أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …














المزيد.....

صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 18:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ في مرحلة العقل ، يصبح الاستدلال سمةً راسخةً لدى الإنسان ؛ إذ تكون المناهج والبراهين المنطقية والعلمية والثقافية والأدبية قد استوطنت وعيه ، وهو ما يوفّر له انضباطية واضحة في مواجهة ما هو عشوائي في الكلام ، بل إن الصمت ليصبح جزءاً من تركيبته الفنية في التعامل مع عقول الآخرين ، إلى درجة أن الكثيرين يعتقدون بأنه جاهل ، غير أن هذه العقول ، على العكس من ذلك ، تتحوّل الناس لديها إلى كتبٍ تُقرأ أثناء تحدّثهم ؛ فالقراءة لا تحتاج إلى كلام ، بل إن المتكلّم هو من يتحدّث — إذا كان على قدرٍ من الوعي — حتى يجيبه الواعي .

تقوم هذه المقاربة على أطروحةٍ مركزية واحدة : أنّ الصمت ليس غياباً للكلام ، بل هو شكلٌ من أشكال المعرفة ، ومن هذه الفرضية تتفرّع وجهة النظر من ثلاثة مستوياتٍ متدرّجة : الصمت بوصفه فعلَ قراءةٍ (المستوى الذاتي)، والصمت بوصفه موقفاً وجودياً (المستوى الأدبي) ، والصمت بوصفه قراراً حرّاً (المستوى التاريخي) ، حيث تبدأ هذه السطور من ملاحظةٍ دقيقة : أنّ الفارق جوهري بين من يقرأ وهو يجلس في غرفةٍ بمفرده لمفكرين وروائيين وفلاسفة وعلماء ويحاورهم بصمت ، ومن يصمت أمامهم دون أن يحاورهم ، فيعتقدون أنه جاهل ، فالأول صامتٌ لأنه يقرأ ، والثاني صامتٌ لأنّه لا يقرأ ، وهنا تتكشّف واحدةٌ من عظمة الكتب القديمة أو الحديثة : أنها تستقطب القارئ حتى لو كان أصحابها أمواتاً ، فتبقى الحوارات قائمةً بين الخبرة والأسئلة والثقافة والمخاوف والتجارب ، وعليه ، فإن المفكّر يميّز ما بين ما هو ثمنٌ وما هو إعياء ، ولهذا تظلّ مقولة محمود درويش : "لم أكن أعمى ، كنت أرى الحقيقة" دالّةً على أن الإنسان يدرك ما حوله من خيانات ومواقف وتحوّلات وألم — وهو ما يمنح المقولة قوّةً اعترافية بأن الصمت ليس لأن الجهل يحول بينه وبين الحقيقة ، وإنما الانحياز أحياناً للصمت بوجهها هو وعيٌ بالحقيقة ، طالما أن الصامت يعرف أكثر مما يعتقد الآخرون .

يندرج هذا الطرح ضمن الأدب الفكري التأمّلي (Reflective Essay)، وهو نوعٌ أدبي يوظّف اللغة لمساءلة الوعي الإنساني ، ويراوح بين المقال الفلسفي والنص الإبداعي ، فيجعل من الفكرة عالماً قائماً بذاته ، ومن الصمت موضوعاً للتحليل لا مجرّد فراغٍ في الكلام ، ويكاد يكون هذا المعنى هو جوهر رواية «الصمت» (Chinmoku) للكاتب الياباني شوساكو إندو (1966)، وهي من أشهر الروايات العالمية التىّ جعلت من الصمت موضوعاً وجودياً لا مجرّد غيابٍ للكلام ، تحكي الرواية قصة مبشّرٍ برتغالي ، سباستيان رودريكس، يسافر إلى اليابان في القرن 17 ليتحقّق من أخبار مرشدِه الذي يُشاع أنه ارتدّ عن إيمانه تحت وطأة التعذيب ، وهناك يواجه أسوأ ما يمكن أن يواجهه إنسان : صمت الله أمام عذاب المؤمنين ، يُجبر رودريكس على أن يدوس على صورة المسيح — وهو رمز الارتداد — في مشهدٍ مركزيٍّ تتجلّى فيه أعظم معاني الصمت في الرواية ، وحين يستمع إلى صوت المسيح يقول له : "دُسْ ! أنا أعرف ألم قدميك أكثر منك ، دُسْ على وجهي"، يدرك أن الصمت لم يكن غياباً ، بل كان حضوراً على نحوٍ أعمق من الكلام ، وهنا يتجلّى ما يشبه مقولة درويش : لم يكن الصمت جهلاً بالحقيقة ، بل كان وعياً بها ، وهكذا يتحوّل الصمت في الرواية من علامةٍ على العجز إلى شكلٍ من أشكال المعرفة ، ومن استسلامٍ إلى مقاومةٍ صامتة .

ينتقل الصمت من الذات إلى التاريخ ، حيث يحتفظ لنا التراث بواحدةٍ من الصمتيات الفريدة والخالدة ، تجسّدت في اللقاء الذي تواجهت فيه المادية والروحية دون موعدٍ مسبق : الإسكندر الأكبر يمثّل السلطة ، والفيلسوف ديوجين يمثّل الحرية ، وهذا اللقاء لا يُستحضر لأنه حكاية من التراث اليوناني الساخر ، بقدر ما يظهر حجم الصورة المتصادمة بين السلطة والحرية ، والاستسلام الكامل للمادة والاكتفاء بالذات ، ولأن الإسكندر كان يعتقد — حسب تعاملاته مع البشر — بأنهم جميعاً خاضعون لمنطق الحاجة والطلب ، وأن السلطة قادرة على منح كل شيء ، جاءت المفاجأة من ردّ ديوجين وبشكلٍ بسيط : لقد طلب من الاسكندر فقط التنحّي جانباً لكي لا يحجب عنه نور الشمس ، وهنا تظهر مدرسة الصمت من وعي صاحبها ؛ فلم يحتج ديوجين إلى خطابٍ طويل ، بل إلى صمتٍ مكتنزٍ بالمعنى ، أوجز فيه كل فلسفته في الحرية والاكتفاء .

تتأسّس هذه القراءة على فرضيةٍ واحدة : أنّ الصمت ، بمعانيه الثلاثة ، ليس فراغاً ولا جهلاً ولا استسلاماً ، بل هو لغةٌ موازية للكلام ، وأحياناً أصدق منه ، وعلى المستوى الذاتي ، هو فعلُ قراءةٍ وحوارٍ صامت مع العقول ، وعلى المستوى الأدبي ، هو موقفٌ وجوديٌّ يعبّر عن حضورٍ أعمق من الكلام ، كما تجلّى في رواية إندو ، وعلى المستوى التاريخي ، هو قرارٌ حرٌّ يوجز فلسفة كاملة ، كما فعل ديوجين أمام الإسكندر ، لهذا السبب ، أهمُّ تغيُّرٍ يحدث في الصمت ؛ إذ إن الحياة الجهرية تجعل الناس يتعاملون غالبًا مع ما هو موجود وساكن وثابت ، ولهذا فإن مفهوم التطور لدى الصامتين مستمدٌّ في جوهره من قوله تعالى : {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} ، وقوله : {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} - الآية الأولى من سورة الرحمن ، والثانية من سورة الذاريات.

فعندما استقام العقل والقلب ، استقام اللسان ، وهو ما يجمع بين تأمّلات درويش ، وصمت رودريكس في رواية إندو ، وصمت ديوجين أمام الإسكندر : إنه وعيٌ بالحقيقة ، لا هربٌ منها …والسلام🙋‍♂ ✍

هوامش
1 - شوساكو إندو (1923–1996) : روائي ياباني ، يُعدّ من أبرز الكتّاب اليابانيين في القرن العشرين، وروايته «الصمت» (Chinmoku) صدرت عام 1966، وتُرجمت إلى العربية بعنوان «الصمت».
2 - ديوجين الكلبي (توفي 323 ق.م): فيلسوف يوناني من مدرسة الكلبيين ، اشتهر بزهده وتحرره من السلطة ، ويُروى أن الإسكندر زاره وسأله أن يطلب ما يشاء، فقال له : «تنحَّ قليلاً ، فإنك تحجب عني الشمس».
3 - محمود درويش: شاعر فلسطيني (1941–2008)، والمقولة المذكورة تُنسَب إليه في سياق حديثه عن الوعي بالحقيقة رغم الألم .



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
- بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة ...
- إيران🇮🇷تمدد نفوذها إلى باب المندب:تحولات الق ...
- الفساد حين يصبح قدراً: نظرة👀طفل في هشاشة البناء الأخ ...
- قراءة📕في تحوّلات الموقف الدولي تجاه إسرائيل:من المقا ...
- سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إ ...
- طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة ...
- -الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية: ...
- لا تنسوا حذائي ..
- الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه ...
- نبوءات حزقيال وسيناريوهات المواجهة: قراءة في خريطة الصراع من ...
- حين تسقط الأقنعة 😷…
- من السيارة الصينية🇨🇳إلى سد النهضة.. كيف تعيد ...
- العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …
- حين يتكلم الموتى:من القلم🖊إلى الكاميرا… من يملك ذاكر ...
- سوريا بين قوقعة الأقليات ووحدة 🤝الوطن …
- محمود درويش:من خبز🥖الأم إلى أزمة الإنسان المعاصر …
- غادي أيزنكوت.. من ساحة الحرب إلى كرسي💺🗳رئاسة ...
- مؤامرة على الحياة أم عجز عن صناعة معناها؟ - من عتاب أمية بن ...
- الرجل النبيل في موسكو🇷🇺 …والرجل الذي ترتدي ا ...


المزيد.....




- الحوثي ينفي استهداف مكة ويتهم السعودية بتشديدها الحصار
- تونس تعرب عن بالغ انشغالها إزاء الأوضاع الإنسانية المتدهورة ...
- أمريكا تعلن تسليم مصر دفعة طائرات جديدة
- طيار يصور جسما غامضا يمر بجانب طائرة تجارية في المكسيك
- كلوب يدشن حقبة جديدة لمنتخب -الماكينات-.. ويدعو للاعتزاز بأل ...
- مذيع مقرب من عبدالرحمن السيد: أمريكا تنفذ إرهابا أكثر من -ال ...
- تقرير إسرائيلي عن مستودعات استراتيجية وبنى تحت الأرض لحزب ال ...
- -إلياس-.. أصغر كوكب خارج المجموعة الشمسية على الإطلاق
- رئيس -صومالي لاند- يغري الولايات المتحدة بتسهيلات عسكرية مقا ...
- أضرار جسيمة تطال قواعد أمريكية في الشرق الأوسط خلال الصراع م ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …