أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ايت وكريم احماد بن الحسين - إلى الرجل الذي علّمني معنى الكرامة وعزة النفس.















المزيد.....

إلى الرجل الذي علّمني معنى الكرامة وعزة النفس.


ايت وكريم احماد بن الحسين
مدون ومراسل

(Ahmad Ait Ouakrim)


الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 00:18
المحور: سيرة ذاتية
    


إهداء من ابن بار إلى روح والده المقاوم الحسين بن إبراهيم أيت وكريم (1933–2002)
إلى أبي، الذي سخّر شبابه وسيرته لخدمة المقاومة المغربية، وحمل السلاح، وحمى رجال المقاومة، وواجه حكم الإعدام في عهد الحماية الفرنسية، ثم وجد في مرحلة الاستقلال نفسه أمام امتحان آخر للكرامة، فاختار الحرية وعزة النفس على إغراء المنصب والجاه.
يؤلمني يا أبي أنك غادرتنا يوم 1 دجنبر 2002، الموافق لـ26 رمضان 1423، بمستشفى الحسن الثاني بأكادير، ورحلت وفي صدرك غصة مريرة.
لقد عشت مناضلاً ومقاوماً، ونجوت من حكم الإعدام، ثم قضيت سنواتك الأخيرة وأنت تواجه معركة أخرى، هذه المرة حول الممتلكات التي جمعتها بعرق جبينك، وما تعتبره الأسرة ظلماً طال جزءاً من حقوقها العقارية في أولاد تايمة.
لقد كانت الأرض التي فديتها بشبابك شاهدة على مفارقة مؤلمة: أن الإنسان قد ينجو من سجون المستعمر وأحكامه، ثم يجد نفسه، في آخر العمر، يخوض معركة طويلة من أجل الإنصاف أمام مؤسسات وطنه.
نم مستريحاً يا أبي.
فسيرتك هي أثمن ما ورثناه، وذكراك لا تختصرها ممتلكات ضاعت، ولا سنوات قضيتها في المحاكم. إنما تختصرها كلمة واحدة: الكرامة.
وسيظل اسمك، في ذاكرتنا، شامخاً شموخ جبال تافهيمت التي احتضنتك ذات يوم.

عاش كرجال الظل: المقاوم المرحوم الحسين بن إبراهيم أيت وكريم من زمن المقاومة إلى ما بعد الاستقلال
من جبال سوس إلى قلب الدار البيضاء
ولد المقاوم الحسين بن إبراهيم أيت وكريم سنة 1933 بدوار تافهيمت، قيادة إيغرم، عمالة تارودانت، ونشأ في بيئة سوسية عُرفت بالتشبث بالأرض والكرامة والاستقلال.
وكغيره من أبناء المنطقة، شدّ الرحال شاباً نحو الدار البيضاء بحثاً عن العمل والعيش الكريم، واستقر بحي درب كلوطي بدرب السلطان.
هناك بنى حياته المهنية بجهده الخاص، وأسس مشروعاً تجارياً، وتملّك أصلاً تجارياً عبارة عن محل تجاري : مخبزة وحلويات.
وبفضل نشاطه التجاري وعلاقاته الواسعة، أصبح على اتصال بعدد من أصحاب المقاهي والمحلات، بمن فيهم فرنسيون، وهو ما وفّر له، في مرحلة لاحقة، غطاءً مثالياً للتحرك في المدينة وبين المدن دون أن تثير تحركاته الشبهات.
حين تحولت المخبزة والسيارة إلى جزء من عمل المقاومة
بعد نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953 وتصاعد المقاومة المسلحة ضد سلطات الحماية، لم يختر الحسين بن إبراهيم أيت وكريم الوقوف على الهامش.
بحسب الرواية التي رواها لي وتناقلناها كافراد عائلته، سخّر مهنته وسيارته الخاصة من نوع (فورد) لخدمة عناصر المقاومة، وتحولت رحلاته التجارية إلى جزء من العمل السري الذي كان يجري في ظروف شديدة الخطورة.
وكانت علاقاته التجارية مع بعض الفرنسيين تسمح له بالحصول على تصاريح للمرور بين المدن، من بينها ما كان يعرف بـ Laissez-passer، تحت غطاء نقل وتوزيع الحلويات.
وعلى الطريق بين الدار البيضاء ومراكش، كان يقود سيارته محمّلة، بحسب الرواية للمرحوم، بالأسلحة والذخيرة المخفية تحت صناديق الحلويات، فيما كان أحد رجال المقاومة يرافقه متخفياً لتجاوز حواجز التفتيش.
لقد كان ذلك نوعاً من العمل الذي لا يعرف الجمهور أسماء أصحابه في العادة؛ فالمقاومة لم تكن فقط من حمل السلاح في الشوارع، وإنما كانت أيضاً شبكة من الرجال الذين وفروا النقل والمأوى والاتصال والتمويه والمعلومات.
وكان الحسين بن ابراهيم ايت وكريم واحداً من أولئك الذين عاشوا في الظل.
المحنة: من مطاردة سلطات الحماية إلى حكم الإعدام
بعد استشهاد محمد الزرقطوني سنة 1954 وتشديد سلطات الحماية لحملاتها الأمنية، انكشفت خيوط من شبكة المقاومة التي كانت تعمل في الدار البيضاء.
وتقول رواية والدي رحمه الله أصبح مطلوباً لدى سلطات الحماية، وأن حكماً بالإعدام صدر في حقه، فاختار الفرار والعودة إلى مسقط رأسه في دوار تافهيمت بإيغرم، حيث احتمى بأهله وبجبال المنطقة إلى أن جاء الاستقلال سنة 1956.
وهكذا انتقل الرجل من مطاردة سلطات الحماية وأحكامها إلى مرحلة جديدة كان يفترض أن تكون مرحلة تكريم ورد اعتبار لكل من ساهم في مقاومة الاستعمار.
لكن المفارقة أن امتحان الكرامة لم ينتهِ بالنسبة إليه مع نهاية الاستعمار.
بعد الاستقلال: حين رفض المقاوم أن يصبح موظفاً
بعد الاستقلال، عُرض على الحسين بن إبراهيم أيت وكريم، بحسب ما ظل محفوظاً في ذاكرة والدي، منصب عميد شرطة (كوميسير) بالدار البيضاء.
غير أنه رفض المنصب.
لم يكن الرجل، كما عُرف داخل أسرته، ممن يبحثون عن المواقع الرسمية مكافأةً لما قدموه في زمن المقاومة. كان يريد العودة إلى حياته التجارية وإلى حريته التي اعتاد عليها.
وقد أثار رفضه، وفق روايته ، إشكالاً مع السلطات المغربية الناشئة، انتهى باعتقاله وتقديمه أمام القضاء.
وهنا تظهر محطة أخرى من حياته ترتبط باسم رجل وطني كبير هو الأستاذ عبد الرحيم بوعبيد(رحمه الله) ، الذي تطوع للدفاع عنه.
وكان جوهر الدفاع الاستاذ عبد الرحيم بوعبيد رحمة الله، حسب ما حكاه لي المرحوم ، أن رفضه للمنصب لم يكن استخفافاً بالدولة أو بمؤسساتها، وإنما كان مرتبطاً بظروفه الشخصية ومستواه التعليمي، إذ إن منصباً أمنياً من هذا النوع كان يتطلب القيام بأعمال إدارية وقراءة وتحرير الوثائق والمحاضر.
وبذلك أصبح رفضه، بدل أن يكون إهانة للوظيفة، دليلاً على أنه لم يكن يريد أن يتولى مسؤولية لا يرى نفسه مؤهلاً لها.
وانتهت القضية ببراءته، فعاد إلى حياته مرفوع الرأس.
كان قد واجه حكم الإعدام في عهد الحماية، ثم واجه امتحان السلطة بعد الاستقلال، وفي الحالتين اختار أن يبقى وفياً لنفسه.
(زنقة الحسين بن إبراهيم»... اسم بقي شاهداً
ومن المفارقات التي بقيت راسخة في الذاكرة العائلية أن إحدى أزقة حي درب كلوطي بالدار البيضاء تحمل اسم (زنقة الحسين بن إبراهيم).
وإذا صح ارتباط هذه التسمية رسمياً بالمقاوم الراحل، فإنها لا تمثل بالنسبة إلى الأسرة مجرد عنوان جغرافي، وإنما تحمل معنى رمزياً أعمق: اسم رجل عاش مرحلة المقاومة، وواجه أخطارها، ثم واصل حياته بعيداً عن البحث عن المناصب والامتيازات.
فالذين عاشوا في الظل لا تكون دائماً مكافأتهم في حياتهم، لكن أسماءهم قد تبقى بعد رحيلهم.

المأساة الأخيرة: حين أصبحت معركة الأرض معركة العمر
بعد مسيرة طويلة بين الدار البيضاء وجبال إيغرم، استقر المرحوم الحسين بن إبراهيم أيت وكريم في سنواته الأخيرة بمدينة أولاد تايمة.
وهناك بدأت صفحة أخرى من حياته، لم تكن أقل مرارة من سنوات المقاومة.
دخل في نزاع طويل حول ممتلكات وعقارات تملكها الأسرة، وتطورت القضية إلى مسار قضائي وإداري امتد لسنوات طويلة فاقت ربع قرن.
وبحسب الوثائق التي تحتفظ بها الأسرة، انتهى هذا المسار إلى فقدان الأسرة جزءاً مهماً من حقوقها العقارية، وهو ما ظل الحسين يعتبره ظلماً لم ينصفه القضاء والإدارة كما كان يتطلع.
والأشد إيلاماً أن الرجل الذي قضى شبابه في مقاومة الاستعمار وجد نفسه في شيخوخته يخوض معركة طويلة مع مؤسسات وطنه من أجل ما كان يعتبره حقاً ثابتاً له ولأسرته.
لم تكن بالنسبة إليه مجرد قطعة أرض.
كانت المسألة، في نظره، تتعلق بالكرامة وبحق الإنسان في أن يحافظ على ثمرة ما جمعه بعمله طوال حياته.
الرحيل بغصة
في 1 دجنبر 2002، الموافق لـ26 رمضان 1423، أسلم الحسين بن إبراهيم أيت وكريم روحه إلى بارئها في مستشفى الحسن الثاني بأكادير.
رحل الرجل الذي نجا من حكم الإعدام الفرنسي، وعاش سنوات المقاومة، وواجه الاعتقال والمحاكمة بعد الاستقلال، ثم وجد نفسه في نهاية العمر أمام نزاع طويل حول أملاكه وحقوق أسرته.
رحل دون أن يحمل معه شيئاً من ممتلكاته.
لكنّه ترك لنا شيئاً آخر لا تستطيع المحاكم ولا الإدارات ولا تقلبات الزمن أن تنتزعه:
سيرته.
لقد ترك لنا اسم رجل اختار، في مراحل مختلفة من حياته، أن يدفع ثمن مواقفه بدل أن يتنازل عن كرامته.
ولهذا، حين أمرّ بذكرى (زنقة الحسين بن إبراهيم) في درب كلوطي، لا أراها مجرد لوحة معلقة على جدار.
أراها شاهدة على رجل عاش في زمن كانت فيه الوطنية عملاً محفوفاً بالموت، ثم عاش بعد الاستقلال امتحاناً آخر عنوانه الكرامة.
أما ما جرى في أولاد تايمة، وما تعتبره الأسرة ظلماً طال ممتلكاتها وحقوقها، فذلك جزء آخر من القصة لم يُغلق بعد في الذاكرة العائلية.
ولذلك أكتب.
ليس رغبة في الانتقام من أحد، وإنما حتى لا تضيع الحقيقة بين ركام الوثائق، ولا يتحول تاريخ رجل قاوم الاستعمار إلى مجرد اسم في شارع.
رحمك الله يا أبي.
نم قرير العين.
فقد تركت لنا إرثاً لا يباع ولا يشترى:
اسمك، وذكراك، وكرامتك.
أما الأرض والمال، فتبقى لها حسابات أخرى.
بقلم : احماد بن الحسين بن إبراهيم أيت وكريم
15/09/2026



#ايت_وكريم_احماد_بن_الحسين (هاشتاغ)       Ahmad_Ait_Ouakrim#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل حقا ان المواطن المغربي يبحث عن المتاعب
- مساراً طويلاً من التهميش
- حين يصبح البحر أصدق من السياسة
- إلى السيد رئيس مجلس النواب... إذا كان 120 نائباً يكفون، فلما ...
- إلى المسؤولين في تونس...
- نداء إلى الضمير الإنساني... من أجل طفولة تستحق الحياة
- الى متى تكمم افواه الفعاليات المدنية
- إشكالية تعطيل رسم الإراثة وحرمان بعض الورثة في المغرب، مقارن ...
- الملكية الخاصة في المغرب: حق دستوري أم غنيمة إدارية؟
- لمن يهمهم الأمر: حين تُدار العدالة بمنطق القوة لا بمنطق الحق
- حين يُجرَّم العيش ويُكافأ النفاق
- حين يشيخ الجسد وتضيق الروح
- أزمة ضمير كوكب بأكمله
- أبو الزفازف … آخر الرواة في ساحة سوق حمورابي البغدادي
- إشكالية الزمن القضائي في الممارسة المغربية: قراءة في مفارقات ...
- الاولويات المختلة
- مذكرة قانونية حول مشروعية النقاش بشأن إعلان حالة الاستثناء ف ...
- ترهات سياسية… وأوجاع عدلية
- حماية المال العام من الاخطاء الجسيمة المرتكبة من طرف الموظفي ...
- إعتدار لصاحبة الجلالة


المزيد.....




- يورو واحد فقط.. محكمة فرنسية تمنح كيم كارداشيان تعويضاً عن ح ...
- تحطم مروحية إخبارية في لوس أنجلوس أثناء تغطية مباشرة لحادث آ ...
- -استهداف قِبلة المسلمين-.. إدانات قوية للحوثيين بسبب إطلاق م ...
- سوريا.. تحرك عاجل من وزارة التربية بعد مطالبة بإعادة العمل ب ...
- ريابكوف: لا مؤشرات على قرب حل سياسي في أوكرانيا لكن الاتصالا ...
- كيف غيّر التوغل الإسرائيلي حياة سكان جنوبي سوريا؟
- سوريا تغمد سيف -محكمة الإرهاب- المسلط على الناس وتبطل مفاعيل ...
- فيديو صادم في ليبيا.. ضرب طفل بـ-الفلقة- داخل خلوة لتحفيظ ال ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي يهنئ “هاني هلال” بمناسبة م ...
- ما أهم ما جاء في خطاب أورسولا فون دير لاين عن حالة الاتحاد ا ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ايت وكريم احماد بن الحسين - إلى الرجل الذي علّمني معنى الكرامة وعزة النفس.