جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 02:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لطالما قُدِّمت العلاقات الأمريكية الكندية بوصفها نموذجاً فريداً في العلاقات الدولية. فالدولتان تتشاركان أطول حدود غير محصنة في العالم، وترتبطان بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والثقافية جعلت كثيراً من الباحثين يصفون هذه العلاقة بأنها "أنجح علاقة ثنائية في العصر الحديث". وعلى مدى أكثر من قرن ونصف، نجحت واشنطن وأوتاوا في بناء منظومة متكاملة من التعاون في مجالات التجارة والطاقة والبيئة والدفاع، حتى بدا أن الخلافات بينهما لا تتجاوز كونها نزاعات عابرة يمكن احتواؤها ضمن إطار المصالح المشتركة.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً ملحوظاً في طبيعة هذه العلاقة. فالتوترات التجارية، والخلافات السياسية، وتصاعد الخطاب القومي، والتشكيك المتبادل في الالتزامات الاستراتيجية، كلها عوامل دفعت كثيراً من المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت الشراكة الأمريكية الكندية تمر بأزمة عابرة أم أنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف المصالح والحدود بين البلدين.
تعود أسس التعاون الأمريكي الكندي الحديث إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين أدرك الطرفان أن تشابك المصالح الجغرافية والاقتصادية يفرض عليهما بناء آليات دائمة لإدارة الموارد المشتركة وتسوية النزاعات الحدودية.
ومن أبرز المحطات المؤسسة لهذه العلاقة معاهدة مياه الحدود لعام 1909، التي أرست قواعد استخدام الأنهار والبحيرات المشتركة وأنشأت اللجنة الدولية المشتركة لإدارة النزاعات البيئية والمائية. وقد اعتُبرت هذه المعاهدة نموذجاً رائداً للتعاون العابر للحدود، ولا تزال من أكثر الاتفاقيات الدولية نجاحاً واستمرارية.
كما اكتسبت قضية (مصهر تريل) شهرة عالمية عندما أرست مبدأ قانونياً مهماً في القانون البيئي الدولي يقضي بعدم جواز تسبب دولة بأضرار بيئية لدولة أخرى عبر حدودها. وأصبحت هذه القضية مرجعاً أساسياً في تطوير قواعد المسؤولية البيئية الدولية.
وفي العقود اللاحقة، تعزز التعاون عبر اتفاقيات جودة مياه البحيرات العظمى، ومشاريع الطاقة الكهرومائية العملاقة، وخطوط نقل الكهرباء والغاز والنفط التي ربطت اقتصاد البلدين بصورة غير مسبوقة. ومع الزمن أصبحت كندا أكبر مورّد للطاقة للولايات المتحدة في العديد من القطاعات، من الكهرباء والغاز الطبيعي إلى النفط الخام واليورانيوم المستخدم في إنتاج الطاقة النووية.
أما على المستوى الأمني، فقد شهدت الحربان العالميتان ثم الحرب الباردة تقارباً استراتيجياً عميقاً بين البلدين، تُوّج بإنشاء قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (نورد)، وبمستوى غير مسبوق من التنسيق العسكري والاستخباراتي.
كما ساهمت اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة (نافتا) عام 1994 في تحويل الاقتصادين إلى منظومة مترابطة يصعب فصل مكوناتها، واخيراً اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا عام 2020.
فآلاف الشركات تعمل عبر الحدود يومياً، وسلاسل الإمداد في قطاعات السيارات والطاقة والتكنولوجيا تعتمد على انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين البلدين بشكل مستمر. كما تجاوز حجم التبادل التجاري مئات المليارات من الدولارات سنوياً، مما جعل الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول لكندا بفارق كبير.
هذا الترابط خلق حالة من الاعتماد المتبادل؛ إذ تحتاج الولايات المتحدة إلى الموارد والطاقة والأسواق الكندية، بينما تعتمد كندا بدرجة كبيرة على السوق الأمريكية لتصريف صادراتها واستقطاب الاستثمارات.
لكن هذا الاعتماد نفسه أصبح لاحقاً مصدراً للتوتر، عندما بدأت الاعتبارات السياسية والقومية تطغى على منطق التكامل الاقتصادي.
أما أسباب تعكر العلاقات في العصر الحديث، فتعود إلى السياسات الاقتصادية والرسوم الجمركية. إذ يُعد التحول في السياسة التجارية الأمريكية أحد أبرز أسباب التوتر الراهن. فقد شهدت السنوات الأخيرة عودة النزعة الحمائية وفرض رسوم جمركية على عدد من المنتجات الكندية، خصوصاً في قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات والمواد الأولية.
ومن وجهة النظر الكندية، فإن هذه الإجراءات تمثل خروجاً عن روح الشراكة الاقتصادية التي بُنيت خلال عقود، وتتناقض مع فلسفة التجارة الحرة التي قامت عليها الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف. أما الإدارة الأمريكية فتبرر هذه السياسات بحماية الصناعات الوطنية ومعالجة الاختلالات التجارية والأمنية.
وقد أدى تبادل الرسوم والإجراءات المضادة إلى تراجع مستوى الثقة بين الحكومتين وإلى زيادة المخاوف لدى المستثمرين والشركات العاملة على جانبي الحدود.
أما السبب الآخر في تآكل الثقة في الاتفاقيات والمؤسسات المشتركة، فيعود إلى أنه لم يكن الخلاف اقتصادياً فحسب، بل مسّ أيضاً الأسس القانونية والمؤسساتية التي نظمت العلاقة لعقود طويلة.
فالاتفاقيات التجارية الكبرى قامت على افتراض أن الطرفين ملتزمان بقواعد واضحة وآليات متفق عليها لتسوية النزاعات. وعندما تُفرض إجراءات أحادية الجانب أو تُستخدم اعتبارات سياسية لتجاوز الأطر المتفق عليها، فإن ذلك يضعف الثقة في استقرار الاتفاقيات نفسها.
وقد بدأ بعض الساسة والخبراء الكنديين يتساءلون عما إذا كان الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية ما يزال خياراً آمناً على المدى الطويل، الأمر الذي دفع أوتاوا إلى تسريع جهود تنويع علاقاتها التجارية مع أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ومن هنا برزت تحديات السيادة وتصاعد الخطاب الاستفزازي. إذ يمثل البعد السيادي أحد أكثر جوانب الأزمة حساسية. فقد أثارت تصريحات سياسية أمريكية متكررة حول إمكانية انضمام كندا إلى الولايات المتحدة أو تحويلها إلى "الولاية الحادية والخمسين" ردود فعل غاضبة داخل المجتمع الكندي.
ورغم أن كثيراً من المراقبين يرون أن هذه التصريحات تندرج في إطار الخطاب السياسي أو المبالغات الإعلامية، فإن تأثيرها النفسي والسياسي كان كبيراً. فالكنديون ينظرون إلى هويتهم الوطنية باعتبارها مستقلة ومتميزة عن الولايات المتحدة، وأي تشكيك في هذه الخصوصية يُنظر إليه باعتباره مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية.
وقد ساهم هذا الخطاب في تعزيز النزعة الوطنية داخل كندا، وفي إعادة إحياء النقاش حول ضرورة تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية.
على الرغم من استمرار التعاون العسكري الوثيق بين البلدين، فإن السنوات الأخيرة كشفت عن تباينات متزايدة في الرؤى الاستراتيجية.
فواشنطن تطالب حلفاءها، ومنهم كندا، بزيادة الإنفاق الدفاعي وتحمل حصة أكبر من أعباء الأمن الجماعي. وفي المقابل، ترى أوتاوا أن العلاقة الأمنية يجب أن تُبنى على المصالح المشتركة لا على الضغوط السياسية.
كما برزت خلافات حول ملفات دولية متعددة، بدءاً من العلاقات مع الصين وصولاً إلى قضايا المناخ والطاقة والتحالفات الاقتصادية العالمية. وقد أدى ذلك إلى تراجع مستوى الانسجام السياسي الذي ميّز العلاقة خلال فترات سابقة.
وربما يكون التطور الأكثر أهمية هو انتقال التوتر من مستوى الحكومات إلى مستوى الرأي العام.
فاستطلاعات الرأي الحديثة تشير إلى تراجع ملحوظ في نسبة الكنديين الذين ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأكثر موثوقية. كما برزت دعوات لمقاطعة بعض المنتجات الأمريكية وتقليل السفر إلى الولايات المتحدة، بالتوازي مع تنامي الخطاب الداعي إلى تعزيز الهوية الكندية المستقلة.
وفي المقابل، تشهد الولايات المتحدة أيضاً تصاعداً للتيارات السياسية التي تنظر إلى العلاقات الخارجية من منظور المصلحة الوطنية الضيقة، وهو ما ينعكس على طريقة التعامل مع الحلفاء التقليديين، بمن فيهم كندا.
فإذا كانت الخلافات التجارية والسياسية قد شكلت أساس الأزمة، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن التوتر أصبح أكثر عمقاً واتساعاً. فهناك تصاعد في النقاش الكندي حول مفهوم "تقليل الاعتماد الاستراتيجي" على الولايات المتحدة، سواء في مجال التجارة أو الدفاع أو سلاسل التوريد الحيوية.
كما تعمل الحكومة الكندية على توسيع شراكاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي عبر اتفاقية التجارة الشاملة، وتعزيز علاقاتها مع دول منطقة الهندي-الهادئ، في محاولة لخلق بدائل تقلل من هشاشة الاقتصاد الكندي أمام أي تغيرات مفاجئة في السياسات الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية الأمريكية من أن يؤدي استمرار التوتر مع كندا إلى الإضرار بسلاسل الإمداد المشتركة ورفع تكاليف الإنتاج، خصوصاً في قطاعات السيارات والطاقة والمعادن الاستراتيجية.
أما سياسياً، فقد أصبحت العلاقة محكومة بدرجة أعلى من الحذر المتبادل. فبعد عقود من التعامل القائم على افتراض الثقة، باتت الحكومتان تتعاملان مع الملفات الثنائية بمنطق أكثر براغماتية وأقل اعتماداً على الإرث التاريخي للعلاقة الخاصة بينهما.
وهكذا، فإن ما تشهده العلاقات الأمريكية الكندية اليوم يتجاوز مجرد خلافات تجارية أو سجالات سياسية عابرة، ليعكس تحولات أعمق في طبيعة النظام الدولي وصعود النزعات القومية والحمائية وإعادة تعريف المصالح الوطنية لدى الدول الكبرى. ومع ذلك، فإن حجم التشابك الاقتصادي والأمني والجغرافي بين البلدين يجعل من الصعب تصور قطيعة حقيقية بينهما. فالتاريخ الطويل من التعاون، والمصالح المتبادلة الضخمة، والروابط البشرية والثقافية العميقة، كلها عوامل تدفع نحو استمرار الشراكة، وإن بصيغة مختلفة عما كانت عليه في الماضي. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن واشنطن وأوتاوا من إعادة بناء الثقة التي شكّلت أساس علاقتهما لعقود طويلة، أم أن التوترات الراهنة تمثل بداية مرحلة جديدة تتسم بمزيد من الاستقلالية الكندية والبراغماتية الأمريكية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستسهم في رسم ملامح واحدة من أهم العلاقات الثنائية في العالم خلال العقود المقبلة.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟