أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الحاج بوعديس نبيذ الذل في كؤوس الظلال















المزيد.....


الحاج بوعديس نبيذ الذل في كؤوس الظلال


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


تفطس في المدى أشباح روائح الشواء، لا تأتي زكية بل متبلة بدعوات المكلومين ودموع الفقراء الساخنة المنسكبة من على بعد أميال، فتنتفض حاسة الشم لدى الحاج بوعديس، ذلك الجرح المفتوح والنازف في ذاكرة الولائم الإقليمية. رجل يقتفي أنفه الملتوي عبق الدسم المضمخ برائحة الولائم السياسية، متجاهلا نفحات عطور فرنسا الفاخرة وأريج بخور الزوايا العتيقة. متزوج وله بيت وأولاد، لكنه يعيش تحت وطأة جوع متكلس؛ جوع عتيق مصفد في أعماق روحه كحصاة سوداء من الفحم الحجري، تكونت رسوبياتها من سنوات الحرمان الأولى في طفولته العارية، فلا تطفئ سعيرها خبزة الدار الدافئة ولا يقنعها الكفاف المتاح. ترضعه موائد النفاق السياسي المتبلة بدخان الاستعطاء المعتاد، وكلما اقترب استحقاق انتخابي أو أطل لقاء حزبي مغلق، تحول بوعديس إلى طيف شبحي يتربص في أزقة المقاطعة الترابية كذئب يجوب التخوم القاحلة. يتسلل بخفة غريبة عبر البوابات الخلفية لقاعات الاجتماعات، كأنه صاحب بيت مخلد فيها لا يجرؤ أحد على طرده، يتقدمه كرشه الطاغي كطبلة حربية تدق إيقاع السقوط وتعلن قدوم الهاوية.
لم يمض وقت طويل حتى أصبح الحاج بوعديس وجها مألوفا تتوارثه حكايات المقاهي الشعبية المكتظة وفيلات الأعيان المنيفة على حد سواء، صار علامة مسجلة في كل تجمع، وصارت قدماه تنجذبان تلقائيا نحو البوابات الفخمة ببوصلة لا تخطئ مكان الدسم والدهن. لا يطرق الأبواب طمعا في جاه حقيقي أو موقف ذي قيمة، وجهته حصريا نحو المبتغى المقدس، قصاع الكسكس العملاقة المغطاة باللحم والزبيب، وصواني الفواكه الموسمية المستوردة. حضور جسدي ثقيل يثير الغثيان والدهشة، يحمل أكبر كرش في الإقليم، كرشا مدورا مشدودا يتقدمه بخطوتين أينما حل كأنه السفير المتقدم لأطماعه المتضخمة. وإلى جانب تلك التضاريس البطنية، استقر في ظهره ورم مقوس يشبه حدب "نوتردام"، عقدة ضخمة من الشحم المتراكم عبر سنوات طوال من الانحناء المذل وتقبيل الأيادي والأكف والرؤوس. وكلما انحنى ليقبل كف مسؤول، أو يبالغ في الترحيب برئيس جماعة، أو يتملق وزيرا زائرا، كلما بارز ذلك "النوتردام" الخلفي وكأنه قوس قزح بشري مشوه يعلن نهاية الكرامة وبداية موسم الحصاد الوضيع.
في صالونات الندوات الفاخرة، حيث تحاك الصفقات المظلمة وتوزع التزكيات تحت مظلات التكييف المركزي، كان بوعديس عنصرا ديكوريا لا غنى عنه للتباهي. يظنه الزوار في الوهلة الأولى تمثالا طينيا منسيا من العصور الغابرة، لكنهم ما إن يروه يتحرك حتى يدركوا أنه مستشار البطون الخاوية. يتقن فن التلون كحرباء تتبدل جلودها بحسب ألوان الموائد، ففي حضرة المعارضة يستعير دموع الأرامل ويلعن بلسان سليط جحيم الأسعار، وفي المساء، تحت مظلة الحزب الحاكم، يتحول إلى بوق ينشد ترانيم الطاعة والولاء شريطة أن تكون دجاجة الشواء قد نضجت. لم يكن يهمه أن ترتفع الأسعار أو أن يغرق الوطن في ديونه، فما دام الوطن في نظره مجرد قصعة تحترق، وما دام حدبه الخلفي ثقيلا برضاهم، فالأرض تميد في سلام والسياسات حكيمة.
لم تقتصر جشاعة بوعديس على الولائم الحزبية العادية، بلغت ذروتها القاتمة في المناسبات الوطنية الكبرى وزيارات المسؤولين الكبار من دولة أجنبية للإقليم. فحين حل الوفد الأجنبي رفيع المستوى لمراقبة المشاريع التنموية، تحول إلى مقاول بشري من الدرجة الأولى، تجند لجمع العشرات من أطفال الفقراء والنساء المهمشين من أطراف الدواوير المنسية، ووقف بهم طوابير على جانبي الطريق، لا لاستقبال وطني صادق، ليبيعهم كديكور بشري متحرك أمام عدسات الكاميرات الأجنبية. يمسك عصا قصيرة يمررها على ظهر الأطفال والشيوخ المنهكين، يتفقد أسنان بعضهم كما يتفقد بائع الماشية بضاعته قبل العرض، ويصرخ فيهم بصوت حاد:
-الابتسامة تمتد من الأذن إلى الأذن، من يبتسم أكثر يحظى بوجبة إطعام، ومن يحني رأسه لن يستلم رغيفا اليوم
حول الأجساد المنهكة والأرواح البريئة إلى سلعة رخيصة يستجدي بها رضا الولاة والمسؤولين، مبايعا بدموع فاجرة ومهارات مسرحية فائقة في تقبيل الأيادي والأكف، ليوهم الضيف الأجنبي بأن الإقليم يرفل في نعيم الديمقراطية والرخاء، ويقبض ثمن تلك الدموع المغشوشة ولائم دسمة وعطايا سرية من لصوص المال العام. وحين يتعلق الأمر بالدفاع عن الفساد، لم يكن ينتظر طلبا أو دعوة رسمية، يتطوع كمتحدث رسمي باسم أصحاب السوابق. إذا ظهر برلماني فاسد أكل حقوق المواطنين، خرج في منشورات فيسبوكية ركيكة يصفه بالرجل الوطني المجاهد ويخون كل من تجرأ على انتقاده. يبيع المواقف بثمن بخس، وعاء مملوء بالمشروبات الغازية ووعد بوجبة عشاء دسمة في مقهى فاخر، فتات كاف ليجعل منه درعا بشريا يدافع عن لصوص المال العام. وحين يعود في منتصف الليل مثقلا بالدهون والسكريات وينظر في مرآة غرفته، لا يرى إنسانا انما كائنا استهلاكيا تآكلت روحه ولم يبق منها سوى الصدى الخاوي. لم يكتف بوزن جشعه وحده، استولد حوله ظلالا تمشي على قدمين، فريقا من الطامعين المغلوبين ليقود بهم مسيرات التملق وتقبيل الأكف. انضم إليه أولا محمد الكسال، رجل طويل نحيف أذابه بخار الحمامات الشعبية وأفقدته الأيام صوته، فوجد فيه الضوء الأعمى الذي يؤمن له الأكل وفتات العطايا، ليصبح ظله بلا رأي ولا إرادة. ولحق به ثانيا فؤاد الكبش، الكائن الذي سحقته الأيام فوجد في موائد الأعيان وممثلي الشعب فرصته لانتزاع البقشيش وقطع اللحم الدافئة. لم تكن تجمع بين هذا المثلث أيدولوجيات أو حلف شياطين، الرابط الحقيقي والوحيد الذي يشد الكسال والكبش لبوعديس هو الأكل والشرب والظفر ببضع دراهم يلقيها النواب والأعيان كبقشيش مهين على أعتاب الصالونات.
حدود الكسال والكبش تنتهي عند حافة الأطباق والبقشيش، فخلف دروع الحاجة كانت تخفق بقايا قلوب تؤرقها العتمة. حين تطفأ أضواء قاعات الحفلات وينصرف الجميع، كان محمد الكسال ينسحب كطيف نحيل نحو زوايا القاعة المظلمة. بخار الحمامات الذي أذاب صوته لم يسلب منه ذاكرة الأمعاء الخاوية التي عاشها في طفولته المنسية. يستخرج من جيبه أكياسا بلاستيكية سوداء سميكة، وبخفة ساحر يمارس خديعته الأخيرة، يبدأ في تجميع قطع اللحم والدجاج النظيف التي لم تمسها أيدي النافذين ولم تصلها أنياب بوعديس. يشد وثاق الأكياس بحرص، وينسل نحو أطراف الدوار المقفر، ليضع الكيس عند عتبة بيت الأرملة فاطمة ينام أطفالها على الخور، ويقرع الباب قرعة خفيفة يختفي بعدها؛ لم يكن يشتري ضميرا، كان يطعم طفلا قديما مات جوعا داخل روحه.
أما فؤاد الكبش، فكان بعد كل اجتماع يقتنص فيه البقشيش من ممثلي الشعب، ينحرف بدراجته النارية المهترئة نحو الاكواخ القشية في الهامش. يحمل صندوقا محشوا بأكياس طعام طازجة اشتراها مما حصل عليه من بقشيش الأعيان، يتوقف عند كوخ عمي الصالح، الشيخ المقعد، يضع الأكياس بصمت ويقول بنبرة خفيضة:
-هذا نصيبكم يا عمي.. لا تشكرني ولا تسألني من أين جاء...
ينظر إلى كفيه الملطختين بذل الاستجداء والبقشيش، فيشعر بتمزق حاد، لكنه في هذه اللحظات كان يحاول ألا ينسى تماما أنه ما زال ينتمي إلى الفصيلة البشرية.
ولأن التنازلات الأخلاقية لا تقف عند حد، فقد كانت الولائم والدراهم مجرد الشراع الظاهر لسفينة العفن التي يقودها بوعديس وحده نحو القاع. بدأ الأمر بتعود على تقبل المزاح المهين والصفعات الخفيفة على رقبته من نافذي الصالونات لانتزاع ضحكات الحاضرين، ومع تراجع قيمته الانتخابية وحاجته الماسة للحفاظ على مكانه قرب منابع الدسم، تدرج في الانحدار السحيق. حين كانت أضواء القاعات الفاخرة تنطفئ، تفتح البوابات الخلفية لليالي السقوط المطلق، هناك خلف الستائر المخملية للنافذين، بدأ بوعديس يمارس طقوس انحرافه وخدمة بيوت الشذوذ التي تديرها شبكات النفوذ، بايع ما تبقى من ملامح آدميته بخطوة قرب إضافية.
وفي تلك الليلة المظلمة التي فتحت فيها أبواب الغرف المغلقة، وحين شمر بوعديس عن جشع نفاقه وشروعه في تقديم نفسه قربانا رخيصا ممارسا سلوكاته المنحرفة وسط شبكات النفوذ، أدرك الكسال والكبش أن الأمر يتجاوز حدود الجوع وفتات البقشيش التي جاءا من أجلها. هالتهما المشاهد المريضة وهزتهما تقززات العزة المتبقية، فلم تكن أمعاؤهما الخاوية لتتحمل الهوان المطلق. وفي غفلة من السكارى والنافذين وبوعديس الغارق في وحله، تبادلا نظرة رعب خاطفة، وانسل الكسال والكبش كطيفين مذعورين، فارين في جنح الليل عبر البوابات الخلفية. قطعا كل خيط يربطهما بوحش الموائد الدسمة ، تاركين إياه يغرق وحده في مستنقع رغباته المريضة، فارين بأجسادهما المتهالكة لئلا تتلوث بما هو أعظم من الجوع.
في ليلة لم تحسب لها العصابة والنافذون حسابا، انكسر جدار السرية بسلسلة من التسريبات الرقمية المتتالية. انتشرت مقاطع الفيديو كشرر الوباء على الهواتف، توثق بوعديس وحده في أوضاع خزي ومجون شاذ يستجدي الرضا تحت أقدام نافذين ومسؤولين، بينما ظهرت في خلفية بعض المقاطع خاطفة صور الكسال والكبش وهما يفران بذعر نحو عتمة الأبواب الخلفية قبل اندلاع المجون. لم تعد القضية مجرد متاجرة بالبطون، انحلالا أخلاقيا زلزل الإقليم بكامله. تحولت مقاطع الخزي إلى عملة يتداولها الجميع في المقاهي والأزقة، وغدا اسم بوعديس تعبيرا عن المسخ الذي جرد نفسه من كل ملامح الذكورة والكرامة والإنسانية.
لم تعد التكنولوجيا تنشر المقاطع فقط، تفجرت حملات إلكترونية شرسة وممنهجة جعلت من بوعديس الهدف الأول للشباب الغاضب. انطلقت مئات الحسابات في إنتاج مقاطع ساخرة ورسوم تعبيرية تهكمية تصوره بكرشه المتضخم وحدبته الملتوية متلبسا بأفعال الخزي. تحولت مجموعات التواصل الاجتماعي إلى منصات محاكمة علنية يشارك فيها عشرات الآلاف من أبناء الإقليم. لم يعد يستطيع فتح صفحة أو حساب إلا ووجد تعليقات التحقير والازدراء تصلي حسابه نارا، تحول الهاتف في يده من وسيلة تفاخر إلى جمرة تقطر خزيا كلما لمعت شاشته.
ولم يقف الغضب عند حدود الشارع والشبكات الرقمية، إذ تزامنت الفضيحة مع صراع حاد بين مراكز القوى في العاصمة، أدى إلى رفع الغطاء السياسي عن الكبار الذين اعتادوا حمايته. استغلت يد الملاحقات الأمنية والقضائية هذه التسريبات كذريعة جاهزة لتطهير الإقليم من شبكات الانحراف والدعارة السرية التي اعتاد بوعديس مسح أعتابها. بدأت المداهمات لجحورهم والخلايا المظلمة التي تستر عليها النفوذ زمنا، فعاش حالة فرار ذليلة، يفر في عتمة الأزقة كجرذ مذعور يرتعد حسكه مع كل صوت دورية شرطة أو ضوء سيارة يقطع العتمة، يتلمس الجدران بعد أن أغلقت بوجهه كل الصالونات التي شبع من الكنس على أعتابها بكرشه.
غزواته لم تكن إطلاقا محصورة في القاعات، كان يوثق كل لقمة وكل استعراض بشري على الشبكات الرقمية. وحين حذره أحدهم من استفزاز مشاعر الفقراء الغاضبين من غلاء المعيشة وسخرية استغلال الأطفال في المناسبات الوطنية، رد بصلف واستخفاف سخيف:
— يا بني من قال إنهم فقراء فعلا...؟ من يمتلك هاتفا ذكيا ويعبئه بالرصيد ليس فقيرا، هؤلاء يحسدوننا على سعة الرزق، دع الكلاب تنبح والكرش تسير.
وحين حاول اللجوء إلى حلفائه القدامى في الجماعات والمقاطعات الإدارية للبحث عن مخرج أو التغطية على الفضيحة، صدم بوجه آخر للسلطة، صدرت تعليمات صارمة وشفهية إلى الحراس ورؤساء المصالح بمنع دخول المسخ ، صار ورقة محروقة تهدد بجر أسماء كبار المسؤولين. كلما اقترب من بوابة رسمية أعاده حراس الأمن بشر طردة ومنعوه من تجاوز الأعتاب، وأصغر الموظفين الذين كان يتباهى بمعرفتهم أربدوا في وجهه وأغلقوا الأبواب في أنفه. تحولت المباني الحكومية التي كان يتنزه في دهاليزها كصاحب بيت إلى قلوع حصينة تلفظه وتعتبر وجوده علامة شؤم ووصمة عار على كل من يصافحه.
خطيئة بوعديس لم تكن أبدا مجرد زلة عابرة، انما زلزالا راكمه السخف الرقمي والمتاجرة بأرواح البشر، ثم العار الأخلاقي المدوي والهجمات الرقمية وطرد الإدارات له. بدأ الحصار يتشكل ببطء، أولا بنظرات جانبية جافة في أزقة الحي، ثم بهمسات حادة تلاحقه كلما مر من أمام المقاهي الشعبية، وصولا إلى مقاطعة الجيران والباعة له بشكل تدريجي. تحولت جدران الإقليم إلى عازل خرساني يضيق الخناق عليه، وبدأت الأسوار تتهاوى من حوله فاتحة الباب أمام العاصفة الكبرى التي ستأكل الأخضر واليابس داخل بيته.
في قلب المخاض، تلقت ابنته الموظفة في الإدارة العمومية الصدمة القاتلة. لم تعد الفضيحة مجرد همسات عن والد جائع يقتات على الولائم، بل أصبحت تسريبات الفيديو ونظرات التحرش والاستحقار تلاحقها في كل ممر ومكتب. تحولت حياتها إلى كابوس يومي، كل هاتف يرفع في وجهها كان يحمل صور والدها في أوضاع الخزي والشذوذ المذل. حاول بوعديس في لحظة ارتباك نادرة أن يرتمي عند قدميها مبررا أفعاله بأنه كان يجمع المال والنفوذ لتأمين مستقبلها ومكانتها الإدارية، لكنها نظرت إليه بصمت جاف خال من أي عاطفة. تآكلت أعصابها تحت وطأة العار الاجتماعي والنفسي الذي لا يمحى، وأمام هذا الجدار الأسود من الفضيحة الخانقة، انهارت تدريجيا في عزلة مظلمة دفعتها إلى الهروب الأخير، لترمي بنفسها في عتمة الانتحار، مخلفة جثتها وصمة ندم أبدية وحسرة تصلي قلب هذا الأب الخائب الذي اكتشف أن كل ما جمعه لم يحم قطرة واحدة من دمها.
وبينما كان يغرق في لظى الملاحقات والفضيحة، توارى الكسال والكبش عن الأنظار يلملمان خيباتهما. ورغم هربهما المبكر واعتزالهما لبوعديس بمجرد انكشاف مجونه، إلا أن غبار المعية القديمة وطمع الوجبات السابقة أطبقا عليهما، وبقي وحيدا في بيته المهجور يواجه في مرآة غرفته عري روحه الممزق وعار ابنته الصريعة، بينما فرت زوجته بهدوء تام، تاركة إياه لنوتردامه الأبدي ولعنة الأسوار المغلقة.
ظهر صحافي مشاكس حول تفاصيل السقوط، بما فيها فضائح استقبال المسؤول الأجنبي والمتاجرة بالبشر وتسريبات الغرف المظلمة وطرد الإدارات، إلى نص قصصي ساخر انتشر في أزقة الإقليم كالوباء. وانقلب لقب بوعديس إلى مصطلح في قاموس الشارع يطلق على كل متسلق ومدافع عن اللصوص ومسخ أخلاقي، ليصبح بذلك العملة المزيفة التي يتعامل بها السوق السياسي الساخر.
أدرك بوعديس أن فضائحه أصبحت متداولة على كل لسان، وأن صوره الاستعراضية مع الوفود الأجنبية وفيديوهات الخزي باتت مادة للتبرم والسخرية المرة. هرب كبرياؤه وحل مكانه هلع حقيقي، فبدأ ينهال بالاتصالات المتوسلة على المقربين من الكاتب الصحافي عارضا التنازلات والوجبات الدسمة والأموال للتعويض شريطة أن يدفن الملف ويترك للنسيان. جلس الروائي يقلب تلك التوسلات الممزوجة بالخوف، قلمه لم يلن، واهتدى إلى مخرج فني محكم: أن يستمر في الكتابة تحت درع الأدب مع إرفاق تنبيه ساخر بأن كل ما يكتب عن بوعديس ومسرحيات الاستقبالات الأجنبية وسقوط الغرف المغلقة خيال مستوحى من عبث الواقع وأي تشابه محض صدفة طمع. وبقي أسيرا لعزلته يجر أذيال الخيبة بينما يلاحقه قلم الصحافي كمرآة لا تكذب أبدا.
العزلة لم تكن مجرد جدران صامتة، بل تحولت إلى محكمة سرية تنعقد كل ليلة في غرفة نوم بوعديس المظلمة. حين ينطفئ صخب الشارع وتنحسر أضواء النفاق، يقف عاريا أمام مرآة خزانته المهترئة. لم يعد يرى ذلك الكائن البشري الذي يعتلي منصات الخطابة ويقبل الأكف، بل يرى كومة من الدهون المترهلة التي تروي تاريخا طويلا من الانحناء والجوع والنهم والخزي. شحومه تتحدث إليه بلغة صامتة؛ فالكرش المدور يعيد إلى ذهنه أسماء الولائم التي باع فيها كرامته، ونوتردامه الخلفي يئن بوزن السجدات المزيفة وأجساد الأطفال الذين تباهى بهم أمام المسؤول الأجنبي، وفضائح الليالي الشاذة التي جرت ابنته إلى المقبرة. وفي تلك اللحظة القاسية حاول أن يبرر لنفسه، لكن المرآة كانت أقسى من أن ترحمه. امتدت يده المرتجفة لتلمس وجهه الشاحب، فأدرك فجأة أن الجوع الحقيقي لم يكن في معدته التي أدمنتها الولائم، بل في روحه التي أكلها الصدأ وتركت هيكلا فارغا لا يثير سوى الشفقة والتقزز.
الفضيحة لم تمر دون أن تطال آثارها بقية أفراد حاشية البطون الجائعة؛ فبعد أن فر محمد الكسال وفؤاد الكبش ليلة سقوط بوعديس في القاع، وجد الثنائي أنفسهما ينعزلان في أطراف المدينة. ورغم أنهما نجوا من الخزي الأخلاقي المباشر برفعهما أيديهما وهربهما في الوقت المناسب، إلا أن الشارع لم يرحم تاريخهما في تملق الأعيان. وفي ليلة مظلمة تجدد اللقاء بينهما قرب المخبزة القديمة؛ تبادلا نظرات الخزي على سنوات العبودية برغيف ودراهم المعدودة، مدركين أن التملق للبطون لا يمنح مأوى حقيقيا، وأن أكياس الطعام الخفية التي مسحا بها بعض ذنوبهما كانت كل ما تبقى لهما من آدميتهما.
في عالم افتراضي لا ينسى ولا يغفر، تحول اسم الحاج بوعديس إلى هاشتاغ دائم السخونة على منصات التواصل. لم تقتصر السخرية على المقال الأدبي، بل تحولت صوره يستعرض الأطفال أمام الوفد الأجنبي ومقاطع فضائحه إلى صور وفيديوهات مركبة تملأ هواتف الشباب والفقراء. صار كل شاب يمر بجانب مقهى يرفع هاتفه ملوحا به في الهواء صارخا بسخرية لاذعة:
-انتبهوا ها قد حضر بائع الأطفال وهاتف الرصيد...
تحولت التكنولوجيا إلى مقصلة رقمية تنحر كبرياءه بلا توقف. لم يمت بوعديس مخلفا وراءه مجرد سيرة رجل عجوز، بل ترك إرثا منهجيا متكاملا جرى تداوله تحت اسم المدرسة البوعديسية . لم تكن مدرسة أكاديمية، إنما أكاديمية سرية للتملق وتقبيل الأكف وفن استغلال المناسبات الوطنية للارتزاق والبيع الرخيص. صار لها مريدون شبان يرتدون جلباب الانتهازية المبكرة، يتعلمون فيها أصول تكييف المبادئ وتفصيلها على مقاس أطباق الكسكس وخدمة الضيوف الأجانب والنافذين بالرياء، مشتهين تضخيم الكرش وتطوير نوتردام خلفي لحمل أوزار المذلة بلا خجل.
لم تسكت القبائل والعائلات العريقة طويلا على الوباء الأخلاقي المتمثل في المدرسة البوعديسية وفضائحها المدوية؛ عقدت مجالس الأعيان والحكماء اجتماعات طارئة أعلنت فيها البراءة المطلقة من كل من ينتمي لهذه المدرسة أو يسير على نهجها. صدر مرسوم عرفي يقضي بإفراد ونبذ كل متورط، فحرموا من مصاهرة العائلات الشريفة واستبعدوا من مجالس الصلح والولائم الجماعية، وصار حضور أحدهم يثير موجة من الاشمئزاز والصفير العام الذي يطرد صاحبه شر طردة، ليصنفوا رسميا كشخصيات موبوءة تجر وراءها اللعنات.
لم يمض وقت طويل بعد تلك العزلة الموحشة وفقدان العائلة، حتى أطفأ الموت ما تبقى من نبض في جسد الحاج بوعديس. مات وحيدا في بيته المقفر، ملقى على فراشه البائس. لم يلتفت أحد لحفل دفنه؛ أغلق القبر بلبنات من الإسمنت الجاف، وغادر المعزون القلائل على أطراف المقبرة المنسية يتهامسون بجفاف عن ارتفاع أسعار الخضار وتغير الجو، دون أن تدمع عين أو يرفع دعاء.
لم تنته حكاية بوعديس بموته، تحولت إلى أسطورة شعبية وثيمة يتوارثها أهالي الإقليم لتحذير الأجيال القادمة من خيانة الوطن في المناسبات الوطنية والمتاجرة بالبشر والسقوط في قاع الرذيلة. صار الآباء يضربون به المثل قائلين لكل طامع: "إياك أن تكون بوعديس جديدا، فعملة الإقليم المزيفة لا تشتري سوى الخزي والعار".
والطرد لم يقف عند بوعديس، فمنذ أعلنت البراءة القبلية، انفتح باب مطاردة واسع طال كل متسول طعام ومتملق يحاول التسلل خلف الوفود الأجنبية أو الولائم السياسية والخدمات الرخيصة. صارت أروقة المؤسسات تمارس رقابة شعبية صارمة تفضح كل وجه باهت، وبات الطرد المهين المصير المحتوم لكل من تسول له نفسه الارتزاق على كرامة الوطن، لتظل لعنة العملة المزيفة تلاحق المتسللين أينما حلوا وارتحلوا. وفي المساء، في المقاطعة ذاتها، كان شاب جديد يقف قرب البوابة الخلفية للقاعة المكيفة، يضبط ربطة عنقه، وينتظر وصول سيارة الوالي متقدما بخطوة صغيرة نحو مكان الدسم.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دقات الساعة لم تعد ذات قيمة
- نبيل المنشار ومملكة الحواجب المعقودة
- الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية
- سمفونية النهيق في مواجهة عقم الكراسي
- رحلة عباس هاجوج الاخيرة
- شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
- إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
- مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
- طرقات على الجلد الميت
- أمير الدبابير وراعي الدودة
- دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
- أنفاس الياسمين المتمردة
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين


المزيد.....




- مكسيم غوركي في نيويورك.. من حفاوة الاستقبال إلى طرده من الفن ...
- إنزال الروبوت إلى فرن من الفولاذ المنصهر.. تجربة مستوحاة من ...
- -القرار بيد البشر-.. الجيش الإسرائيلي يرد على فيلم -نازا- وي ...
- عودة تماثيل -أبو الهول- التاريخية إلى الجسر المصري في بطرسبو ...
- اقرأ واملأ جيبك وعقلك!.. سنغافورة تدفع لمواطنيها مقابل 15 دق ...
- حزب محافظ يتهم مهرجان زيورخ السينمائي بالمبالغة في انتقاد إس ...
- سؤال برلماني بشأن تصريحات مدير الأوبرا واعتذار عدد من الفنان ...
- جيش الاحتلال الإسرائيلي يهاجم فيلم نازا ويحاول التنصل من جرا ...
- -استقالة رئيس الأوبرا المصرية وانسحاب الفنانين-.. تصريح عن - ...
- تولستوي في صدارة الكتب الأكثر مبيعا في البرازيل بفضل لاعب كر ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الحاج بوعديس نبيذ الذل في كؤوس الظلال