أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة















المزيد.....

حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 21:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هناك أجيال كاملة في تونس تعلّمت أن تحمل الشهادة كما يحمل الإنسان مفتاحا، ثم اكتشفت، بعد سنوات طويلة، أن الباب الذي وعدوه به لم يكن موجودا أصلا .
وراء كل شاب يقف اليوم في طابور مناظرة، أو يجلس في مقهى يراجع بريده الإلكتروني منتظرا اتصالا لا يأتي، أو يعود إلى بيت والديه بعد سنوات الجامعة حاملا ملفا أثقل من عمره، توجد حكاية إنسانية لا تختصرها نسبة البطالة . ووراء كل شابة صاحبة شهادة عليا تجد نفسها خارج سوق العمل، هناك سنوات من الدراسة والتعب والأحلام المؤجلة، وربما عائلة بأكملها راهنت على تعليم ابنتها باعتباره طريقها إلى الاستقلال والكرامة .
لهذا فإن معارك أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل ليست حركة احتجاجية عرضية، وليست مجرد مطالبة فئوية بالانتداب في الوظيفة العمومية . إنها، في العمق، عودة السؤال الاجتماعي التونسي إلى الشارع. إنها لحظة يقول فيها جيل كامل إن شيئا ما في طريقة إنتاج الثروة وتوزيعها قد انكسر، وإن الدولة التي طلبت منه أن يتعلم لم تعد قادرة على أن تفسر له لماذا أصبح العلم نفسه عاجزا عن فتح باب المستقبل .
ولعل أكثر ما يؤلم في المسألة أن هذا الجيل لم يطلب المستحيل .
قيل له : ادرس .
فدرس .
قيل له : احصل على شهادة .
فحصل عليها .
قيل له : طور نفسك، تعلم اللغات، اجتهد، كن كفؤا .
ففعل .
ثم، حين انتهى من كل ذلك، وجد نفسه أمام سوق عمل يقول له إن الكفاءة وحدها لا تكفي .
وهنا يتحول السؤال من سؤال فردي إلى سؤال طبقي : من صنع هذا السوق؟ ومن قرر أن تكون هذه هي فرص التنمية؟ ومن حدد أين يذهب الاستثمار؟ ومن جعل بعض الجهات خزانا للثروة وبعضها الآخر خزانا للبطالة؟
الأرقام الأخيرة للمعهد الوطني للإحصاء ليست مجرد أرقام باردة . في الثلاثي الثاني من سنة 2026 بلغت البطالة العامة 14.9 بالمائة، أي 622.4 ألف عاطل عن العمل . لكن المعطى الذي يستحق التوقف عنده هو أن عدد السكان النشيطين تراجع من 4.268 ملايين في الثلاثي الأول إلى 4.1905 ملايين في الثلاثي الثاني، كما تراجع عدد المشتغلين من 3.6263 ملايين إلى 3.5681 ملايين . ولذلك فإن انخفاض نسبة البطالة من 15 إلى 14.9 بالمائة لا ينبغي أن يقرأ وحده باعتباره تحولا جذريا في سوق العمل .
أما بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، فقد بلغت البطالة 35.4 بالمائة، بينما وصلت بطالة حاملي الشهائد العليا إلى 26.6 بالمائة . والأشد إيلاما أن النسبة لدى النساء صاحبات الشهائد العليا بلغت 35.6 بالمائة، مقابل 14.2 بالمائة لدى الرجال .
أي أننا لا نتحدث عن أزمة عابرة في التشغيل، وإنما عن جرح اجتماعي عميق، وعن اختلال يضرب الشباب والنساء وحاملي الشهائد في صميم علاقتهم بالمستقبل .
وهنا يصبح من الصعب أن نردد تلك العبارة التي طالما رددتها السياسات الليبرالية : «على الشباب أن يطوروا قابليتهم للتشغيل» .
أي تشغيل؟
وفي أي اقتصاد؟
ولمن؟
إن تحميل الشاب مسؤولية بطالته لأن مهاراته لا تتلاءم مع «حاجات السوق» يشبه مطالبة العامل بأن يفسر وحده لماذا أغلقت المؤسسة التي يعمل فيها . السوق ليس قوة طبيعية تهبط علينا من السماء . السوق يصنعه الاستثمار والسياسة الاقتصادية والجباية والبنية التحتية والتجارة والتعليم والائتمان وعلاقات الملكية وموازين القوى .
وهنا تصبح مقولة ماركس عن أن تاريخ المجتمعات هو تاريخ صراعاتها الاجتماعية أكثر من مجرد عبارة محفوظة . فالبطالة نفسها ليست حالة محايدة؛ إنها نتيجة لعلاقات إنتاج ولطريقة توزيع للثروة وللقرارات التي تحدد من يملك ومن يستثمر ومن يعمل ومن ينتظر .
لقد أنفق المجتمع التونسي سنوات طويلة وموارد ضخمة على تعليم أبنائه . لكن الاقتصاد لم يتغير بالعمق نفسه . توسعت الجامعة، وتوسعت أعداد الخريجين، بينما بقيت القاعدة الإنتاجية أضعف من أن تستوعب هذا التحول الاجتماعي .
وهكذا أصبحت الجامعة، في جانب منها، تنتج الأمل أكثر مما ينتج الاقتصاد فرصا لتحقيقه .
وهذا ليس فشلا للجامعة .
إنه فشل لنموذج اقتصادي .
ولذلك فإن العودة إلى قفصة ليست عودة إلى التاريخ من أجل التاريخ .
في 2008، عندما انفجرت انتفاضة الحوض المنجمي، لم يكن الأمر مجرد اعتراض على نتائج مناظرة انتداب . لقد تحولت مسألة الانتداب إلى مرآة لعلاقة كاملة بين الجهة والثروة والعمل والدولة . كان السؤال الذي يخرج من الرديف وأم العرائس والمتلوي و المظيلة هو : كيف يمكن لجهة تنتج ثروة وطنية هائلة أن تعاني في الوقت نفسه من البطالة والتهميش؟
كانت قفصة تقول شيئا ظل قائما إلى اليوم : ليست المشكلة دائما في غياب الثروة، وإنما في طريقة امتلاكها وتوزيعها وتحويلها إلى تنمية .
وهنا يمكن فهم لماذا كان شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية» أعمق من مجرد هتاف .
الشغل لم يكن مجرد راتب .
كان حقا في الوجود الاجتماعي .
والحرية لم تكن مجرد حرية الكلام .
كانت أيضا التحرر من الخوف ومن التبعية ومن سلطة من يستطيع أن يمنحك وظيفة أو يحرمك منها .
والكرامة لم تكن كلمة شاعرية .
كانت رفضا لأن يصبح حق الإنسان في العمل منحة، وأن يصبح مستقبله رهينا بشبكة من العلاقات والوساطات .
ولهذا لم يمت الشعار بسقوط بن علي .
لأن الأسباب الاجتماعية التي ولد منها لم تسقط معه .
لكن المشكلة اليوم أن أزمة التشغيل تتقاطع مع أزمة مالية واقتصادية عميقة، وهنا تظهر مسألة صندوق النقد الدولي .
لا يجوز أن نتعامل مع صندوق النقد وكأنه التفسير الوحيد للأزمة التونسية . الأزمة أقدم من أي برنامج حديث للصندوق، ولها جذور في نموذج التنمية، وفي ضعف الاستثمار، وفي المديونية، وفي عجز المؤسسات العمومية، وفي الاقتصاد الموازي، وفي التفاوت الجهوي، وفي خيارات اقتصادية تراكمت على مدى عقود .
لكن لا يجوز أيضا أن نتجاهل تأثير شروط الإصلاح المرتبطة بالتمويل الدولي .
ففي أكتوبر 2022 توصل صندوق النقد والسلطات التونسية إلى اتفاق على مستوى الخبراء حول برنامج تمويل بقيمة تقارب 1.9 مليار دولار على 48 شهرا . وتضمن البرنامج، بحسب وثائق الصندوق، التحكم في كتلة أجور الوظيفة العمومية، والإصلاح التدريجي للدعم العام، وإصلاح المؤسسات العمومية، وتوسيع القاعدة الجبائية، وتحسين مناخ الاستثمار، مع تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية .
هذه ليست دعاية ضد الصندوق .
هذه هي الوثائق الرسمية للصندوق نفسه .
والسؤال اليساري يبدأ من هنا، لا من الشتيمة ولا من التقديس .
إذا كانت الدولة مطالبة بالحد من نمو كتلة الأجور، وإذا كان الانتداب العمومي مطالبا بالانضباط، وإذا كانت المؤسسات العمومية مطالبة بإصلاحات عميقة، وإذا كان الدعم العام مطالبا بالتراجع تدريجيا، فأين هي الاستراتيجية المقابلة التي ستخلق عشرات الآلاف من الوظائف الجديدة؟
هذه هي الحلقة المفقودة .
فالقول للشاب : «الدولة لا تستطيع انتدابك» لا يكفي .
عليه أن يحصل أيضا على جواب عن السؤال الآخر : ماذا فعلت الدولة حتى يصبح الاقتصاد قادرا على تشغيلك؟
هنا بالضبط يصبح الإصلاح الاقتصادي سؤالا طبقيا .
ليس لأن كل إصلاح سيئ .
وليس لأن كل مؤسسة عمومية ناجحة .
وليس لأن كتلة الأجور لا تحتاج إلى إصلاح .
ولكن لأن السؤال الحقيقي هو : من يدفع ثمن الإصلاح، ومن يستفيد منه، ومن يقرر اتجاهه؟
كان ماركس يقول، في صياغته الشهيرة، إن «الفلاسفة لم يفعلوا غير تفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره» . والمعنى الذي يهمنا هنا أن معرفة حجم العجز أو البطالة لا تكفي . المهم أن نفهم الآليات التي تنتجها، ثم نغيرها.
اليسار لا ينبغي له أن يدافع عن سوء التصرف داخل المؤسسات العمومية، ولا عن البيروقراطية، ولا عن الفساد، ولا عن الانتدابات العشوائية .
لكن هناك فرق كبير بين إصلاح الدولة وتقليص الدولة .
هناك فرق بين مؤسسة عمومية تحتاج إلى حوكمة واستثمار وإدارة حديثة، وبين مؤسسة عمومية ينتهي بها الأمر إلى أن تصبح مجرد رقم في دفتر الخصخصة .
وهناك فرق بين إصلاح الدعم لحماية المال العام وتوجيهه بصورة أكثر عدالة، وبين تحميل الفئات الشعبية كلفة ارتفاع الأسعار ثم مطالبتها بالصبر .
وهناك فرق بين إصلاح الجباية، وبين جعل الأجير والمستهلك الحلقة الأسهل في سلسلة الجباية .
حتى وثائق صندوق النقد نفسها تتحدث عن توسيع شبكات الأمان الاجتماعي وعن تعويض الفئات الهشة عن آثار ارتفاع الأسعار . كما تتحدث عن توسيع القاعدة الجبائية وإدماج القطاع غير المنظم ومهن حرة في المنظومة الجبائية .
لكن اليسار يجب أن يذهب أبعد من سؤال التعويض .
لماذا ننتج الهشاشة ثم نعوض عنها؟
لماذا لا نبني اقتصادا يقلل الهشاشة من أصلها؟
لماذا لا يصبح الاستثمار العمومي أداة لصناعة فرص العمل بدلا من أن يكون مجرد بند يجري ضغطه كلما اشتدت الأزمة المالية؟
لماذا لا تتحول الثروات الوطنية إلى سلاسل إنتاج كاملة؟
لماذا يستخرج الفسفاط ولا نبني حوله منظومة صناعية وتكنولوجية واسعة؟
لماذا لا تصبح الطاقة المتجددة قطاعا صناعيا تونسيا، لا مجرد مشاريع استثمارية؟
لماذا لا يصبح البحث العلمي جزءا من عملية الإنتاج؟
لماذا تبقى الجهات الداخلية، في كثير من الأحيان، أقرب إلى مناطق استخراج للثروة منها إلى مراكز لإنتاجها وتحويلها؟
هذه الأسئلة أهم من أن نجيب عنها بعبارة «الصندوق طلب ذلك» .
لأن الصندوق ليس وحده من صنع الأزمة .
ولأن مواجهة الصندوق، إن تحولت إلى شعار فقط، لا تكفي أيضا .
المطلوب بديل اقتصادي .
وهذا هو الاختبار الحقيقي لليسار .
روزا لوكسمبورغ لم تكن ترى الحرية باعتبارها امتيازا يمنح من فوق، بل رأت أن التحرر لا يمكن أن يكون إلا فعلا جماعيا حيا . وهذا بالضبط ما تحتاجه معركة المعطلين .
فالمعطل الذي يتحرك وحده يبقى ملفا .
لكن المعطل الذي يلتقي بالعامل والطالب والفلاح وصغير الحرفيين يصبح جزءا من حركة اجتماعية .
والعامل الذي يدافع عن أجره فقط يبقى في معركة جزئية .
لكن العامل الذي يدافع أيضا عن حق أبناء العمال في الشغل والتعليم والصحة والجهة يصبح جزءا من مشروع طبقي أوسع .
وهنا ينبغي للاتحاد العام التونسي للشغل أن يستعيد المعنى الاجتماعي العميق لدوره .
قضية المعطلين ليست قضية خارج عالم الشغل .
إنها قضية الشغل نفسها .
فالطالب هو عامل الغد .
والمعطل هو قوة العمل التي عجز الاقتصاد عن استيعابها .
وابن العامل الذي حصل على شهادة جامعية ليس غريبا عن الطبقة العاملة .
والجهة التي تطالب بالتنمية ليست متسولة أمام العاصمة؛ إنها تطالب بنصيبها من الثروة التي ساهمت في إنتاجها .
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للحركة الاجتماعية هو أن تقبل بتقسيم الناس إلى ملفات : ملف العمال، ملف المعطلين، ملف الطلبة، ملف الجهات، ملف المؤسسات العمومية .
الرأسمال يعرف كيف يستفيد من هذا التقسيم .
أما اليسار الحقيقي فعليه أن يعرف كيف يوحد هذه المعارك دون أن يمحو خصوصية أي منها .
وهنا تستعيد مقولة لينين حول التنظيم معناها العملي : الغضب وحده لا يغير ميزان القوى .
الغضب طاقة .
لكن التنظيم هو الذي يحول الطاقة إلى قوة .
والمعطلون اليوم لا يحتاجون إلى الشفقة .
يحتاجون إلى تنظيم ديمقراطي، وإلى خطاب يربط حقهم في الشغل بحق المجتمع في نموذج اقتصادي مختلف، وإلى حركة تستطيع أن تجعل من البطالة قضية وطنية لا ملفا إداريا .
وتروتسكي، حين تحدث عن الثورة الدائمة، كان يرفض فكرة أن الإصلاحات الاجتماعية يمكن أن تعيش طويلا منفصلة عن طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي الذي ينتج التناقضات . وفي حالتنا التونسية، لا يمكن أن نطلب من جيل كامل أن يكتفي بفتات الإصلاحات بينما تظل البنية التي تنتج البطالة والتهميش كما هي .
لكن هذا لا يعني انتظار «الانفجار الكبير» .
التغيير الحقيقي يبدأ من المعارك اليومية حين تعرف القوى الاجتماعية كيف تربط بينها .
من المعركة على الشغل إلى المعركة على الاستثمار .
ومن الاستثمار إلى الجهة .
ومن الجهة إلى الثروة .
ومن الثروة إلى الملكية .
ومن الملكية إلى القرار السياسي .
هكذا يصبح الاحتجاج معرفة، والمعرفة تنظيما، والتنظيم قوة .
إن قضية البطالة في تونس ليست نقصا في الوظائف فقط.
إنها أزمة معنى .
ماذا نقول لشاب قضى ستة عشر عاما أو أكثر في التعليم ثم اكتشف أن المجتمع لا يحتاج إلى ما تعلمه؟
ماذا نقول لشابة تحصل على شهادة عليا ثم تجد أن احتمال بقائها خارج سوق العمل أكثر من ضعف احتمال الرجل؟
ماذا نقول لعائلة باعت قطعة أرض أو اقترضت المال حتى يصل ابنها إلى الجامعة ثم تراه بعد التخرج يعود إلى البيت؟
ماذا نقول لشاب من قفصة أو القصرين أو سيدي بوزيد أو الكاف حين يرى الثروة تمر من أمامه بينما يبقى هو ينتظر؟
لا يمكن الإجابة عن هؤلاء بجدول إحصائي .
ولا بخطاب عن «القدرة التنافسية» .
ولا بشعار «اصنع مشروعك بنفسك» .
هؤلاء بشر قبل أن يكونوا قوة عمل .
وهذه هي النقطة التي يجب أن يستعيدها اليسار : الاقتصاد موجود من أجل الإنسان، وليس الإنسان موجودا من أجل الاقتصاد .
حين يتحول الإنسان إلى رقم في حسابات العجز، وحين يصبح العامل «كلفة»، والمعطل «عبئا»، والمؤسسة العمومية «خسارة»، والدعم «تشوها»، علينا أن نسأل : أين اختفى الإنسان من الاقتصاد؟
إن تونس لا تحتاج إلى خطاب يعد الجميع بالانتداب .
لكنها تحتاج بالتأكيد إلى مشروع يجعل العمل حقا اجتماعيا قابلا للتحقق .
وهذا يتطلب سياسة صناعية حقيقية، وسياسة فلاحية جديدة، وربطا بين الجامعة والبحث والإنتاج، واستثمارا عموميا في الجهات، وتحويلا للثروات الطبيعية داخل البلاد، وتطويرا للصناعات التحويلية، ودعما للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وإصلاحا حقيقيا للمنظومة الجبائية، ومقاومة جدية للتهرب، وحوكمة للمؤسسات العمومية لا تقوم على التفكيك الآلي، وإعادة بناء لدور الدولة باعتبارها أداة للتنمية الاجتماعية .
ليس المطلوب أن تكون الدولة هي المشغل الوحيد .
المطلوب أن تكون الدولة هي التي تصنع شروط اقتصاد قادر على التشغيل .
وهذا فرق جوهري .
فالدولة التي تنتدب عشرة آلاف شاب ثم تترك الاقتصاد كما هو ستعيد إنتاج البطالة بعد سنوات .
أما الدولة التي تستثمر في الإنتاج والبنية التحتية والبحث العلمي والطاقة والصناعة والفلاحة والخدمات، فإنها لا تخلق وظائف فقط؛ إنها تغير طبيعة الاقتصاد نفسه .
وهنا يصبح شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية» أكثر راهنية من أي وقت مضى .
الشغل ليس صدقة .
والشهادة ليست تذكرة عبور إلى الطابور .
والكرامة ليست منحة حكومية .
والجهة ليست هامشا .
والقطاع العمومي ليس ملكا خاصا للبيروقراطية .
والثروة الوطنية ليست غنيمة لمن يستطيع الوصول إليها .
أما السيادة الاقتصادية فلا تعني فقط أن نقول «لا» لصندوق النقد الدولي .
السيادة الحقيقية هي أن نملك اقتصادا يستطيع أن ينتج .
أن ننتج غذاءنا .
أن نطور طاقتنا .
أن نحول ثرواتنا .
أن ننتج المعرفة .
أن نملك القدرة على تمويل الاستثمار .
أن نخلق العمل .
وأن يكون المجتمع، لا الأسواق المالية وحدها، صاحب الكلمة في تحديد أولويات التنمية .
لذلك فإن السؤال الذي تطرحه معارك أصحاب الشهائد العليا اليوم ليس : كم شخصا ستنتدب الدولة؟
السؤال أعمق وأخطر :
أي اقتصاد نريد؟
ومن يقرر اتجاهه؟
ومن يملك ثروته؟
ومن يتحمل كلفة أزماته؟
ومن يستفيد من نموه؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل معركة المعطلين عن العمل معركة سياسية واجتماعية بامتياز .
إنهم لا يقفون فقط أمام إدارة مغلقة الأبواب .
إنهم يقفون أمام نموذج اقتصادي كامل .
يحملون شهاداتهم، نعم .
لكنهم يحملون معها سؤالا عن الوطن .
سؤالا عن الثروة .
سؤالا عن العدالة .
سؤالا عن المستقبل .
ولعل أقسى ما في المشهد أن هذا الجيل لا يطلب أن يعيش أفضل من آبائه .
إنه يطلب فقط أن تكون له فرصة كي يعيش .
ولهذا فإن معركة المعطلين ليست معركة جيل ضائع .
إنها معركة جيل يرفض أن يكون فائضا عن الحاجة .
وحين يرفض الإنسان أن يكون فائضا عن الحاجة، تبدأ السياسة الحقيقية .
وحين يلتقي هذا الرفض بمعارك العمال والطلبة والفلاحين وأبناء الجهات المهمشة، يصبح الغضب قوة .
وحين تتحول القوة إلى تنظيم، يصبح ممكنا أن يتحول السؤال من «متى تمنحوننا العمل؟» إلى السؤال الذي تخشاه كل البنى المغلقة :
من يقرر كيف ننتج، وكيف نعيش، وكيف نوزع الثروة؟
هناك، بالضبط، يبدأ المعنى الحقيقي للاشتراكية .
وهناك، أيضا، يمكن أن يعود شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية» من ذاكرة الثورة إلى مستقبلها .



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
- بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
- الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
- الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
- حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا ...
- المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
- الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
- الفساد حين يأكل من لحم الناس .
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ...
- الهجرة ليست هروبا ...
- أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل ...
- من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق ...
- ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
- حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
- مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح ...
- ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
- الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
- حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ...
- حين تتصافح المصالح
- رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر ...


المزيد.....




- شاهد.. سر استراتيجية وارن بافيت التي جعلته أحد أغنى أغنياء ا ...
- حصري لـCNN: خطأ من الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حرباً بين أمريك ...
- الشيباني يلتقي مسؤولين روس عقب جولة في مطار اللاذقية الدولي ...
- -رأيت بركة من الدماء-.. قرش يفترس سباحا قبالة شاطئ أسترالي
- عرب برلين.. بوادر عزوف انتخابي في زمن حزب البديل
- من الاستقالة إلى حجب الثقة.. آليات دستورية لإنهاء عهد ميرتس ...
- بوتين يؤكد استمرار تدفق الأسلحة الحديثة دون انقطاع إلى القوا ...
- جيش لبنان بين دعم أمريكي وتشكيك إسرائيلي
- مطالب عسكرية إسرائيلية -كبيرة- بعد إعلان واشنطن نيتها بيع مق ...
- البنتاغون ينشر مقاطع فيديو توثق تحليق أجسام طائرة مجهولة في ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة