|
|
محمود محمد طه واسئلة التجديد الديني
محمود محمد ياسين
(Mahmoud Yassin)
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 00:15
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
يثير مفهوم التجديد الديني إشكالية تتجاوز مجرد تغيير بعض الأحكام أو إعادة صياغة المفاهيم الدينية بما يتلاءم مع تحولات العصر. فالتجديد، إذا أُريد له أن يكون تجديدًا للدين من داخله، لا يفترض بالضرورة تغيير المبادئ والمقاصد التي يقوم عليها الدين، وإنما إعادة قراءتها وتنزيلها في ضوء واقع تاريخي واجتماعي متغير. وقد تتخذ الأحكام في كل عصر صورة تفسيرية وتشريعية مختلفة، لكن هذه الصورة الجديدة تظل، من الناحية العقدية، مستندة إلى المرجعية الغيبية ذاتها التي ينتمي إليها الدين: الإيمان بالله والوحي، وما يتفرع عنهما من قيم ومقاصد ومبادئ يستمد منها التشريع مشروعيته.
ومن هنا، لا يكفي أن تكون نتيجة التجديد مختلفة عما عرفه الفقه القديم حتى نعدها تجديدًا بالمعنى الديني. فقد يكون الاختلاف في فهم النص، أو في ترجيح أحد وجوهه، أو في طريقة تنزيل الحكم على الواقع، مع بقاء المرجعية الدينية والمبادئ الأساسية ثابتة. وبذلك يصبح التجديد أقرب إلى إعادة اكتشاف إمكانات النص والمقاصد في سياق تاريخي جديد، لا إلى استبدال المرجعية التي يستمد منها النص والمقصد معناهما. غير أن هذا التصور يفتح سؤالًا أكثر عمقًا: ما حدود التجديد؟ ومتى يتحول التجديد من إعادة قراءة للمرجعية إلى إعادة تأسيس لها؟ وهل يمكن أن تتغير النتائج التشريعية والاجتماعية تغييرًا جذريًا، بينما تظل المرجعية نفسها ثابتة؟ أم أن الوصول إلى نتائج جديدة جذريًا يتطلب، في نهاية المطاف، إعادة النظر في طبيعة المرجعية ذاتها؟
من هذه الزاوية يمكن قراءة مشروع المفكر السوداني محمود محمد طه، ولا سيما ما طرحه في كتابه ˮ الرسالة الثانية من الإسلام. “ فقد ظل سؤال مشروع يطرح نفسه لدى عدد من الباحثين والكتاب: هل يمكن تحويل هذا المشروع الفكري إلى منهج تشريعي وسياسي واجتماعي قابل للتطبيق؟ لكن السؤال الأعمق، في تقديري، ليس فقط: هل يمكن تطبيق منهج طه؟ وإنما: حتى إذا أمكن تطبيقه، فهل سيؤدي إلى إعادة صياغة المبادئ الإسلامية ضمن شروط العصر، أم إلى تغيير في البنية المرجعية التي تنتج هذه المبادئ والأحكام؟
يمكن أن يشمل التجديد إعادة تنزيل المبادئ الدينية الثابتة على واقع متغير. فإذا كانت القيم الاصلية للعدالة والحرية والمساواة وكرامة الإنسان هي نفسها القيم المركزية في التصور الإسلامي، فإن المطلوب ليس بالضرورة إبقاء صورها التاريخية كما هي، وإنما البحث عن الكيفية التي يمكن بها تحقيقها في المجتمع المعاصر. ولكن ثمة شرطًا حاسمًا: أن يظل هذا التجديد متصلًا بالمرجعية التي تجعل هذه القيم دينية في المقام الأول. وهنا تظهر المعضلة الأساسية في مشروع طه. فإذا انتهى التجديد إلى أحكام ومفاهيم تتطابق في غاياتها مع ما يمكن أن تنتجه منظومات فلسفية وأخلاقية غير دينية، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بمجرد صلاحية الحكم الجديد، وإنما بمصدر إلزامه ومشروعيته: هل هو حكم ديني لأنه مستند إلى الوحي وتأويله، أم لأنه يحقق قيمة إنسانية يمكن تأسيسها خارج الدين أيضًا؟
وهذا سؤال مهم لأن التشابه بين النتائج لا يعني بالضرورة وحدة المرجعيات. فقد تتفق الشريعة مع فلسفة سياسية حديثة في الدفاع عن العدالة أو الحرية، لكن اتفاق النتيجة لا يحسم مسألة الأساس الذي يجعل العدالة واجبًا أو الحرية حقًا. ففي التصور الديني، لا تكون القيمة مجرد اختيار إنساني أو اتفاق اجتماعي، بل ترتبط في النهاية بتصور معين للإنسان والعالم ومصدر القيم.
ومن ثم، فإن التجديد الذي يكتفي بإنتاج نتائج حديثة دون أن يوضح بصورة مقنعة مصدر إلزامها الديني يظل أمام مشكلة نظرية لم تُحل: كيف ننتقل من النص والمرجعية الدينية إلى الحكم الجديد، وما القاعدة التي تمنح هذا الانتقال مشروعيته؟
تقوم إحدى الأفكار المركزية عند محمود محمد طه على التمييز بين ما يسميه الرسالة الأولى والرسالة الثانية من الإسلام. وبحسب تصوره، فإن التشريع القرآني الذي استقر في المجتمع في مرحلة الإسلام الأولى ارتبط بمستوى معين من تطور الإنسان وقدرته على تحمل المسؤولية، بينما تتيح المرحلة التاريخية الحديثة إمكانية الانتقال إلى مستوى أرقى من التشريع، يقوم بصورة أكبر على مبادئ الحرية والمسؤولية الفردية والمساواة. وبذلك لا يصبح تغيير الحكم مجرد استجابة لظروف اجتماعية جديدة، بل يصبح جزءًا من تصور أوسع لحركة التاريخ الإنساني وتطور الوعي البشري. وهذه نقطة مهمة جدًا في فهم مشروع طه؛ لأنه لا يقدم مجرد فقه جديد لبعض القضايا، وإنما يقدم نظرية في تطور الرسالة والتشريع والإنسان والتاريخ.
وهنا تحديدًا يبرز السؤال حول طبيعة هذا التطور: إذا كان الحكم التشريعي في مرحلة تاريخية معينة مناسبًا لمستوى محدد من تطور الإنسان، ثم أصبح حكم (تشريعي) آخر أكثر ملاءمة للمرحلة اللاحقة، فما المعيار الذي يحدد هذا الانتقال؟ وهل المعيار مستمد من النص ذاته، أم من حاجات الواقع، أم من تصور فلسفي مسبق عن تطور الإنسان؟
إذا كان الواقع التاريخي هو الذي يكشف لنا أن مرحلة جديدة قد بدأت، فإننا نحتاج إلى معيار موضوعي يحدد طبيعة هذه المرحلة وحدودها. وإذا كان النص هو الذي يحدد الانتقال، فإن السؤال يصبح: كيف نثبت أن النص نفسه يقرر هذا الانتقال؟ أما إذا كان المعيار هو تطور الوعي الإنساني، فإننا نقترب من تأسيس التشريع على فلسفة في التاريخ والإنسان، لا على النص وحده.
وهنا تكمن إحدى أكثر القضايا إثارة في مشروع طه: هل التجديد نتيجة لاكتشاف معنى جديد في النص، أم نتيجة لتطور تصورنا عن الإنسان والمجتمع ثم إعادة قراءة النص في ضوء هذا التطور؟
تتضح هذه الإشكالية بصورة أكبر عند انتقال طه من المجال التشريعي إلى المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وخصوصًا في تصوره لما سماه ˮ الاشتراكية العلمية الديمقراطية“، وربطه بفكرة أن الإسلام في جوهره ديمقراطي اشتراكي.
فقد صاغ طه مفهومه للاشتراكية انطلاقًا من تصوره للعلاقة بين تطور المجتمع الإنساني وتطور التشريع. وبحسب هذا التصور، فإن تطور قدرة الإنسان على تحمل المسؤولية الفردية يجعل الانتقال إلى مجتمع أكثر مساواة وحرية ممكنًا في العصر الحديث، بعد أن لم تكن تلك الشروط متوفرة بالقدر نفسه في المرحلة الأولى. غير أن اشتراكية طه تختلف اختلافًا جوهريًا عن الاشتراكية العلمية كما صاغها ماركس وإنجلز. فالاشتراكية الماركسية تنطلق من تصور مادي للتاريخ، وتفسر التحولات الاجتماعية أساسًا من خلال علاقات الإنتاج والصراع الطبقي والتناقضات الداخلية في النظام الاقتصادي. أما مشروع طه الاشتراكي فمرجعيته الأساسية دينية وأخلاقية، وليس مادية؛ فهو لا يرى المجتمع مجرد حصيلة لحركة قوى اقتصادية مستقلة، وإنما يربط تطور الإنسان والمجتمع بمسار تاريخي ذي معنى وغاية. فإن اشتراكية طه ليست مجرد اشتراكية طوباوية بالمعنى البسيط للكلمة. فهي ترتبط بفلسفة خاصة للتاريخ ترى أن حركة الإنسان لا تجري اعتباطًا، وأن التاريخ يتجه نحو غاية أرقى من مجرد إعادة إنتاج الواقع المادي. ومن ثم فإن المجتمع الذي ينشده طه ليس مجرد حلم بمجتمع أكثر مساواة، وإنما هو جزء من تصور ديني شامل لتطور الإنسان نحو الحرية والمسؤولية.
لكن الارتباط باطار فلسفة التاريخ نفسه يفتح بابًا لسؤال آخر: كيف ينتقل المجتمع من واقعه القائم إلى المجتمع المنشود؟
فالتصور الأخلاقي للعدالة والمساواة لا يكفي وحده لتفسير آليات التحول الاجتماعي. ولا يكفي القول إن الإنسان قد بلغ مرحلة من النضج تجعله قادرًا على ممارسة الحرية أو الاشتراكية؛ إذ تظل هناك أسئلة تتعلق ببنية الاقتصاد، ومصالح الطبقات والفئات الاجتماعية، وتوزيع الثروة، وطبيعة الدولة، وآليات انتقال السلطة، ومقاومة المصالح القائمة لأي تغيير جذري.
ومن هذه الزاوية، فإن مشروع طه الاشتراكي يقدم تصورًا مثاليًا أو معياريًا للإنسان والمجتمع والغاية التي ينبغي أن يتجه إليها التاريخ، لكنه لا يقدم، بالقدر نفسه، تفسيرًا اجتماعيًا واقتصاديًا محددًا لقوانين الانتقال من المجتمع القائم إلى المجتمع المنشود. فهو يحدد إلى حد كبير ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع، لكن السؤال يبقى مفتوحًا حول كيف يصبح المجتمع كذلك.
وهذا الفرق بين التصور المعياري ونظرية التغيير الاجتماعي مهم للغاية. فالفلسفة تستطيع أن تحدد الغاية والقيم التي ينبغي أن تحكم المجتمع، لكنها تحتاج إلى نظرية اجتماعية تفسر وتحدد الفئات الاجتماعية والآليات التي يمكن أن تنقل المجتمع من الواقع إلى تلك الغاية.
ولا تقف الإشكالية عند الاشتراكية. فهي تمتد إلى القضايا الأخرى التي أراد مشروع طه إعادة بنائها، مثل وضع المرأة، والعلاقة بين الفرد والدولة، وطبيعة الحكم، والحرية الدينية والسياسية، والعلاقات الاجتماعية. في هذه القضايا كلها يمكن أن نطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام إعادة تفسير للأحكام الإسلامية بما يسمح بتحقيق مقاصدها في العصر الحديث، أم أمام انتقال إلى منظومة جديدة من القيم والمعايير ثم البحث عن تأصيل ديني لها؟ الفرق بين الاحتمالين ليس لغويًا ولا شكليًا، وإنما هو فرق في طبيعة المشروع كله. فإذا كان التجديد يعني أن نكتشف في النص إمكانات لم تكن ظاهرة في الفقه التقليدي، فإن ذلك يظل داخل دائرة التجديد الديني. أما إذا أصبح الواقع الحديث، بما يحمله من مفاهيم عن الحرية والمواطنة والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان، هو المصدر الأساسي الذي نعيد على أساسه ترتيب الأحكام والنصوص، فإننا نكون أمام علاقة مختلفة بين الدين والحداثة: لم يعد السؤال فقط كيف نجدد فهم الدين، بل كيف نعيد تحديد موقع المرجعية الدينية نفسها في إنتاج المفاهيم والأحكام.
وهكذا، نأتي لسؤال: هل المشكلة التي استدعت التجديد قد حُلّت أم أُعيد تعريفها؟ وهنا نعود إلى السؤال المطروح في مستهل المقال: إذا كان الحكم التشريعي في مرحلة تاريخية معينة مناسبًا لمستوى محدد من تطور الإنسان، ثم أصبح حكم (تشريعي) آخر أكثر ملاءمة للمرحلة اللاحقة، فما المعيار الذي يحدد هذا الانتقال؟
لكن هذا السؤال يقودنا إلى سؤال آخر ربما يكون أكثر أهمية: هل المشكلة التي نريد أن يعالجها التجديد الديني هي في الأصل مشكلة تشريعية، أم أنها قد تكون في كثير من الأحيان مشكلة واقعية ومادية واجتماعية؟ فحين نتحدث عن قضايا الاقتصاد أو السياسة أو المرأة، لا ينبغي أن نفترض تلقائيًا أن العائق أمام التقدم يكمن في الحكم الديني الذي يحتاج إلى تغيير. فقد يكون العائق في بنية المجتمع نفسها: في توزيع الثروة، وفي طبيعة الملكية، وفي مستوى التعليم، وفي شكل الدولة ومؤسساتها، وفي العلاقات الاجتماعية السائدة، وفي احتكار السلطة، وفي ضعف المشاركة السياسية، وفي الظروف الاقتصادية التي تحد من قدرة الإنسان على ممارسة حريته واختياراته.
ومن هنا يصبح السؤال مختلفًا: هل نحتاج دائمًا إلى تغيير الاحكام حتى يتغير الواقع، أم أن تغيير الواقع نفسه قد يكون هو الطريق الذي يجعل المبادئ والقيم قابلة للتحقق بصورة أوسع؟ فالحرية، مثلًا، ليست مجرد نص أو حكم تشريعي. قد يعلن المجتمع حرية الإنسان من الناحية القانونية، لكن الإنسان الذي لا يملك التعليم، أو لا يملك موردًا اقتصاديًا يُعيشه، أو يحيا في ظل بنية اجتماعية مغلقة، قد يظل عاجزًا عن ممارسة هذه الحرية ممارسة فعلية. وكذلك المساواة لا تتحقق بمجرد إعلانها مبدأً مجردا، إذا ظلت بنية توزيع الثروة والفرص والسلطة تنتج تفاوتًا يحول دون ترجمتها إلى واقع.
وينطبق الأمر نفسه على المرأة. فقد يكون من الضروري إعادة النظر في بعض الأحكام أو طرق فهمها، لكن من الخطأ أن نختزل قضية المرأة كلها في تغيير الأحكام المتعلقة بها. فالمرأة لا تتحرر بمجرد تغيير النصوص التي تنظم بعض جوانب حياتها، إذا بقيت محرومة من التعليم أو الاستقلال الاقتصادي أو المشاركة العامة أو القدرة على الوصول إلى مؤسسات العدالة والحماية، فقد يكون تغيير الواقع الاجتماعي والمادي شرطًا سابقًا، أو موازيًا لتغيير بعض التصورات والأحكام المتعلقة بها.
والأمر ذاته في الاقتصاد والسياسة. فليس كل تخلف اقتصادي سببه نظام فقهي، وليس كل استبداد سياسي سببه حكم ديني، كما أن تغيير الصياغة التشريعية لا يؤدي بالضرورة، وحده، إلى تغيير البنية التي تنتج الفقر أو الاستبداد أو التفاوت. فقد يتغير القانون بينما تبقى علاقات القوة والمصالح والمؤسسات على حالها، فتظل النتائج الاجتماعية على ما كانت عليه.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين تغيير الحكم وتغيير شروط الواقع الذي يُراد للحكم أن يعمل فيه. فالتشريع لا يعمل في فراغ، وإنما داخل مجتمع له بنيته السياسية والاقتصادية والثقافية. وإذا تغيرت هذه البنية، تغيرت بالضرورة إمكانات تطبيق القيم والمبادئ نفسها. وعلينا قبل أن ندعو لتغيير البنية السياسية والاقتصادية أن نسأل : ما المشكلة التي نريد حلها بالضبط؟ وهل مصدرها الحكم، أم طريقة فهمه، أم طريقة تطبيقه، أم الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعمل الحكم داخله؟
فإذا كانت المشكلة في فهم الحكم، كان التجديد اجتهادًا في الفهم. وإذا كانت في طريقة تنزيله على واقع متغير، كان التجديد اجتهادًا في التطبيق. أما إذا كانت المشكلة في بنية مادية واجتماعية تحول دون تحقيق قيم العدالة والحرية والمساواة، فإن تغيير تلك البنية قد يكون أكثر أهمية من التغيير الشكلي للحكم.
وهنا ربما تتضح إحدى القضايا الأساسية في النقاش حول مشروع طه. فقد كان طه يرى أن الانتقال إلى مستوى جديد من التشريع يرتبط بتطور الإنسان وتغير شروط الحياة، وأن العصر الحديث قد أصبح مهيأً لمستوى أرقى من الحرية والمسؤولية والمساواة. غير أن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل كان الطريق إلى ذلك المستوى يمر أساسًا عبر تغيير التشريع، أم عبر تغيير الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة، بحيث يصبح ما كان متعذرًا في واقع سابق ممكنًا في واقع جديد؟ فالإنسان قد لا يكون قادرًا على ممارسة قدر أكبر من الحرية لأن النص يمنعه فقط، وإنما لأن المجتمع الذي يعيش فيه لم يهيئ له شروط الحرية. وقد لا تكون المرأة مقيدة لأن الحكم وحده يقيدها، وإنما لأن بنية اجتماعية واقتصادية كاملة تحد من استقلالها. وقد لا يكون الفقر نتيجة مباشرة لحكم تشريعي، وإنما نتيجة لعلاقات إنتاج وتوزيع وثروة وسلطة تحتاج إلى تغيير.
ومن هنا فإن اختزال مشروع التجديد في البحث عن ˮحكم ديني جديد“ قد يجعلنا نبحث عن الحل في المكان الخطأ. فقد يكون المطلوب أحيانًا هو تغيير الواقع الذي يمنع (المبادئ) من أن تتحول إلى واقع حي، بدل تغيير المبادئ نفسها أو إعادة بناء مرجعيتها.
وهذا يضعنا أمام تصور أكثر اتساعًا للتجديد: فالتجديد ليس بالضرورة أن يبدأ من النص لينتهي إلى حكم جديد، وإنما قد يبدأ أيضًا من قراءة الواقع وفهم العوامل التي تمنع الناس من البحث عن الوسائل التي تمكنهم من تجاوز هذه العوائق وتحقيق واقع جديد يصبون اليه. وعندئذ يصبح الاقتصاد والسياسة والتعليم والمؤسسات والقانون والثقافة جميعها جزءًا من قضية التجديد، لا مجرد نتائج تترتب على تغيير النصوص والأحكام.
ولعل هذا هو الجانب الذي يستحق مزيدًا من التأمل: هل نريد تجديد الدين لأن الواقع تغير، أم لأن الواقع لم يتغير بالقدر الذي يسمح بتحقيق ما نراه من قيم سديدة؟ وهل يكون الإصلاح الحقيقي بتغيير النصوص والأحكام، أم بتغيير الشروط المادية والاجتماعية التي تجعل الإنسان عاجزًا عن تحقيق ما تهدف إليه تلك القيم؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن سؤال التجديد نفسه؛ لأنها تنقل النقاش من مجرد البحث عن أحكام أكثر حداثة إلى البحث في كيفية صياغة واقع أكثر عدلًا وحرية ومساواة. وعند هذه النقطة يصبح التجديد الديني أوسع من مجرد تحديث وإعادة صياغة المفاهيم؛ يصبح سؤالًا عن الإنسان نفسه، وعن المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه، وعن الشروط التي تجعل الحرية والعدالة والمساواة والكرامة قيمًا حقيقية، لا مجرد مبادئ معلنة.
وربما كان هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن نغادر به هذا المقال: هل نغير الاحكام لتغيير الواقع، أم نغير الواقع لأننا نريد أن نحقق ما نؤمن به من قيم؟
#محمود_محمد_ياسين (هاشتاغ)
Mahmoud_Yassin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السودان: من الحوار حول السلطة إلى مشروع الدولة - نحو طريق وط
...
-
من يدير الحوار السوداني ومن يؤسس الدولة؟
-
ماذق نقد نظرية ˮ نقد العقل“ بمنظور ثقافي
-
البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية ال
...
-
البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية ال
...
-
في منهج دراسة علاقات الأرض في السودان (2-2)
-
في منهج دراسة علاقات الأرض في السودان (1-2)
-
في ثنائية الدولة المدنية/الدولة العسكرية - الجيش وإعادة صياغ
...
-
في ثنائية الدولة المدنية/الدولة العسكرية - الجيش وإعادة صياغ
...
-
ما بين لودفيغ فيورباخ ومحمد عابد الجابري
-
دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (3-3
...
-
دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (2-3
...
-
دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (1-3
...
-
حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد
...
-
حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد
...
-
حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد
...
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (3-3)
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (2-3)
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (1-3)
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
المزيد.....
-
دائرة المقاطعة في الجبهة الديمقراطية ترحب بالتوجه النرويجي
...
-
عبد الناصر اللحام رئيسا لمجلس اتحاد طلبة جامعة فلسطين الاهلي
...
-
كتاب فرانسوا مورو «الأممية الرابعة من تروتسكي، مؤسساً، إلى ا
...
-
بين التاريخ والذاكرة، مقدمة دانييل بنسعيد لكتاب الأممية الر
...
-
AI & Deliberative Participation
-
130+ Lawyers Warn Burnham Israeli Settlement Sanctions -Fall
...
-
Liberating Theory, Economics/Class
-
The Project for the New American Century, the War on Terrori
...
-
Marxism, Socialism, Communism — Oh No!
-
Recolonisation is Taking Place
المزيد.....
-
الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ
...
/ شادي الشماوي
-
القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري
/ رزكار عقراوي
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|