غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 22:16
المحور:
المجتمع المدني
من الفلسفة الأخلاقية إلى أسئلة الوجود السياسي
تتأسس فلسفة الكرامة في الفكر الأخلاقي والسياسي الحديث على التمييز الجوهري الذي وضعه الفيلسوف إيمانويل كانط بين ما يمتلك "ثمناً" وما يحوز "كرامة". فكل ما له ثمن يمكن الاستعاضة عنه ببديل مكافئ له؛ في حين أن ما يعلو فوق سائر الأثمان ولا يقبل أي بديل هو ما يمتلك كرامة متأصلة، تجعل من الكائن البشري غاية مطلقة في ذاته، لا مجرد وسيلة أو أداة نفعية تُسخَّر لخدمة مصالح المتسلطين.
وقد وسَّع تشارلز تايلور هذا المفهوم بنقله من التجريد الأخلاقي إلى الحقلين الاجتماعي والسياسي، من خلال تفكيكه لمسألة "سياسة الاعتراف" وولادة "سياسة الكرامة المتكافئة". يرى تايلور أن الانتقال من المجتمعات التقليدية القائمة على تراتبيات "الشرف" والطبقية إلى الفضاءات الديمقراطية الحديثة فرض الاعتراف بالقيمة المتساوية لجميع البشر دون استثناء. وحذّر تايلور من أن إنكار الاعتراف أو تشويهه لا يمثلان فحسب تقصيراً في اللياقة الاجتماعية؛ بل يجسدان قمعاً معنوياً وأذى مجتمعياً بنيوياً يشوه إنسانية الفرد، ويحبسه في أطر نمطية تحقيرية تستلب وعيه وهويته الحرة.
في سياق التحليل النفسي والسياسي المعاصر، استعاد فرانسيس فوكوياما مفهوم الكرامة بوصفه المحرك التفسيري الأكثر مركزية في موجات الاحتجاج الإنساني والتحولات الهوياتية الكبرى؛ مستنداً إلى فكرة "الأنفة الإنسانية"، وتحديداً نزوع النفس الفطري نحو "الندّية والمساواة"، حيث يتطلع الإنسان بغريزته إلى نيل الاعتراف بقيمته ككائن مساوٍ للآخرين.
يجادل فوكوياما بأن الانفجارات الشعبية الكبرى لم تكن مجرد ردود فعل عفوية على العوز المادي أو الضائقة المعيشية؛ بل كانت في جوهرها انتفاضة ضد الإذلال الممنهج والاحتقار اليومي الذي مارسته التوليتاريات بحق مجتمعاتها، وسعياً حثيثاً لاسترداد الاعتبار الإنساني المغتصب. غير أن هذا المسار يظل عرضة للانتكاس؛ إذ سرعان ما تعمد النظم القمعية والخطابات الشعبوية إلى استثارة "نزعة الاستعلاء والتفوق"، واللعب على أوتار المظلوميات الضيقة، لتحويل سياسة الكرامة الجامعة إلى سياسات هوية إقصائية تعيد إنتاج الانقسام والصراع الداخلي.
الهندسة التسلطية: مصادرة الإنسان
تعتمد بنية الاستبداد في الفضاء الإقليمي على مناورة خطابية مركبة، تقوم على تفريغ مفهوم الكرامة من أصله الفردي والمجتمعي، وإعادة توطينه قسراً داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. ففي ظل عجز النظم الشمولية عن توليد شرعية شعبية تداولية حقيقية، تبتكر السلطة ترسانة بلاغية تجعل من "هيبة الدولة" الكيان الأسمى والمطلق الذي تسحق دونه كرامات الأفراد.
تغدو "هيبة الدولة" في هذا الإطار معادلاً رمزياً لحصانة الحاكم وأجهزته القمعية من أي رقابة مجتمعية أو ملاحقة قانونية؛ بحيث يُصنَّف أي نقد مستقل لسياسات السلطة، أو فضح للفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، بوصفه اعتداءً متعمداً على استقرار الوطن وتهديداً لتماسكه.
تنتج هذه الهندسة الخطابية قلباً جذرياً لغايات الحكم والوجود السياسي؛ فبينما تقر الفلسفة السياسية بأن السلطة وُجدت لحماية حقوق الإنسان وضمان كرامته، يُعاد ترتيب الأولويات ليُجبر المواطن على التنازل الطوعي أو القسري عن حقوقه وكرامته قرباناً لديمومة الهيكل الحاكم. ويجري ترسيخ هذا التزييف عبر إقناع الجماهير بأن إهانة الفرد والتنكيل بالمعارضين في أقبية السجون والمعتقلات ليسا إلا ضرورة حتمية لحماية النظام العام، مما ينزع عن الضحية صفتها الإنسانية، ويشرعن إذلالها بوصفه ضريبةً حتمية لبقاء الكيان الجمعي.
هندسة التعمية وبث الشك الممنهج
لا يقتصر التجهيل السلطوي على آليات الرقابة البوليسية ، بل يتجاوز ذلك إلى ممارسة مدروسة تُعرف بـ "صناعة الجهل الممنهج"؛ وهي دراسة الإنتاج المتعمد للتعمية وتوظيفها كمخرج ثقافي وسياسي لخدمة أطراف الهيمنة. فالجهل هنا ليس فراغاً معرفياً تملؤه برامج التعليم التقليدي، بل هو بنية مُحكمة الصنع، تُدار سياسياً واقتصادياً لضمان استسلام المحكومين.
تشريح التدليس الدولي والتدجين المحلي
يقوم الخطاب الإعلامي الغربي والدولي السائد بوظيفة محورية في ترسيخ الرؤية الاستعمارية المستمرة لقضايا المنطقة؛ إذ يفترض حتمية العنف ويجرد المجتمعات من الرشد السياسي، محولاً صراعاتها التحررية إلى مجرد نزاعات طائفية وعرقية متخلفة. وتكشف السياسات التحريرية لكبرى الشبكات العالمية عن بنية مؤسسية قائمة على ازدواجية المعايير، وتبني سرديات استعلائية تسحق الحقيقة وكرامة الإنسان معاً.
تتجلى هذه الهندسة عبر تكتيكات لغوية شديدة المكر، في طليعتها ما يمكن تسميته بـ "لغة المقابر المجهولة"؛ حيث تلجأ التغطيات الإخبارية الدولية إلى صيغة المبني للمجهول عند الحديث عن ضحايا شعوبنا المقهورة ،بينما يحضر الفاعل واضحاً وبصيغة الجزم في الأحداث المتعلقة بالطرف المعتدي، مما يعفي المجرم الحقيقي من وزره الأخلاقي والجنائي. يترافق ذلك مع استراتيجية "المساواة الزائفة" التي تضع المعتدي والضحية على قدم المساواة، فضلاً عن "نزع الطابع الإنساني" عبر تقليص الضحايا إلى أرقام صماء، والتشكيك المسبق في رواياتهم، واعتبار ادعاءات القوة الغاشمة حقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان.
معالم شراكة خبيثة تتقاسم الأدوار بدقة متناهية
من حيث المنطلقات الفكرية الكبرى، ينطلق الإعلام الدولي من استعلاء استعماري حديث يهدف إلى حراسة مصالح الهيمنة وتأطير أزماتنا كقضايا أمنية طارئة أو صراعات عرقية أزلية؛ بينما ينطلق الإعلام المحلي التابع من تقديس صنم "هيبة الدولة" وتبرير الاستبداد وشل قدرة المجتمع على الفعل الحر.
أما على صعيد التأطير البلاغي واللغوي، فبينما يعمد الإعلام الغربي إلى استخدام صيغ المبني للمجهول لنزع السياق التاريخي ومساواة القاتل بالقتيل؛ ينشط الإعلام المحلي في إنتاج معجم التخوين، وشيطنة الأصوات الحرة، وتضخيم نظريات المؤامرة لامتصاص الغضب وتوجيهه نحو أعداء وهميين.
وفي مجال استراتيجيات صناعة الجهل وتزييف الوعي، يتولى الإعلام الدولي مهمة نزع الآدمية عن الضحايا والطعن المسبق في شهاداتهم الميدانية لتطبيع الفظائع؛ في حين يتفرغ الإعلام المحلي لممارسة الإلهاء والتشتيت عبر برامج الاستعراض الاستهلاكي، وإغراق الفضاء الجماهيري بالترفيه المبتذل، ونبش النزاعات المذهبية والشعبوية التي تعمي الأبصار عن الفساد والخراب المعيشي.
تصل هذه الشراكة ذروتها في الفضاء التقني المعاصر؛ حيث تسخّر المنظومة الدولية خوارزميات المنصات العالمية لتقييد المحتوى المقاوم وكتم الأصوات التحررية؛ وفي المقابل، تحشد الأجهزة المحلية كتائب الجيوش الإلكترونية والحسابات الآلية الموجهة لخنق الرأي العام ومحاصرة أي وعي مدني مستقل.
وبالتالي تفضي هذه المنظومة المركبة إلى محصلة سياسية كارثية تمنح قوى الاحتلال والهيمنة الدولية حصانة أخلاقية تعفيها من المساءلة وتشل التضامن الإنساني مع قضايانا، وتورث في الوقت ذاته مجتمعاتنا الداخلية شللاً سياسياً وتبعث في نفوسها اليأس والقبول بتأبيد الاستبداد.
تفكيك السرديات في بؤر الصراع المفتوحة
شكّلت انتفاضات الشعوب في مطلع العقد الماضي لحظة تاريخية استثنائية انبلجت فيها كرامة السياسة من قلب الميادين العمومية؛ إذ التقت الإرادات الشعبية على شعار محوري جسدته هتافات العدالة والحرية والكرامة الإنسانية. كانت الكرامة في تلك اللحظة تعبيراً عن استعادة الإنسان حقَّه في صناعة واقعه ومواجهة منظومات التحقير الأمني التي كممت صوته طويلاً؛ فتأسست المساواة التامة في الفعل والمصير داخل الساحات المشتركة.
غير أن قوى الردة ومشاريع العسكرة شنت هجوماً معاكساً تمثل في "تأميم" مفردة الكرامة ذاتها، وانتزاعها من فضائها التحرري لتصبح عنواناً للحروب الداخلية والانقلابات العسكرية والمجازر المنظمة. تحولت الكرامة في الخطاب التسلطي الجديد من حق للمجتمع في وجه الظلم إلى امتياز حصري للأجهزة الأمنية وحصانة لقادتها، مع اتهام كل من يطالب بالحقوق المدنية بالخيانة والعمالة، في ذروة بشعة للتزوير الدلالي الذي يوظف مفردات التحرر لسحق شروط الحرية وإخراس المجتمع.
مسارات التحرر وإعادة تأسيس المواطنة العادلة
تُظهر المقاربة التفكيكية أن استلاب الكرامة وصناعة الجهل ليسا عَرَضين عابرين، بل هما الدعامة المركزية التي تقوم عليها نظم السيطرة والتسلط؛ إذ يتطلب بقاء هذه النظم تفريغ الفعل السياسي من روحه النقدية الحرة، وتحويل المجتمعات إلى جماهير عاجزة مستسلمة لأوهام الاستقرار الكاذب. إن التحالف القائم بين عصا الاستبداد وعدسات الإعلام المضلل هو حلف وجودي يهدف إلى شل قدرة الإنسان على الفعل وصنع التاريخ.
إن الخروج من هذه التبعية يتطلب تدشين مسار تحرري يقوم على مرتكزين متكاملين:
المقاومة المعرفية وتفكيك الجهل: من خلال تأسيس وعي مضاد يوثق الجرائم، ويسترد حجية شهادات الضحايا خارج إملاءات المنظومات التابعة، ويعيد للمفاهيم كرامتها ودلالاتها الأصلية الرافضة للظلم والتضليل.
استعادة كرامة السياسة كفعل مشترك: بالعودة الواعية إلى الفضاء العام، وتجاوز مجتمع الاستعراض والتفاهة، والترفع عن الانقسامات الطائفية والجهوية؛ وصولاً إلى بناء دولة القانون والمواطنة المتكافئة، حيث يكون الإنسان هو القيمة العليا والغاية الوحيدة لكل ممارسة سياسية، رافضين بحزم مقايضة الكرامة الإنسانية بأوهام الاستقرار الزائف.
الإعلام الانتهازي وسماسرة الدماء
إن الكاميرا التي تداري جرائم الطواغيت شريكة في القتل، والصحفي الذي يبيع قلمه لتخدير الشعوب ليس إلا مقاولاً لإنتاج الجهل والموت.تقتضي المسؤولية الأخلاقية والفكرية أن نختم هذا التفكيك بإدانة صريحة وناجزة للمنظومات الإعلامية الانتهازية بشتى واجهاتها.لإن معركة استرداد الكرامة هي معركة الحقيقة في المقام الأول؛ ولن تسترد السياسة عدالتها في الواقع ما لم تُحطَّم أصنام التزييف على الشاشات.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟