أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)















المزيد.....


ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 18:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر


24 أيلول سبتمبر 2026

إعداد وترجمة وتحرير د. زياد الزبيدي بتصرف

مقدمة

تتناول هذه المقابلة مع ألكسندر دوغين الإنتخابات الروسية الأخيرة، لكنها سرعان ما تتجاوز نتائجها لتصل إلى سؤال أوسع: ماذا حدث لمفهوم الديمقراطية في روسيا والغرب، وإلى أين يتجه؟

ولفهم أطروحة دوغين، يحتاج القارئ أولاً إلى بعض المفاتيح الإصطلاحية. فهو يميز بين ما يسميه «الديمقراطية القديمة»، أي النموذج الذي يجعل إرادة الأغلبية عبر الإنتخابات أساساً لتحديد السلطة، وبين «الديمقراطية الجديدة» أو «ديمقراطية الأقليات»، التي يستخدمها لوصف ما يراه إنتقالاً في الغرب نحو إعطاء الأقليات والهويات المختلفة والقيم غير التقليدية وزناً متزايداً في الحياة السياسية.

ويستخدم دوغين كذلك مصطلح «الديسجينيكا» في مقابل «اليوجينيكا». واليوجينيكا مصطلح تاريخي إرتبط بأفكار «تحسين» الصفات الوراثية للسكان عبر التحكم في التكاثر، بينما يوظف دوغين «الديسجينيكا» بمعنى سياسي وفلسفي خاص، للدلالة على ما يراه تفضيلاً إجتماعياً للصفات أو الفئات التي كانت تعد هامشية أو غير تقليدية.

أما ما بعد الحداثة وما بعد الإنسانية والوجود الجذموري، فهي مفاهيم فلسفية وثقافية واسعة ومتعددة الإتجاهات، يستعين بها دوغين في بناء تفسيره الخاص للتحولات التي شهدها الغرب خلال العقود الأخيرة.

بعد هذه الإضاءة المختصرة، نترك الكلمة لدوغين نفسه، ليعرض، بلغته ومفاهيمه، قراءته للإنتخابات الروسية، ولأزمة الديمقراطية الغربية، وللصراع الذي يراه دائراً اليوم حول مفهوم الإنسان والمجتمع والقيم.

*****

بدأت الانتخابات البرلمانية الروسية الأخيرة في أجواء وصفها ألكسندر دوغين بأنها «بطولية». فقد جاءت في ظل هجمات واسعة بالطائرات المسيّرة على الأراضي الروسية، فيما تحدثت رئيسة لجنة الإنتخابات المركزية إيلا بامفيلوفا عن أضرار لحقت بعشرات مراكز الإقتراع. ورأى دوغين أن محاولات كييف والغرب تعطيل الإنتخابات أو تخويف الناخبين لم تحقق هدفها، وأن مجرد إجراء الإنتخابات في مثل هذه الظروف يمثل، من وجهة نظره، إنتصاراً صغيراً في «الحرب المعنوية» مع الغرب.

بلغت نسبة المشاركة نحو 59 في المئة، وإقتربت المشاركة عبر التصويت الإلكتروني من 91 في المئة. ومع فرز أكثر من 95 في المئة من الأصوات، حصل حزب «روسيا الموحدة» على نحو 57.83 في المئة، إضافة إلى فوزه في معظم الدوائر ذات المقعد الواحد، فيما جاء الحزب الشيوعي في المرتبة الثانية بنحو 13.81 في المئة، والحزب الليبرالي الديمقراطي بنحو 9 في المئة، و«الناس الجدد» بنحو 7.96 في المئة.
لكن الأرقام، في نظر دوغين، ليست أهم ما في المشهد.

«روسيا الموحدة» وخصوصية الديمقراطية الروسية

يرى دوغين أن جزءاً من معنى هذه الإنتخابات يكمن في إسم الحزب الحاكم نفسه: «روسيا الموحدة». ويستشهد في هذا السياق بأليكسي تشاداييف، الذي يرى أن الروس يصوتون لهذا الحزب تحديداً لأنه يحمل في إسمه فكرة الوحدة، وليس فكرة الحزب بالمعنى الغربي التقليدي.

فالمجتمع الروسي، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يُبنى على الانقسام الحزبي بوصفه قيمة سياسية في حد ذاته. الأحزاب، في النموذج الغربي، تقوم على التنافس بين المصالح والبرامج، وعلى مبدأ أن السلطة لا ينبغي أن تكون موحدة في يد جهة واحدة. أما في التصور الذي يطرحه دوغين، فإن الأولوية الروسية هي للوحدة، وأن الإنقسام إلى أحزاب ومصالح متنافسة ليس بالضرورة التعبير الطبيعي عن الديمقراطية الروسية.

ومن هنا يعتبر «روسيا الموحدة» نوعاً من التسوية بين البنية السياسية التي ورثتها روسيا من التسعينيات، وبين تصور مستقبلي لدولة روسية تتوحد فيها الشعوب والأديان التقليدية والمجتمع والدولة حول أهداف مشتركة.

ويقول دوغين إن الناخب العادي لا يقرأ بالضرورة البرنامج الإنتخابي للحزب. وهو لا يذهب إلى صندوق الإقتراع ليدرس عشرات الصفحات من البرامج، بل قد يصوت بناء على إسم الحزب، أو على موقفه من الرئيس فلاديمير بوتين، أو على موقفه من العملية العسكرية الخاصة.

ومن وجهة نظره، فإن الشخصيات التي حصلت على حضور رمزي قوي في الإنتخابات ليست بالضرورة قيادات حزبية تقليدية، بل شخصيات إرتبطت بالدولة والحرب والمجتمع، مثل سيرغي لافروف، وبطل العملية العسكرية الخاصة فلاديسلاف غولوفين، وماريا لفوفا-بيلوفا، والمراسل الحربي يفغيني بودوبني وغيرهم.

وهنا يصل دوغين إلى فكرة أساسية: ليس من الضروري أن تكون مهمة مجلس الدوما مجرد تبادل الخطب السياسية. فهو يذكّر بأن كلمة «البرلمان» مرتبطة بفعل الكلام، في حين أن كلمة «الدوما» الروسية مرتبطة بفعل التفكير.

وبالتالي، يقول، ينبغي أن يكون الدوما مكاناً للتفكير قبل الكلام، وأن يكون النواب أشبه بالمستشارين الذين يساعدون الحكومة والدولة على إتخاذ القرارات، لا مجرد ممثلين لأحزاب متنافسة.

من «البرلمان» إلى «الدوما»

ويضيف دوغين أن جميع القوى السياسية التي دخلت مجلس الدوما اليوم تؤيد العملية العسكرية الخاصة، وإن كانت تختلف في تفاصيل كثيرة.

كما أن نسبة المشاركة المرتفعة، التي قاربت 60 في المئة، تكتسب في ظروف الحرب معنى إضافياً. فبعدما أصبح التصويت الرئاسي مرتبطاً بشخص الرئيس، يرى دوغين أن الإنتخابات البرلمانية تحولت بدورها إلى نوع من التصويت على المسار العام للدولة.

وبحسب هذا التفسير، لم يعد السؤال بالنسبة إلى الناخب الروسي هو فقط: أي حزب أريد؟

بل أصبح السؤال الأعمق: أي دولة أريد؟ وأي مسار أريد لروسيا؟

ويقول دوغين إن إرتفاع المشاركة، إلى جانب النسبة الكبيرة التي حصل عليها حزب «روسيا الموحدة»، يمكن النظر إليه بوصفه تعبيراً عن تأييد المسار الذي إختاره الرئيس والدولة. فالبعض يصوت لمرشح يعرفه شخصياً، لكن هناك طبقات أعمق من الإختيار السياسي، حيث يصوت المواطن «بروحه» لما يمثله الحزب في نظره.

ولهذا يصف دوغين التصويت بأنه خيار وجودي، وليس مجرد إختيار بين قوائم إنتخابية.

الإنتخابات في زمن الحرب

أخذت الإنتخابات الروسية هذه المرة مكانها تحت ضغط أمني شديد. فقد تحدثت السلطات عن إسقاط أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة، وعن هجمات إستهدفت وسائل نقل مرتبطة بالإنتخابات، بما في ذلك هجمات في مقاطعة بريانسك، سقط فيها قتلى.

وفي المقابل، وفرت السلطات أشكالاً متعددة للتصويت، بما في ذلك التصويت الإلكتروني والتصويت المبكر والتسهيلات المخصصة للأشخاص الذين تحول ظروفهم الصحية أو الجغرافية دون الوصول بسهولة إلى مراكز الإقتراع.

ويرى دوغين أن هذا الجانب يوضح الفرق بين الشكل الإنتخابي وبين المعنى الذي يمكن أن يكتسبه هذا الشكل.

فحتى لو إستوفت الإنتخابات الإجراءات التي يعرفها الغرب بوصفها معايير ديمقراطية، فإن هذه الإجراءات، في رأيه، ليست «الحقيقة النهائية». الحقيقة النهائية، بالنسبة إليه، ترتبط بالله والدين والوحي والكنيسة والتقاليد، ولا يجوز تحويل الديمقراطية إلى شيء مقدس في ذاته.

وبحسب هذا التصور، أخذ الروس شكلاً سياسياً نشأ في الغرب، أي الإنتخابات، وأعطوه معنى روسياً مختلفاً، بحيث أصبحت عملية التصويت في ظروف الحرب تعبيراً عن وجود المجتمع والدولة معاً.

ويستشهد دوغين بحالات تعرض فيها مسؤولون إنتخابيون للخطر، لكنه يرى أن هؤلاء واصلوا أداء واجبهم. ولذلك يخلص إلى أن هذه الإنتخابات، في ظروفها الإستثنائية، كانت «أكثر من مجرد إنتخابات».

ألمانيا: صراع بين ديمقراطيتين

ينتقل الحوار بعد ذلك إلى الإنتخابات الإقليمية في ألمانيا، ولا سيما في برلين ومكلنبورغ-فوربومرن، وما رافقها من ضغوط على حكومة فريدريش ميرتس والإتحاد الديمقراطي المسيحي.

وهنا يطرح دوغين تقسيمه الخاص للديمقراطية الغربية.

فهو يرى أن هناك، في الغرب المعاصر، شكلين متصارعين من الديمقراطية.

الأول هو ما يسميه «الديمقراطية القديمة»: النموذج التقليدي الذي تكون فيه الأغلبية هي صاحبة القرار، ويستطيع المواطن أن يقول ببساطة: «لا يعجبني هذا، فسأصوت ضده».

أما الثاني فهو ما يسميه «الديمقراطية الجديدة»، التي يرى أنها ظهرت تدريجياً في الغرب، حيث لم تعد إرادة الأغلبية هي المعيار الوحيد، بل أصبحت الأقليات والهويات المختلفة والقيم غير التقليدية تتمتع بمكانة متزايدة في تحديد المجال السياسي والإجتماعي.

ويقدم دوغين هذا التحول بوصفه إنتقالاً من «حكم الأغلبية» إلى «حكم الأقليات».

ومن وجهة نظره، فإن الصراع السياسي في ألمانيا يعكس هذا الإنقسام. فهناك مواطنون يريدون النظام والإستقرار والحياة التقليدية، في مقابل تيار سياسي وثقافي يرى أن المجتمع ينبغي أن يعاد تشكيله وفق منظومة جديدة من القيم والهويات.

وهنا يستخدم دوغين مصطلح «الديسجينيكا» بصورة موسعة ومقصودة الإستفزاز، في مقابل «اليوجينيكا». وهو لا يستخدم المصطلح هنا بمعناه التاريخي الضيق في علم الوراثة، بل يوسعه ليصبح وصفاً سياسياً وفلسفياً لما يعتبره إختياراً متعمداً للأشكال الأضعف أو الأكثر إنحرافاً عن المعايير التقليدية، ومنحها مكانة سياسية وثقافية متقدمة.

ويذهب في هذا السياق إلى إنتقاد ما يراه إحتفاءً متزايداً بالأقليات الجنسية والثقافية، وبأنماط سلوكية مختلفة، وبأشكال من التعبير الثقافي التي كانت في السابق هامشية.

ويقول إن ما كان يعتبر في الماضي غير طبيعي أو هامشياً أصبح، في أجزاء من الغرب، يُقدَّم بوصفه تعبيراً عن التقدم والتحرر.

فوكوياما وخطر الأغلبية

ويستعيد دوغين نقاشاً سابقاً مع فرانسيس فوكوياما، ويقول إن فوكوياما عبّر عن فكرة مفادها أن حكم الأغلبية قد يكون خطيراً، لأن الأغلبية يمكن أن تختار شخصاً مثل بوتين أو ديكتاتوراً أو حتى هتلر، ولذلك ينبغي إعطاء الأقليات وزناً خاصاً.

ومن هنا يفسر دوغين تطور الفكر السياسي الغربي على أنه إنتقال تدريجي من مبدأ «ماذا تريد الأغلبية؟» إلى سؤال مختلف: «هل يمكن السماح للأغلبية بأن تقرر أصلاً؟».

وهو يرى أن هذا التحول لم يبقَ في الكتب والنظريات السياسية، بل إنتقل إلى مؤسسات الدولة والإدارة والمجال الأمني.

ويضرب مثالاً إفتراضياً أو سياسياً على ذلك بما يتعلق بحزب «البديل من أجل ألمانيا»، قائلاً إن مجرد النظر إليه بإعتباره ممثلاً لنمط بشري مختلف قد يؤدي، في منطقه، إلى التعامل معه بإعتباره خطراً أمنياً، حتى إلى درجة حرمانه من بعض المعلومات السرية الخاصة بالبوندسفير.

ويذكر دوغين في هذا السياق عدداً من السياسيين الأوروبيين، بينهم كايا كالاس وأورسولا فون دير لاين وأنالينا بيربوك، ويضعهم ضمن ما يسميه بصورة ساخرة «الأقليات العقلية» أو الثقافية.

هذه الأوصاف جزء من حجته الجدلية الخاصة، وليست تصنيفات علمية أو سياسية متفقاً عليها.

من اليوجينيكا إلى الديسجينيكا

يقدم دوغين «الديسجينيكا» بإعتبارها النقيض الرمزي لليوجينيكا.

فاليوجينيكا، تاريخياً، إرتبطت بفكرة تحسين الصفات الوراثية للسكان عبر الإنتقاء والتكاثر، وقد إتخذت في بعض البلدان، وخصوصاً في ظل النازية، أشكالاً عنصرية وقسرية شديدة الخطورة.

أما دوغين فيستخدم «الديسجينيكا» للدلالة، وفق تصوره، على عملية معاكسة: إختيار الأضعف أو الأقل كفاءة ومنحه موقعاً سياسياً وإجتماعياً متقدماً، بدافع التضامن معه أو التعاطف أو حماية هويته.

ومن هنا يصل إلى أطروحته الأكثر إستفزازاً، وهي أن وصول ما يسميهم «الديسجينيين» إلى مواقع السلطة قد يكون جزءاً من آلية تمنع الأشخاص الطبيعيين، بحسب تعريفه هو، من الوصول إلى الحكم.

ألمانيا الشرقية والحنين إلى «الديمقراطية القديمة»

يرى دوغين أن جزءاً من التصويت لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في شرق ألمانيا يمكن تفسيره بإعتباره تعبيراً عن الرغبة في إستعادة «الديمقراطية القديمة»: حياة هادئة، نظام، إستقرار، وهوية وطنية واضحة.

ويقول إن التصويت لهذا الحزب في بعض المناطق الشرقية لا ينبغي تفسيره فقط من خلال السياسة الحزبية، بل بوصفه إحتجاجاً على المسار الثقافي الذي إتخذته ألمانيا خلال العقود الأخيرة.

ويضع ميرتس في قلب هذا التناقض.

فمن جهة، يرى دوغين أن ألمانيا تتبنى سياسات هجرة واسعة، وتؤيد قيم ما بعد الحداثة، وتدعم أشكالاً من التعبير عن الهويات غير التقليدية.

ومن جهة أخرى، تستعد ألمانيا، في نظره، لحرب طويلة مع روسيا، وتعيد بناء جيشها وتزيد الإنفاق العسكري وتتبنى خطاباً قومياً أكثر صرامة.

ويعتبر دوغين أن الجمع بين هذه العناصر يحمل تناقضاً واضحاً: كيف يمكن لدولة أن تتخلى عن القومية والوطنية في المجال الثقافي، ثم تطالب مواطنيها بالإستعداد للحرب والتضحية من أجل الدولة والوطن؟
ويرى أن المواطن العادي يستطيع أن يلاحظ هذا التناقض بسهولة.

ماذا حدث لألمانيا؟

عندما يُسأل دوغين عما حدث للمجتمع الألماني خلال السنوات الخمس الأخيرة، لا يجيب بأن الألمان أصبحوا أكثر ذكاءً أو أقل ذكاءً.

بل يقول إن كثيرين منهم ببساطة لم يقتنعوا بما جرى تقديمه إليهم تحت عنوان ما بعد الحداثة.

ويستعيد هنا عدداً من الأفكار التي ظهرت في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، ولا سيما لدى جيل دولوز وغيره: الإنتقال من الإنسان التقليدي إلى وجود «جذموري» أو شبكي، تفكيك مفهوم الإنسان، وما بعد الإنسانية، والتحرر من الهويات الجندرية التقليدية.

ويرى دوغين أن هذه الأفكار التي كانت تبدو في البداية مجرد صدمات فلسفية أو أفكاراً أكاديمية غريبة، إنتقلت تدريجياً إلى الجامعات، ثم إلى الثقافة، ثم إلى المؤسسات السياسية، وصولاً إلى مواقع السلطة.

ومن هنا يربط بين أفكار ما بعد الحداثة وبين التحولات السياسية والإجتماعية التي يشهدها الغرب اليوم.

ويتوقف عند دولوز وفكرة «الجماهير الفصامية»، مستعيداً بصورة جدلية بعض المفاهيم المتعلقة بالفصام والبارانويا والتشظي. وهو يرى أن ما كان في السابق لغة فلسفية تجريبية أصبح اليوم، في رأيه، جزءاً من اللغة السياسية والمؤسسية.

ويؤكد أن القضية بالنسبة إليه لم تكن مجرد السماح للأشخاص المختلفين بأن يعيشوا كما يريدون، وإنما إعادة تعريف مفهوم «الطبيعي» نفسه.

«كل السلطة للرذيلة والجنون»؟

ومن هنا يذهب دوغين إلى أكثر مقاطع الحوار حدة، فيصف ما يراه إنتصاراً لما يسميه «اللاطبيعي» أو «الجنون» أو «الإنحطاط»، ويعتبر أن هذه العناصر أصبحت ممثلة في مؤسسات السلطة الغربية.

ويضع الإتحاد الديمقراطي المسيحي والإتحاد الإجتماعي المسيحي، وعدداً من السياسيين البريطانيين، وقيادات الإتحاد الأوروبي، ضمن هذا السياق.

ويقول، بصياغة ساخرة، إن الشعار غير المعلن أصبح أقرب إلى: «كل السلطة للرذيلة والجنون والغباء والديسجينيكا والإنحطاط».

ويصف المشهد بأنه أشبه بإنتصار جمالي ومسرحي للإنحطاط يُقدَّم تحت إسم الديمقراطية الجديدة.

ويذكر في هذا السياق فريدريش ميرتس وكير ستارمر وبوريس جونسون بعبارات ساخرة وقاسية، ويقول إن الأمر كان يمكن أن يكون مجرد مادة للضحك لولا أن هذه التحولات، في رأيه، ترتبط بحرب حقيقية وبسقوط ضحايا وقرارات سياسية ذات آثار خطيرة.

من بوتين وترامب إلى «الديمقراطية الجديدة»

ويرى دوغين أن التصويت لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في بعض مناطق برلين يمكن أن يُفهم، وفق منطقه، بوصفه تصويتاً ضد المسار السياسي والثقافي السائد.

ويبالغ في تصوير الخطر الذي يواجه المعارضين لهذا الإتجاه، قائلاً إن التصويت لليمين في بعض المناطق يشبه، في نظره، التصويت لبوتين أو لترامب، وأن أصحاب هذا الخيار قد يتعرضون لهجوم سياسي وإجتماعي شديد.

وهو يتوقع أن تزداد حدة الصراع بين النموذجين.

فـ«الديمقراطية القديمة»، كما يصوغها، لم تدرك بعد أن «الديمقراطية الجديدة» لا تريد منها مجرد قبول بعض الأقليات، وإنما تريد منها قبول إعادة تعريف القواعد الأساسية للمجتمع.

ومن هنا يطرح سيناريوهات قصوى عن إمكانية تقييد حقوق المعارضين، وحرمانهم من بعض المواقع، بل وحتى إخضاعهم لما يسميه «إعادة التأهيل».

هذه السيناريوهات يقدمها دوغين في سياق تحذيري وجدلي عن الإتجاه الذي يعتقد أن الغرب يسير نحوه، وليست وصفاً لسياسة قائمة بالفعل.

هل تنتصر الديمقراطية الجديدة؟

في نهاية الحوار، يصل دوغين إلى السؤال الذي يشكل عنواناً ضمنياً لكل هذا النقاش: أي النموذجين سينتصر؟

إجابته واضحة: يعتقد أن «الديمقراطية الجديدة» ستنتصر في الغرب، لأنها، في تصوره، ليست ظاهرة عابرة، بل مشروعاً أُعد منذ سنوات طويلة بإعتباره شكل المستقبل.

أما «الديمقراطية القديمة»، فيرى أنها لم تستوعب بعد طبيعة التغيير الذي يجري حولها.

ويعتقد أن المواطن الغربي العادي بدأ يكتشف تدريجياً أن شيئاً ما تغير، وأن كثيراً من المفاهيم التي كانت تبدو فلسفية أو أكاديمية أصبحت اليوم جزءاً من السياسة اليومية.

ومن وجهة نظره، فإن ألمانيا، وخصوصاً مناطقها الشرقية، تقدم نموذجاً لهذا الصراع بين إرث سياسي وإجتماعي تقليدي وبين منظومة جديدة من القيم.

ويعود في النهاية إلى فكرته الأساسية: الغرب لا يمر فقط بأزمة سياسية، وإنما يشهد تحولاً في مفهوم الإنسان نفسه، وفي معنى الديمقراطية، وفي العلاقة بين الأغلبية والأقليات.

وبذلك يصبح السؤال، في قراءته، أكبر من نتائج إنتخابات إقليمية أو برلمانية.

إنه سؤال عن أي نوع من المجتمع يريد الغرب أن يكون عليه، ومن يملك حق تعريف «الطبيعي» و«المقبول» و«الديمقراطي» في المستقبل.

******
هوامش

ملاحظات اصطلاحية للقارئ

•الديسجينيكا: مصطلح مشتق من مفهوم «الانتقاء السلبي» أو تراجع الصفات التي يُنظر إليها بوصفها مرغوبة، وله استعمالات تاريخية في النقاشات المتعلقة بعلم الوراثة. يستخدمه دوغين هنا بمعنى سياسي وفلسفي موسع، للدلالة على ما يراه تفضيلاً اجتماعياً للضعف أو الانحراف عن المعايير التقليدية.

•اليوجينيكا: حركة فكرية تاريخية سعت إلى «تحسين» الصفات الوراثية للسكان من خلال التحكم في التكاثر، واتخذت في بعض التجارب أشكالاً قسرية وعنصرية، وارتبطت بصورة خاصة بالسياسات النازية.

•ما بعد الحداثة: اتجاه واسع في الفلسفة والثقافة والنقد الاجتماعي ظهر خصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين، ويركز على نقد المفاهيم الكبرى والثوابت والهويات والمعايير التقليدية. ويقدم دوغين تفسيراً نقدياً خاصاً له، لا يمثل كل تيارات ما بعد الحداثة.

•الوجود الجذموري: مفهوم ارتبط بفلسفة جيل دولوز وفيليكس غاتاري، ويشير إلى بنية شبكية غير هرمية، تتعدد فيها نقاط الاتصال ولا يكون لها مركز واحد ثابت. يستخدمه دوغين هنا في سياق نقده لتفكيك التصور التقليدي للإنسان والمجتمع.

•ما بعد الإنسانية: مجموعة اتجاهات فكرية تبحث في تجاوز الحدود التقليدية لمفهوم الإنسان، من خلال التكنولوجيا والبيولوجيا والفلسفة وغيرها. وهو مفهوم واسع ومتعدد التيارات، ولا يقتصر على التفسير الذي يقدمه دوغين له.

•الديمقراطية القديمة والجديدة: ثنائية يستخدمها دوغين في هذا الحوار بوصفها تفسيراً خاصاً له. «القديمة» عنده هي ديمقراطية حكم الأغلبية عبر الانتخابات، بينما «الجديدة» هي النموذج الذي يرى أنه يتشكل في الغرب ويمنح الأقليات والهويات والقيم غير التقليدية وزناً متزايداً في المجال السياسي.

•ديمقراطية الأقليات: تعبير يستخدمه دوغين بصورة نقدية لوصف ما يراه انتقالاً من مبدأ حكم الأغلبية إلى نظام تصبح فيه حماية الأقليات والهويات المختلفة معياراً مركزياً في تحديد السياسات العامة. وهو ليس اسماً لنظام سياسي موحد متفق عليه في علم السياسة.

•ديمقراطية الزيمستفو: يشير المصطلح إلى مجالس الحكم المحلي التي أنشئت في الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر، وكانت تمثل شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية المحلية. ويستعمل دوغين مفهومها في إطار أوسع عند حديثه عن تقاليد الحكم والمشاركة الروسية.

•الكوادروبيكس: نشاط أو ثقافة فرعية معاصرة يقوم المشاركون فيها بمحاكاة حركات الحيوانات، بما في ذلك المشي أو الجري على الأطراف الأربعة، وغالباً ما يستخدمون أقنعة أو ذيولاً رمزية. ويستعمل دوغين الظاهرة في حجته عن اتساع أشكال التعبير غير التقليدية في الغرب.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جون ميرشايمر كان في موسكو
- ما الذي يؤخر «النصر»؟
- من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
- ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف ...
- جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير ...
- «نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
- من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
- عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي ...
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا ...
- المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
- وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ ...
- جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
- حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
- إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
- ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ ...
- نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال ...
- «الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ ...
- ألكسندر دوغين - لا يمكن التوصل إلى إتفاق مع الغرب، ولذلك على ...
- جون ميرشايمر: الوعد الكاذب للسلاح النووي التكتيكي... عندما ي ...


المزيد.....




- إيران تكشف تفاصيل -مقترح جديد- قدمته لأمريكا: -لسنا في عجلة ...
- سفير إسرائيل يقترب من دبلوماسي إيراني ويستفزه بـ-جهاز- ويوجه ...
- سوريا ...استهداف حافلة لوزارة الدفاع في ريف دير الزور
- زاخاروفا: إستونيا ربت جيلا على -روح شباب هتلر-
- رئيس الوزراء الكندي يتحسب لاحتمال عمل أمريكي عسكري ضد بلاده ...
- رسائل نتنياهو الهجومية لفك عزلته الدولية
- الجمعية العامة.. اختبار -استعادة الثقة-
- لوبان تحذر فرنسا من استفزاز -الدب الروسي-
- أوتاوا تحذف اسم ترامب من جادة في العاصمة الكندية
- الإيكونوميست: عصر الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط يقترب من ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)