جدعون ليفي
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 16:17
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
مستوطنون عنيفون داهموا أرضًا تملكها عائلة فلسطينية في رأس السنة العبرية، وهاجموا الأب بالعصي ذات المسامير. وعندما هرع أبناؤه لنجدته، أصيب أحدهم بكسر في ساقه، وكسور في أضلاعه، وأضرار في رئتيه.
إنها القصة نفسها، أسبوعًا بعد أسبوع، وقرية بعد قرية، وعائلة بعد عائلة، وجريحًا بعد جريح – وأحيانا قتيلا أيضا.
من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، وعبر طولها وعرضها، يتكرر في هذه الأيام النمط العنيف نفسه من السلوك، بتحريض من سكان أكثر من 200 بؤرة استيطانية جديدة استولت أخيرا على مساحات هائلة من الأراضي الفلسطينية الخاصة. وعندما يحاول الفلسطينيون الدفاع عن أراضيهم، أو مجرد الوصول إليها على أقل تقدير، يهاجمهم المستوطنون, الغزاة بعنف.
هذا الأسبوع، نحن في بيتيلو، الواقعة إلى الغرب من رام الله، والتي يسكنها 5,000 شخص. ومن هنا يمكن رؤية أبراج تل أبيب وهي تلمع في الأفق.
يرقد أمامنا بلا حراك تقريبا, مستلقيا على سرير نُقل إلى غرفة الجلوس في منزله، محمد رضوان، البالغ من العمر 24 عاما، وهو ضابط في قوات الأمن الفلسطينية. محمد رضوان، غير المتزوج، هو أحدث ضحية حتى الآن لعنف المستوطنين في بيتيلو، ومن أسوأ حالاتها.
إحدى ساقيه مضمدة بطولها بالكامل, وهو ينتظر إجراء عملية ثانية لها, واضطر الأطباء إلى إحداث فتحة في صدره لمعالجة الأضرار التي لحقت برئتيه. وبعد أن انهال عليه المستوطنون بالضرب بلا رحمة، حشروا التراب في فمه وخنقوه. ثم غطوه بقطعة من الصفائح المعدنية، ربما لأنهم ظنوا أنه مات.
في أسفل القرية يقع وادي الزرقاء، وهو مشهد آخاذ تنتشر فيه المصاطب الحجرية القديمة بين الحقول والبساتين المزروعة. وتتوزع في الحقول بضعة بيوت زراعية، فيما تنبثق من الأرض ينابيع طبيعية وفيرة.
على التلة المطلة على الوادي من الجهة الأخرى، توجد أربعة مبانٍ جديدة تابعة لبؤرة «أور بنيامين»، التي لم تجلب، رغم اسمها, «نور بنيامين», سوى الظلام والكارثة إلى الوادي ومزارعيه المحليين. ويُشار إلى الموقع أيضا باسم «بؤرة بيتيلو»، وهو اسم مناسب، لأنها تحمل اسم القرية التي جرى الاستيلاء بالقوة والعنف على أراضيها.
انقض على محمد مع شقيقه هيثم نحو 15 مستوطنا، وكان أحدهم يضغط مسدسا على رأسه.
كما استولى المستوطنون على أحد البيوت الزراعية الفلسطينية في الوادي وانتقلوا للسكن فيه. وقد هُجرت منشآت أخرى في المنطقة, ووفقا لسكان بيتيلو، نهب المستوطنون محتوياتها قبل فترة. وخلال الأسابيع الأخيرة، لم يجرؤ سكان القرية على الاقتراب من أراضيهم لزراعتها.
استولت بؤرة «أور بنيامين» على التلة الواقعة فوق وادي الزرقاء في 7 يونيو/حزيران، أي قبل أقل من أربعة أشهر، وسيطرت على نحو 500 دونم من الأراضي الواقعة أسفلها. وفي البداية، ظل الفلسطينيون قادرين على الوصول إلى أراضيهم وزراعتها وريّها. لكن الاعتداء الأول لم يتأخر, إذ وقع بعد أيام فقط من ظهور البؤرة.
في تلك المناسبة، هاجم سكان البؤرة مزارعين اثنين وهددوهما قائلين:
«إذا عدتما إلى هنا مرة أخرى، فسوف نذبحكما. هذه المرة تحذير، وفي المرة القادمة ستموتان. من الآن فصاعدا، هذه أرضنا، أعطاها الله لنا, وليست أرضكما».
وتوالت بعد ذلك المزيد من المداهمات للوادي، حيث قطع المستوطنون شبكة الكهرباء عن البيوت الزراعية. وإلى جانب نهب الممتلكات، بدأ المستوطنون يرعون قطعانهم في حقول بيتيلو، فيدمرون المحاصيل. ونظم سكان القرية نوبات حراسة من التلال المقابلة.
قبل شهر، ضرب المستوطنون اثنين من الحراس وأحرقوا سياراتهما. وقبل ثلاثة أسابيع، وصل عشرة مستوطنين ملثمين إلى ملعب كرة القدم المحلي في أطراف القرية, كان أحدهم يحمل بندقية، بينما كان الآخرون يحملون العصي. وسرقوا ألواح الطاقة الشمسية وكاميرات المراقبة. ووفقا للسكان، بلغت قيمة الأضرار نحو 100 ألف شيكل، أي ما يعادل 33 ألف دولار. ومنذ ذلك الحين، يخضع الملعب للحراسة على مدار الساعة، سبعة أيام في الأسبوع.
مفيدة وربحي رضوان هما والدا الشاب الجريح محمد. مفيدة تبلغ 61 عاما، وربحي 65 عاما، ولديهما ثمانية أبناء. يقول ربحي، مستخدما العبرية بطلاقة، إنه «يعمل في وادي الزرقاء»، مستذكرا فترات أخرى كان يعمل فيها مع إسرائيليين.
في 12 سبتمبر/أيلول، أول أيام السنة العبرية الجديدة، استيقظت العائلة كالمعتاد. وكانوا يعتزمون المجازفة بالوصول إلى أرضهم لري محاصيلهم من الخضروات. ومنذ أن اقتلع المستوطنون خطوط الكهرباء هناك، أصبحت العائلة تنقل مولدا كهربائيا إلى الوادي لتشغيل مضخات المياه، ثم تعيده إلى القرية لحمايته.
توجه محمد وشقيقه هيثم، البالغ من العمر 35 عاما، واثنان آخران من أقاربهما إلى الوادي، الذي يبعد نحو أربعة كيلومترات عن منزلهم. وفي نحو الساعة الواحدة ظهرا، اتصل الأبناء بوالدهم وأخبروه بأنه لا يوجد مستوطنون في المنطقة، وقالوا له إنه يستطيع إحضار المولد. فنزل ربحي واثنان آخران من أبنائه إلى حقلهم بالمولد.
البؤرة الاستيطانية التي جاء منها المهاجمون. كان المستوطنون قد هاجموا مزارعين اثنين وهددوهما قائلين: «من الآن فصاعدا، هذه أرضنا، أعطاها الله لنا, وليست أرضكما».
ما إن وصلوا وأنزلوا المولد حتى اندفع نحوهم خمسة مستوطنين وهم يلوحون بعصي ذات مسامير. وحطموا نوافذ السيارة التي كان شقيق ربحي وزوجته بداخلها, وتمكنا، بطريقة ما، من الابتعاد بالسيارة.
ثم وصلت مجموعة أخرى من المستوطنين، فتفرق جميع المزارعين الموجودين في المنطقة في كل اتجاه.
فر ربحي باتجاه كومة من التراب، لكن سبعة مستوطنين ظهروا فجأة وأخذوا يرشقونه بالحجارة. ويقول إنه فر وهو يدير رأسه من جانب إلى آخر لتفادي الحجارة. أخذ يصرخ طالبا النجدة، فهب محمد وهيثم، اللذان كانا على مسافة منه، إلى نجدته.
في هذه الأثناء، ظهرت مجموعة أخرى من المستوطنين. وتطايرت الحجارة من جميع الجهات. طارد بعض المستوطنين هيثم، بينما طارد آخرون محمد. وبعد أن صعد هيثم التلة باتجاه بيتيلو، انقضوا جميعا على محمد.
ووفقا لربحي وهيثم ومحمد نفسه، انقض عليه نحو 15 مستوطنا. وكان أحدهم يوجه مسدسا إلى رأسه.
ضربوا محمد بعصيهم حتى سقط على الأرض. كما فتشوا جيوبه واستولوا على هاتفين محمولين، وبطاقة هوية، وبطاقة ضابط في السلطة الفلسطينية، ومحفظة تحتوي على ألف شيكل، أي نحو 330 دولارا. ويضيف محمد، وهو مستلقٍ الآن على سريره، أنهم رشوا عليه أيضا رذاذ الفلفل.
بدأ وعيه يتلاشى. وبينما كان ملقا جريحا، واصلوا ضربه مرارا في أنحاء جسده، إلى أن تظاهر بأنه مات. غادروا، لكنهم عادوا سريعا.
وقال أحدهم، الذي يسميه سكان القرية باعتباره قائد المستوطنين المهاجمين: «هذا ضابط في السلطة الفلسطينية, اقتلوه».
يقول محمد إنه اعتقد أنه سيموت.
«ضربوني بقصد قتلي. كانوا مثل الوحوش. بلا مشاعر»، يقول، مضيفا أنه تمتم بآيات من القرآن تُتلى في اللحظات التي تسبق الموت.
ثم حشر المستوطنون التراب في فمه لخنقه. وبعد ذلك غطوه بقطعة من الصفيح كانت ملقاة في مكان قريب، «كما تُغطى جثة ميت»، وفقا لربحي. ثم غادروا.
محمد مع والديه. اضطر الأطباء إلى إحداث فتحة في صدره لتفريغ الهواء المحبوس في رئتيه.
طوال كل ذلك الوقت، لم يكن هناك أي أثر لقوات من الجيش الإسرائيلي أو الشرطة. ولم يستدعهم أحد, فقد كان سكان القرية يعرفون أنهم لن يأتوا لإنقاذهم، ويبدو أن المستوطنين اعتقدوا أنهم في غنى تام عن وجودهم.
يستذكر محمد بصوت ضعيف: «لم أستطع أن أفعل شيئا. كنت بالكاد أستطيع التنفس، ولم أكن قادرا على الكلام أو الصراخ طلبا للمساعدة».
كان هيثم، الذي ضربه المستوطنون على ساقيه قبل أن يتمكن من الإفلات منهم، أول من وصل إلى محمد. وسحبه إلى مكان مخفي خلف شجرة، تحسبا لعودة المهاجمين. ثم اتصل بعمه، الذي يحمل أيضا اسم محمد ويبلغ من العمر 45 عاما، وطلب منه إحضار سيارته لإجلاء شقيقه الجريح، الذي كان في حالة خطيرة.
نُقل محمد إلى العيادة الطبية المحلية، واستُدعيت سيارة إسعاف لنقله إلى مستشفى الاستشاري في رام الله. واستغرق وصولها 45 دقيقة، لأن إحدى البوابتين الحديديتين المؤديتين إلى بيتيلو كانت مغلقة، كالمعتاد، واضطر السائق إلى سلوك طرق التفافية.
وفي مستشفى الاستشاري، أُدخل محمد إلى وحدة العناية المركزة ووُصل بجهاز تنفس اصطناعي. وأحدث الأطباء فتحة في صدره لتفريغ الهواء المحبوس في رئتيه المتضررتين. وبعد بضعة أيام، أُجريت له عملية في ساقه اليمنى التي تحطمت. وستُجرى له العملية التالية خلال بضعة أسابيع.
وفي هذه الأثناء، يكاد يكون عاجزا عن الحركة، ويضطر إلى استخدام كرسي متحرك إذا غادر سريره.
بعد أسبوع في مستشفى الاستشاري، عاد محمد إلى منزله. ولم تتقدم عائلته حتى الآن بشكوى لدى الشرطة بشأن الاعتداء الوحشي الذي وقع في وقت سابق من هذا الشهر.
ذهب هيثم لتقديم شكوى في صباح اليوم التالي، في الساعة الثامنة، إلى مركز شرطة «ماتي بنيامين». وبعد أن انتظر ثلاث ساعات، أُبلغ بأنه يتعين عليه تقديم الشكوى في مركز شرطة «موديعين عيليت»، وهو يعتزم القيام بذلك في أقرب وقت ممكن.
خاتمة
في منتصف نهار الأحد الماضي، بينما كنا على التلة المطلة على وادي الزرقاء، والتي توفر رؤية للبؤرة الاستيطانية المقابلة، علمنا بوقوع هجوم إطلاق نار نفذه فلسطينيون في مستوطنة نيفي تسوف القريبة، عند نبع استولى عليه المستوطنون بالقوة.
قُتل مستوطن.
أسرعنا إلى سياراتنا، ونحن نعرف أن الجيش سيغلق بسرعة بوابتي الدخول إلى بيتيلو بسبب الحادث، كما يفعل في جميع القرى الأخرى في المنطقة.
عندما وصلنا إلى البوابة المغلقة، كانت هناك مجندة وثلاثة جنود. وبعد مشاورة هاتفية قصيرة مع قادتهم، وبعد أن اقتنعوا بأننا «يهود تماما»، وافق الجنود على فتحها لنا.
لكن محمد رمانة، الباحث الميداني في منظمة «بتسيلم», مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة, الذي كان يرافقنا ويقود سيارته خلفنا، ظل عالقا في القرية حتى منتصف الليل، إلى جانب عدد كبير من الأشخاص الآخرين الذين كانوا يريدون مغادرة القرية.
كانت تلك عشية يوم الغفران، في السنة العبرية 5787، في الساعة التي تُغلق فيها أبواب السماء.
#جدعون_ليفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟