|
|
توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 18:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
توحيد اليسار ليس مناسبة للمصالحة بين الرفاق، وليس عملية جمع حسابية للتنظيمات والتيارات والأسماء المتناثرة، وليس إعادة تركيب لخريطة سياسية قديمة بعد أن أنهكتها الانقسامات . المسألة أكثر جذرية من ذلك بكثير . اليسار الذي يحتاجه الصراع الطبقي في هذه المرحلة ليس يسارا أكبر عددا فحسب، وإنما يسارا أكثر وضوحا في موقعه الطبقي، أكثر استقلالا في قراره السياسي، أكثر صرامة في بناء تنظيمه، وأكثر قدرة على الانتقال من الاحتجاج إلى بناء القوة، ومن رد الفعل إلى المبادرة، ومن التعليق على حركة الجماهير إلى المساهمة في تحويل هذه الحركة إلى قوة واعية ومنظمة . ولهذا فإن عبارة «لمّ شمل اليسار» تبدو لي، في أحسن الأحوال، ناقصة، وفي أسوأ الأحوال قد تتحول إلى غطاء سياسي لإبقاء التناقضات الحقيقية معلقة . يمكن أن نلمّ الشمل حول ذكريات مشتركة، أو حول تاريخ نضالي، أو حول خصومة مشتركة مع السلطة، أو حول الدفاع عن الديمقراطية، أو حول موقف من قضية وطنية، لكن ذلك لا يصنع بالضرورة خطا ثوريا . الوحدة التي لا تحدد مضمونها الطبقي والاستراتيجي لا تتجاوز غالبا حدود التعايش المؤقت بين خطوط سياسية مختلفة . الخط الثوري لا يبدأ من سؤال من ينضم إلى من، وإنما من تحديد طبيعة الصراع وموقع اليسار داخله . إنه ينطلق من حقيقة أن المجتمع الرأسمالي لا يقوم على مصالح متطابقة بين الجميع، وأن الدولة ليست فضاء محايدا فوق الطبقات، وأن الثروة والملكية والسلطة موزعة بصورة غير متساوية، وأن التبعية الاقتصادية والسياسية للإمبريالية ليست مجرد خلل في السياسة الخارجية، وأن البطالة والهشاشة والتفاوت الجهوي وتدهور الخدمات العمومية ليست ظواهر منفصلة، بل مظاهر لعلاقات إنتاج وتوزيع وسلطة . من هنا يصبح توحيد اليسار قبل كل شيء توحيدا في المنظور الطبقي . وهذا يعني أن اليسار لا يمكن أن يكون مجرد جناح أكثر راديكالية من الديمقراطية الليبرالية، ولا مجرد قوة احتجاجية دائمة، ولا مجموعة من المثقفين الذين ينتجون نقدا حادا للنظام ثم يتركون النظام ينتج نفسه كما يشاء . اليسار الثوري له وظيفة أخرى : بناء استقلال سياسي للطبقات الشعبية، وتطوير أدواتها التنظيمية، وربط النضالات اليومية بأفق تغيير بنيوي، وإعادة بناء فكرة السلطة من أسفل، بحيث لا يكون الشعب مجرد قوة ضغط على الدولة، وإنما قوة قادرة على إعادة صياغة علاقات القوة نفسها . كان لينين شديد الوضوح في هذه المسألة حين هاجم ما سماه الخضوع للعفوية، مؤكدا أن اتساع الحركة الجماهيرية يفرض ارتفاعا في مستوى الوعي والعمل السياسي والتنظيمي، لا الاكتفاء بملاحقتها . وفي «ما العمل؟» كتب أن اتساع النهوض العفوي للجماهير يفرض «قدرا أكبر، وبما لا يقاس، من الوعي» في العمل النظري والسياسي والتنظيمي . وهذه الفكرة، بصرف النظر عن الاختلافات التاريخية مع لينين أو عن النقاشات اللاحقة حولها، تظل مهمة في مواجهة وهم سياسي منتشر : أن الحركة الاجتماعية، بمجرد أن تتسع، ستنتج تلقائيا مشروعا ثوريا متكاملا . التاريخ لا يؤكد ذلك . الجماهير قادرة على الانتفاض، وقادرة على كسر الخوف، وقادرة على شل الإنتاج، وقادرة على إسقاط حكومات، وقادرة على فتح لحظات تاريخية نادرة، لكنها لا تنتج بالضرورة، من تلقاء نفسها، استراتيجية موحدة للاستيلاء على السلطة أو لإعادة بناء المجتمع . الحركة الجماهيرية شيء، والقوة السياسية المنظمة شيء آخر . وبينهما توجد السياسة والتنظيم والوعي والاستراتيجية . وهنا تكمن إحدى المهام الأساسية لتوحيد اليسار . ليس المطلوب أن يركب اليسار موجة النضالات الاجتماعية، ولا أن يضع نفسه فوقها، وإنما أن يعمل داخلها من أجل أن تتحول المطالب المتفرقة إلى وعي بالقوة الجماعية، وأن تتحول المقاومة اليومية إلى تنظيم، وأن تتحول التنظيمات المحلية والقطاعية إلى قدرة سياسية أوسع . لينين نفسه حذر من اختزال السياسة في النضال الاقتصادي المباشر، وميز بين السياسة النقابية والسياسة الاشتراكية، معتبرا أن الاكتفاء بالمطالب الاقتصادية يترك الحركة في أفق ضيق . هذا لا يعني احتقار النضالات الجزئية، بل العكس تماما. النضال من أجل الأجر، ومن أجل الحق النقابي، ومن أجل مدرسة عمومية، ومن أجل مستشفى، ومن أجل الماء، ومن أجل العمل، ومن أجل الحريات، ومن أجل وقف القمع، كلها نضالات أساسية . لكن اليسار الثوري لا يقبل أن تتحول هذه المعارك إلى جزر منفصلة . وظيفته السياسية هي أن يربط بينها، وأن يكشف البنية التي تجعلها تتكرر، وأن يرفع مستوى الصراع من مجرد انتزاع مطالب متفرقة إلى بناء قوة قادرة على تغيير ميزان القوى . وهنا تحديدا يجب أن نتوقف عن استعمال كلمة «الثورة» باعتبارها صفة أخلاقية . الثورية ليست أن يكون خطابنا أكثر غضبا من غيرنا . وليست أن نرفع شعارات أكثر راديكالية . وليست أن نستخدم أسماء ماركس ولينين وتروتسكي في كل بيان . وليست أن نقيس درجة ثورية الرفاق بمدى قسوة مفرداتهم . الثورية هي استراتيجية . وهذا هو الدرس الذي شدد عليه دانيال بن سعيد حين ربط الاستراتيجية بالقاعدة التي يجري على أساسها «تجميع وتنظيم وتثقيف المناضلين»، وبمشروع قلب السلطة السياسية البرجوازية . إنها نقطة حاسمة لأن جزءا من اليسار يستطيع أن يكون راديكاليا في اللغة ومحافظا في الممارسة . يمكن أن تكون اللغة ثورية، بينما يظل التنظيم انتخابيا في جوهره . ويمكن أن يكون الخطاب معاديا للرأسمالية، بينما تظل الاستراتيجية قائمة على تحسين موقع اليسار داخل مؤسسات النظام . ويمكن أن نعلن رفض التبعية، بينما نقبل عمليا أن تحدد قوى خارجية حدود الممكن السياسي والاقتصادي . التناقض هنا ليس تفصيلا . لأن الثورة ليست درجة حرارة في الخطاب، وإنما تغيير في طبيعة القوة السياسية التي نريد بناءها . ومن هنا فإن توحيد اليسار يجب أن يكون قائما على برنامج طبقي واستراتيجية ثورية، لا على الحد الأدنى المشترك الذي يسمح لكل طرف بأن يحتفظ بتصوره الخاص للمرحلة وللتحالفات وللدولة وللاقتصاد وللثورة . ليس مطلوبا أن يتفق اليسار في كل تفصيل . هذا مستحيل وغير مرغوب فيه . لكن هناك قضايا لا يمكن أن يبقى حولها الغموض إذا كنا نتحدث عن توحيد ثوري : استقلال اليسار عن البرجوازية ومراكز السلطة، مركزية الصراع الطبقي، استقلال التنظيمات الشعبية، الدفاع عن الحريات السياسية، رفض القمع، مقاومة الرأسمالية التابعة، مواجهة الإمبريالية، الدفاع عن الملكية العمومية والثروة الوطنية، ربط المسألة الديمقراطية بالمسألة الاجتماعية، والربط بين التحرر الوطني والتحرر الطبقي . بدون هذه الأرضية يتحول «التوحيد» إلى ائتلاف انتخابي أو جبهة ظرفية أو مظلة فضفاضة . وهذا النوع من الوحدة قد يكون له معنى تكتيكي في ظروف محددة، لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره بناء استراتيجيا لليسار . فالتحالف التكتيكي ليس وحدة استراتيجية . والتعاون في معركة معينة ليس اندماجا سياسيا . والاتفاق على إسقاط قرار أو الدفاع عن معتقل أو تنظيم احتجاج لا يعني أننا أصبحنا أصحاب المشروع نفسه . الوضوح هنا ليس انقسامية . الوضوح هو شرط الوحدة الحقيقية . والمشكلة في اليسار ليست فقط أنه انقسم كثيرا، بل أنه في أحيان كثيرة لم يعرف كيف يميز بين الاختلاف السياسي الحقيقي والخلاف التنظيمي، وبين التناقض الاستراتيجي والخلاف التكتيكي، وبين النقد الضروري والصراع الشخصي . فصار كل خلاف قادرا على إنتاج انشقاق، وكل انشقاق قادرا على إنتاج خطاب جديد عن «النقاء الثوري»، ثم يبدأ الجميع من جديد في إعادة إنتاج الدائرة نفسها . لقد حان الوقت لكسر هذه الحلقة . ليس بالعودة إلى الوحدة القسرية، ولا بإلغاء التنظيمات، ولا بإنتاج حزب إداري يجمع المختلفين تحت سقف واحد، وإنما ببناء ثقافة سياسية جديدة يكون فيها الاختلاف جزءا من الصراع الفكري، لا ذريعة لتدمير العمل المشترك . روزا لوكسمبورغ تظل حاضرة هنا بقوة، خصوصا في عبارتها الشهيرة عن أن الحرية تكون «دائما وحصريا حرية من يفكر بشكل مختلف» . هذه ليست دعوة إلى الفوضى التنظيمية، بل تذكير بأن الحركة الثورية التي تخاف من الاختلاف تقتل إحدى أهم أدوات تطورها : النقد . لكن حرية النقد لا تعني غياب الخط . يمكن أن نختلف في التكتيك، ونناقش الاستراتيجية، ونراجع التجربة، وننتقد القيادة، دون أن يصبح كل ذلك ذريعة للشلل . فالمنظمة الثورية التي لا تعرف كيف تناقش تتحول إلى جهاز مغلق، والمنظمة التي لا تعرف كيف تقرر تتحول إلى ناد للنقاش . المطلوب هو تركيب جدلي بين الديمقراطية والانضباط، بين حرية النقاش ووحدة العمل، بين المبادرة الفردية والقرار الجماعي . وحدة لا تلغي الاختلاف، واختلاف لا يلغي الفعل . هذا هو المعنى الحقيقي للقيادة الجماعية . ولهذا فإن توحيد اليسار لا يمكن أن يكون مشروعا لإعادة تدوير الزعامات نفسها . لا يمكن أن نواجه عبادة الزعيم في المجتمع بإنتاج زعامات صغيرة داخل اليسار . ولا يمكن أن نقول إننا ضد السلطة الشخصية ثم نبني تنظيمات تتمحور حول شخص واحد، أو حول تاريخ شخص واحد، أو حول شرعية نضالية لشخص واحد . دانيال بنسعيد، في حديثه عن التنظيم الثوري، شدد أيضا على ضرورة عدم الوقوع في وهم «المنقذ الأعلى» أو الفرد المعجزة، وربط القيادة بمسؤوليتها أمام جماعة المناضلين الذين فوضوها . وهذا درس يستحق أن يؤخذ بجدية في زمن أصبحت فيه وسائل الإعلام والمنصات الرقمية قادرة على صناعة شخصيات سياسية بسرعة مذهلة، وتحويل السياسة إلى صورة، والخطاب إلى حضور شخصي، والتنظيم إلى جمهور حول اسم . اليسار الثوري لا يحتاج إلى نجم . يحتاج إلى كادر . ولا يحتاج إلى جمهور يصفق . يحتاج إلى مناضلين قادرين على التنظيم والتحليل والمبادرة والتحمل . ولا يحتاج إلى زعيم يختصر الحزب . يحتاج إلى حزب أو جبهة أو تنظيمات قادرة على إنتاج قيادات متعددة، قابلة للمساءلة والتداول، ومتصلة بالعمل الحقيقي . هنا أيضا يصبح الحديث عن التوحيد حديثا عن إعادة بناء الكادر الثوري . فلا يمكن بناء خط ثوري دون مناضلين يمتلكون أدوات التحليل السياسي والاقتصادي والتنظيمي . ولا يمكن مواجهة الدولة والرأسمال والإمبريالية بخطاب مرتجل، ولا بمجرد حسن النية، ولا بالاعتماد على تاريخ النضال السابق . لينين كان قاسيا في نقد «الهواية» التنظيمية، ودعا إلى رفع مستوى العمل من الارتجال إلى الاحتراف الثوري المنظم . وقد يكون من الضروري اليوم إعادة صياغة هذا الدرس بما يناسب عصرنا : الاحتراف لا يعني البيروقراطية، والتنظيم لا يعني عبادة الجهاز، والانضباط لا يعني إلغاء التفكير . بل يعني أن نعرف ماذا نفعل، ولماذا نفعله، ومع من، وبأي أدوات، وكيف نقيس نتائجه، وكيف نراجع أخطاءنا . التنظيم الثوري ليس مجموعة أصدقاء يجتمعون كلما حدث شيء . إنه جهاز سياسي حي قادر على الاستمرارية، والتراكم، والتكوين، والتدخل، وبناء العلاقات الاجتماعية، وإنتاج المعرفة، وتطوير أدوات الاتصال، وربط المحلي بالوطني والأممي . وهذا يقتضي أن نعيد التفكير جذريا في شكل التنظيم نفسه . فالعالم الرقمي لا يمكن أن يبقى مجرد وسيلة لنشر البيانات . إنه فضاء جديد للصراع الطبقي ولإنتاج الوعي ولتنظيم العمل . وبنسعيد نفسه أشار إلى أن التنظيمات المعاصرة تحتاج إلى أخذ تنوع الحركات الاجتماعية والتطور التكنولوجي في الاعتبار، بما يسمح بأشكال أفقية من تبادل المعلومات ويكسر احتكار البيروقراطيات للمعلومة . لكن التكنولوجيا لا تصنع الثورة. إنها أداة . وكل من يعتقد أن آلاف المتابعين يعادلون آلاف المناضلين يقع في وهم جديد لا يقل خطورة عن أوهام الماضي . المتابع ليس بالضرورة مناضلا . والتفاعل ليس تنظيما . والانتشار ليس قوة سياسية . والترند ليس صراعا طبقيا . والبيان الذي يصل إلى مئات الآلاف لا يعوض غياب خلية أو لجنة أو نقابة أو إطار جماهيري قادر على الاستمرار بعد انتهاء الضجة . نحتاج إلى تجاوز وهم السياسة الرقمية السريعة، وبناء سياسة التراكم . التراكم هو أن يتحول كل نضال إلى خبرة . وكل خبرة إلى تنظيم . وكل تنظيم إلى قدرة . وكل قدرة إلى ميزان قوى . وكل ميزان قوى إلى خطوة جديدة . هكذا تُبنى القوة السياسية . وهكذا فقط يمكن لليسار أن يخرج من موقع المراقب إلى موقع الفاعل . إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن نخلط بين انتشار الخطاب وبين بناء القوة . الرأسمالية تملك منابر إعلامية هائلة، والدولة تملك أجهزة ضخمة، والطبقات المسيطرة تملك رأس المال وشبكات النفوذ، ولا يمكن لليسار أن ينافسها بمجرد إنتاج نصوص أكثر راديكالية . البديل هو التنظيم . تنظيم العمال . تنظيم الشباب . تنظيم النساء . تنظيم العاطلين . تنظيم الأحياء . تنظيم الفلاحين . تنظيم العاملين في القطاعات الهشة . تنظيم كل الفئات التي تعيش الاستغلال بأشكاله المختلفة، مع بناء روابط بينها على أساس مصلحة طبقية وسياسية مشتركة . وهنا لا يعود اليسار مجرد «حزب للعمال»، بالمعنى الضيق للكلمة، بل يصبح مشروعا سياسيا للطبقات المستغلة والمهمشة في مجملها، مع الحفاظ على مركزية الطبقة العاملة في الصراع ضد رأس المال . هذا ليس توسيعا انتخابيا للقاعدة . إنه إعادة بناء للكتلة الاجتماعية القادرة على التغيير . ولهذا لا بد من تجاوز الوهم القائل إن اليسار يستطيع أن ينتصر بمجرد أن يجمع كل مجموعاته . حتى لو اجتمعت كل التنظيمات الموجودة غدا، فإنها ستظل صغيرة تاريخيا إذا لم تستطع أن تنخرط في بناء قوة اجتماعية أوسع منها . القضية ليست جمع اليساريين . القضية هي تجميع قوى الصراع الاجتماعي حول مشروع طبقي مستقل . وهنا يكمن الفارق الحاسم بين لمّ الشمل والتوحيد . لمّ الشمل يبدأ من التنظيمات . التوحيد الثوري يبدأ من الصراع . لمّ الشمل يسأل كيف نجعل اليساريين يجلسون معا . التوحيد الثوري يجعلهم يعملون معا داخل النضالات التي تفرضها الحياة نفسها . لمّ الشمل قد ينتهي إلى وثيقة . التوحيد الثوري يجب أن ينتهي إلى قوة . لمّ الشمل قد يعيد إنتاج الماضي . التوحيد الثوري يهدف إلى إنتاج مستقبل سياسي جديد . لهذا لا ينبغي أن تكون وحدة اليسار غاية في ذاتها . الوحدة ليست فضيلة إذا كانت حول خط خاطئ . والوحدة ليست انتصارا إذا كانت على حساب الاستقلال الطبقي . والوحدة ليست ثورية إذا كانت تمنع النقد . والوحدة ليست سياسية إذا لم تنتج قدرة على الفعل . الوحدة أداة . والاستراتيجية هي البوصلة . والتنظيم هو الوسيلة . والصراع الطبقي هو المجال الذي تختبر فيه كل هذه المفاهيم . وهنا يمكن استعادة مقولة غرامشي الشهيرة : «تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة» . ليست المطلوب أوهاما عن قرب الثورة، ولا خطابا احتفاليا عن أن التاريخ يسير آليا نحو الاشتراكية . المطلوب عقل قادر على رؤية موازين القوى كما هي، وإرادة سياسية لا تستسلم لها . الثورة ليست قدرا مضمونا، كما أن الهزيمة ليست قدرا أبديا . ولهذا فإن اليسار الذي يريد أن يتوحد عليه أن يتخلى عن ثقافة الأمنيات . لا توجد وحدة سحرية ستنهي أزمتنا . ولا بيان مشترك سيخلق قوة اجتماعية . ولا اسم جديد سيحل مشكلة استراتيجية . ولا مؤتمر واحد سيصنع حزبا ثوريا . ولا اندماج تنظيمي سيعوض سنوات من الانقطاع عن المجتمع . الطريق أطول وأصعب : بناء خط، وبناء كادر، وبناء تنظيم، وبناء علاقة جديدة بالنضالات، وبناء قدرة على التدخل، وبناء ثقافة سياسية تضع الصراع الطبقي فوق الصراعات الشخصية، وتضع المشروع فوق الجهاز، وتضع الثورة فوق الحسابات الصغيرة . وهذا هو المعنى الحقيقي لتوحيد اليسار . أن ننتقل من توحيد الموجود إلى بناء الممكن . من جمع التنظيمات إلى بناء القوة . من إدارة الاختلاف إلى إنتاج الخط . من الاحتفال بالتاريخ إلى استخدام دروسه . من انتظار الحركة إلى تنظيمها سياسيا . من رد الفعل إلى المبادرة . من الهامش إلى الصراع على السلطة . ليس المطلوب يسارا يتفق على كل شيء . المطلوب يسار يعرف ما الذي لا يمكن التنازل عنه . ولا يمكن التنازل عن الاستقلال الطبقي . ولا عن الحريات . ولا عن التنظيم الشعبي . ولا عن مقاومة الإمبريالية . ولا عن التحرر الوطني . ولا عن العدالة الاجتماعية . ولا عن أفق الاشتراكية . ولا عن حق الجماهير في أن تكون صاحبة الفعل السياسي، لا مجرد موضوع للتمثيل . إن توحيد اليسار على هذا الأساس لا يعني إلغاء الاختلافات النظرية، وإنما وضعها داخل سيرورة سياسية منتجة . فالاختلاف الذي يطور الخط قوة، أما الاختلاف الذي يتحول إلى هوية مغلقة فهو عائق . والتعدد الذي يثري التنظيم قوة، أما التعدد الذي يجعل كل مجموعة عالما مستقلا فهو تفكيك دائم للقوة . وفي هذا المعنى تصبح مهمة التوحيد أكبر من جمع اليسار الحالي . إنها إعادة تأسيس اليسار نفسه . يسار لا يخجل من الطبقة . لا يخاف من كلمة الثورة . لا يستبدل الصراع الطبقي بخطاب عام عن «المواطنة» . لا يحوّل الديمقراطية إلى مجرد انتخابات . لا يختزل التحرر في تغيير الحكومة . لا يحوّل النقابة إلى ملحق حزبي . لا يحول الحزب إلى شركة انتخابية . لا يحول المثقف إلى وصي على العمال . لا يحول العامل إلى ديكور في بيانات المثقفين . لا يجعل فلسطين مناسبة خطابية . لا يجعل الاشتراكية شعارا للمناسبات . ولا يجعل الماركسية عقيدة مغلقة . يسار يتعلم من ماركس، ويستفيد من لينين، ويقرأ روزا، ويستوعب غرامشي، ويتعامل مع تروتسكي، وفانون، وبنسعيد، وسائر تقاليد الفكر الثوري باعتبارها أدوات للصراع الفكري، لا أصناما جديدة . فالماركسية التي تتحول إلى عقيدة جامدة تفقد جوهرها النقدي . والثورية التي تتحول إلى طقس تفقد مضمونها السياسي . والتنظيم الذي يتحول إلى جهاز يفقد علاقته بالطبقة . والوحدة التي تتحول إلى شعار تفقد قيمتها . لهذا فإن المسألة في النهاية ليست أن نعلن أننا توحدنا . المسألة أن نبني، خطوة بعد خطوة، قوة سياسية تستطيع أن تتدخل في الصراع الطبقي، وأن تتعلم منه، وأن تعيد تنظيمه، وأن تمنح النضالات اليومية أفقا يتجاوز حدود المطلب المباشر . عندها فقط يصبح للتوحيد معنى . لا لمّ شمل . لا إعادة تدوير . لا مصالحة شكلية . لا مظلة انتخابية . لا اتحادا فوقيا بين هياكل متعبة . بل توحيد خط ثوري، وتوحيد استراتيجية، وتوحيد ممارسة، وبناء تنظيم قادر على تحويل التشتت الاجتماعي إلى قوة طبقية واعية ومنظمة . فاليسار لا يحتاج إلى أن يكون أكثر عددا لكي يقول إنه توحد . يحتاج إلى أن يصبح أكثر قدرة على الفعل . والمعيار ليس عدد الرفاق الذين اجتمعوا في القاعة، بل مقدار القوة التي يستطيعون بناءها خارج القاعة . هناك يبدأ التوحيد . وهناك فقط يتحول اليسار من ذاكرة نضالية إلى مشروع ثوري حاضر ......
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
-
العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على
...
-
حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
-
الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
-
بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
-
الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
-
الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
-
حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا
...
-
المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
-
الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
-
الفساد حين يأكل من لحم الناس .
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
-
الهجرة ليست هروبا ...
-
أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل
...
-
من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق
...
-
ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
-
حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
-
مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح
...
-
ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
-
الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
المزيد.....
-
بعد تراجع مكانتها.. ماكدونالدز تراهن بـ 8.5 مليار دولار لاست
...
-
العليمي يعلن التعبئة العامة ويفتح -باب العفو- أمام المقاتلين
...
-
مستشار خامنئي يوجه رسالة إلى رئيس وزراء العراق إثر إغلاق مطا
...
-
ألمانيا - إعانات الأطفال ستصبح تلقائية دون الحاجة لتقديم طلب
...
-
بوتين: أنوي المشاركة في قمة أبيك.. والقرار النهائي مرهون بال
...
-
ترامب دعا زيلينسكي إلى زيارة موسكو للقاء بوتين
-
وكالة -فارس-: المزاعم بشأن محادثات إيرانية-أمريكية عارية عن
...
-
شهباز شريف: جمعنا واشنطن وطهران تحت سقف واحد.. ندعم السعودية
...
-
مقتل شخصين وإصابة 10 آخرين في هجمات أوكرانية على غورلوفكا
-
زاخاروفا: سيكورسكي -داس على الدبلوماسية وحطمها كمهنة-
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|