلى يدويين وفكريين لا يمكن أن يساعدنا على إيجاد ما هو خاص ونوعي وغير قابل للإرجاع، في مقولة المثقف. هكذا يستخدم غرامشي معياراً آخر، حيث يجري تحديد المثقف بالمكانة (الموقع) والوظيفة اللتين يشغلهما في مجمل العلاقات الاجتماعية. المثقف يكون في موقع يسمح له بالإشراف على الطبقة وتنظيم هيمنتها وسيطرتها إذا كانت سائدة أو الدفع بها نحو السيادة إذا كالنت طبقة هامشية. نضرب مثالاً كيف يلعب الرأسمالي وظيفة المنظم لعملية الإنتاج كونه يتبوأ موقعاً اجتماعياً بحكم كونه مالكاً لوسائل الإنتاج ومحتكراً لفائض القيمة. يقول بيوتي: "بهذا التعريف يخالف غرامشي، في آن واحد، أولئك الذين يحددون الفكري نسبة إلى اليدوي (تعريف بتقابل الطبيعة الفكرية والطبيعة الجسدية)، والرأي الشائع الذي يقصر إطلاق ذلك المصطلح على مبدعي الأفكار. يقول غرامشي: إنني أوسّع كثيراً مفهوم المثقف ولا أحدّه بالمفهوم الدارج الذي لا يقيم وزناً إلا لكبار المثقفين"
أما أنا فأقول: إن المثقف الكبير الكلاسيكي بطبيعته تقابله على مستوى البضاعة القيمة الاستعمالية (جسد البضاعة)، أما المثقف بحكم موقعه ووظيفته في المجتمع فتقابله القيمة والقيمة التبادلية كعلاقة اجتماعية محمولة على جسد البضاعة، كما يُحمل المعنى على الصوت البشري. يقول بيوتي: "المثقفون هم أيضاً حملة وظيفة الهيمنة التي تمارسها الطبقة السائدة في المجتمع المدني (البورجوازي)") ويضيف: "تستطيع البروليتاريا بدورها أن تنتج مثقفين على مستوى الهيمنة على اعتبار أنها طبقة رئيسية قادرة، بحكم المكانة (المنزلة) التي تشغلها في نمط الإنتاج البورجوازي، على أن تصبو بصورة واقعية إلى قيادة المجتمع")، حيث يشرف هؤلاء خلال ذلك على بناء الوعي الطبقي والتنظيم. على أن يكون الوعي مستقلاً عن الوعي البورجوازي.
وبهذا الشكل، وبناء على الموقع والطبيعة (الفلك والجرم) في مفهوم المثقف نستطيع تفسير التوتر بين المُنظّر والأمين العام في حزب شيوعي بيروقراطي كالحزب الشيوعي الفرنسي (غارودي وسارتر)، والشيوعي السوري-بكداش (الياس مرقص). يقول بيوتي: "أما أولئك الذين يجرؤون على الإفصاح بجلاء ووضوح عن أصالة وجهة نظرهم، فقد كانوا يطردون بلا رحمة من صفوف الحركة بحجة الهرطقة". نشهد شيء مماثل في تاريخ الكنيسة الرسمية المكرسة، حيث حُرم كل من القس آريوس والقس نسطوروس بتهمة الهرطقة والخروج عن الطريق القويم. ونستطيع أيضاً رصد اجتماع الطبيعتين في شخص واحد كاجتماع الناسوت واللاهوت في شخص يسوع المسيح، واجتماع رئيس الحزب والمنظر ورئيس الدولة الاشتراكية "الديمقراطية الجديدة" في شخصية كل من لينين وماو تسي تونغ في قيادة الثورات الاشتراكية الشيوعية المظفرة في القرن العشرين.
وردت في الصفحة (21) عبارة ملتبسة، قد يكون ذلك بفعل الترجمة، مفادها: "لن يكون في مستطاع البروليتاريا أن تعرف وضعها الحاضر إذا كانت لا تعرف ماضيها. فالحاضر لا يتفسر إلا بالماضي (؟)، والتحليل البنيوي لمجتمع من المجتمعات لا يلقى مبرر وجوده إلا في التفسير الوراثي: ذلك هو أساس كل فلسفة غرامشي في تناول التاريخ" (؟)
سأقترح صياغات أخرى مفادها: لن يكون في مستطاع البروليتاريا أن تعرف وضعها الحاضر بشكل كامل إذا كانت لا تعرف ماضيها. فالحاضر لا يكتمل تفسيره إلا بدراسة الماضي. وحاضر البنية الفوقية هو محصلة صراعات وتراكمات تاريخية من الماضي، بالتالي لا يمكن فهم العلاقات السياسية، الثقافية أو الاجتماعية الحالية (مفهوم الهيمنة والبنية الفوقية) بشكل مجرد، بل يجب تفكيكها باعتبارها امتدادا لبنى تاريخية شكلتها طبقات وقوى اجتماعية أخرى عبر الزمن. وسر ذلك يكمن فيما نسميه (الكلام لبيوتي) "عطالة الأيديولوجيا"، وبطء التحولات الثقافية. إن غرامشي يدرك تمام الادراك أن التحولات على مستوى الأيديولوجيا أبطأ بكثير مما هي عليه في المستويات الأخرى". فالبنية التحتية تتحرك بشكل أسرع بما لا يقاس من حركة البنى الفوقية، من هنا ضرورة دراسة الماضي لتفكيك الأيديولوجيا المهيمنة إلى عناصرها المكونة. هنا غرامشي ينتقد التفسير الاختزالي* للأحداث من دون النظر إلى التمايز الحضاري وبقايا البنى الفوقية السابقة في البنية المعاصرة. وهذا رد على الاختزالية** الاقتصادوية عند بعض المنظرين الروس كـ بوخارين، حيث يؤكد غرامشي على البنية الفوقية والثقافية والوعي في عملية التحول التاريخية. يكتب بوراوي في "العنف الرمزي" مقارناً بين غرامشي وبورديو: "يوزع كل من غرامشي وبورديو البنية الاجتماعية إلى مجالات متوازية ومتناظرة، المجال الاقتصادي الذي يمنحنا الطبقة، والمجال السياسي الثقافي الذي يمنحنا الهيمنة والصراع (السياسي)- الايديولوجي، والمجال العسكري الذي يضع حدود الصراع" 122 ويضيف: "لكن الطبقات غير قابلة للاختزال إلى ما هو اقتصادي فحسب، بل هي مزيج من الاقتصادي والثقافي" 123 وهنا يُدخل بورديو على مفهوم رأس المال الاقتصادي، رأس المال الثقافي.
يجد هذا الاستمرار للماضي في الحاضر تفسيره في الحاضر نفسه ** فنحن العرب لا نستطيع تفسير تخلف البنى الاجتماعية بسبب تفشي السلفية الدينية الاسلامية، بل العكس هو الصحيح، أننا نستطيع تفسير المد السلفي التكفيري الإسلامي بفعل تخلف البنية الكولونيالية القائمة عندنا وانسداد آفاق التحديث نهاية سبعينيات القرن الماضي، بحيث نستنتج من تجربة مائة عام من حكم البورجوازية بكل أشكالها، أن البورجوازية الكولونيالية التابعة للنظام الامبريالي لم تعد عاجزة فحسب ، بل باتت عقبة أمام التحديث والتطور الصناعي على شاكلة أختها الأوروبية فجر التحديث البورجوازي.
وهذه الدراسة لحاضر الطبقات وماضيها تنطبق أيضاً على العلم حاضره وماضيه، فمفهوم العلم لا يكتمل إلا بدراسة تاريخه. ننقل عن ماركس قوله: "إن التصور الصحيح لهذه القوانين (قوانين الاقتصاد البورجوازي) واستنتاجها بوصفها علاقات ظهرت خلال التاريخ يقوداننا باستمرار إلى إقامة مقارنات تستحضر ماضي هذه المنظومة، كما الحال بالنسبة لمعطيات العلوم الطبيعية. هذه الاستحضارات، في الوقت نفسه مع التصور الصحيح للحاضر، تعطينا مفتاح الماضي" (الغروندريسّه)، أي تعطينا المفتاح فحسب، وليس العلم بالماضي حقيقة.
أيضاً وردت عبارة ملتبسة أخرى في ص (220) تقول: "ولكن لما كان المجتمع المدني والدولة يتماثلان في الواقع الفعلي"، حيث الالتباس يكمن في كلمة "يتماثلان". والمقصود هو أن الدولة هي وحدة نقيضين؛ "الدولة تساوي المجتمع السياسي+ المجتمع المدني؛ أي الهيمنة المُدرّعة بالإكراه". وهذا الإشكال اللفظي كان قد ظهر عند لينين في بداية مقالته "حول الديالكتيك" حيث يكتب: إن ازدواج ما هو واحد ومعرفة جزئيه المتناقضين يشكل جوهر الديالكتيك" ويضيف: "إن تماثل الاضداد (قد تكون وحدتها أصح؟ رغم أن التمييز بين كلمتي تماثل ووحدة ليس بذات أهمية في هذا المجال [أي مجال الحديث عن النقيضين بشكل عام قبل الحديث عن طرفي التناقض وطبيعة كل منهما واختلافه عن الآخر] فالكلمتان كلتاهما صحيحتان بمعنى معين) " (المادية والمذهب النقدي التجريبي: 423)
هوامش
+جان مارك بيوتي: فكر غرامشي السياسي، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت 1975
* الاختزالية تفصل العام عن الخاص، وتمزق ترابط العالم وتهدم مفهوم الهيمنة. حيث لم يعد العالم يفهم في ترابطه وفي هيمنة حضارة على الحضارات الأخرى في عصر من العصور. (راجع مقالتنا في الحوار المتمدن: في مفهوم الحضارة وتطوره)
** أنطون بلتيه- جان جاك غوبلو: "المادية التاريخية وتاريخ الحضارات"، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1980



#نايف_سلوم (هاشتاغ)       Nayf_Saloom#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيديولوجيا القومية العربية وتأسيس سوريا الحديثة
- رأس المال-م1-ف1 : ملاحظات أساسية
- عرض كتاب -العُنْف الرمزيّ-
- قراءة في كتاب -ثورة 1936 – 1939 -*
- قراءة في -العقل والثورة- -2
- عرض كتاب -أعيان المدن والقومية العربية-*
- الحركة الابراهيمية؛ مقاربة ثقافية
- قراءة في -العقل والثورة- 1
- استهلال كتاب -العقل والثورة-
- -العَلْمانيّة- من منظور جديد
- قراءة في رواية -سيدهارتا-*
- محنة الديموقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 2 ، إدانة الفل ...
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 1
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: المسألة اليهودية رقم 1 -و ...
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي المطلق
- -الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: نسق عالم -أسرار باريس-
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: السرّ كـ -سُخرية-
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-سر الاستقامة والتقى
- -الاسرة المقدسة- ؛ تحقيقات وتعليقات - سر المجتمع المثقف


المزيد.....




- فيديو كيف تحمي مقاتلات F-16 المجال الجوي لطائرة الرئاسة الأم ...
- الدفاع الروسية تعلن استهداف مركز لوجستي وآخر للبيانات في أوك ...
- واشنطن تعيد رسم سياسة الذكاء الاصطناعي.. مجموعة جديدة تبحث ا ...
- المستشار الألماني ?فريدريش ميرتس يتعهد من كييف بمواصلة دعم ب ...
- بعيدا عن أهوال الحرب... مدرسة مجانية في سيناء تمنح أطفالا نا ...
- إصابة جنديين إسرائيليين بجروح وتواصل الغارات على جنوب لبنان ...
- ترامب يدعو إلى التصويت المبكر وعبر البريد رغم معارضته تاريخي ...
- -مغالطة في منتهى الغباء-.. علاء مبارك يرد على مقارنة وزير إث ...
- تبون يعلق على الهبوط التقني لطائرة الرئيس الإيراني بالجزائر ...
- الولايات المتحدة.. العثور على حطام طائرة الإسعاف المفقودة


المزيد.....

- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - نايف سلوم - عرض كتاب -فكر غرامشي السياسي- +