زياد أبوالهيجاء
الحوار المتمدن-العدد: 1880 - 2007 / 4 / 9 - 10:59
المحور:
القضية الفلسطينية
يتسارع تشابه المدن , الاْسواق , القوانين , المسلكيات , الملابس , وكل مظاهر الحياة في عالم تكتسحه عولمة حقيقية , لاْول مرة في التاريخ , ليس بفعل ارادة سياسية , بل بفعل ثورة الاتصالات ومنتجاتها التي تفوق خيالا علميا يكشف اليوم عن فقره وقد بدا مبالغ في الثراء , في القرن الماضي .
العولمة تلتهم اليوم , سيادات وطنية , وتقوض أركان كيانات قومية , ولاتأبه كثيرا بالتميزات الدينية , فهي ماضية في تقديم نموذجها الفريد في التعايش الديمقراطي التعددي, وفي السنوات القادمة ستصبح الصليبية الجديدة والتطرف الاسلامي والعنصرية الصهيونية , مجرد أفكار معزولة تبحث عن منابر ضيقة , في عالم سيستند منطق جديد تغذيه ثورة اتصارت متواصلة .
نشأت الحركات القومية الحديثة , في أوروبا , كواحدة من أبرز وأهم النتائج السياسية والفكرية للثورة الصناعية , وكان ظهور الفكر القومي في منطقتنا العربية , بل وفي مختلف أنحاء العالم , بتأثير أوروبي واضح , ووصلت الاْفكار القومية قبل وصول الكهرباء والتصنيع المتعثر في بلدان العالم الثالث , وكان ظهور القومية اليهودية بمسوغات دينية, تأثرا ميكانيكيا مباشرا بالنمو القومي في أوروبا , بل ان التشكيل المفتعل لهذه القومية , كان نتيجة لسياسة طرد قومي أوروبي شامل للوجود اليهودي , طرد سلبي مباشر نفذته القومية المتطرفة بنموذجيها النازي والفاشي , وطرد ايجابي مقنع تمثل في وعد بلفور , وماتبعه من سياسات تنفيذية لاقامة اسرائيل كوطن قومي لطائفة مطرودة , لامكان لها في مجتمع أوروبي , يزدهر فيه الحس القومي المثقل بنشوة التنافس الرأسمالي في عصر الصناعة الربحية الحديثة .
بظهور الاتحاد الاوروبي , كقوة اقتصادية تستبعد الفوارق والنزعات القومية بين مواطني دول الاتحاد , وتتعامل بشكل متسارع وثابت مع المواطنين على أسس جديدة من المساواة القائمة على المفهوم الحديث للمواطنةويتواصل سن القوانين الموحدة على كافة الصعد , تكون النزعة القومية قد دفنت في موطنها الاْصلي , وتقدم أوروبا بذلك تموذجا عولميا واضخ المعالم , سيظهر تأثيره على مجمل الحياة العالمية .
فاذا كانت الثورة الصناعية , ولدت ثورة فلسفية وفكرية تجلى منتجها الاْهم في الفكر القومي والذي جرى تصديره أو التأثر به في بلاد الشرق دون أن تشهد ثورة صناعية , فمن المنطق أن أوروبا وقد دفنت الفكرة القومية وتجاوزنها , ستؤْثر وتصدر هذه المرة , ألاْسس والمفاهيم العولمية الجديدة.
ولايفهم من هذا الارقاء , القضاء المطلق على القومية بكل مقوماتها , فسيظل الفرنسي فرنسيا والانجليزي انجليزيا , ولكن القومية لن تصبح مقبولة كأساس لقيام الدول , ولن تشكل مبعثا للنزاعات , أو غطاء لها , بل ان العالم ينتقل الى مرحلة الكيانات الاقتصادية الكبيرة , التي قد تتصارع وقد تتعاون , ولن ينتهي القرن العشرين الا بكرة أرضية يسود فيها تقاسم العمل والمصالح والثروات بعدالة ما.
خلال مرحلة سيادة الفكر القومي في أوروبا , ظهرت التناقضات واشتعلت الحروب , بين قوميات مختلفة , ثم سادت عقود التعايش بين الجميع على أساس احترام السيادات الوطنية للدول القومية ,وفي منطقة الشرق الاْوساط , كانت البضاعة القومية الواردة تكرس لتناقض حربي بين القومية العربية المتولدة من رد فعل على القومية التركية , والتي اقتسمت معها التأثر بالفكر الاوروبي , وبين القومية اليهودية – الطائفة اليهودية , التي طردت من أوروبا بلطف خبيث ...فقد نجح منتصروا الحرب العالمية الثانية بتحقيق ما فشل هتلر في تحقيقه عسكريا , فبتحالف بين البرجوازيات القومية الاوروبية وبرجوازيات الطوائف اليهودية في أوروبا , جرى اختراع القومية اليهودية , وعثر فلاسفة هذا التزوير التاريخي الفاضح على مسوغات دبنبة في التوراة .بل وفي الانجيل حسب اجتهادات بعض الكنائس.
لن يظل الشرق الاْوسط بعيدا عن النموذج الجديد الذي يكتسح العالم , كنتيجة طبيعية لثورة الاتصالات , واذا كان معظم الباحثين في العولمة , يؤرخون لها بحرب الخليج الاولى , وتحديدا بالتغطية التاريخية لقناة سي . ان. ان
لتلك الحرب ,حيث ولاْول مرة في تاريخ البشرية بشاهد الملايين مباشرة مجريات حرب , بما عناه ذلك من عنوان لثورة الاتصارت, فان المدة اللازمة للتحول كانت أقل من ربع قرن , ولن تزيد مدة التأثر في منطقة الشرق الاْوسط عن ربع قرن , في جميع الاْحوال .
في أقل من عشر سنوات , سيخرج التطبيع بين العرب واسرائيل , عن مواصفاته الحالية , كحيار سياسي , يجري قبوله أو رفضه من قبل الدول والاْحزاب , بل سيصبح ضرورة اقتصادية بحتة , تفرضها شركات اقليمية كبرى ذلت تبعيات أو امتدادات أو تحالفات – اقتصادية طبعا- مع شركات العولمة العملاقة , وسيقود هذا التطبيع الذي سيخلو من أي مغزى سياسي , الى ترسيخ معنى المواطنة وحق الانتقال والسكن في منطقة مفتوحة ومنداخلة , وستكون اسرائيل , ككيان ديني-قومي , قابلة للتفكك والزوال , ولن تكون بعد سنوات سوى مجرد فكرة مضحكة , خارجة عن نطاق التاريخ , وفاقدة للمبررات التي أوجدنها.
لايعني هذا التحليل , أن على الشعب الفلسطيني ايقاف نضاله وانتظار نعمة العولمة ,وليست هذا التحليل وصفة للتقاعس , فنضال الشعب الفلسطيني , سيظل ناقوس الخطر الذي سينبه العالم المتعولم الى وجود دويلة مارقة , لاتتماشى مع سنن التقدم والحضارة.وسيكون الكفاح الفلسطيني بأساليب متطورة تعتمد كثيرا على منجزات الاتصال , عاملا حاسما في اخنصار زمن الانضاج اللازم لزوال اسرائيل , عبر زوال فكرتها العنصرية , وتماشيها مع ماسيصبح عرفا وقانونا دوليا بحق مواطني العالم في اختيار أماكن اقامتهم , بحرية , ووفقا لمصالحهم الاقتصادية , وليس تعبيرا عن خيار ديني أو سياسي أو قومي .
#زياد_أبوالهيجاء (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟