أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .















المزيد.....


الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 04:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الاحتجاج الدغمائي ليس هو الاحتجاج القوي، وليس هو التشبث بالمبادئ، وليس هو رفض الظلم أو مقاومة السلطة أو الدفاع عن مصالح الكادحين . كثيرا ما تختلط هذه الأشياء ببعضها حتى يصبح كل من يرفض المساومة في قضية عادلة متشددا، وكل من يتمسك بموقف مبدئي دغمائيا، وكل من يطالب بتغيير جذري حالما أو منفصلا عن الواقع . المسألة أعمق من ذلك بكثير . فالاحتجاج يصبح دغمائيا في اللحظة التي يتوقف فيها عن كونه فعلا من أفعال الصراع ويصبح فعلا من أفعال إثبات الذات، حين يصبح المناضل منشغلا بإثبات أنه ما زال وفيا للشعار أكثر من انشغاله بالسؤال البسيط والقاسي : ماذا فعلنا بهذا الاحتجاج؟ ماذا غيرنا؟ ماذا بنينا؟ ماذا تركنا وراءنا من قوة؟ وهل أصبح الناس الذين خرجوا معنا اليوم أكثر قدرة على الفعل غدا أم عادوا إلى بيوتهم بالهتاف نفسه والغضب نفسه والعجز نفسه؟
وهنا تحديدا تبدأ المسافة بين المبدئية والدغمائية . المبدئية تعني أن نعرف لماذا نقاتل، وأن نحافظ على البوصلة حتى عندما تتغير الطرق . أما الدغمائية فتعني أن تتحول الطريق نفسها إلى عقيدة، وأن يصبح تغيير الوسيلة خيانة، ومراجعة التكتيك تراجعا، والاعتراف بالخطأ ضعفا، والاستماع إلى الناس تنازلا عن «الخط الثوري» . عندها لا يعود الواقع مختبرا للأفكار، بل يصبح الواقع نفسه متهما لأنه لم يثبت صحة الفكرة التي نحملها في رؤوسنا .
وهذه واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في تاريخ اليسار : أن الحركة التي جاءت أصلا لتحرير الإنسان من كل أشكال الجمود قد تتحول، إذا فقدت روحها النقدية، إلى منظومة من اليقينيات المغلقة؛ وأن المناضل الذي خرج ذات يوم بحثا عن الحرية يمكن أن يجد نفسه بعد سنوات يحرس حدودا فكرية صارمة، يراقب الكلمات، ويفتش في مواقف رفاقه عن علامات الانحراف، ويقيس درجة الثورية بحدة العبارة، فيما العامل الذي يفترض أن يكون موضوع كل هذا الصراع لا يجد في حياته اليومية ما تغير فعلا .
ماركس لم ينظر إلى الفكر باعتباره شيئا قائما فوق الحياة . في أطروحاته حول فويرباخ، جعل الممارسة مركزا لفهم الحقيقة، وقال إن الحياة الاجتماعية في جوهرها ممارسة، وختم بعبارته التي ظلت واحدة من أكثر العبارات اختصارا لروح الماركسية : «لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المطلوب هو تغييره» . وهذه العبارة لا تعني أن التفكير غير مهم، ولا أن النظرية يمكن الاستغناء عنها، وإنما تعني شيئا أكثر قسوة : أن الفكرة التي لا تدخل في صراع الحياة، ولا تختبر نفسها في الممارسة، ولا تسمح للواقع بأن يصححها، معرضة لأن تتحول إلى عقيدة مغلقة .
والإنسان الذي يعيش القهر لا يحتاج من اليسار إلى من يشرح له أنه مقهور . هو يعرف ذلك من جسده، من أجره، من فاتورة الكهرباء، من طوابير المستشفى، من البطالة التي أكلت سنوات شبابه، من ابنه الذي يبحث عن عمل، من حيه الذي يشرب الماء بصعوبة، من المصنع الذي يعمل فيه عشر ساعات ثم يعود إلى بيت لا يكفيه فيه راتبه حتى منتصف الشهر . لا يحتاج هذا الإنسان إلى خطيب يثبت له أن النظام ظالم؛ إنه يحتاج إلى قوة تساعده على تحويل غضبه إلى قدرة، ومظلوميته إلى تنظيم، وتنظيمه إلى فعل، وفعله إلى مكسب، ومكاسبه الجزئية إلى وعي جديد بما يمكن أن يكون عليه العالم .
هنا تكمن المسألة .
الثوري الحقيقي لا يحتقر الغضب الشعبي، لكنه لا يعبده أيضا . يعرف أن الغضب بداية، وليس استراتيجية. وأن الشارع قد يفتح الباب، لكنه لا يدخل وحده . وأن الهتاف قد يجمع الناس للحظة، لكنه لا يبني بالضرورة تنظيما . وأن المسيرة قد تهز السلطة ، لكنها قد تنتهي أيضا من دون أن تترك خلفها إلا الصور والمنشورات والذكريات .
لهذا فإن السؤال الذي يجب أن يؤرق اليسار ليس : هل كان احتجاجنا راديكاليا بما يكفي؟ وإنما : هل جعلنا الناس أقوى؟
وهذا السؤال ليس أقل ثورية من أي شعار . وربما كان أكثر ثورية .
لأن الثورة في نهاية الأمر ليست مسابقة في ارتفاع الصوت، ولا بطولة في القدرة على الرفض، ولا امتحانا أخلاقيا يتنافس فيه المناضلون على من بقي أكثر نقاء . الثورة صراع حقيقي بين قوى اجتماعية حقيقية، بين مصالح متناقضة، بين طبقات ومؤسسات وأجهزة وأموال وأفكار وتنظيمات . ومن لا يرى هذا التعقيد يحول السياسة إلى مسرح أخلاقي : نحن الخير المطلق وهم الشر المطلق، نحن المبدئيون وهم المتنازلون، نحن الثوريون وهم الإصلاحيون . وفي هذا المسرح المريح جدا يمكن للمرء أن يشعر بأنه منتصر حتى وهو يخسر كل شيء في الواقع .
لينين، وهو من أكثر الثوريين تشددا في مسألة الاستقلال الطبقي والصراع ضد الانتهازية، لم يفهم السياسة بهذه الطريقة المغلقة . في نقده لما سماه «مرض اليسارية الطفولي» حذر من رفض التسويات من حيث المبدأ، وميز بين تسويات تخدم الانتهازية وتسويات يمكن أن تكون جزءا من الصراع الثوري . وهذا مهم لأن لينين لم يكن يقول للثوريين : تنازلوا . كان يقول لهم، في جوهر الأمر: لا تجعلوا من الرفض عقيدة تعفيكم من التفكير. اقرأوا الحالة الملموسة . انظروا إلى القوى الموجودة. اعرفوا من يتقدم ومن يتراجع . اسألوا ما الذي يخدم استقلال الحركة العمالية وما الذي يذيبها . لا تحكموا على التكتيك بالكلمات التي تصفه، بل بالوظيفة التي يؤديها داخل الصراع .
وهنا يظهر الفرق بين الثوري والانتهازي من جهة، وبين الثوري والدغمائي من جهة أخرى . الانتهازي يتخلى عن الهدف من أجل مكسب قريب . أما الدغمائي فقد يتخلى عن المكسب الممكن وعن تراكم القوة لأنه يخشى أن يبدو متساهلا. الأول يبيع المبدأ، والثاني قد يحوّل المبدأ إلى حجر في الطريق .
والحركة الشعبية لا تعيش بالحجارة .
هي تعيش بالبشر .
وهذه نقطة كثيرا ما ننساها عندما نغرق في اللغة السياسية . خلف كل شعار هناك إنسان . خلف كل إضراب عامل قد يخشى على أجره . خلف كل مسيرة أم تفكر في ثمن الخبز حين تعود إلى البيت . خلف كل شاب يرفع قبضته في الشارع خوف حقيقي من المستقبل، وحاجة إلى الكرامة، ورغبة في أن يشعر لأول مرة أن حياته ليست مجرد هامش في دفتر السلطة . خلف كل هتاف شخص يبحث عن مكان له في هذا العالم .
الثوري الذي لا يرى هؤلاء البشر، ويرى فقط «الكتلة» و«الجماهير» و«الطبقة»، يمكن أن يسقط في تجريد يشبه التجريد الذي حاربه ماركس نفسه . فالإنسان عند ماركس ليس فردا معزولا عن التاريخ والعلاقات الاجتماعية؛ إنه يعيش داخل شبكة من العلاقات التي تشكل وجوده . ولذلك فإن العمل الثوري ليس أن نضع الناس داخل قوالب جاهزة، وإنما أن نفهم كيف يعيشون، كيف يفكرون، كيف يخافون، كيف يحلمون، وكيف يمكن لهذا الوعي المتناقض أن يتحول من وعي مشتت إلى قوة جماعية .
ربما هنا بالذات ينبغي أن نتوقف طويلا أمام تروتسكي . فحين صاغ فكرة البرنامج الانتقالي لم يكن يبحث عن وصفة سحرية، وإنما كان يحاول التفكير في المشكلة القديمة نفسها : كيف نعبر من المطالب التي يعيشها الناس الآن إلى أفق تغيير اجتماعي أوسع، وكيف يصبح النضال اليومي نفسه جسرا نحو وعي وقدرة أكبر، بدل أن يبقى منفصلا عن الحلم الاشتراكي . وقد صاغ الفكرة باعتبارها محاولة لبناء «جسر» بين المطالب الراهنة ووعي الجماهير وبين البرنامج الاشتراكي .
وهذا الجسر هو ما نفتقده حين يصبح الاحتجاج منفصلا عن الحياة .
عامل يطالب بتحسين أجره ليس بالضرورة إصلاحيا لأنه لم يبدأ حديثه بإسقاط الرأسمالية . والموظف الذي يدافع عن مؤسسته العمومية ليس أقل وعيا طبقيا لأنه يريد في البداية إنقاذ راتبه ومستقبله . والشاب العاطل الذي يطالب بعمل ليس مطالبا بأن يمتلك منذ اللحظة الأولى تحليلا كاملا للرأسمالية التبعية . والمرأة التي تناضل من أجل حقها في المساواة لا تحتاج إلى اجتياز امتحان أيديولوجي حتى يصبح نضالها جزءا من الصراع الاجتماعي .
مهمتنا ليست أن نسأل الناس : لماذا لا تفكرون مثلنا؟
السؤال الأكثر ثورية هو : كيف نستطيع أن نتحرك معكم من النقطة التي أنتم فيها نحو النقطة التي نستطيع أن نصل إليها معا؟
هنا تصبح السياسة فنا للوصل، لا فنا للعزل .
لكن الدغمائية تفعل العكس . إنها تبدأ عادة من فكرة صحيحة ثم تقتلها بالإفراط في تجميدها . تبدأ من ضرورة الدفاع عن الاستقلال الطبقي، فتحول الاستقلال إلى عزلة . تبدأ من رفض التبعية للأحزاب البرجوازية، فتحول الرفض إلى رفض لكل تعاون تكتيكي ممكن . تبدأ من ضرورة الحفاظ على الهوية الثورية، فتحول الهوية إلى جدار يمنع الحركة من الاقتراب من الناس . تبدأ من نقد الإصلاحية، ثم تنتهي إلى رفض كل إصلاح يمكن أن يحسن موقع الناس في الصراع .
وهنا تصبح الثورة، عاجزة عن لمس الحياة التي تقول إنها جاءت لتغييرها .
إن اليسار الذي يخاف من كل انتصار صغير لأنه ليس الثورة نفسها، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام جماهير لم تعد تصدقه . والناس لا يبتعدون عن اليسار لأنهم صاروا بالضرورة أقل ثورية، بل لأنهم يريدون أن يروا أن النضال قادر على أن يفعل شيئا في حياتهم . يريد العامل أن يعرف ماذا ربح . تريد العائلة أن تعرف هل تحسن وضعها . يريد الشاب أن يرى بابا فتح أمامه . تريد المرأة أن تعرف هل أصبح لها مكان أوسع في الحياة العامة . يريد الناس أن يشعروا بأن مشاركتهم لم تكن مجرد وقود لمشهد سياسي آخر .
ليس من حقنا أن نطلب من الناس أن يضحوا بلا نهاية من أجل انتصار مؤجل إلى زمن لا نعرفه .
وفي المقابل ليس من حقنا أيضا أن نبيعهم الوهم بأن إصلاحا صغيرا هو نهاية الصراع .
بين الأمرين توجد السياسة الثورية .
وهذا بالضبط ما يجعل التنظيم أهم من الاحتجاج المنفرد . لأن الاحتجاج يمكن أن ينفجر ثم يخمد، أما التنظيم فيحفظ الذاكرة والخبرة ويمنح الناس القدرة على العودة إلى الصراع وهم أقوى مما كانوا عليه . الاحتجاج يقول : نحن هنا . التنظيم يقول : وسنبقى هنا . الاحتجاج يعبّر عن الغضب. التنظيم يمنح الغضب شكلا وذاكرة واستمرارية . الاحتجاج يفتح نافذة . التنظيم يحاول أن يمنع إغلاقها .
ولهذا فإن كل حركة احتجاجية لا تسأل عما ينبغي أن يبنى بعدها تظل مهددة بأن تصبح مجرد دورة من دورات الغضب .
نخرج، نهتف، نتصادم، نتعب، نتراجع، ثم ننتظر المناسبة القادمة .
وفي كل مرة نبدأ من الصفر.
وهذه ليست ثورية، مهما كان عدد الرايات حمراء .
الثورية هي ألا نبدأ من الصفر .
أن يحمل احتجاج اليوم خبرة الأمس .
أن يدخل العامل المعركة القادمة وهو أكثر تنظيما مما كان عليه في السابقة .
أن تعرف الأحياء كيف تتضامن .
أن تتعلم النقابات من أخطائها .
أن يصبح الشباب منتجين للقرار لا مجرد جمهور للخطابات .
أن تتطور الديمقراطية الداخلية داخل التنظيمات، حتى لا يصبح الحديث عن تحرير المجتمع قائما على تنظيمات صغيرة تعيد إنتاج الهرمية والصمت والخوف.
أن يصبح النقد عادة صحية لا جريمة .
أن يستطيع الرفيق أن يقول لرفيقه : أخطأنا .
وأن يستطيع الآخر أن يجيب : نعم، فلنحاول مرة أخرى .
هذه الروح النقدية ليست ترفا فكريا. إنها شرط من شروط بقاء اليسار حيا .
فاليسار الذي لا يستطيع نقد نفسه سيجد دائما عدوا خارجيا يفسر له كل هزيمة . السلطة هي السبب، الإعلام هو السبب، الجماهير لم تفهم، الظروف لم تكن ناضجة، الرفاق خانوا، التنظيم الآخر عرقل، التاريخ لم يكن معنا . قد تكون بعض هذه الأشياء صحيحة في حالات كثيرة، لكن الحركة التي تجعلها تفسيرها الدائم تعفي نفسها من السؤال الأكثر إيلاما : ماذا كان علينا نحن أن نفعل بصورة مختلفة؟
وهنا يصبح النقد الذاتي فعلا ثوريا، لا فعلا جلديا .
أن نقول إننا أخطأنا لا يعني أننا خذلنا القضية .
أن نراجع التكتيك لا يعني أننا تخلينا عن الهدف .
أن نعيد النظر في طريقة الاحتجاج لا يعني أننا تراجعنا عن حق الاحتجاج .
أن نقترب من الناس بلغتهم اليومية لا يعني أننا تخلينا عن الماركسية .
وأن نبحث عن مساحات فعل مشتركة لا يعني أننا نسينا الاختلافات الطبقية والسياسية .
على العكس تماما : أحيانا لا يصبح المبدأ قويا إلا عندما يعرف كيف يتحرك .
لقد أثبتت التجربة التاريخية التي استند إليها لينين أن الانتصارات لم تكن نتاج لحظة واحدة أو اندفاع عاطفي، وإنما ثمرة إعداد وتنظيم وتعلم وتغيير في الأساليب . وهذه ربما واحدة من أكثر الدروس التي تحتاجها حركات اليسار اليوم : لا توجد وصفة واحدة تصلح لكل زمن، ولا توجد حركة ثورية تعفي نفسها من قراءة الواقع في كل مرة .
فالتاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة التي نريدها .
والرأسمالية نفسها تغيرت .
والعمل تغير .
والعامل تغير .
والتكنولوجيا دخلت في الإنتاج وفي الحياة اليومية وفي التنظيم وفي المراقبة وفي تشكيل الرأي العام . والسلطة لم تعد تظهر فقط في مكتب حكومي أو جهاز أمني؛ إنها موجودة أيضا في خوارزمية، وفي منصة، وفي عقد عمل هش، وفي اقتصاد رقمي، وفي سوق عالمي يستطيع أن ينقل رأس المال في لحظة ويترك العامل أمام مصنع مغلق .
لهذا لا يمكن لليسار أن يواجه رأسمالية القرن الحادي والعشرين بأدوات ذهنية جمدت في القرن العشرين، ولا أن يحول ماركس ولينين وتروتسكي إلى تماثيل فكرية . احترامهم الحقيقي لا يكون بتحويل كتبهم إلى نصوص مقدسة، وإنما بامتلاك الشجاعة التي امتلكوها هم أنفسهم في مواجهة واقعهم .
ماركس لم يكن ناسخا لماركس .
لينين لم يكن نسخة من أحد .
وتروتسكي لم يكن يكتب تاريخ الثورة باعتباره حاشية على كتاب سابق .
كانوا يفكرون في واقعهم، ويختلفون، ويخطئون، ويعيدون التفكير، ويبحثون عن الطريق وسط عالم لم يكن يضمن لهم أي جواب جاهز .
وهذا هو جوهر الفكر الثوري الحي .
أن نكون قادرين على قول : لا نعرف بعد، فلنبحث .
أن نقول : أخطأنا، فلنصحح .
أن نقول : هذه الوسيلة لم تعد صالحة، فلنغيرها .
أن نقول : هذا الموقف مبدئي، ولذلك بالضبط لا يجوز أن نحوله إلى طقس .
فالاشتراكية التي نريدها ليست اشتراكية الإنسان الذي يطيع، وإنما اشتراكية الإنسان الذي يصبح حرا وقادرا على المشاركة في صناعة مصيره . وإذا كان هدفنا تحرير الإنسان، فلا يمكن أن يكون الطريق إلى ذلك بناء ثقافة سياسية تخاف من السؤال وتقدس الإجابة الجاهزة .
الدغمائية في جوهرها ليست مجرد خطأ نظري؛ إنها مشكلة في علاقتنا بالإنسان .
لأن الدغمائي يرى في الإنسان مادة لتطبيق الفكرة، بينما يرى الثوري فيه شريكا في إنتاج الفكرة والممارسة .
الدغمائي يقول : لديكم البرنامج، اتبعوه .
الثوري يقول : لنقرأ واقعنا معا، ولنبحث عن القوة التي تستطيع تغييره .
الدغمائي يخاف من تناقض الناس .
الثوري يعرف أن الناس متناقضون لأن الحياة نفسها متناقضة .
الدغمائي يريد جماهير مطابقة للنظرية .
الثوري يبني نظرية قادرة على فهم الجماهير كما هي، لا كما يتمنى أن تكون .
وفي هذا المعنى يصبح الاحتجاج الدغمائي أخطر مما يبدو . لأنه لا يقتل الاحتجاج فقط، وإنما يقتل القدرة على التعلم من الاحتجاج . يجعل كل تجربة إثباتا للعقيدة، حتى عندما تكون النتيجة هزيمة . فإذا نجح الاحتجاج، كان ذلك دليلا على صحة الخط . وإذا فشل، كان أيضا دليلا على صحة الخط لأن الجماهير لم تكن جاهزة أو لأن الخصم كان أقوى أو لأن الخيانة جاءت من الداخل . وهكذا تصبح النظرية غير قابلة للاختبار، وكل ما يحدث في الواقع يستخدم لإثباتها .
لكن الماركسية التي لا تسمح للواقع بتصحيحها تتحول إلى شيء آخر .
ماركسية بلا جدل .
وثورية بلا حركة .
ويسار بلا ناس .
إن المطلوب ليس أن نتخلى عن الحدة الثورية، وإنما أن نعيد تعريفها . الحدة الثورية ليست في الكلمات الأكثر اشتعالا، وإنما في القدرة على الوصول إلى جذور المشكلة، وفي الاستعداد لتنظيم الناس حول مصالحهم الحقيقية، وفي بناء قوة مستقلة تستطيع مواجهة رأس المال والدولة وأشكال الاستغلال، وفي ربط النضالات اليومية بأفق أوسع لتحرير الإنسان .
المطلوب ليس احتجاجا أقل، وإنما احتجاجا أذكى .
ليس غضبا أقل، وإنما غضبا منظما .
ليس مبدئية أقل، وإنما مبدئية أكثر نضجا .
ليس ثورية أقل، وإنما ثورية أكثر التصاقا بالناس .
فما قيمة أن نرفع سقف الخطاب إذا تركنا السقف الاجتماعي كما هو؟
وما قيمة أن نعلن سقوط النظام كل أسبوع إذا كان العامل عاجزا عن إسقاط مدير ظالم في مكان عمله؟
وما قيمة أن نتحدث عن السلطة الشعبية إذا لم نتعلم كيف يمارس الناس الديمقراطية داخل تنظيماتهم؟
وما قيمة أن نعلن انتصار الطبقة العاملة إذا كانت الطبقة العاملة نفسها لا تعرف أين تجدنا عندما تحتاجنا؟
الثورة تبدأ أحيانا من أشياء تبدو صغيرة جدا : اجتماع صادق، عامل يكتشف أنه ليس وحده، امرأة تتحدث للمرة الأولى داخل فضاء كان صوتها فيه مهمشا، شباب يتعلمون التنظيم، حي يكتشف قوة التضامن، نقابيون يتجاوزون الحسابات الشخصية، مناضلون يتعلمون أن الاختلاف ليس خيانة، وأن الوحدة لا تعني التشابه، وأن النقد لا يعني العداء .
من هذه الأشياء الصغيرة يمكن أن تنمو أشياء كبيرة .
ومن دونها تصبح الثورة مجرد استعارة جميلة .
لذلك لا ينبغي أن نخاف من مراجعة الاحتجاج . ينبغي أن نخاف من الاحتجاج الذي لا يتعلم . ولا ينبغي أن نخاف من تغيير التكتيك . ينبغي أن نخاف من تكتيك يصبح مقدسا . ولا ينبغي أن نخاف من الاعتراف بالهزيمة . ينبغي أن نخاف من هزيمة لا نستخلص منها شيئا .
إن اليسار الذي يريد أن يكون ثوريا في زمننا يحتاج إلى شيء أصعب من إطلاق الشعارات : يحتاج إلى الصبر الطويل على بناء الإنسان والتنظيم والوعي، وإلى القدرة على الجمع بين الحلم والواقع، بين المبدأ والتكتيك، بين النظرية والتجربة، بين الغضب والعقل، وبين الصراع اليومي والأفق التاريخي.
وهذا هو الفارق بين من يريد أن يبدو ثوريا ومن يريد فعلا أن يغير العالم .
الأول يحتاج دائما إلى إثبات أنه لم يتغير .
أما الثاني فيعرف أن العالم يتغير باستمرار، وأن من يريد تغييره عليه أن يتغير معه دون أن يفقد غايته .
وهنا ربما نستعيد ماركس لا بوصفه مرجعا نقتبس منه عند الحاجة، وإنما بوصفه دعوة دائمة إلى العودة إلى الممارسة وإلى العلاقات الاجتماعية الحية . نستعيد لينين لا بوصفه صاحب أجوبة جاهزة، وإنما بوصفه مثالا على السياسة التي تعرف أن الصراع يحتاج إلى تنظيم وقراءة ملموسة وتكتيك . ونستعيد تروتسكي لا بوصفه وصفة تاريخية جاهزة، وإنما بوصفه تذكيرا بأن النضال اليومي لا ينبغي أن ينفصل عن الأفق الذي يمنحه معناه .
وإذا كان لا بد من الاحتفاظ بجملة واحدة في نهاية كل هذا، فلنقلها ببساطة شديدة : ليس المطلوب أن نكون أكثر الناس احتجاجا، وإنما أن نجعل الاحتجاج خطوة في طريق يصبح فيه الناس أكثر قدرة على تغيير حياتهم .
فالمبدأ الذي لا يتحول إلى قوة اجتماعية يبقى نية حسنة .
والغضب الذي لا يتحول إلى تنظيم يتبدد .
والتنظيم الذي لا ينتج وعيا جديدا يتكلس .
والوعي الذي لا يعود إلى الناس يتحول إلى نخبوية .
أما الثورة، فهي هذه الحركة كلها : إنسان يتألم، فيتكلم؛ وإنسان يتكلم، فيجد غيره؛ ومن يجد غيره، ينظم نفسه؛ ومن ينظم نفسه، يكتشف قوته؛ ومن يكتشف قوته، يبدأ في تغيير الواقع الذي كان يبدو له ذات يوم قدرا لا يتغير .
هناك، في هذه النقطة بالذات، ينتهي الاحتجاج بوصفه مجرد احتجاج، ويبدأ الفعل الثوري بوصفه بناء للقدرة الإنسانية على تغيير العالم .....



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
- الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
- الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
- حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا ...
- المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
- الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
- الفساد حين يأكل من لحم الناس .
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ...
- الهجرة ليست هروبا ...
- أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل ...
- من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق ...
- ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
- حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
- مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح ...
- ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
- الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
- حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ...
- حين تتصافح المصالح
- رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر ...
- اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة ...


المزيد.....




- ترامب يهدد بوقف التجارة مع الاتحاد الأوروبي بسبب مقترح منح ك ...
- تصعيد بين السعودية والحوثيين بعد اتهام الجماعة بمحاولة استهد ...
- ترامب سيجتمع مع قادة خليجيين لـ-بحث المرحلة التالية من حرب إ ...
- البرلمان اللبناني يجدد الثقة بحكومة نواف سلام بـ 68 صوتا وسط ...
- ترامب يهدد بوقف التجارة مع أوروبا إذا حصلت كندا على صفة -عضو ...
- واشنطن تمدد حظر منح تأشيرات للرئيس عباس ومسؤولي السلطة الفلس ...
- صور تُظهر أضراراً واسعة في مواقع أمريكية في دول عربية جراء ه ...
- كيم يو جونغ: وضع كوريا الشمالية النووي مطلق ولا يمكن عكسه
- عراقجي من بكين: القرارات المتخذة اليوم ستؤثر في التوازن الاس ...
- غزة.. الدفاع المدني ينهي البحث في موقع -عمارة السعادة- ويعلن ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .