خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 18:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ماذا لو كان السؤال السائد: «من دمّر لبنان؟» هو السؤال الخطأ من الأساس؟
وماذا لو كان السؤال الأكثر إيلاماً وصدقاً هو: كيف استطاع اللبنانيون، جيلاً بعد جيل، أن يعيدوا إنتاج النظام نفسه الذي يواصل تدميرهم؟
ليس المقصود هنا تبرئة الطبقة السياسية، ولا إنكار دور الخارج والاحتلالات والوصايات والتدخلات الإقليمية والدولية. فلبنان لم يعش تاريخه في فراغ، ولم تكن طبقته السياسية مجرد انعكاس بريء لمجتمعه.
لكن اختزال المأساة في «الزعماء الفاسدين» و«الخارج المتآمر» ينتج رواية مريحة: شعب بريء بالكامل، ومنظومة شريرة هبطت عليه من مكان آخر.
المشكلة أكثر تعقيداً.
فالمنظومة اللبنانية، مع مرور الزمن، لم تعد مجرد نظام مفروض على المجتمع؛ بل أصبحت آلية تعيد إنتاج نفسها من داخل المجتمع نفسه. استثمرت خوفه التاريخي، وانقساماته، وحاجاته، ومصالحه اليومية، وحولتها إلى أدوات تضمن استمرارها.
لكن لفهم كيف نجحت في ذلك، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء.
قبل أن يصبح الخوف نظاماً: إشكالية النشأة
لا يمكن فهم المأزق اللبناني وكأن الدولة الحديثة قامت أولاً على قاعدة مواطنين متساوين، ثم جاءت الطائفية لاحقاً فأفسدت التجربة.
المسألة أكثر تعقيداً.
فمنذ تشكل لبنان الحديث، دخلت الطائفة في صلب معادلة السلطة والتمثيل السياسي. ومع قيام «لبنان الكبير» ثم صيغة الاستقلال، لم تختفِ هذه القاعدة، بل أعيد تنظيمها داخل الدولة، وتكرست في مؤسساتها وصيغ توزيع السلطة. وحتى بعد الحرب الأهلية، لم يأتِ اتفاق الطائف ليعلن نهاية التمثيل الطائفي دفعة واحدة؛ بل أبقى المناصفة والتمثيل الطائفي في المرحلة الانتقالية، وجعل إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً يفترض الوصول إليه تدريجياً.
وهنا تكمن المفارقة التي قلما نجرؤ على مواجهتها:
كيف نطلب من المواطن أن يرى الدولة وطناً جامعاً، بينما تعلمه بنية النظام، منذ نشأته السياسية الحديثة، أن حماية حقوقه وتمثيله وموقعه تمر عبر جماعته الطائفية؟
لم تكن الطائفية مجرد مرض أصاب الدولة بعد ولادتها؛ لقد أصبحت إحدى اللغات التي عُرّفت بها الدولة نفسها.
لكن هذا لا يعني أن اللبناني وُلد طائفياً، ولا أن الطوائف هي قدر محتوم، ولا أن التاريخ يمكن اختزاله في لحظة تأسيس واحدة.
المعنى أبسط وأخطر:
لقد نشأت الدولة والمجتمع السياسي داخل علاقة جعلت الطائفة وسيطاً بين المواطن والدولة، ثم جاء الزمن ليحوّل هذا الوسيط إلى ضرورة سياسية.
ومن هنا تبدأ الحلقة.
أضعفت الطائفية قدرة الدولة على إنتاج مواطن متساوٍ، لكن ضعف الدولة بدوره زاد حاجة المواطن إلى الجماعة التي تحميه، والجماعة احتاجت إلى زعيم يتحدث باسمها، والزعيم احتاج إلى دولة موزعة الحصص كي يبقى وسيطاً لا غنى عنه.
وهكذا لم تعد الدولة إطاراً يتجاوز الطوائف؛ أصبحت في جانب كبير منها ساحة لإدارة توازناتها ومخاوفها ومصالحها.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
هل الطائفية أضعفت الدولة فقط، أم أن ضعف الدولة أصبح بدوره إحدى وظائف النظام الطائفي؟
ربما تكمن الحقيقة في العلاقة الدائرية بين الاثنين.
1. هندسة الخوف: حين يصبح الخوف نظاماً سياسياً
لم يولد الخوف اللبناني من فراغ.
راكمته ذاكرة طويلة من الصراعات والحروب والاحتلالات والوصايات والتسويات التي أوقفت الحروب أكثر مما عالجت جذورها.
لكن المشكلة أن الخوف، بدلاً من أن يبقى جرحاً تاريخياً، تحول إلى مؤسسة سياسية.
فالمنظومة لا تكتفي باستثمار الخوف؛ إنها تعيد إنتاجه.
تقول لكل جماعة، بصورة مباشرة أو ضمنية:
إذا ضعفتَ أنا، ضعفتَ أنت.
إذا سقط زعيمك، سقطت جماعتك.
إذا أصبحت الدولة هي المرجع الوحيد، فقد تخسر حماية جماعتك.
وهكذا تصبح الطائفة ملجأً، ثم يصبح الزعيم حارساً لهذا الملجأ، ثم تصبح حماية الزعيم واجباً، ثم يصبح بقاء النظام نفسه شرطاً لبقاء الجماعة.
فتتشكل الدائرة:
الخوف يولّد الاحتماء بالطائفة، والطائفة تمنح الزعيم شرعية الحماية، والزعيم يحافظ على نظام يضعف الدولة، وضعف الدولة يعيد المواطن إلى الطائفة، فيزداد الخوف.
وهكذا لا يعود الخوف مجرد شعور.
يصبح نظام حكم.
2. من الاحتماء إلى الزبائنية: حين يتحول الإكراه إلى اختيار
في البداية، قد لا يكون المواطن طالباً للزبائنية.
هو يريد وظيفة، أو طبابة، أو تعليماً، أو إنجاز معاملة، أو حماية في لحظة أزمة.
وحين تكون الدولة عاجزة أو غائبة، يبحث عن البديل المتاح.
وهنا يظهر الزعيم.
يقدم ما يفترض أن تقدمه الدولة: خدمة، أو وظيفة، أو مساعدة، أو نفوذاً، أو حماية، وأحياناً حتى العدالة نفسها.
لكن الثمن ليس مالاً بالضرورة.
الثمن هو الولاء.
وهنا تحدث أخطر عملية في النظام اللبناني:
يتحول الإكراه إلى سلوك يبدو اختياراً.
فالمواطن قد يعرف أن الواسطة تقوّض تكافؤ الفرص، وأن الخدمة الحزبية تضعف الدولة، وأن الزعيم يستثمر حاجته السياسية؛ لكنه يظل مضطراً إلى اللجوء إليه لأن البديل المؤسسي غير موجود.
على المستوى الفردي يبدو القرار عقلانياً:
«أريد أن أعيش».
لكن مجموع هذه القرارات العقلانية فردياً يصنع كارثة جماعية.
وهكذا تصبح الزبائنية نظاماً تشاركياً، لا بمعنى أن المواطن يملك القرار فيه، بل بمعنى أنه يشارك، بحكم الحاجة والخوف، في إعادة إنتاج النظام الذي يحرمه من الدولة.
3. الدولة التي استُبدلت قطعةً قطعة
لم تسقط الدولة اللبنانية في يوم واحد.
جرى استبدالها تدريجياً.
الكهرباء الوطنية بالمولد.
القانون بالواسطة.
الخدمة العامة بالخدمة الحزبية.
الرعاية الاجتماعية بالمساعدة السياسية.
الاقتصاد المنتج بالتحويلات والهجرة والاقتصاد الريعي.
والأمن العام، في مراحل مختلفة، بشبكات حماية مرتبطة بالطائفة أو الحزب أو الزعيم.
المشكلة هنا ليست فقط أن الدولة فشلت في القيام بوظائفها؛ بل أن المجتمع تعلم كيف يعيش من دونها.
وهذه نقطة أخطر من الانهيار نفسه.
فحين يفشل النظام، يتمرد المجتمع عليه.
أما حين يفشل النظام ويكتشف المجتمع طرقاً للتكيف معه، فإن الانهيار يصبح قابلاً للاستمرار.
وهذا ما حدث إلى حد بعيد:
بدلاً من كسر القاع، أتقن اللبنانيون فن العيش فيه.
4. الوعي المزدوج: مواطن غاضب وشريك في إعادة الإنتاج
هنا تظهر المفارقة اللبنانية الأكثر قسوة.
المواطن يلعن الفساد، ثم يبحث عن واسطة.
يشتم الزعيم، ثم يطلب منه خدمة.
يرفض الطائفية في الخطاب، ثم يخشى أن يخسر حصته الطائفية.
يطالب بالقضاء المستقل، ثم يبحث عن حماية سياسية عندما يصطدم بالقانون.
يريد دولة قوية، لكنه يخشى أحياناً أن تكون قوية بما يكفي كي لا يحتاج إليها زعيمه.
هذا هو الوعي المزدوج:
رفض المنظومة في الخطاب، وإعادة إنتاجها في السلوك.
وليس المقصود أن كل لبناني فاسد أو طائفي أو متواطئ. فهذا تبسيط آخر لا يقل خطراً عن الرواية التي ننتقدها.
المقصود أن النظام استطاع أن يجعل كثيراً من المواطنين يعيشون تناقضاً يومياً: يعرفون أن ما يفعلونه يساهم في إضعاف الدولة، لكنهم يرونه في الوقت نفسه ضرورة لحماية أنفسهم.
وهنا تكمن براعة المنظومة وخطورتها معاً.
إنها لا تحتاج دائماً إلى إجبار الناس على خدمتها؛ يكفي أن تجعل الخروج منها أكثر كلفة في نظرهم من البقاء داخلها.
5. الضحية ليست بريئة من استمرار المأساة
هل اللبناني ضحية؟
نعم، في جوانب كثيرة.
لكنه ليس ضحية بالمعنى الذي يلغي عنه كل مسؤولية.
فالفرد لا يُلام على تاريخ لم يصنعه، ولا على حرب لم يخترها، ولا على احتلال أو وصاية لم يكن يملك ردها.
لكن المسؤولية تبدأ في اللحظة التي يتحول فيها الخوف من ذاكرة مفروضة إلى اختيار متكرر، وتتحول الحماية الطائفية من استثناء اضطراري إلى طريقة دائمة للحياة، ويصبح الزعيم بديلاً مقبولاً عن الدولة.
عندها لا يعود السؤال:
من فعل بنا ذلك؟
بل يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً:
ما الذي نفعله نحن لكي يستمر؟
وهنا لا نتحدث عن «شعب مذنب» في مواجهة «طبقة حاكمة بريئة من المسؤولية».
بل عن علاقة متبادلة: منظومة صنعت كثيراً من شروط الخوف والاعتماد، ومجتمع تعلم، تحت وطأة هذه الشروط، كيف يتكيف معها ويعيد إنتاجها.
وهذا التفريق ضروري.
لأن جلد المجتمع يعفي المنظومة، كما أن تقديس الضحية يعفي المجتمع من مسؤوليته.
الخاتمة: كسر السلسلة
لبنان ليس مجرد بلد تحكمه طبقة سياسية فاسدة.
وليس مجرد ضحية دائمة لمؤامرات الخارج.
إنه بلد نشأت فيه، عبر عقود طويلة، علاقة متبادلة بين الطائفة والخوف والزعامة والزبائنية وضعف الدولة؛ حتى أصبح كل طرف يغذي الآخر.
ولهذا فإن المشكلة ليست فقط في السجان.
المشكلة في السلسلة التي تجعل السجين يخاف من الخروج من سجنه أكثر مما يخاف من البقاء فيه.
حينها يصبح الزعيم حامياً، والطائفة وطناً مصغراً، والواسطة حقاً مكتسباً، والانهيار قدراً، والهجرة حلاً، والدولة حلماً مؤجلاً.
ولذلك فإن استعادة لبنان لا تبدأ فقط بسؤال:
من سنضع مكان هؤلاء؟
بل تبدأ بسؤال أكثر قسوة:
هل نحن مستعدون فعلاً للتخلي عن كل ما اعتدنا أن نحتمي به، حين يصبح ثمن الدولة هو التخلي عن الزعيم، وثمن القانون هو التخلي عن الواسطة، وثمن المواطنة هو التخلي عن الخوف؟
فالدولة لا تُستعاد حين يرحل السجانون وحدهم.
تُستعاد حين يتوقف المجتمع عن إنتاجهم.
#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)
Khorshied_Nahi_Alhussien#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟