زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 10:25
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
مقدمة
تكتسب مسألة تعليم الفلسفة لليافعين في العصر الراهن طابعاً إشكالياً ملحاً يتجاوز مجرد النقاش البيداغوجي التقليدي. ففي زمن يتسم بتسارع المعلومات، وتشتت الانتباه، وتراجع القدرة على التفكير النقدي المستقل، وفي ظل تحولات ديمقراطية تتطلب مواطنين قادرين على الحوار والمساءلة، يبرز تعليم الفلسفة لا بوصفه ترفاً ثقافياً، بل بوصفه حاجة تكوينية أساسية. غير أن هذه الحاجة لا تُلبى بطريقة واحدة. فبين المنظور الأنجلوسكسوني الذي مهد له جون ديوي وبلوره بصورة واضحة ماثيو ليبمان عبر «فلسفة للأطفال» وما تطور عنها، والمنظور القاري الذي طوره ميشيل توزي عبر «المناقشة ذات الغاية الفلسفية» وجاك لوفين عبر مقاربة تجمع بين الفلسفي والنفسي-التربوي، تنفتح مساحات بيداغوجية متباينة في منطلقاتها وأهدافها وأدواتها. والمقاربة البيداغوجية لهذه الراهنية لا تسعى إلى المفاضلة السطحية، بل إلى استكشاف كيف يمكن لكل منظور أن يسهم في تشكيل ذات يافعة قادرة على التفكير، وعلى تحمل مسؤولية حكمها، وعلى العيش المشترك في عالم معقد. هكذا تطرح راهنية تعليم الفلسفة لليافعين إشكالية مزدوجة لا تقبل الحسم السريع. فمن جهة، يبدو هذا التعليم ضرورة ملحة في زمن يتسم بتسارع المعلومات وتراجع القدرة على التأمل والحكم المستقل. ومن جهة أخرى، يثير كل مشروع لتعليم الفلسفة في هذه المرحلة العمرية أسئلة جذرية حول طبيعة الفلسفة ذاتها، وحول إمكانية تعليمها، وحول الآثار التي يخلفها في ذوات ما زالت في طور التشكل. وبين المنظور الأنجلوسكسوني الذي بلوره ماثيو ليبمان عبر مجتمع البحث الفلسفي، والمنظور القاري الذي طوره ميشيل توزي عبر المناقشة ذات الغاية الفلسفية وجاك لوفين عبر مقاربة تجمع بين الفلسفي والنفسي-التربوي، لا ينفتح طريق واضح بقدر ما تتولد توترات متداخلة. المقاربة الاستشكالية هنا لا تسعى إلى ترجيح أحد المنظورين أو إلى دمجهما في صيغة توفيقية، بل إلى الكشف عن المفارقات والأسئلة التي تجعل من راهنية هذا التعليم موقعاً للتفكير المستمر لا للحلول الجاهزة. يبدأ الإشكال من مفهوم الراهنية ذاته. فحين يُقال إن تعليم الفلسفة لليافعين راهن، يُفترض أن هناك حاجة معاصرة يُجيب عنها هذا التعليم: حاجة إلى التفكير النقدي، أو إلى التربية على الحوار، أو إلى مقاومة التسطيح الرقمي، أو إلى بناء معنى في عالم مأزوم. غير أن هذا الافتراض يفتح سؤالاً أولياً: هل الفلسفة قابلة أصلاً لأن تُوظف للإجابة عن حاجات محددة دون أن تفقد طابعها الجذري كمساءلة غير مشروطة؟ وإذا كانت الراهنية تقاس بمدى استجابتها لتحديات العصر، أفلا تتحول الفلسفة إلى أداة ضمن أدوات أخرى، فتفقد بذلك ما يميزها؟ هكذا يظهر التوتر بين الحاجة التربوية الملحة وبين خطر الأداتية الذي يهدد كل مشروع لتعليم الفلسفة في السياق المدرسي. فماذا يتحقق من تعليم الفلسفة للأطفال؟ وكيف يتم ذلك؟ ماهي الأدوات البيداغوجية اللازمة لذلك؟ وماهي الأهداف القريبة والبعيدة التي نراهن عليها؟
المنظور الأنجلوسكسوني عند ديوي وليبمان
تكمن أهمية تدريس الفلسفة للأطفال وفقًا لجون ديوي تنبع من رؤيته البراغماتية للتربية، التي ترى الفلسفة نظرية عامة للتعليم، والتعليم عملية حياة مستمرة وليست إعدادًا للمستقبل فقط. جون ديوي (1859-1952) لم يضع برنامجًا محددًا بعنوان "فلسفة للأطفال" كما فعل لاحقًا ماثيو ليبمان (1922- 2010) (الذي استوحى مباشرة من ديوي)، لكنه ركز على تنمية التفكير التأملي والخبرة والبحث والاستقصاء كأساس للتربية. أفكاره في كتب مثل كيف نفكر؟، والديمقراطية والتربية، والخبرة والتربية تشكل الأساس الفلسفي لأهمية تعليم التفكير الفلسفي منذ الطفولة. من أبرز جوانب الأهمية حسب ديوي هو ما يلي:
-تنمية التفكير التأملي والاستقصائي: يرى ديوي أن المدرسة يجب أن تخلق ظروفًا تثير الفضول وتربط الخبرات، فتنتج تساؤلات ومشكلات تدفع الأفكار. الفلسفة هنا ليست حفظ نظريات أو أسماء فلاسفة، بل ممارسة التفكير المنطقي والنقدي وحل المشكلات انطلاقًا من تجارب الطفل. هذا يجعل الطفل نشطًا في بناء معرفته بدلًا من تلقيها سلبيًا.
-التربية على الديمقراطية والمواطنة: التعليم عند ديوي عملية حياة، والمدرسة مجتمع مصغر ديمقراطي. ممارسة الحوار الفلسفي (الاستماع للآخر، المناقشة العقلانية، الاعتراف بإمكانية الخطأ) تغرس فضائل المواطنة منذ الصغر. الأطفال مواطنون بالفعل، ويحتاجون إلى مهارات التفكير الجماعي لاتخاذ قرارات مبررة.
-الربط بالخبرة والنمو المستمر: يبدأ التعليم من اهتمامات الطفل وتجاربه الحقيقية، ثم يُعاد بناء الخبرة باستمرار. الفلسفة تساعد على جعل الخبرات ذات معنى أعمق، وتطوير القدرة على التصحيح الذاتي والفهم والحكم الرصين. هذا يدعم النمو الفردي والاجتماعي معًا، ويربط المدرسة بالحياة اليومية.
-مواجهة الجمود وتعزيز الإصلاح الاجتماعي: ينتقد ديوي التعليم التقليدي الذي يملأ العقول بمعلومات جاهزة. تعليم التفكير الفلسفي يحول الطفل من متلقٍ إلى مشارك نشط، ويساهم في إصلاح المجتمع من خلال أفراد قادرين على التفكير المستقل والتعاون. كيف يتجسد ذلك عمليًا؟
في رؤية ديوي، يكون المعلم ميسّرًا يوجه الاستقصاء انطلاقًا من أسئلة الأطفال واهتماماتهم، والمدرسة مختبرًا للخبرات المشتركة (اللعب، الأنشطة العملية، النقاش). هذا النهج أثر بشدة في حركة "الفلسفة للأطفال" ، حيث تُمارس الفلسفة عبر حوارات جماعية حول مشكلات يومية، بهدف تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداعي والرعاية والتعاون. باختصار، أهمية تدريس الفلسفة للأطفال عند ديوي ليست في جعلهم فلاسفة محترفين، بل في تمكينهم من التفكير الجيد، والنمو المستمر، والمشاركة الفعالة في حياة ديمقراطية قائمة على الخبرة والاستقصاء المشترك. هذه الرؤية تجعل الفلسفة أداة عملية للتربية لا مجرد مادة دراسية مجردة.
ينطلق المنظور الأنجلوسكسوني عند ليبمان وآن مارغريت شارب سنة 1970 من خلفية براغماتية مستلهمة من جون ديوي، ترى في التفكير مهارة قابلة للتعليم والتطوير عبر الممارسة الجماعية. ففي مجتمع البحث الفلسفي الذي يقترحه ليبمان، يتحول الفصل الدراسي إلى فضاء حواري منظم، حيث يقرأ اليافعون نصوصاً سردية مصممة لإثارة مشكلات منطقية وأخلاقية واجتماعية، ثم ينخرطون في نقاش جماعي يخضع لقواعد الاستماع والاحترام والبناء على أفكار الآخرين. الهدف المركزي هنا هو تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي والرعاية، أي القدرة على التحليل والاستدلال وتوليد البدائل والتعاطف المعرفي. البيداغوجيا الليبمانية تراهن على أن الفلسفة ليست مجموعة معارف جاهزة تُلقن، بل ممارسة حية تُكتسب عبر الاندماج في جماعة تبحث معاً عن المعنى. ومن هنا فإن الراهنية البيداغوجية لهذا المنظور تظهر في قدرته على مواجهة تحديات العصر الرقمي: ففي مواجهة التدفق المعلوماتي غير المنظم، يقدم مجتمع البحث أدوات لفرز الحجج، وتمييز المغالطات، وبناء مواقف مدعومة بأدلة. كما أنه يسهم في التربية على الديمقراطية من خلال تحويل الحوار إلى عادة يومية، لا إلى حدث استثنائي. غير أن هذه المقاربة، رغم قوتها الأداتية، تثير تساؤلات بيداغوجية حول مدى عمق الاشتغال على المفاهيم، وحول إمكانية أن يظل التفكير محصوراً في مهارات قابلة للقياس دون أن يبلغ مستوى المساءلة الوجودية أو الأنطولوجية. في المنظور الليبماني، تتجسد محاولة الإجابة عن هذه الحاجة عبر تحويل الفصل إلى مجتمع بحث فلسفي. يعتمد ليبمان على نصوص سردية تثير مشكلات، ثم ينظم حواراً جماعياً يهدف إلى تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي والرعاية. اليافع هنا يتدرب على الاستدلال وتمييز الحجج وبناء مواقف مشتركة. غير أن هذا المسار يثير إشكالات عميقة. هل اختزال الفلسفة في مجموعة مهارات تفكيرية يحافظ على جوهرها، أم يحولها إلى تقنية قابلة للقياس والتقييم؟ وإذا كان مجتمع البحث يراهن على الديمقراطية الحوارية، فأين يقع موقع السلطة المعرفية للمعلم أو للنص أو للقواعد المنظمة للحوار؟ ثم إن التركيز على المهارات الجماعية قد يهمل البعد الذاتي العميق للتفكير الفلسفي، فيصبح اليافع ماهراً في إدارة النقاش دون أن يختبر بالضرورة القلق أو الحيرة أو المسؤولية الوجودية التي ترافق التفلسف الأصيل. الراهنية الليبمانية، بهذا المعنى، قوية في مواجهة التشتت الرقمي وفي بناء عادات حوارية، لكنها تظل معلقة أمام سؤال ما إذا كانت تنتج مفكرين أم مجرد ممارسين لمهارات ناعمة. لكن التشجيع على تعليم الفلسفة لليافعين ومحاولة استثمار قدرتهم العديبة على طرح الأسئلة قد تفطن اليه بعض من فلاسفة القارة الأوروبية وخاصة كارل ياسبرس من ألمانيا الذي رأى في كتابه مدخل الى الفلسفة في السؤال الذي يلقيه الطفل هو اعلان عن المشروع الذي يسعى الى تحقيقه في وجوده. فكيف ساهم منظرو القارة في بلورة فلسفة للأطفال ونحت مفهوم الفيلسوف اليافع؟
المنظور القاري عند ميشيل توزي وليفين
في المنظور القاري عند توزي ولوفين، فينتقل مركز الثقل إلى عمليات أخرى. يُعتبر ميشيل توزي من أهم المتخصصين في ديداكتيك تعلم التفلسف، ويُعتبر أحد الرواد الفرنسيين في مجال الفلسفة مع الأطفال والمراهقين.يركز توزي على أن الهدف ليس «تعليم الفلسفة» (تاريخ المذاهب والنظريات) بل تدريب الأطفال على التفلسف، أي تمكينهم من ممارسة التفكير الفلسفي بأنفسهم. ويؤكد أن الطفل أكثر ميلاً إلى تعلم التفلسف منه إلى تعلم الفلسفة كمعرفة جاهزة. يحدد توزي ثلاث قدرات فكرية أساسية تشكل جوهر التفلسف، ويجب تدريبها بشكل مترابط:
المفهمة: تحديد معاني المفاهيم الأساسية (مثل الحق، الحرية، العدالة، السعادة...) وتوضيحها بدقة.
الأشكلة أو الاستشكال: تحويل الأفكار والمفاهيم إلى أسئلة إشكالية، واكتشاف المفارقات والتناقضات فيها.
المحاجة أو الحجاج: تقديم حجج وبراهين منطقية لدعم أو دحض موقف ما، وبناء استدلال متماسك.
هذه العمليات الثلاث تُمارس في وحدة فكرية واحدة موجهة نحو المعنى والحقيقة.
لقد طور توزي مع زملائه (مثل ألان ديلسول وسيلفان كوناك) طريقة تُسمى المناقشة ذات الأهداف الديمقراطية والفلسفية. تتميز هذه الطريق بالخصائص التاليةا:
جهاز ديمقراطي: توزيع أدوار على التلاميذ (رئيس الجلسة، موزع الكلام، ملخص، مراقب...) لمشاركة السلطة وتحرير الكلام ضمن قواعد واضحة.
متطلبات فكرية: التركيز على المفهمة والأشكلة والحجاج.
دور المعلم: ميسّر وموجّه فقط، لا يلقّن إجابات جاهزة.
الهدف المزدوج: تعلم التفكير الذاتي العقلاني + تعلم العيش معاً ديمقراطياً.
تُمارس هذه المناقشات منذ المرحلة الابتدائية (وحتى الروضة في بعض التجارب)، وفي الإعدادي والثانوي، وكذلك في المقاهي الفلسفية والجامعات الشعبية.
أهمية هذا التدريب حسب توزي تكمن في كونه يبني الحس النقدي والحجاجي لدى الطفل.
يساعده على مواجهة قضايا حياته اليومية برؤية فلسفية.
يرسّخ التربية الحوارية التي تجعل الطفل محوراً للعملية التربوية.
يساهم في تكوين مواطن قادر على التفكير المستقل والحوار العقلاني.
عند توزي، تغدو المناقشة ذات الغاية الفلسفية اشتغالاً منظماً على المشكلة والمفهوم والمفهمة والتمييز والحجاج، بهدف الارتقاء من الرأي إلى التفكير الفلسفي الصارم. وعند لوفين، يضاف بعد الإصغاء العميق إلى الذات المتكلمة، حيث تصبح الممارسة الفلسفية فضاءً يختبر فيه اليافع نفسه بوصفه ذاتاً قادرة على تحمل فراغ المعنى. هذا المنظور يبدو أكثر وفاءً لطابع الفلسفة كمساءلة جذرية، ويقدم إجابات أقوى عن أزمة المعنى التي يعيشها كثير من اليافعين. غير أنه يولد إشكالات مضادة. هل الاشتغال المفاهيمي المكثف ملائم لليافعين أم أنه يفرض عليهم تجريداً يتجاوز قدراتهم أو اهتماماتهم؟ وهل الإصغاء النفسي-التربوي الذي يؤكد عليه لوفين يظل داخل حدود الفلسفة، أم ينزلق إلى ممارسة تأويلية أو علاجية قد تُثقل على اليافع وتخلط بين مقام التفلسف ومقام البوح؟
ثم إن الصرامة التي يطلبها هذا المنظور قد تحول النقاش إلى تمرين نخبوي يُقصي من لم يتمكنوا بعد من أدوات التجريد، فيتناقض مع الادعاء بالراهنية الديمقراطية لتعليم الفلسفة. من هذا المنطلق ينبثق المنظور القاري عند ميشيل توزي من تقليد فلسفي أوروبي يضع المساءلة المفاهيمية في الصميم. فالمناقشة ذات الغاية الفلسفية التي طورها توزي لا تكتفي بتنمية مهارات التفكير، بل تسعى إلى جعل اليافعين ينتقلون من الرأي العفوي إلى المشكلة الفلسفية، ومن المشكلة إلى المفهوم، ومن المفهوم إلى المفهمة والتمييز والحجاج. البيداغوجيا هنا أكثر تنظيماً من حيث الاشتغال على عمليات التفكير الفلسفي ذاتها: طرح السؤال الجذري، وبناء المشكلة، واستكشاف الافتراضات الضمنية، والانتقال بين المستويات المجردة والملموسة. أما جاك لوفين فيضيف إلى هذا الأفق بعداً نفسياً-تربوياً عميقاً، مستلهماً من التحليل النفسي والفينومينولوجيا، حيث يرى في الممارسة الفلسفية مع اليافعين فضاءً لإصغاء خاص إلى الذات المتكلمة. فالفلسفة عنده ليست مجرد تمرين ذهني، بل فرصة لأن يختبر اليافع نفسه بوصفه ذاتاً مفكرة ومسؤولة، قادرة على تحمل فراغ المعنى وعلى بناء موقف أصيل.
أما جاك ليفين فيعارض النظرة الشائعة التي تصوّر أطفال العصر الحديث كـ«أطفال سيئين» أو مدمنين على الشاشات وعاجزين عن الجهد، ويرى أن الحل ليس في إعادة فرض السلطة التقليدية فقط.
بدلًا من ذلك، يقترح أن التربية الجيدة يمكن أن تساعد الطفل على بناء التفكير ضد الجسد الأولي (الجسد الذي يدفعه إلى الاندفاع والغرائز والعنف المحتمل). من خلال ورش عمل سماها ورش البحث في الشرط الإنساني ، يدعو الأطفال منذ مرحلة ما قبل المدرسة وحتى المراهقة إلى التفكير في الأسئلة الأساسية للحياة: من أنا؟ ما معنى الوجود؟ كيف نعيش مع الآخرين؟ ما العدل؟ ما الموت؟...هذه اللحظات من التفكير الجماعي ليست ترفًا، بل لحظات حاسمة: لنمو الشخصية الفردية. ولتحسين التعلم المدرسي.
لمستقبل كل فرد وللمستقبل الجماعي للبشرية. فلماذا «الطفل الفيلسوف» هو مستقبل الإنسانية؟
حسب ليفين وزملائه: عندما يمارس الطفل التفكير الفلسفي، يكتشف أنه قادر على التفكير في الأسئلة الكبرى، وهذا التفكير يربطه بالآخرين ويميزه في الوقت نفسه. فالفلسفة هنا ليست تعليم نظريات الفلاسفة، بل ممارسة التفكير النقدي والأخلاقي والحوار. هذا النوع من التربية يبني أفرادًا قادرين على مقاومة العنف والاندفاعية، ويساهم في تكوين مجتمع أكثر وعيًا وإنسانية. الكتاب مدعوم بأمثلة عملية كثيرة من الورش، ويطرح رؤية تربوية شاملة تتجاوز مجرد «وصفات تعليمية» إلى إعادة التفكير في التربية نفسها. صلة بالموضوع السابق (جون ديوي)مثل ديوي وماثيو ليبمان، يرى ليفين أن الطفل ليس متلقيًا سلبيًا، بل كائنًا قادرًا على الاستقصاء والتفكير التأملي. لكنه يركز أكثر على البعد النفسي والعاطفي والأخلاقي، وعلى «بناء الفكر ضد الاندفاع الجسدي» كشرط أساسي لمستقبل إنساني أفضل.
علاوة على ذلك يضيف فرانسوا غاليشيه، في كتابه الفلسفة في المدرسة، جملة من الأفكار الرئيسية حول الفلسفة والطفولة وتتمثل في ما يلي:
الأطفال فلاسفة بالفطرة: لديهم قدرة طبيعية على التساؤل والسذاجة الفلسفية (ما يسميه أحياناً «البلادة» بالمعنى الإيجابي عند دولوز)، أي عدم المعرفة المسبقة الذي يفتح باب البحث.
يرفض كلمة «تعليم» الفلسفة للأطفال ويفضل «ممارسة» الفلسفة أو «التفلسف».
يدافع عن تنوع الأساليب: المناقشات الجماعية (على طريقة مجتمع البحث عند ليبمان)، المعضلات الأخلاقية، التمارين الإبداعية، الربط بين الشفهي والكتابي...
يربط الفلسفة في المدرسة بالتربية على المواطنة والعيش المشترك.
يناقش النموذجين: النموذج الحجاجي السائد، والنموذج التأويلي (الهرمنيوطيقي) الذي يراه مكملاً ومفيداً.
من هذا المنطلق غاليشيه يجمع بين الصرامة الفلسفية والوضوح التربوي، ويقدم أدوات عملية للمعلمين الذين يريدون تنظيم ورش نقاش فلسفية دون تبسيط مفرط أو خطابات جاهزة. أعماله ما زالت تُستخدم وتُوزع مجاناً أحياناً في الأوساط التربوية الفرنسية.
أما الباحثة الكندية الفرنكفونية أنا ماري دوكلوس فترى أن فهم المشاعر لدى الأطفال مهم جداً لنموهم الشامل، لكن البرامج المدرسية نادراً ما تستهدفه بشكل مباشر. وتشير الدراسات إلى أن الأطفال (وحتى البالغين) يواجهون صعوبة في التعرف على مشاعرهم الأساسية. لذلك تعتمد على أن الجانب الحواري في برنامج ليبمان يربط بين الجانب المعرفي والجانب العاطفي. من خلال المناقشة الجماعية حول مفاهيم مرتبطة بالمشاعر، يتعلم الأطفال: التعرف على مشاعرهم وتسميتها. وفهم أسبابها وتأثيراتها. والتفكير فيها بشكل عقلاني دون أن يتحول الأمر إلى علاج نفسي. لقد أظهرت نتائج تجربتها أن الأطفال الذين شاركوا في جلسات الفلسفة للأطفال حققوا تحسناً أكبر في اختبار التعرف على المشاعر مقارنة بالمجموعة الضابطة. فوائد إضافية حسب دوكلوس تتمثل في المساعدة في تطوير الاستقلالية العاطفية.
إمكانية المساهمة في الوقاية من العنف من خلال فهم أفضل للانفعالات. وتعزيز التفكير النقدي والرعاية الذي يجمع بين العقل والمشاعر. لذلك تؤكد دوكلوس أن الفلسفة للأطفال ليست مجرد تدريب فكري مجرد، بل أداة عملية تساعد الطفل على فهم نفسه وعواطفه بشكل أعمق وأكثر وضوحاً، مما يساهم في حياة أكثر توازناً وسعادة.
في حين ذهبت إدويج شيروتر أستاذة الفلسفة وعلوم التربية بجامعة نانت في كتابها: «ممارسات الفلسفة مع الأطفال: قاعدة تعليمية للحوار بين الثقافات والتحول الاجتماعي» الى التركيز بشكل خاص على الربط بين الأدب الشبابي (أدب الأطفال) وممارسة التفلسف في المدرسة الابتدائية. وكان محور عملها: القراءة + التفكير + المناقشة . اذ تشير شيروتر إلى أن أدب الأطفال المعاصر (الألبومات، الحكايات، الروايات المصورة...) غني جداً بالقضايا الفلسفية الوجودية والأخلاقية (الموت، الحرية، العدالة، الصداقة، العنف، السعادة...). طريقتها تعتمد على ثلاث خطوات مترابطة في الصف الابتدائي:
القراءة: قراءة قصة أو ألبوم أدبي بصوت عالٍ (مثل أعمال كلود بونتي، تومي أونغيرر، كيتي كروثر...).
الهدف: خلق مسافة عاطفية آمنة تسمح للأطفال بالتفكير دون الحديث المباشر عن تجاربهم الشخصية.
التفكير: تحويل القصة إلى «تجربة فكرية». كما يُطلب من الأطفال وضع أنفسهم مكان الشخصيات، وطرح أسئلة مثل: «ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكانه؟» و«هل هذه التصرفات عادلة دائماً؟»
المناقشة: تحويل الصف إلى مجتمع بحث على طريقة ليبمان. فالأطفال يناقشون جماعياً، يحاجّون، يشكّكون، يبنون مفاهيم، تحت إشراف المعلم الذي يلعب دور الميسّر فقط.
أحدث كتبها تربط مباشرة بين الأدب الشبابي والتفلسف، ورؤيتها التربوية ترى فيها أن ممارسة الفلسفة منذ الروضة أو الابتدائي ليست مجرد نشاط إضافي، بل: اعتراف بالطفل كذات مفكرة وأداة للتحرر النقدي وبناء المواطنة ووسيلة لـ«اختراق» النموذج التقليدي للتدريس وإعطائه حيوية ومعنى أكبر.
باختصار، منهج شيروتر يقوم على استخدام القراءة الأدبية كمدخل طبيعي وآمن إلى التفكير الفلسفي ثم المناقشة الجماعية داخل المدرسة الابتدائية.
الراهنية البيداغوجية لهذا المنظور القاري تكمن في قدرته على مواجهة أزمة المعنى التي يعيشها كثير من اليافعين اليوم: ففي زمن يتسم بالسطحية والتشتت، يقدم الاشتغال الفلسفي العميق إمكانية لاستعادة القدرة على التساؤل الجذري، وعلى تحمل التعقيد، وعلى بناء علاقة أكثر أصالة مع الذات ومع الآخرين. غير أن هذا العمق نفسه يطرح تحديات بيداغوجية تتعلق بمدى ملاءمته للفئات العمرية المختلفة، وبمخاطر الانزلاق إلى نقاشات مجردة تبتعد عن اهتمامات اليافعين الملموسة، أو إلى أشكال من التأويل النفسي قد تتجاوز الإطار الفلسفي الصارم.
المقارنة بين المنظورين
من زاوية المقاربة البيداغوجية المقارنة، يتضح أن المنظورين ليسا متعارضين تعارضاً مطلقاً، بل يمثلان قطبين متكاملين داخل حقل تعليم الفلسفة لليافعين. فالمنظور الليبماني يتميز بقوته في بناء الجماعة الحوارية وفي جعل التفكير ممارسة اجتماعية ملموسة، بينما يتميز المنظور التوزي-اللوفيني بتركيزه على صرامة العمليات الفلسفية وعلى البعد الذاتي والوجودي للتفكير. راهنية الجمع بينهما تظهر اليوم أكثر من أي وقت مضى. ففي سياقات تربوية تتسم بالتنوع الثقافي والاجتماعي، يصبح من الضروري الجمع بين مهارات التفكير النقدي التي تسمح بالعيش المشترك، وبين القدرة على المساءلة الجذرية التي تحمي من الامتثال ومن الفكر الجاهز. بيداغوجياً، يمكن تصور مسارات تدمج بين النص السردي الليبماني بوصفه مدخلاً محفزاً، وبين أدوات الموضعة والتمييز التي يقترحها توزي، مع الحفاظ على فضاء الإصغاء العميق الذي يؤكد عليه لوفين. هكذا يتحول تعليم الفلسفة إلى ممارسة متعددة الأبعاد: اجتماعية ومنطقية ومفاهيمية ووجودية في آن واحد.وتتعزز هذه الراهنية حين ننظر إلى التحديات المعاصرة التي تواجه اليافعين. فالعالم الرقمي يفرض سرعة في تلقي المعلومات على حساب التأمل، وشبكات التواصل تشجع على الرأي السريع والانفعال بدل الحجاج الهادئ، والأزمات البيئية والاجتماعية تتطلب مواطنين قادرين على التفكير في قضايا معقدة تتجاوز المصلحة الفردية المباشرة. في هذا السياق، يقدم تعليم الفلسفة، سواء في صيغته الأنجلوسكسونية أو القارية، أدوات لمقاومة التسطيح ولإعادة بناء القدرة على الحكم المستنير. غير أن الراهنية البيداغوجية الحقيقية لا تكمن في اختيار أحد المنظورين ضد الآخر، بل في القدرة على تكييفهما مع السياقات المحلية، ومع خصوصيات اليافعين، ومع أهداف التربية في كل مجتمع. فالمقاربة البيداغوجية الناجحة هي تلك التي تجعل من الفلسفة تجربة حية يختبر فيها اليافع نفسه بوصفه ذاتاً مفكرة، قادرة على الحوار وعلى المساءلة وعلى تحمل مسؤولية مواقفها. بين المنظورين يتولد إشكال إضافي أكثر حدة. فالمنظور الأنجلوسكسوني يميل إلى جعل الفلسفة ممارسة اجتماعية أداتية نسبياً، بينما يميل المنظور القاري إلى استعادتها كممارسة مفاهيمية ووجودية. كيف يمكن الجمع بينهما دون أن يفقد كل طرف خصوصيته؟ وإذا اخترنا أحدهما، ألا نعيد إنتاج اختزال جديد؟ الراهنية المعاصرة تبدو وكأنها تطالب بالاثنين معاً: مهارات عملية لمواجهة التدفق المعلوماتي، وعمقاً وجودياً لمواجهة فراغ المعنى. لكن الإلحاح على الجمع قد يخفي صعوبة حقيقية في التوفيق بين منطق المهارات القابلة للتدريب ومنطق المساءلة التي ترفض أن تُختزل في مهارة. هكذا يظل السؤال معلقاً: هل يمكن لتعليم الفلسفة أن يكون في آن واحد تكوينياً للمهارات وجذرياً في المساءلة دون أن ينقسم على نفسه؟ويتعمق الإشكال حين ننظر إلى موقع اليافع ذاته. ففي كلا المنظورين يُفترض أن اليافع قادر على التفلسف، إما عبر مهاراته الحوارية أو عبر قدرته على المفهمة والإصغاء. غير أن هذا الافتراض يفتح أسئلة حول طبيعة الذات اليافعة: هل هي ذات جاهزة للتفلسف أم أنها تُنتج بوصفه ذاتاً متفلسفة عبر الممارسة نفسها؟ وما حدود المسؤولية التي يمكن تحميلها ليافع ما زال في طور بناء هويته حين يُدفع إلى مواجهة أسئلة جذرية حول المعنى والموت والعدالة والحرية؟ المنظور الليبماني قد يخفف من وطأة هذه الأسئلة بتحويلها إلى تمارين جماعية، بينما قد يزيدها المنظور القاري حدة بإصراره على العمق الذاتي. وفي كلا الحالين يبقى الإشكال قائماً: كيف نعلم الفلسفة دون أن نفرض على اليافع عبئاً وجودياً يفوق طاقته، ودون أن نسطّح الفلسفة حتى تفقد قدرتها على الإزعاج المثمر؟
خاتمة
في النهاية، تظل راهنية تعليم الفلسفة لليافعين قائمة في التوتر الخصب بين المنظور الأنجلوسكسوني عند ليبمان والمنظور القاري عند توزي ولوفين. الأول يمنحنا أدوات بناء الجماعة والمهارات التفكيرية العملية، والثاني يمنحنا صرامة المفاهيم وعمقاً وجودياً في الإصغاء إلى الذات. والمقاربة البيداغوجية لهذين المنظورين لا تسعى إلى الدمج الميكانيكي، بل إلى استثمار التوتر بينهما بوصفه مصدراً لإبداع مسارات تربوية جديدة. ففي زمن يحتاج فيه اليافعون إلى التفكير أكثر من حاجتهم إلى المعلومات الجاهزة، يصبح تعليم الفلسفة ليس خياراً إضافياً، بل ضرورة تكوينية تعيد إلى التربية بعدها الإنساني العميق: تكوين ذوات قادرة على التساؤل، وعلى الحوار، وعلى بناء معنى مشترك في عالم لا يكف عن التعقيد. من منظور استشكالي أوسع، تبدو راهنية تعليم الفلسفة لليافعين محكومة بتوتر دائم بين الضرورة والمخاطرة. الضرورة تأتي من حاجة العصر إلى ذوات قادرة على التفكير والحوار والمساءلة. والمخاطرة تأتي من احتمال أن يتحول هذا التعليم إلى أداة للتكيف الاجتماعي، أو إلى تمرين شكلي، أو إلى فضاء للبوح غير المنضبط، أو إلى خطاب نخبوي. وبين ليبمان من جهة وتوزي ولوفين من جهة أخرى، لا نجد حلاً لهذا التوتر بقدر ما نجد تجسيدين مختلفين له. الأول يراهن على الجماعة والمهارة فيؤجل السؤال الوجودي، والثاني يراهن على المفهوم والذات فيؤجل أحياناً سؤال الإدماج والملاءمة العمرية. والمقاربة الاستشكالية لا تطالب بالاختيار بينهما، بل تدعو إلى الإبقاء على التوتر حياً، بوصفه الشرط الذي يمنع تعليم الفلسفة من أن يتحول إلى وصفة جاهزة أو إلى حل سحري.
هكذا تظل راهنية تعليم الفلسفة لليافعين سؤالاً مفتوحاً أكثر مما هي إجابة مكتملة. هل يمكن تعليم التفلسف دون اختزاله؟ هل يمكن جعل الفلسفة راهنة دون أداتتها؟ هل يستطيع اليافع أن يحمل عبء المساءلة الجذرية دون أن يُثقل أو يُسطح؟ بين المنظور الأنجلوسكسوني والمنظور القاري، يبقى هذا الحقل التربوي-الفلسفي موقعاً لإشكالات متجددة، يذكرنا بأن كل محاولة لتعليم الفلسفة هي في الوقت نفسه محاولة للتفكير في حدود هذا التعليم ذاته. فكيف يمكن تطبيق مجتمع البحث الفلسفي عملياً؟ ومتى يرى مشروع فلسفة الأطفال النور؟
المصادر والمراجع:
John Dewey, The Child and the Curriculum, Chicago, Illinois, University of Chicago Press, coll. « Contributions to Education » (no 5) (réimpr. 1908, 2011, 2012) (1re éd. 1902), 48 p.
John Dewey, Democracy and Education : An Introduction to the Philosophy of Education, New York, The Macmillan company, coll. « Text-book series » (réimpr. 1997, 2004) (1re éd. 1916), 458 p.
John Dewey, Philosophy & Education in Their Historic Relations, Westview Press, 1993.
John Dewey,Mon credo pédagogique [« My Pedagogic Creed, 1897 »] (trad. Ou Tsui Chen), Paris, Vrin, 1958 (1re éd. 1931)
John Dewey,L’École et la société [« The School and Society, 1900 »]
John Dewey, Comment nous pensons [« How we Think, 1910 »] (trad. O. Decroly), Paris, Flammarion, coll. « Bibliothèque de philosophie scientifique », 1925
Matthew LIPMAN, Thinking in education, Cambridge Press, 1977.
Matthew LIPMAN, Harry Stotlemeier’s Discovery, Lisa, Sukie, Mark, Pixie, Kio and Gus, Elfie, Harry prime, Natasha, Nous, New Jersey, IAPC, 1977-1987.
Ann Margaret Sharp. Aux sources de la philosophie pour enfants 1970, (Sous la -dir-ection de), Megan Jane Laverty (Sous la -dir-ection de), Gaëlle Jeanmart (Préface), Johanna Hawken (Traduction), EditionVrin 2023 , Broché ,Collection Pratiques Philosophiques 454 pages
Michel Tozzi, Apprendre à philosopher par la discussion, De Boeck, 2001.
Levine, Jacques., L’enfant philosophe, avenir de l’humanité, ESF Editeurs, 2008, réédition 2014.
Michel sasseville, La pratique de la philosophie avec les enfants, Presse de l’Université Laval, 2009.
Duclos, Anne-Marie , La philosophie pour enfants comme outils de compréhension des émotions, Presses Académiques Francophones, 2012.
François Galichet, La Philosophie à l’école, Milan, 2007,
François Galichet, «Pratiquer la philosophie à l’école. 15 débats» (Nathan, 2004)
Edwige Chirouter, Lire, réfléchir et débattre à l’école élémentaire, Hachette Education, 2007
كاتب فلسفي
#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟