أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - إعادة تَدْوير الرأسمالية باسم - الطاقة النّظيفة - و -الإقتصاد الأخضر-















المزيد.....



إعادة تَدْوير الرأسمالية باسم - الطاقة النّظيفة - و -الإقتصاد الأخضر-


الطاهر المعز

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 12:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ابتكَرَ الإقتصادي النّمساوي جوزيف شومبيتر (1883-1950) نظرية "التدمير الإبداعي" ( creative destruction ) التي تنطبق على استبدال الطاقة الأحفورية بالطاقة النظيفة، أي إن الاستثمارات في ما يسمى بالطاقات المتجددة يجب أن تؤدي حتما إلى خفض استخدام المحروقات ( الهيدروكربونات ) وخفض الانبعاثات، وهو القاسم المًشترك للبرامج المُعْلَنَة والمدعومة سياسيا وماليا على مدى العقود الثلاثة الماضية، والتي رَوّجت لها المؤتمرات الدولية التي تُشير عناوينها إلى تشجيع التنوع البيولوجي للحَدّ من الكارثة البيئية، لكن اتّضح إن الجهود المبذولة في مجال مصادر الطاقة المتجددة غير كافية، ولا تمنع تدهور البيئة، رغم ارتفاع حصة الطاقة المتجددة من 3,13 % من الإنتاج الإجمالي للطاقة سنة 1990 إلى 8,59 % سنة 2025، أو بارتفاع قدره 2,75 مرة خلال خمسة وثلاثين عاماً، لأن زيادة الإستهلاك تفوق زيادة إنتاج الطاقات المتجددة أو النظيفة، وتتصدّر الصين قائمة الدّول التي استثمرت في الطاقة المتجددة أو النظيفة، حيث زادت حصة مصادر الطاقة المتجددة خلال نفس الفترة من 1,66% إلى 9,19 % أي بزيادة 5,5 مرات، فيما بلغ متوسط إنتاج الطاقة المتجددة في البلدان ذات الدخل المرتفع نحو ثمانية بالمائة…
تُشير بيانات وكالة الطاقة الدولية، إلى ارتفاع حصة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي بمقدار 2,5 نقطة بين سَنَتَيْ 2000 و2023، بينما انخفضت حصة الهيدروكربونات بمقدار 0,4 نقطة مائوية، وفي المُقابل بلغت انبعاثات غازات الدفيئة أرقاما قياسية، بسبب ارتفاع استهلاك الطاقة الذي غَمَر ارتفاع حصة الطاقات المتجددة، فقد تم إطلاق 38,6 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سنة 2024، أي 1,7 مرة أكثر مما كانت عليه سنة 1990، ومن المتوقع أن يكون مستوى هذه الانبعاثات سنة 2030 أعلى بمرتين تقريباً من المستوى المطلوب للحد من الاحترار العالمي إلى + 1,5 درجة مائوية مقارنة بعصر ما قبل الصناعة (1850-1900) المنصوص عليه في الاتفاقات الدولية، مما يُقرّب أَجَلَ حدوث الكارثة البيئية…

قراءة نقدية لورقة عمل صندوق النقد الدولي بشأن الطاقة والمناخ
دشّن صندوق النقد الدولي حقبة جديدة خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين، حين احتدّت أزمة ديون البلدان الفقيرة ومتوسطة الدخل، ليَحْتَلّ الصندوق مكانة مركزية في آليات هيمنة رأس المال المالي العابر للحدود، وتحويل الدُّيُون المَشْرُوطَة إلى أداة إخضاع اقتصادات بلدان "الأَطْراف" وتَيْسير هيمنة الشركات العابرة للقارات على موارد هذه البلدان من خلال فَرْض شروط مُجْحفة، مقابل الدُّيُون كإلغاء دعم السّلع والخدمات الأساسية وتحرير الأسعار والخصخصة والتقشف، بهدف ضمان استمرار الهيمنة الإمبريالية والدّوَل المُتحَكّمة في الصندوق، وزيادة أرباح رأس المال، لذا، فإن التقارير التي ينشرها صندوق النقد الدولي لا تُمَثّل جَرْدًا أو تقييمًا مُحايدًا للوضع الإقتصادي الدّولي أو الإقليمي أو الوطني المحلي، بل تُعبّر عن تشخيص طبقي للوضع الإقتصادي، ذي هَدَف مُحَدّد يتمثل إعادة هيكلة تبعية دول الأطراف لرأس المال المالي الدولي، في المراكز الإمبريالية، ويُقدّم خبراء صندوق النقد الدّولي الذين يُعدّون هذه التقارير توصيات ( هي في الواقع أوامر مُلْزمَة) تتضمن آليات "إصلاح الإقتصاد بهدف ضمان الإستقرار" وتهدف هذه التوصيات تأبيد التّبَعية وإخضاع اقتصاد البُلدان المُقتَرضة ومواردها لمصالح لمطالب رأس المال العابر للحدود، غير إن صندوق النقد الدولي ينشر أحيانا بُحُوثًا ودراسات "مُسْتَقلّة" يُعدّها خُبَراؤه وهي غير مُلْزمة للصندوق، لكنه ينشرها على موقعه الإلكتروني.
نشرت دائرة الأسواق النقدية ورأس المال لصندوق النقد الدولي دراسة بعنوان "مفارقة جيفونز المعممة ومستقبل الطاقة" من إعداد وليام عمان وإتيان إسباني وجان بابتيست فريسو - بتاريخ 24 تموز/يوليو 2026
The Generalized Jevons Paradox and the Future of Energy Prepared by William Oman, Etienne Espagne, and Jean-Baptiste Fressoz
اعتاد صندوق النقد الدّولي على نَشْر تقريرَيْن نصف سنَويَّيْن نهاية آذار/مارس وأيلول/سبتمبر وتقارير فَصْلية، كما يَنْشُرُ دراسات ووثائق صادرة عن قسم البحوث، قد يتعارض محتواها مع برامج وممارسات نفس الصندوق، وفي وقت مبكر من سنة 2016، شكك باحثو الصندوق في أسطورة نجاح الإصلاحات النيوليبرالية، ونَسَفَ مقالٌ نُشر سنة 2022، إحدى ركائز السياسات الاقتصادية : "حلقة الأجور السّعرية"  وكثيرا ما لا يكون لهذه الدراسات والبحوث أي تأثير على سياسات الصندوق.
في مجال الطاقات "النظيفة" أو "المُتَجَدّدة"، نشر صندوق النقد الدّولي ( كانون الأول/ديسمبر 2022) دراسة بعنوان "فُرَص النّمُوّ الأخضر" بتوقيع ريكاردو هوسمان، مؤسس ومدير مختبر النمو في جامعة هارفارد، ويتلخص محتوى الدّراسة في إبْراز مسؤولية البلدان الغنية والشركات العابرة للقارات عن انبعاثات غازات الإحتباس الحراري، والمُساهمة الضّئيلة جدا لما تُسمّى "الاقتصادات النامية" التي تعاني من العديد من المشكلات التي تُسَبّبها نفس الأطراف "الغربية" ( الإمبريالية) مثل نهب ثرواتها وحالة عدم الاستقرار الاقتصادي والتضخم والدّيُون والعجز عن تمويل الخدمات العامة، ولا يشكل خفض الانبعاثات أولويةً لها، ولو تمكنت البلدان الفقيرة ومتوسطة الدّخل من خفض الإنبعاثات لما كان لذلك تأثير كبير على المناخ، إذا لمْ تَحُدّ الدّوَل الغنية وشركاتها العابرة للقارّات من الانبعاثات لمَنْع حدوث كارثة مناخية، مع الإشارة إلى الإستثمارات الكبيرة التي يتطلبها خفض الإنبعاثات، فضلا عن الإستثمار في مجالات جديدة منخفضة الكربون كالطاقة النظيفة والتكنولوجيات التي توفر الطاقة، وهي التكنولوجيات التي تتحكم بها الدّول الغنية وشركاتها العابرة للحُدُود...
يُمثّل استهلاك الطاقة أكثر من 70% من الانبعاثات العالمية، ولذا فإننا بحاجة إلى استخدام الكهرباء لتشغيل الآلات والتجهيزات بدل الوقود الأحفوري، لخفض انبعاثات الكربون، وكذلك توليد الكهرباء من مصادر خضراء مثل الرياح والشمس والمياه، ويتطلب ذلك أعدادًا هائلة من الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والكابلات الكهربائية والمكثفات، بالإضافة إلى آليات لتخزين الطاقة، مثل بطاريات الليثيوم، فَضْلاً عن الحاجة إلى مُحللات كهربائية وخلايا وقود لتحويل الكهرباء إلى هيدروجين والعكس، وتتطلب جميع هذه المنتجات كميات كبيرة من المعادن والعناصر الأرضية النادرة، وطَفْرة تعدينية لمضاعفة إنتاج هذه المعادن عدة أضعاف بهدف بلوغ الانبعاثات مستوى الصفر الصافي، ويندرج التعدين ضمن الصناعات ذات الاستهلاك الكبير للطاقة والمياه، مما يُحَتّم استخدام الطاقة الخضراء في التعدين والبحث عن نقاط التّوازن بين الإستثمار في استخراج المعادن، والحفاظ على البيئة وصحة السكان، وإدارة المخاطر وتَضَارُب المَصَالح، ما يُحتّم البحث عن سبل استخدام الطاقة الكهربائية النظيفة في قطاع الصناعة التحويلية وإقامة مصانع لإنتاج بطاريات الليثيوم أيون في البلدان المنتجة لهذا المعدن الخام مثل بوليفيا أو الكونغو، بدل إقامتها في الصين وأوروبا والولايات المتحدة، ويتطلب ذلك اكتساب التكنولوجيا والقدرات الضرورية لتحويل المواد الخام إلى مواد مُصنّعَة ذات قيمة زائدة عالية…

عوائق الإستثمار في الطاقات النظيفة :
هناك عوامل طبيعية إيجابية غير مُسْتَغَلّة، حيث تُسْتخرج نسبة هامة للطاقات "النّظيفة" أو "الخَضْراء" من الشمس والرياح التي تُشْرق أو تهب في كثير من البلدان الفقيرة، لكن الشركات العابرة للقارات تستغل هذه العوامل الطبيعية لإنتاج الطاقة بغرض تصديرها إلى البلدان الغنية، فلا تستفيد شعوب البلدان الفقيرة من مواردها الطبيعية كالمعادن أو الشمس والرياح.
تحتوي المحروقات كالنفط والفحم على نسبة كبيرة من الطاقة التي يمكن استغلالها، وهي رخيصة الإنتاج والشّحْن ولذلك تهافتت الشركات العابرة للقارات على استغلالها ونهب احتياطيات البلدان المنتجة لها، بينما تعترض البلدان المنتجة للغاز الطبيعي صعوبات بسبب ارتفاع تكلفة التسييل والنقل، بينما لا يصل إنتاج الطاقة الشمسية إلى عشرين دولارا للميغاواط/ساعة في بعض البلدان قليلة السُّحُب والأمطار، وتتمثل عوائق إنتاج الطاقة الشمسية في البلدان ذات المستويات المرتفعة من السطوع الشمسي في تخزين ونَقْل الطاقة الشمسية، مما يرفع من تكلفتها ( حوالي ستة أضعاف ثمن الطاقة المُستخرجة من الوقود الأحفوري) ويتطلب استخدام الطاقة المتجددة في أماكن إنتاجها استثمارات في المعدات، لا تقدر الدول الفقيرة على توفيرها، رغم مجانية المواد الأولية كالشمس والرياح ومياه الأمطار، في المناطق الإستوائية، على سبيل المثال، فيما تتعرض البلدان ذات المخزون الكبير من النفط والغاز والمعادن اللازمة للتحول الأخضر، مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس والألومنيوم والنيكل للإحتلال والهيمنة الإمبريالية، ولذلك فإن الدُّوَل الإمبريالية وشركاتها استثمرت في استغلال الطاقة الشمسية في بلدان "الجنوب" ( الشركات الأوروبية في صحراء المغرب العربي ومصر، على سبيل المثال) لتستفيد من الطاقة الرخيصة وتنهب المياه الجوفية لهذه البلدان وتُلوّث مُحيطها بالمواد الكيماوية التي تُستَخْدَم لغسل الألواح الشمسية، فيصبح 1 ميغاواط/ساعة من الطاقة الشمسية أو من طاقة الرياح أرخص من 1 ميغاواط/ساعة من الوقود الأحفوري ويتم تصدير هذه الطاقة الرّخيصة حَصْرًا إلى الدّوَل الغنية التي استثمرت في البحث العلمي والتقني والإبتكار والتطوير، وامتلكت براءات الإختراع وطَوّرت التكنولوجيا التي تُمَكّنُها من استخدام الطاقة النظيفة والرخيصة وخفض تكاليف إنتاج الطاقة والسّلع وتكلفة النّقْل ومن الوصول بالانبعاثات إلى مستوى الصفر الصافي، كما أنْشأَت الدول الإمبريالية وشركاتها سوقًا لاحتجاز الكربون بأسعار زهيدة في البلدان غير الصناعية، لتبرير إزالة الأشجار وتدْمير الغابات لاستخدام الأرض لتربية الأبقار، بدل زيادة حجم التّشْجير ومساحة الغابات، لأن تربية المواشي تحقق أرباحا أكبر.

مكانة الطاقة في الإقتصاد الشُّمُولي ( أو الكُلّي)
لا يُجادل أحد في أهمية وضرورة الطاقة والمواد الأولية لنمو الإقتصاد، ولتأثيرات استخدام الطاقة على الاقتصاد الكلي والبيئة، وسبق أن حدّد ما سُمّي "اتفاق باريس للمناخ" سنة 2015 أهدافًا لم يتم تحقيها…
تنطلق ورقة خُبراء صندوق النقد الدولي من فَرَضيّتَيْن أو مُسَلّمَتَيْن ( Postulate ) اعتبرهما محررو الورقة "حقيقتين مُنَمَّقَتَيْن تربطان بين هذه الملاحظات"، وهما :
أولاً، يتميز الاقتصاد العالمي بانبعاثات ومواد كبيرة مدمجة: فالطاقات والمواد المختلفة متشابكة ومترابطة بعمق، وقد أدى ذلك تاريخيا إلى ديناميات مُضافَة، بدلا من الإستعاضة، في الطاقة والمواد على نطاق عالمي.
ثانيا، كان هناك تاريخيا ارتباط إيجابي قوي بين الكفاءة في استخدام الموارد والاستخدام الكلي للموارد على نطاق عالمي.
قام خُبَراء صندوق النقد الدّولي بتجميع هذه الملاحظات من خلال تقديم مفارقة جيفونز المعمم (GJP) باعتبارها تعكس الآثار المباشرة وغير المباشرة لطلب الطاقة والمواد من الترابط بينهما ( الطاقة والمواد ) على المدى الطويل، والتي يشكلها الوضع الإقتصادي والسياسي الدّولي ووَضْع السوق، فضلا عن الترتيبات التجارية والعوامل المالية.
مفارقة جيفونز ( ويليام ستانلي جيفونز 1835 - 1882 ) هي ظاهرة تبرهن على أن تحسين الكفاءة التكنولوجية يؤدي في كثير من الأحيان إلى زيادة شاملة في الطلب على الموارد المعنية.
تنبه مفارقة جيفونز المعمم (GJP) إلى العوامل التي يجب أخْذُها بعيْن الإعتبار، مثل السيناريوهات المستقبلية التي قد تختلف عن البيانات التاريخية، بسبب اختلاف اتجاهات السكان والنمو، وتدعو مفارقة جيفونز المعمم (GJP) إلى توخي الحذر في إسقاط تدفقات الطاقة والمواد ضمن إطار انتقال الطاقة، حيث تشير إلى أن انخفاض حصة الوقود الأحفوري في استهلاك الطاقة الأولية يمكن أن يتعايش مع ارتفاع إجمالي الاستهلاك الأحفوري، وبالتالي ارتفاع الانبعاثات العالمية، وهو ما تمت ملاحظته منذ العام 2012، وتسلط خطة العمل العالمية الضوء على أهمية السياسات الرامية إلى تخصيص تدفقات الطاقة والمواد بشكل أفضل عبر القطاعات والبلدان والحد من نقاط الضعف في سلسلة التوريد، ولكنها تثير تساؤلات عديدة بشأن التوزيع والاقتصاد السياسي، وتحدد الورقة – استنادا إلى خطة العمل المذكورة - ثلاثة مجالات للبحث: التحليل المفصل لدور المواد في نقاط الضعف في سلسلة التوريد؛ والاقتصاد السياسي لتدفقات المواد؛ وتحليل الرفاه متعدد الأبعاد في سيناريوهات إزالة الكربون.
تم نَشْر هذه الورقة خلال صَيْف سنة 2026، حيث شهد العالم موجة حر استثنائية، ويعترف مُحررو الورقة بأن موجة الحر ناتجة عن "التغيير المناخي وسوء إدارة الكارثة البيئية التي اتضحت معالمها منذ أكثر من ثلاثة عُقُود ( منذ أوائل تسعينات القرن العشرين)، واكتفت الدول والشركات الكبرى والقادة السياسيون في العالم بتقديم مشروع يستند إلى مفهوم الانتقال الإيكولوجي، دون إعداد خطط عملية لتحقيق هذا الإنتقال الإيكولوجي"، وتُعتبر هذه الاستراتيجية نتاج عصرها، بل هي استجابة اقتصادية لمشكلة مادية، وبناءً على النظريات الاقتصادية العصرية، فإنه يتوقع أن الابتكار في الطاقة النظيفة التي تنبعث منها غازات الدفيئة المنخفضة، سيفرض في نهاية المطاف معياراً جديداً بفضل انخفاض الأسعار النسبية للطاقات "الخضراء" في مواجهة الطاقات "البنينية" القائمة على المحروقات.
تدرس الورقة البحثية ( ورقة العمل) التي نَشَرَها موقع صندوق النقد الدّولي ( يوم 24 تموز/يوليو 2026 ) هذه المفارقة بين تطبيق استراتيجية الانتقال البيئي وتَسَارُع الفوضى المناخية، وتُعتبر بعض منشورات القسم البحثي لصندوق النقد الدولي متعارضة مع السياسات والشروط التي يفرضها الصندوق، وعلى سبيل الذّكر فإن باحثي الصندوق شككوا منذ سنة 2016 في أسطورة نجاح الإصلاحات النيوليبرالية، ونَسَفَ مقال نُشر سنة 2022، أحد ركائز السياسات الاقتصادية : "حلقة الأجور السّعرية"، وكثيرا ما لا يكون لهذه البُحوث والدّراسات أي تأثير على السياسات والتّوَجُّهات الفعليّة للصندوق.
أما بخصوص هذه الدّراسة فإن المقال، الذي حرّرّهُ ووَقَّعَهُ ثلاثة باحثين فرنسيين يشكك في صلابة الإجماع القائم على "الانتقال البيئي" « transition écologique » تناول إلى حد كبير الأطروحة التي وضعها أحد المُوَقّعين ( جان بابتيست فريسو ) سنة 2024 بشأن "مرحلة جديدة من الإنتقال إلى الطاقات المتجددة"، ويتحدى النص فكرة استبدال الطاقات، وأَظْهَرَ، استنادا إلى البيانات والوثائق أن تكنولوجيات الطاقة الجديدة ( والمُتَجَدّدة)، وإن كانت أكثر كفاءة، لا تؤدي إلى دينامية الاستبدال، بل إلى دينامية تراكم استهلاك الموارد، مما يُذَكّرُنا بمفارقة جيفونز المعمم (GJP)، حيث استمرت زيادة استخدام الخشب بعد ظهور الفحم كمصدر رئيسي للطاقة ولم ينخفض استخدامه بعد اكتشاف النفط، وبالتالي فإن أي ابتكار جديد يؤدي إلى إضافة جديدة لمصادر الطاقة بدلا من استبدالها، وهذا ما نراه في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، حيث "تُظْهر الأدلة التاريخية وجود علاقة إيجابية قوية بين كفاءة الطاقة والمواد والبصمة الإجمالية للطاقة والمواد"، وفق المقال، وبعبارة أخرى: كلما قل المَوْرد الذي تتطلبه عملية الإنتاج وكلما زاد إنتاجه، مما يؤدي إلى زيادة مُطْلَقة في استخدام الموارد، وهو ما سُمّيَ "تأثير الارتداد" أو "تأثير جيفون"، الذي سمي على اسم الاقتصادي البريطاني ستانلي جيفونز (1835-1882) الذي حدد لأول مرة ما بدا له على أنه مفارقة، ولذلك فإن منطق الحصة السوقية يخفي الواقع الذي يهم أزمة الطاقة: منطق الاستخدام العالمي المطلق للموارد.
المآزق النّظَرية والواقعية للإنتقال الإيكولوجي
تناول مؤلفو التقرير ما أسْمَوْهُ : الامتداد التكنولوجي" (أو "الزحف البلطجي")، ويؤكّدُون: "لا تؤدي مكاسب الكفاءة إلى تعزيز استخدام التكنولوجيا فحسب، بل أيضًا إلى تطبيقها على التقنيات الأخرى، مما يسمح بإنشاء منتجات جديدة"، ويُوردُون مثال المحرك الكهربائي الذي تم تعميم استخدامه ، في بداية العشرين، كبديل للمحرك البخاري الذي تم استبداله تدريجياً بفضل تصغير وتطوير البطاريات، وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قدر المؤلفون أن هذه الطاقات المتجددة قد تمثل نحو 45% من الكهرباء المستهلكة، مما يُبشّر بانخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بشكل يماثل بدايات الإستخدم الصناعي للمحركات البخارية، غير إن الوقائع تُشير إلى توسيع وزيادة استهلاك الموارد، بسبب زيادة إنتاج السلع والخدمات، وتعزيز سلاسل الإنتاج والترابط اللوجستي وزيادة الحاجة إلى الطاقة والمنتجات التي تنبعث منها غازات الكربون، وتشير الوقائع كذلك إلى صعوبة تقليل الإنبعاثات الصادرة عن العديد من القطاعات مثل صناعات الصّلب أو البلاستيك أو الأسمدة أو الأسمنت أو الحديد أو التسليح، ومجمل المنتجات والمواد التي ينتشر استخدامها في كل مكان، مما يُعَرْقل عملية الإنتقال البيئي، ففي حين أن مصادر الطاقة المتجددة تنبعث منها كمية أقل بكثير من ثاني أكسيد الكربون، فإن البنية التحتية اللازمة لإزالة الكربون والإنتاجات التي ستستخدم الكربون ستستمر في استهلاك المزيد من الكربون، وبالتالي، يمكن أن يستمر استهلاك الكربون في النمو، وعلى سبيل المثال، مكّن استخدام السيارات الكهربائية، من خَفْض حجم انبعاثات الكربون، لكن تصنيعها يتطلب فولاذاً ومعادن وزجاجاً وبلاستيكاً ومواد مختلفة تحتاج إلى استخراجها، الأمر الذي يتطلب استخداماً هائلاً للأسمنت والموارد الأخرى، خاصة وأن احتياجات الإنتاج غالبا ما تتجاوز المعروض من الطاقات المتجددة، ولذلك غالباً ما يتم مَزْج الطاقات المتجددة بالطاقة البنية، وأصبحت مبيعات السيارات الهجينة تَفُوقُ مبيعات السيارات الكهربائية البحتة، وفي كثير من الأحيان تأتي مولدات الديزل لدعم أساليب الإنتاج المتجددة، وعلى نطاق أوسع، يمكن ملاحظة أن الاحتياجات الجديدة الناشئة عن الذكاء الاصطناعي يتم تلبيتها في آسيا من خلال زيادة استخدام الفحم…
يُلخص معدُّو التقرير الأمر كالتالي "إذا كانت الكهرباء منخفضة الكربون في العقود المقبلة تعمل على تشغيل هيكل منتج يتميز بزيادة إنتاج واستهلاك السيارات والصلب والبلاستيك والزراعة الصناعية على نطاق واسع، كما هو الحال حاليا، فإن الانبعاثات العالمية في أحسن الأحوال سوف تشهد ركودا وسوف يتباطَأُ الاحتباس الحراري في أحسن الأحوال، ولكن لن يتم تخفيضه"، مما يُعزّز فرضية صعوبة الإنتقال البيئي السّريع، وما يُعزز نظريات المُشكّكين في حصول الكارثة البيئية، وفي مقدّمتهم المُدافعون عن الفكر الاقتصادي الرأسمالي الأرثوذكسي).
يُسلط مُؤلّفو البحث الضوء على أَوْجُه الترابط بين إنتاج واستخدام الطاقة، والهياكل المادية للاقتصاد، مما يُتيح فهم "الآثار المباشرة وغير المباشرة للطلب على الطاقة والترابط طويل الأجل في مجال الطاقة والمواد"، وبالتالي تعديل الرؤية الكلاسيكية لمفارقة جيفونز من خلال دمج ظروف الإنتاج والظروف المؤسسية والاجتماعية، أو ما يمكن تسميته "التأثير الارتدادي الشامل" والتركيز على محددات الاستثمار التي تتحكم بها الشركات متعددة الجنسيات والدول والمؤسسات المالية، لضمان مستوى عالٍ من الربحية، حيث لا تزال الطاقة الأحفورية أكثر ربحية من الطاقات المتجددة، وتعمل شركات النفط والغاز على تأبيد مواقع هيمنتها في الأسواق، بدعم من أجهزة الدّولة في البلدان الرأسمالية المتقدمة ( الدّول الإمبريالية بشكل أساسي) التي تفرض اتفاقيات التجارة غير العادلة والتبادل غير المتكافئ بواسطة التشريعات أو التمويل أو القوة العسكرية.

"النمو الأخضر"
يعتمد الإقتصاد الرأسمالي، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو اليابان أو الصين، على قوة تراكم رأس المال، وفي مجال الطاقة، كما في أي مجال آخر، لا يستثمر الرأسماليون في إنتاج أي سلعة جديدة إلاّ إذا كانت قادرة على خلق قيمة مضافة تضمن زيادة ربحية رأس المال، ويؤدّي تصنيع أي سلعة جديدة ( السيارات الكهربائية أو بطاريات الليثيوم أو الروبوتات…) حتما إلى زيادة في استهلاك الطاقة والمواد، مما يُؤَكّد التناقض الجذري بين الحاجة المتزايدة باستمرار إلى السلع الأساسية والضرورة المادية للبقاء ضمن حدود الكوكب، ولا يمكن للمجتمع الرأسمالي حل هذا التناقض بين ضرورة تغيير نمط الإستهلاك ( وحصول كل شخص على كفايته من الإحتياجات التي تُمكّنه من العيش بكرامة) بهدف المحافظة على البيئة السليمة وضرورة زيادة الأرباح، ولا تزال قاعدة تراكم رأس المال تحدد علاقتنا بالبيئة.

البيئة حصان طروادة؟
تكمن أهمية هذه المقالة المَنْشُورة بموقع صندوق النقد الدولي في طرح مؤلفيها مجموعة من الأسئلة من داخل أكبر مؤسسة مالية دولية تُعتبَر واحدة من أهم أدوات الإستعمار الجديد، وتربط مسألة الطاقة بالسياسة الاقتصادية وتدفن أوهام الانتقال البيئي والتحول التكنولوجي، حتى لو لم تغير مثل هذه الدراسات والبحوث سياسات الصندوق نفسه، كما تكمن أهمية هذه الدّراسة في تاريخ نشرها حيث ارتفعت درجات الحرارة بشكل قياسي، ارتباطا بالتغير المناخي، وحيث يستمر البعض ( وفي مقدّمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) في إنكار التغير المناخي ودور شركات المحروقات والطاقة والصناعات الكيماوية وغيرها في تدمير البيئة، وحيث يهدد الذكاء الاصطناعي بزيادة تفاقم الوضع، بينما يُقَدّم البعض الآخر الاقتصاد الأخضر كحل سحري لإنقاذ كوكب الأرض من الكوارث البيئية، لكن يبدو أنّ زيادة الحديث حول الاستدامة والنمو الأخضر لا تتجاوز الوعود البَرّاقَة، فالترويج للإصلاحات أو التغييرات البيئية الكبرى، والوعود البَرّاقة بتحقيق توازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، قد تخفي وراءها العديد من التحديات والتناقضات، وكلما تزايدَ التركيز المكثف على الطاقة المتجددة والتقنيات الخضراء، تتزايد الأسئلة حول مدى جدية هذه الوعود ومدى إمكانية تحقيقها في ظل الهيمنة الإمبريالية وأدواتها المالية ( المصارف الكبرى والمؤسسات المالية الدّولية) وشركاتها العابرة للقارات، وفي مقدمتها شركات استخراج وبيْع المحروقات…
أصدر البنك العالمي تقريرًا يسلط الضوء على تكلفة التحول الكامل إلى الطاقة النظيفة التي قد تصل إلى خَمْس تريليونات دولار سنوياً حتى سنة 2030، وبينما يتم الترويج ل"الإقتصاد الأخضر" كحل للمشاكل الإقتصادية والبيئية، تُعاني العديد من الدول من ارتفاع حجم الدّيُون الخارجية، ومن أزمات مالية خانقة، وإذا ما تم فَرْض استخدام الطاقات المتجددة بتكاليف مرتفعة يتم جَمعها عبر قروض خارجية جديدة، فإن تطبيق "الإقتصاد الأخضر" بهذه الصورة قد يتسبب في أزمة مالية جديدة بدلاً من حل الأزمات الحالية، لأن الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر يتطلب استخدام مواد نادرة مثل الليثيوم والكوبالت التي يتطلب استخراجها وتصفيتها استثمارات ضخمة، ويؤدي استخراجها إلى تدمير البيئة، ونشرت صحيفة «The Guardian» تقريرا عن التدمير البيئي الخطير الناجم عن عمليات التعدين في مناطق مثل الكونغو، حيث يتم استغلال الموارد بطريقة تسبب أضراراً بيئية واجتماعية كبيرة. بدلاً من تقديم حلول جذرية، ويبدو أنّ هذه التقنية قد تزيد من المشاكل البيئية التي تسعى إلى معالجتها، غير إن دراسات أخرى تُشير إلى ضرورة إدماج إعادة التدوير ضمن برامج "الإقتصاد الأخضر"، ونشر موقع «National Geographic» دراسة تشير إلى أنّ 90% من النفايات الإلكترونية تُرسل إلى الدول النامية حيث يتم التعامل معها بطرق ضارة بالبيئة وصحة الإنسان، مما يؤكد مشروعية التساؤل التالي : هل يمكن أن تكون إعادة التدوير مجرد خدعة إشهارية أكثر منها حلاً فعلياً للأزمة البيئية؟ أما الخدعة الأخرى فتتمثل في استفادة الشركات الكُبرى من الحوافز البيئية، وتقدم أرقاماً مضللة حول نجاحاتها الوَهْمية في إعادة التدوير، وفق ما أظهره تقرير المفوضية الأوروبية الذي أكّدَ إن هذه الشركات تعرض نفسها كمُحسن بيئي بينما يُشير الواقع إلى أنّ الأثر البيئي الحقيقي أقل بكثير مما يُعلن عنه، فضلا عن الحوافز البيئية التي تقدمها الحكومات من المال العام، مما يجعل المواطنين يُصدّقون "الوهم الأخضر" الذي لا تستفيد منه سوى الشركات الكبرى لتحقيق مكاسب مالية إضافية، كما يمكن ل"الإقتصاد الأخضر" أن يتسبب في توسيع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، حيث تستفيد الدول المتقدمة من التقنيات الخضراء، بينما تواجه البلدان النامية صعوبات كبيرة في تحمل تكاليف هذا التحول، وأظْهَر تقرير المنتدى الإقتصادي العالمي «World Economic Forum» كيف يمكن أن تؤدي هذه الفجوة إلى تعميق الفروقات الاقتصادية بدلاً من تقليصها، مما يحوّل الصيغة الحالية للإقتصاد الأخضر إلى أداة جديدة لتعزيز رفاهية الأقلية على حساب الأغلبية التي تعاني الأزمات متعددة الأوْجُه، ولن تتم معالجة مسائل الفقر والفوارق المجحفة، بدون إعادة النظر في بنية الاقتصاد العالمي القائم على مبادئ المنافسة والربح والإستغلال والإضطهاد، وبناء اقتصاد يخلق الوظائف اللائقة ليتمكن الناس من العيش بكرامة، بدل تبديد المال العام، وإعفاء الشركات الكبرى من الضرائب ومن المساهمة في تمويل صناديق الحماية الإجتماعية ومنح هذه الشركات حوافز مادية لإنجاز التحول البيئي ضمن اقتصاد السوق وليس ضمن برنامج بديل لهذا الإقتصاد الذي تقوده القوى الرأسمالية الكبرى القائمة على قيَم المنافسة والرّبح، والإستهتار بحقوق العُمّال وحقوق الإنسان بشكل عام، ويضل السؤال المطروح : من يتحمل تكلفة الحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري الذي تتحَمَّلُ الدول الرأسمالية الكُبرى وشركاتها العابرة للقارات مسؤوليته الكاملة، والمُقدّر بنحو مائة مليار دولارا سنويا سنة 2020؟

إعادة هيكلة الرّأسمالية باسم البيئة و"الإقتصاد الأخضر"
تُعتَبَر مسألة تغيّر المناخ "كلمة حق أُريدَ بها باطل"، حيث تم استغلالها لإعادة رسم خارطة الاقتصاد العالمي، وتعميق الشّرْخ بين "الشمال" ( البلدان الرّأسمالية المتطورة) حيث تتركز النسبة الهامة من الثروات والإستثمارات، من جهة و "الجنوب" ( البلدان الفقيرة ومتوسطة الدّخل) حيث يتم تهريب الثروة ( نحو "الشمال") لتزداد الخسائر والفقر والبطالة…
يقدّم كتاب "خطوط الصدع المناخي: الاقتصاد السياسي الجديد لعالم يزداد احتراراً" (منشورات جامعة برينستون، 2026)، للباحثين ألكسندر من تأليف ألكسندر غازماراريان وهيلين ميلنر ( Climate Fault Lines – The new political economy of a warming world - ) عَرْضًا أو تحليلاً تاريخيا للتحولات الإقتصادية والسياسية الدّولية التي ساهمت أزمة المناخ في حدوثها وفي إعادة رَسْم خارطة العلاقات الدّولية وما تتضمنه من توسّع نفوذ رأس المال ومن صراعات وسيطرة على الأرض والموارد وإعادة توزيع النفوذ الإقتصادي والسياسي الدّولي الذي يُعَمّق فجوة التفاوت الطبقي داخليا وبين البلدان، ويُؤَكّد مُؤَلّفا الكتاب على مسؤولية النشاط البَشَري في تدهور البيئة الذي يُهدّد الفلاحة التقليدية وحياة مئات الملايين من البشر والعديد من البلدان الفقيرة التي استقبلت على أراضيها الصناعات المُلَوّثة والزراعات الكُبرى التي تستخدم أطنان المبيدات والمواد الكيماوية السّامّة، ما عَمَّقَ الهُوّة بين بُلدان المركز ( البُلدان الإستعمارية) وبُلدان المُحيط أو الأطراف ( البلدان الواقعة تحت الإستعمار المباشر وغير المباشر)، وهو ما أطلق عليه المُؤَلّفان "خَطّ الصّدع المناخي بين الشمال والجنوب"، حيث تستفيد الدّول الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات من تدهور البيئة والمناخ لزيادة أرباحها الصافية بفضل نَهب موارد دُول "الجنوب العالمي" واستغلال القوى العاملة والإستحواذ على الأرض والمعادن للقضاء على القطاعات الإنتاجية ( الزراعة والصناعة) ببلدان الجنوب، وتهريب الأرباح إلى بلدان "المَرْكَز"، فيما تُعاني العديد من بلدان الجنوب في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية من الكوارث الطبيعية كالجفاف والحرّ الشّديد، ومن العواصف والفيضانات التي تُؤَدّي إلى إتلاف المباني والأراضي الزراعية والمواشي وتَضُرُّ بالبنية التحتية ( سكك الحديد والطرقات والجُسُور…) ونادرًا ما تدعم الدّوَل الإمبريالية عمليات إعادة الإعمار. أما الشركات العابرة للقارات فإن اهتمامها مُنْصَبٌّ على ظيم أرباحها، وتستخدم خطاب "التّدْوير والإستدامة وتحسين البيئة والاقتصاد الأخضر والتّكَيُّف" لحماية مصالحها واستثماراتها وأرباحها.

الخلاصة
يُمكن تلخيص مفهوم الاقتصاد الأخضر في الدّعْوة لانتهاج ممارسات اقتصادية أكثر استدامة وصديقة للبيئة، كأداة لتحقيق التنمية الاقتصادية، غير إن الدول الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات استغلت الحديث عن "الإقتصاد الأخضر" لتحوله إلى مُجرّد لَوْحة دعائية ( أو مَشْهَد إشْهاري) لاستغلال موارد البلدان الفقيرة وتضخيم أرباحها الصافية مع الإستفادة من الدّعم الحكومي باسم "المحافظة على سلامة البيئة وترشيد استهلاك الموارد وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة وخلق وظائف خضراء جديدة… " أما بالنسبة للبلدان الفقيرة فإن برامج "الحفاظ على سلامة البيئة ومكافحة التلوث والتحول نحو الإقتصاد الأخضر" تتطلب استثمارات هائلة ضخمة لا طاقة لها بها، لتطوير البنية التحتية للطاقات المتجددة، وتقنيات التدوير وإدارة المُخَلّفات البيئية، وتدريب وتأهيل العُمال والموظفين، وتطوير قطاعات الطاقة ( الكهرباء) والزراعة والنقل والصناعة والتهيئة العمرانية وغيرها لتتلاءم مع مشاريع الطاقة المتجددة ومع شروط تلبية احتياجات المواطنين وتوفير الوظائف والحد من الفقر.
ادّعى الإعلام الرّأسمالي إن الطاقة النظيفة والمتجددة هي أداة ضرورية للحَدّ من أزمة البيئة والمناخ، لكن هذا الإعلام المملوك للشركات العابرة للقارات يقوم بدور وظيفي يتمثل في تحسين صورة هذه الشركات التي اكتسبت سُمْعَةً سيئة، ولا تزال تعتبر السبيل للتخفيف التحول نحو الطاقة النظيفة فُرصةً لزيادة الربح، بذريعة "إنقاذ الكوكب"، واستثمرت نفس هذه الدّوَل والشركات والمصارف الكبرى في مشاريع الطاقة الشمسية الضخمة وطاقة الرياح لاستخراج الطاقة المتجددة في البلدان الفقيرة ( مشاريع أوروبية في المغرب العربي ومصر على سبيل المثال) مما أدّى إلى تدمير المجتمعات والنظم البيئية في تلك المناطق التي لن يتمتع أهلها بالطاقة النظيفة المُستخرجة من منطقتهم، لأنها تُصّدَّرُ مباشرةً إلى أوروبا، كما تتحمل مجتمعات أمريكا الجنوبية وإفريقيا وجنوب المحيط الهادئ النتائج السَلْبية والتكاليف المُرْتفعة لإنتاج الطاقة المتجددة من مناجم النحاس والليثيوم ( لصناعة البطاريات) لتزويد مصانع السيارات الكهربائية والحواسيب والهواتف "الذّكية" ومراكز البيانات في أغنى دول العالم.
لن يُؤَدّي تغيير مصادر الطاقة إلى حل أزمة المناخ، إذا كان استخراج الطاقة "النظيفة" مقترنًا بتدمير الأراضي وتلويث مخزون المياه الجوفية وانهيار التنوع البيولوجي، وبتدمير البيئة من قبَل الشركات الكُبرى والأثرياء، حيث تفوق البصمة الكربونية لبضعة عشرات من المليارديرات قَارّات بأكملها، ولذا فإن الخطاب الرسمي بشأن الطاقات النظيفة يطمس مسؤولية الرأسمالية في تدمير البيئة، والعُنف الذي يتسم به خطاب التحول العالمي إلى الطاقة النظيفة، حيث يُعيد هذا التّحَوّل المَنْشُود في المؤتمرات والخطب الرسمية إعادة تَدْوير النهب الرأسمالي وتقديمه في صورة الخلاص الجماعي الوحيد من كارثة المناخ التي أحدثها جشع الرأسماليين، مما يُحَوّل خطاب إنقاذ البيئة والمناخ إلى ترويج أو دعاية للرأسمالية الخضراء، وعدم التطرق إلى دور رأس المال في تدمير البيئة وتحويل خطاب المحافظة على البيئة وإنقاذ كوكب الأرض إلى مصدر لمضاعفة أرباح رأس المال وتدمير مُحيط وسُبُل عيش وحياة مئات الملايين من البشر الذين يعيشون منذ قُرون في المناطق التي اكتُشفَت بها مناجم النحاس والليثيوم، سواء في البر أو البحر، وحيث أنشأت الشركات الرأسمالية مزارع الرياح والألواح الشمسية، واستفادت من الحوافز والمساعدات المالية المباشرة والإعفاءات الضريبية، بذريعة حث هذه الشركات على الإستثمار والتدريب وتوفير الظروف المناسبة للحصول على شهادات البيئة والانتقال السلس نحو الاقتصاد الأخضر…



#الطاهر_المعز (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل عدم المساواة فطْري أو طبيعي، أم مكتسب؟
- بإيجاز: فلسطين - الإحتلال = مجازر ودمار وخراب
- الولايات المتحدة – هل الرعاية الطبية ترف؟
- المغرب- مسار التطبيع العَلَني
- أيلول في الذّاكرة العربية والأمريكية
- شمال إفريقيا - الدَّوْرُ الوَظيفي للمغرب
- من حلف بغداد إلى اتفاقية مَكّة
- القواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في إفريقيا
- تونس بعد خمس سنوات 25 تموز/يوليو 2021 - 2026
- أوروبا - اختلال التوازن بين رأس المال والعمل
- الرياضة من منظور طَبَقي - كأس العالم 2026 والعنصرية الصريحة
- الحرب التكنولوجية الجزء 2/2
- الحرب التكنولوجية الجزء الأول من جُزْأَيْن
- ثراء فاحش يُقابله فقْر مدقع
- احتكار الثروة واللاّمُساواة 2 / 2
- احتكار الثروة واللامساواة 1 / 2
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 7/7
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 6 /7
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 5 /7
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 4 /7


المزيد.....




- كانت عاصمة أمريكا ليوم واحد.. وبعد 250 عامًا تعود إلى الواجه ...
- مذيع CNN يضغط على نتنياهو بشأن هجمات المستوطنين على الفلسطين ...
- توم باراك يعلق على إعلان انسحاب آخر القوات الأمريكية من العر ...
- نتنياهو يكشف بماذا هاجم طيار فلاي دبي زميله ومصدر يبين مدة ع ...
- الأمن الروسي يعتقل 3 أعضاء آخرين من عصابة باساييف وخطاب
- روبيو يطلب من الوفد الإيراني مغادرة أميركا.. تعثر المفاوضات ...
- السعودية ترفض طائرات إسرائيلية لنقل ركاب فلاي دبي.. وهرتسوغ ...
- ليلة -حرب- في -لاس فيغاس-!
- ساعر: اتفقت مع بن زايد على تعزيز العلاقات والتعاون في مواجهة ...
- ليبيا.. عائشة القذافي تتصدر استطلاع -المرشح الأفضل- في سبتمب ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - إعادة تَدْوير الرأسمالية باسم - الطاقة النّظيفة - و -الإقتصاد الأخضر-